انبياء الله فى التاريخ العام

انبياء الله فى التاريخ العام انبياء الله فى التاريح العام هو كتاب صدر الجزء الاول عام 2011 فى امريكا وهو بحث علمي عن تاريخ الانبياء.

الإسكندر الأكبر وسليمان: الملك العالمي بين النص الديني والتاريخ العامالجزء السادس عشر والأخير: بين العالم الخيالي والعال...
06/14/2026

الإسكندر الأكبر وسليمان: الملك العالمي بين النص الديني والتاريخ العام
الجزء السادس عشر والأخير: بين العالم الخيالي والعالم الواقعي

بعد أن بدأنا من حرب طالوت وجالوت، ثم انتقلنا إلى داود وفيليب، ثم إلى سليمان والإسكندر، ثم إلى أعمال الجن، والأهرامات، والبتراء، والسيرابيوم، نصل إلى السؤال الأكبر في هذا الجزء: هل نحن أمام عالم ديني معزول لا يترك أثرا في التاريخ، أم أمام عالم واقعي حُفظت آثاره في التاريخ العام، ثم غُيّرت أسماؤه داخل الرواية الدينية؟
القضية هنا ليست إنكار النصوص الدينية، بل العكس تماما. القضية هي إنقاذ النصوص من القراءة التي جعلتها كأنها أحداث بلا أرض، وشخصيات بلا آثار، وملوكا بلا مدن، وحروبا بلا ميادين. فالرواية التقليدية جعلت طالوت وجالوت وداود وسليمان داخل عالم يكاد ينفصل عن التاريخ العام، مع أن النصوص نفسها تتحدث عن ملك، وجيش، ومدينة، وهيكل، وأعمال بناء، وقوة مسخرة، وبيت ملكي ممتد.
أما عندما نضع هذه النصوص أمام التاريخ العام، تبدأ الصورة في الظهور بصورة مختلفة. طالوت لا يبقى اسما غامضا في حرب غير محددة، بل تظهر مقابلاته في حرب طيبة وإسبرطة، وفي شخصية إبامينونداس الذي غير ميزان القوة في اليونان. وجالوت لا يبقى مجرد عملاق خارج التاريخ، بل يدخل في صورة القوة العسكرية الإسبرطية التي كانت تمثل السيطرة والهيبة. وداود لا يبقى ملكا بلا أثر واضح، بل يظهر في صورة فيليب المقدوني، الملك الذي خرج من مملكة محدودة، وأعاد بناء الجيش، ووضع أساس الملك العالمي الذي سيظهر بعده في ابنه الإسكندر.
وهنا تصبح العلاقة بين داود وفيليب علاقة بنية لا مجرد تشابه. داود في النص الديني هو الملك المؤسس الذي يسبق سليمان، وفيليب في التاريخ العام هو الملك المؤسس الذي يسبق الإسكندر. داود يفتح الطريق للملك الذي سيأتي بعده، وفيليب يفتح الطريق للإسكندر. داود يرتبط بالمدينة والملك والسلالة، وفيليب يرتبط بمقدونيا، وبناء القوة العسكرية، وإعداد الابن الذي سيأخذ العالم. فإذا كان داود هو فيليب، فإن سليمان لا يمكن أن يكون شخصية منفصلة عن الإسكندر، لأن البناء السياسي والنسبي والتاريخي يقود إلى هذه النتيجة.
ثم يظهر سليمان/الإسكندر بوصفه مركز المرحلة كلها. سليمان في النص الديني ليس مجرد ملك حكيم، بل ملك عالمي له طير وجن وريح وبناء ومحاريب وتماثيل وغوص ونقل وملكة سبأ. والإسكندر في التاريخ العام ليس مجرد قائد عسكري، بل ملك عالمي خرج من مقدونيا، دخل مصر، ذهب إلى سيوة، عبر فارس، وصل إلى المجال الإيراني والقوقازي، ارتبط بالمدن، وبالأسطورة، وبالحكمة، وبالبناء، وبالذاكرة التي جعلته في اليهودية والمسيحية والإسلام شخصية استثنائية لا تشبه بقية الملوك.
وهنا تصبح الشخصيات مرتبة في سلسلة واحدة لا في تشابهات منفصلة. طالوت يقابل إبامينونداس في وظيفة القائد المختار الذي يغير ميزان الحرب. داود يقابل فيليب في وظيفة الملك المؤسس والأب السياسي والعسكري. سليمان يقابل الإسكندر في وظيفة الملك العالمي صاحب الحكمة والتسخير والبناء. آل داود يقابلون الامتداد المقدوني والبطلمي بعد موت الإسكندر. وبهذا لا نقف أمام شخصية واحدة فقط، بل أمام تركيب كامل: حرب، أب، ابن، سلالة، ملك، آثار، وامتداد بعد الموت.
وتظهر أهمية عبارة “آل داود” هنا. فالقرآن لا يقول فقط: اعملوا يا داود وسليمان، بل يقول: “اعملوا آل داود شكرا”. وهذا التعبير يفتح الباب أمام الاستمرارية. فالعمل لم يكن محصورا في حياة داود وسليمان فقط، بل دخل في بيت وامتداد وسلالة. وفي قراءة هذا البحث، إذا كان داود هو فيليب، وسليمان هو الإسكندر، فإن البطالمة لا يكونون خارج الموضوع، بل يصبحون امتدادا من آل داود في المجال المصري بعد موت الإسكندر. ومن هنا نفهم لماذا يدخل بطليموس الأول في ملف الجسد والدفن ومصر ومنف، ولماذا لا تنتهي القصة بموت الإسكندر في بابل.
وهذا يقودنا إلى مسألة التشويه. لماذا لم تظهر الصورة بهذه البساطة في الرواية التقليدية؟ السبب أن الصورة التي وصلت إلينا لم تصل كاملة. هناك نقص في الكتب، وانقطاع في الجغرافيا، وترجمة نقلت الأسماء من مجال إلى مجال، وقراءات مذهبية جعلت النصوص تدور حول عقائد لاحقة أكثر مما تدور حول التاريخ نفسه. وعندما تدخل الميول المذهبية في قراءة النص، تتحول الشخصيات إلى رموز دينية مجردة، وتضيع صلتها بالأرض. وهكذا يصبح داود ملكا بلا مدينة مؤكدة، وسليمان صاحب هيكل لا يُعثر عليه، وطالوت وجالوت حربا بلا ميدان، وأعمال الجن بناء بلا أثر.
لكن التاريخ العام يقدم صورة أخرى. لدينا فيليب، ولدينا الإسكندر، ولدينا مقدونيا، ومصر، وسيوة، وبابل، وفارس، والبطالمة، ولدينا آثار باقية: البتراء، الأهرامات، السيرابيوم، بعلبك، والمدن التي حملت اسم الإسكندر أو دخلت في مشروعه. هذه ليست أسماء معلقة في الهواء، بل عالم له أثر. ولهذا فالسؤال الحقيقي ليس: هل نستبدل الدين بالتاريخ؟ بل: هل نستطيع أن نعيد النص الديني إلى التاريخ الذي خرج منه؟
وهنا يظهر سؤال الإسكندر: لماذا يبني الإسكندر المدن والمشروعات الكبرى خارج وطنه؟ ولماذا لا تعود هذه الأعمال إلى مقدونيا، مع أنه خرج من مملكة صغيرة لا تملك ثراء مصر وفارس؟ هذا السؤال مهم جدا؛ لأنه يكشف طبيعة الإسكندر نفسه. الإسكندر لم يكن يتصرف كملك محلي يريد تعمير وطنه فقط، بل كملك عالمي ينقل مركز الملك من الوطن الضيق إلى العالم المفتوح. مقدونيا كانت نقطة الانطلاق، لكنها لم تكن غاية المشروع. لذلك بنى في مصر، وفي الشرق، وعلى طرق التجارة، وعند مواضع استراتيجية ودينية. كان يبني حيث يريد أن يثبت الملك، لا حيث وُلد فقط.
وهذا يوافق صورة سليمان في النص الديني. سليمان ليس ملك قرية أو مدينة صغيرة، بل ملك يسخر قوى الأرض والبحر والبناء. ولذلك لا يكون غريبا أن تظهر أعماله خارج “الوطن” الضيق. فالمشروع السليماني/الإسكندري ليس مشروع وطن، بل مشروع دار. ومن هنا تكتسب عبارة “ذكرى الدار” معناها داخل البحث. الدار ليست مجرد الآخرة في قراءة هذا المحور، لأن الآخرة لا تترك حجرا على الأرض. الدار هنا يمكن أن تكون موضع الذكرى، المشروع الذي يُبنى ليحفظ اسم الآباء والأجداد، أو ليجعل الملك العالمي حاضرا في الأرض بعد موته.
ومن هنا نفهم لماذا تظهر الأهرامات في هذا الملف. فإذا كانت هناك رواية أو وثيقة تشير إلى أن الإسكندر أراد بناء أهرامات أعظم من الموجودة في مصر ذكرى لأجداده، فإن السؤال يصبح شديد الأهمية: هل كان الإسكندر يريد أن يصنع أثرا لا يمجده وحده، بل يربطه بسلسلة الآباء؟ وإذا كان القرآن يقول عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب: “إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار”، فإن هذه العبارة لا تعود بعيدة عن مشروع البناء والذكرى. نحن أمام ملك يريد أن يجعل الدار أثرا، لا فكرة فقط.
ثم يأتي موت الإسكندر ليكشف عمق المسألة. لو كان الإسكندر ملكا عاديا، لكان دفنه في مقدونيا هو الطريق الطبيعي: مع أبيه فيليب، ومع أسرته الملكية. لكن الجسد لم يرجع إلى مقدونيا، بل أصبح موضوع صراع، ثم دخل مصر. وهذا لا يمكن قراءته كقرار جنائزي فقط. الجسد صار مركز الشرعية. بطليموس أدرك أن من يملك جسد الإسكندر يملك جزءا من مشروعه، ولذلك أصبحت مصر مركز الذاكرة بعد الموت. ومن هنا يدخل بطليموس لا كحاكم منفصل، بل كامتداد للبيت الذي حمل العمل بعد موت الملك.
وهنا يظهر معنى “المنقذ” بصورة أعمق. الرواية التاريخية تربط لقب بطليموس الأول “سوتر” بإنقاذ رودس، لكن البحث يفتح سؤالا آخر: هل كان الإنقاذ الأكبر هو إنقاذ جسد الإسكندر ومشروعه وشرعيته؟ هل أنقذ مدينة فقط، أم أنقذ الجسد الذي كان يحمل حق الكلام باسم الملك العالمي؟ هذا السؤال لا يلغي الرواية المعروفة، لكنه يكشف أن اللقب قد يحمل ظلالا أوسع من الحدث السياسي الظاهر.
ومع ذلك بقي قبر الإسكندر مفقودا. هذه نقطة حاسمة. العالم القديم تحدث عن قبر الإسكندر، والرومان زاروه، والروايات ذكرت وجوده، لكن العالم الحديث لا يعرف مكانه. وإذا كان الجسد قد حُنط، وتأخر دفنه، ونُقل إلى مصر، ومر بملف ممفيس والإسكندرية، فلماذا يختفي القبر؟ هنا يصبح السؤال عن السيرابيوم، ومنف، وسقارة، والهرم الأكبر، سؤالا مشروعا لا خيالا. لا نقول إن الجواب حُسم، بل نقول إن الغياب نفسه يفرض فتح التحقيق.
وبهذا نعود إلى القرآن. موت سليمان في سورة سبأ لا يعرض موت ملك عادي. الجسد يبقى، والعمل يستمر، والجن لا يعلمون، ثم يسقط الجسد فينكشف الأمر. هذا المشهد يقترب من موت الإسكندر: جسد محفوظ، دفن مؤجل، مشروع لم يكتمل، وامتداد سياسي بعد الموت. فإذا كان سليمان هو الإسكندر، فإن الآية لا تصبح قصة غيبية منفصلة، بل وصفا دينيا مكثفا لنهاية ملك عالمي مات قبل أن يتم عمله.
ومن هنا يكون الفرق بين العالمين واضحا. العالم الخيالي يقول لنا إن هناك ملوكا عظاما بلا أثر، وهيكلا بلا موقع، وحروبا بلا ميدان، وأعمالا بلا مادة. أما العالم الواقعي فيضع أمامنا شخصيات، وسلالات، ومدنا، وحروبا، وآثارا، وجسدا مفقود القبر، ومشروعا لم يكتمل. فإذا كانت الشخصيات متطابقة في الوظيفة، والأحداث متقاربة في البنية، والآثار موجودة على الأرض، فإن الصورة الواقعية تصبح أحق بالفحص من الصورة التي لا تملك أثرا.
ليست النتيجة أن كل سؤال انتهى، بل أن الطريق أصبح أوضح. طالوت ليس بعيدا عن إبامينونداس، وداود ليس بعيدا عن فيليب، وسليمان ليس بعيدا عن الإسكندر، وآل داود ليسوا بعيدين عن الامتداد البطلمي. والأعمال الكبرى ليست خيالا، بل حجارة باقية على الأرض. لذلك فإن هذا الجزء لا يختم البحث، بل يغلق مرحلة ويفتح أخرى: مرحلة الانتقال من مقارنة الشخصيات إلى فحص الأثر، ومن النص المروي إلى الحجر القائم، ومن العالم الذي صنعته القراءات المذهبية إلى العالم الذي يمكن أن نراه ونقيسه ونقارنه.
وللحديث باقية
هشام طاهر

الإسكندر الأكبر وسليمان: الملك العالمي بين النص الديني والتاريخ العامالجزء الخامس عشر: موت سليمان في القرآن وموت الإسكند...
06/14/2026

الإسكندر الأكبر وسليمان: الملك العالمي بين النص الديني والتاريخ العام
الجزء الخامس عشر: موت سليمان في القرآن وموت الإسكندر الأكبر: الجسد المؤجل، والعمل الذي لم يكتمل، وسؤال القبر المفقود

بعد الحديث عن أعمال الجن في ملك سليمان، نصل إلى نقطة دقيقة جدا في القرآن: موت سليمان نفسه. فالقصة القرآنية لا تعرض موت سليمان كوفاة عادية، ولا تذكر دفنه مباشرة، بل تعرض مشهدا غريبا: جسد قائم، والجن مستمرون في العمل، ولا يعلمون بموته إلا بعد أن سقط الجسد.
يقول القرآن في سورة سبأ:
“فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين"
هذه الآية تفتح أكثر من سؤال. السؤال الأول: لماذا بقي جسد سليمان فترة بعد موته دون أن يظهر موته للجن؟ والسؤال الثاني: ما العمل الذي كان الجن يقومون به حتى استمروا فيه وهم لا يعلمون أن سليمان قد مات؟ والسؤال الثالث: لماذا كانت معرفة الجن بموته مرتبطة بسقوط الجسد بعد أن أكلت دابة الأرض منسأته؟
ظاهر الآية أن سليمان كان في وضع يسمح للجن أن يظنوا أنه ما زال حيا ومراقبا للعمل. وهذا يعني أن جسده لم يدفن مباشرة، بل بقي قائما أو محفوظا فترة من الزمن. وفي قراءة هذا البحث، يفتح ذلك احتمال أن جسد سليمان كان محفوظا أو محنطا حتى ينتهي الجن من الأعمال المكلفين بها. فالآية لا تذكر موتا عاديا يعقبه دفن فوري، بل تذكر موتا خفيا، وجسدا باقيا، وعملا مستمرا، ثم سقوطا يكشف الحقيقة.
وهنا يجب أن نعود إلى الآية السابقة مباشرة في سورة سبأ، لأنها تشرح نوع العمل الذي كان الجن يقومون به:
“يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور”
هذه الآية تذكر أعمالا مادية واضحة: محاريب، وتماثيل، وجفان عظيمة كالجواب، وقدور ثابتة. وهذه ليست أعمالا رمزية فقط، بل أعمال بناء وصناعة ونحت وحجر ومعادن. ثم تأتي عبارة “آل داود” لا “داود وسليمان” فقط. وهذا التعبير مهم جدا، لأنه يفتح الباب لفهم أن المشروع لم ينته عند داود وسليمان، بل امتد في بيت داود أو في السلالة المرتبطة بهذا الملك.
وفي قراءة هذا البحث، تشمل عبارة “آل داود” البطالمة أيضا، لأنهم استمرار سياسي وتاريخي للمجال المقدوني بعد الإسكندر/سليمان. فإذا كان داود يقابل فيليب المقدوني، وسليمان يقابل الإسكندر، فإن البطالمة لا يكونون خارج القصة، بل يمثلون امتدادا بعد موت الملك الأكبر. وهذا يفسر لماذا لا تتوقف الأعمال الكبرى عند موت الإسكندر، بل تدخل في مرحلة أخرى: مرحلة الجسد المحفوظ، ومصر، ومنف، وبطليموس، والكهنوت، والأعمال التي بقيت أو لم تكتمل.
ويؤكد القرآن طبيعة هذه الأعمال في سورة ص:
“والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد”
فهنا يحدد النص أقسام العمل: بناء، وغوص، وتقييد لقوى أخرى في الأصفاد. وهذا يعني أن الجن ليسوا نوعا واحدا في الوظيفة. منهم من يعمل في البناء، ومنهم من يعمل في الغوص، ومنهم من يكون مقيدا وممنوعا من الحركة. ومن قبل ذلك رأينا في سورة النمل قدرة عفريت من الجن على النقل السريع، حين قال لسليمان في قصة عرش ملكة سبأ:
“أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين”
إذن لدينا في القرآن أربع قدرات أساسية للجن: البناء، والغوص، والصناعة أو النحت، والنقل السريع. وهذه القدرات كلها تدخل في مجال الأعمال الكبرى: قطع الحجر، نقل الكتل، النحت في الصخور، العمل في الماء، وبناء المحاريب والمنشآت الضخمة.
ومن هنا يصبح موت سليمان في القرآن مرتبطا بسؤال العمل غير المكتمل. فالجن لم يعرفوا موته إلا بعد سقوط الجسد، وهذا يعني أنهم كانوا مستمرين في عمل ما. فإذا كان العمل قد انتهى، لما بقي معنى لاستمرارهم في “العذاب المهين”. لذلك يبدو أن موت سليمان وقع أثناء مشروع لم يكن قد اكتمل بعد، وأن بقاء جسده كان مرتبطا باستمرار هذا المشروع حتى لحظة انكشاف الموت.
وهنا ننتقل إلى الإسكندر الأكبر في التاريخ العام. فإذا كان سليمان هو الإسكندر في قراءة هذا البحث، فإن موت الإسكندر لا يجب أن يقرأ كحدث سياسي فقط، بل كحدث يرتبط بتوقف مشروع كبير. فالإسكندر مات فجأة في بابل سنة 323 قبل الميلاد، ثم دخل جسده في ملف طويل: التحنيط، والنقل، والخلاف حول الدفن، ثم انتقال الجثمان إلى مصر، وارتباطه بممفيس، ثم بالإسكندرية لاحقا.
وقد ذكرت الروايات أن جسد الإسكندر حُنط بعد موته، وأنه لم يدفن مباشرة، بل أُعدت له عربة جنائزية عظيمة، واستغرق تجهيزها مدة طويلة تقارب عامين قبل انتقال الجثمان من بابل إلى مصر. وهذه النقطة تقرب بين الروايتين: سليمان في القرآن يبقى جسده بعد موته حتى ينكشف الأمر، والإسكندر في التاريخ العام يبقى جسده محفوظا بعد الموت، ولا يدفن دفنا طبيعيا مباشرا.
وهنا يظهر السؤال الأكثر إثارة: لماذا مصر؟ فمن حيث المنطق العائلي والسياسي، كان من حق أسرة الإسكندر أو قادته المقدونيين أن يدفنوه في مقدونيا، مع أبيه فيليب وأسرته الملكية. فالدفن في مقدونيا هو المسار الطبيعي لملك مقدوني ابن فيليب. لكن الذي حدث أن جسده أصبح موضوع صراع سياسي بين خلفائه، ثم انتهى إلى مصر. وهذا لا يبدو قرارا جنائزيا عاديا، بل قرارا يتعلق بالشرعية والملك والمشروع الذي تركه الإسكندر بعد موته.
بطليموس الأول أدرك قيمة جسد الإسكندر. فالجثمان لم يكن مجرد جسد ملك ميت، بل كان مركز الشرعية الإسكندرية. من يملك جسد الإسكندر يملك الحق في الكلام باسم مشروعه. لذلك أخذ بطليموس الجثمان إلى مصر، فصارت مصر مركزا جديدا لذاكرة الإسكندر بعد موته. ومن هنا يظهر سؤال لقب بطليموس “سوتر”، أي “المنقذ”. الرواية التاريخية المعروفة تربط اللقب بإنقاذه رودس، لكن في قراءة هذا البحث يمكن طرح سؤال أعمق: هل كان الإنقاذ الأكبر الذي فعله بطليموس هو إنقاذ جسد الإسكندر ومشروعه من العودة إلى مقدونيا أو الوقوع في يد خصومه؟ هل أنقذ مدينة فقط، أم أنقذ مركز الشرعية الإسكندرية حين جعل الجثمان في مصر؟
هذا السؤال لا يلغي الرواية التقليدية عن لقب “سوتر”، لكنه يضيف إليها معنى آخر داخل هذا البحث. فبطليموس لا يظهر هنا كحاكم مصر فقط، بل كامتداد من “آل داود” في المعنى التاريخي الذي نعتمده: امتداد البيت المقدوني بعد الإسكندر/سليمان. ولذلك يصبح دوره بعد موت الإسكندر مشابها لدور من يحفظ المشروع بعد سقوط الملك الأكبر.
ثم تظهر مسألة مكان الدفن. المصادر تجعل جسد الإسكندر يصل إلى مصر، وتذكر ممفيس بوصفها محطة مصرية أولى، ثم تجعل الإسكندرية موضع القبر اللاحق. لكن المشكلة أن قبر الإسكندر نفسه لم يعثر عليه حتى اليوم، رغم أن العالم القديم كان يعرفه ويتحدث عنه. وهذا الغياب يفتح باب السؤال: هل القبر المعروف في الرواية المتأخرة هو الموضع الحقيقي النهائي، أم أن الجسد مر بمرحلة دفن أو حفظ في موضع مصري آخر أقدم وأعمق من الإسكندرية؟
وهنا تظهر أهمية منف وسقارة والسيرابيوم. فالسيرابيوم في سقارة ليس موضعا عاديا، بل موقع تحت الأرض، فيه توابيت حجرية ضخمة، ويرتبط في الرواية الأثرية ببتاح وأبيس في نطاق منف. وفي قراءة هذا البحث، يصبح السؤال مشروعا: هل كان هناك موضع دفن يُعد للإسكندر في نطاق منف/سقارة، ثم تغير المسار لاحقا؟ وهل كانت بعض الأعمال في السيرابيوم أو المجال الهرمي مرتبطة بمشروع دفن ملكي لم يكتمل أو أعيد تفسيره داخل عبادة بتاح/أبيس؟
ولا نقول هنا إن السيرابيوم هو قبر الإسكندر بصورة قطعية، بل نطرحه كسؤال تحقيق. فوجود جسد محنط، وتأخر الدفن، والخلاف حول موضع الجثمان، ووصوله إلى مصر، وذكر ممفيس، وعلاقة بطليموس بالشرعية المصرية، كلها تجعل منطقة منف وسقارة داخلة في ملف الدفن لا خارجة عنه. وإذا كان العالم حتى الآن لا يعرف قبر الإسكندر، فليس من المنهج أن نغلق السؤال عند الرواية المتأخرة فقط.
ثم يأتي الاحتمال الأكثر جرأة: هل دُفن الإسكندر في المجال الهرمي، أو حتى في الهرم الأكبر؟ هذا السؤال لا يطرح كحقيقة نهائية، بل كفرضية تحتاج إلى قرائن. فإذا كان الهرم الأكبر في هذا البحث مرتبطا بمشروع ملكي عالمي، وإذا كانت الأهرامات الكبرى داخلة في سؤال العمل الذي لم يكتمل، وإذا كان موت الإسكندر قد جاء قبل إتمام مشروعه، وإذا كان جسده قد حُفظ ونُقل إلى مصر، فإن احتمال ارتباط الجثمان بالمجال الهرمي يصبح سؤالا لا يجوز استبعاده قبل الفحص.
وفي هذا الموضع يجب أن نستحضر آيات سورة ص:
“واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار. إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار”
في القراءة التقليدية قد تُفهم “ذكرى الدار” على أنها تذكير بالآخرة. لكن في قراءة هذا البحث، يجب أن نتوقف عند اللفظ نفسه. فالآخرة لا تترك أثرا ماديا على الأرض، أما “ذكرى الدار” فيمكن أن تشير إلى ذكرى بيت أو موضع أو مشروع أرضي يبقى أثرا. وإذا كان الحديث في سياق داود وسليمان وأعمال البناء والتسخير، فإن “ذكرى الدار” قد تكون مرتبطة بفكرة الأثر الباقي، أو المشروع الذي يحفظ ذكرى الآباء والأجداد.
وهنا نعود إلى ما يذكره ديودور الصقلي عن الإسكندر، حين يشير إلى أن الإسكندر كان له مشروع لم يتم بسبب موته أو بسبب عجز الإمكانات أو لأسباب أخرى. وفي قراءة هذا البحث، تصبح هذه النقطة شديدة الأهمية، لأننا لا نتحدث عن ملك مات فقط، بل عن ملك مات قبل اكتمال مشروع معماري عظيم. وإذا كانت هناك رواية أو وثيقة تذكر أن الإسكندر كان يريد بناء ثلاثة أهرامات أكبر من أهرامات مصر القائمة، لتكون ذكرى لأجداده، فإن هذا يلتقي مع معنى “ذكرى الدار” في سورة ص، ومع موت سليمان في سورة سبأ أثناء استمرار عمل الجن.
وبذلك تتجمع أمامنا عناصر واحدة: سليمان في القرآن يموت والجسد لا يكشف موته مباشرة، والجن يستمرون في العمل، والعمل من نوع البناء، والنحت، والصناعة والغوص. والإسكندر في التاريخ العام يموت فجأة، وجسده يحنط ويحفظ، ويستغرق إعداد موكبه زمنا طويلا، ويبدأ حوله نزاع في الدفن، ثم ينقل إلى مصر لا إلى مقدونيا. والبطالمة، بوصفهم امتدادا لآل داود في قراءة هذا البحث، يدخلون بعد موته في حفظ الجسد والمشروع والشرعية. فإذا كان سليمان هو الإسكندر، فإن مشهد موت سليمان في القرآن لا يكون مجرد قصة غيبية، بل وصفا دينيا مكثفا لنهاية ملك عالمي مات قبل أن يكتمل عمله.
ومن هنا يصبح السؤال الختامي لهذا الجزء: ما المشروع الذي توقف بموت الملك؟ وهل كان موضع دفنه جزءا من هذا المشروع؟ هل كان الإعداد في منف أو سقارة؟ هل كان السيرابيوم داخلا في الملف؟ أم أن الجسد ارتبط بالمجال الهرمي نفسه، ثم غُطيت الحقيقة برواية القبر البطلمي في الإسكندرية؟ هذه الأسئلة لا تلغي الرواية المعروفة، لكنها تكشف أن ملف موت الإسكندر ودفنه لا يزال مفتوحا، كما أن موت سليمان في القرآن نفسه لا يقدم لنا نهاية بسيطة، بل يضعنا أمام جسد محفوظ، وعمل مستمر، وسر لم ينكشف إلا بعد سقوط الجسد.
وللحديث باقية
هشام طاهر

الإسكندر الأكبر وسليمان: الملك العالمي بين النص الديني والتاريخ العامالجزء الرابع عشر: أعمال الجن عبر التاريخ: من النص ا...
06/14/2026

الإسكندر الأكبر وسليمان: الملك العالمي بين النص الديني والتاريخ العام
الجزء الرابع عشر: أعمال الجن عبر التاريخ: من النص القرآني إلى أثر الحجر على الأرض

من هم الجن في القرآن؟
قبل أن نبحث عن أعمال الجن في البناء والحجر، يجب أن نبدأ من أصل الموضوع: كيف وصف القرآن الجن؟ فالمسألة لا تبدأ من الأهرامات، ولا من البتراء، ولا من بيرو وبوليفيا، بل تبدأ من النص القرآني نفسه. فإذا كان القرآن يقدم الجن بوصفهم جنسا حقيقيا قديما، غير مرئي للإنسان عادة، وله قدرة على الحركة والعمل والنقل والبناء، فإن البحث في أثر أعمالهم على الأرض يصبح سؤالا مشروعا داخل النص، لا خروجا عنه.
فالجن في القرآن ليسوا ظاهرة ظهرت فجأة في زمن سليمان، ولا هم مجرد رمز للخوف أو الخيال، بل جنس مخلوق قبل الإنسان. يقول القرآن:
“والجان خلقناه من قبل من نار السموم”
وهذه الآية تضع الجان في مرحلة سابقة على الإنسان، لأن السياق يذكر خلق الإنسان من صلصال من حمإ مسنون، ثم يذكر أن الجان خُلق من قبل من نار السموم. لذلك فإن الجن في القرآن ليسوا حادثة متأخرة، بل جنس قديم جدا في ترتيب الخلق.
ويؤكد القرآن أصلهم الناري في موضع آخر:
“وخلق الجان من مارج من نار”
وهنا يظهر الفارق بين الإنسان والجان. فالإنسان في القرآن مرتبط بالطين والصلصال، أما الجان فمرتبط بالنار. وهذا الفارق في الأصل يفتح بابا مهما في فهم طبيعة الجن: فهم ليسوا من المادة الأرضية الثقيلة التي منها الإنسان، بل من عنصر آخر مرتبط بالنار والحركة والخفاء. وهذا سيصبح مهما لاحقا عند الحديث عن الجبال النارية، والغازات، والمعادن، والمناطق التي حفظت ذاكرة الجن وسليمان.
ثم يظهر الجن في بداية قصة الإنسان نفسها من خلال إبليس. فالقرآن يقول:
“إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه”
وهذه الآية مهمة جدا، لأنها تجعل الجن حاضرين في أول مشهد يتعلق بآدم. أي أن علاقة الجن بالإنسان ليست علاقة متأخرة، بل بدأت منذ بداية التاريخ الإنساني في القرآن. فالجن كانوا موجودين قبل آدم، ثم يظهر منهم إبليس في قصة السجود، ثم يستمر وجودهم في حياة البشر بعد ذلك.
ومن أهم صفات الجن في القرآن أنهم غير مرئيين للإنسان عادة. يقول القرآن:
“إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم”
وهذه صفة مركزية في هذا البحث. فالجن ليسوا مرئيين في العادة، لكن عدم الرؤية لا يعني عدم الفعل. فالقرآن لا يجعل الجن معروفين بالرؤية المباشرة، بل يجعلهم معروفين بآثارهم وأفعالهم وقدرتهم. وهذا هو الباب الذي ندخل منه لاحقا إلى الأعمال الحجرية الكبرى: الكائن قد لا يرى، لكن العمل الذي يقوم به قد يبقى على الأرض.
والقرآن يذكر أيضا أن البشر قديما كانوا يعرفون الجن ويتعاملون معهم. ففي سورة الجن يقول:
“وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا”
هذه الآية تكشف أن العلاقة بين الإنس والجن كانت معروفة في المجتمعات القديمة. لم يكن الجن فكرة غائبة عن الناس، بل كان هناك رجال من الإنس يلجؤون إلى رجال من الجن. وهذا يعني أن الوعي القديم بالجن لم يكن محصورا في زمن سليمان، بل كان ممتدا في حياة البشر ومجتمعاتهم.
ثم يذكر القرآن أن الجن لهم قدرة على الحركة في مجال لا يقدر عليه الإنسان العادي. تقول سورة الجن:
“وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا”
وتقول أيضا:
“وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا”
هذه الآيات لا تدخل في موضوع البناء مباشرة، لكنها تبين أن الجن في القرآن ليسوا جنسا محدودا بحركة الإنسان على الأرض. لهم قدرة على الحركة والوصول والسمع في مجال أوسع من المجال البشري المعتاد. وهذا يجعلنا أمام كائن مختلف في طبيعته وقدرته وحركته/
ثم نصل إلى نقطة مهمة جدا في موضوع الأعمال المادية: قدرة الجن على النقل. ففي قصة سليمان وملكة سبأ، عندما طلب سليمان إحضار عرشها، قال القرآن:
“قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين”
هذه الآية لا تتحدث عن فكرة مجردة، بل عن نقل عرش مادي. والعفريت لا يقدم نفسه بوصفه عارفا فقط، بل يقول: “قوي أمين”. أي أن النص يصف قوة وقدرة على حمل أو نقل شيء عظيم في زمن قصير. وهذه نقطة أساسية عندما ندرس لاحقا مسألة نقل الأحجار الثقيلة، لأن القرآن نفسه يجعل من قدرات الجن القدرة على نقل جسم مادي ضخم في زمن لا يقدر عليه الإنسان العادي.
ثم يأتي بعده الرجل الذي عنده علم من الكتاب:
“قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك”
وهنا يظهر فرق مهم بين القوة والعلم. فالعفريت من الجن يملك قوة وسرعة، لكنه لم يكن أعلى الموجودين قدرة. هناك شخص آخر عنده علم من الكتاب، استطاع أن يأتي بالعرش في زمن أقصر. وهذا يعني أن النص القرآني لا يتحدث عن القوة وحدها، بل عن القوة حين تقترن بالعلم. وهذا مهم جدا في موضوع البناء؛ لأن البناء العظيم لا يحتاج إلى القوة وحدها، بل يحتاج إلى علم بالقياس، والحركة، والمادة، والنقل، والاتجاه.
ثم تبلغ علاقة الجن بالبناء ذروتها في ملك سليمان. فالقرآن يقول:
“ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير”
ويقول:
“يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات”
ويقول أيضا:
“والشياطين كل بناء وغواص”
وفي موضع آخر:
“ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين”
هذه الآيات هي أساس الموضوع كله. فالجن في قصة سليمان ليسوا مجرد كائنات غيبية تظهر وتختفي، بل قوة عمل منظمة تحت أمر ملك. يعملون بين يديه، يبنون، يغوصون، يصنعون المحاريب والتماثيل والجفان العظيمة والقدور الراسيات. وهذه كلها ألفاظ مادية واضحة: بناء، صناعة، نحت، غوص، أوان ضخمة، وقدور ثابتة. أي أننا لسنا أمام خيال ديني مجرد، بل أمام وصف لقوة تنفيذية تعمل في مشاريع كبرى.
ومن هنا نستطيع أن نضع القاعدة الأولى في هذا البحث: الجن في القرآن جنس قديم، سابق على الإنسان، مخلوق من النار، غير مرئي في العادة، معروف للبشر عبر الزمن، صاحب قدرة على الحركة والنقل، وقد سخر في زمن سليمان للبناء والغوص والصناعة. لذلك فإن البحث عن أثر أعمالهم لا يبدأ من الخرافة، بل من النص نفسه.
لكن يجب أن ننتبه إلى نقطة منهجية مهمة. نحن لا نقول إن كل بناء ضخم على الأرض هو من عمل الجن، ولا نقول إن كل حجر مجهول التفسير يجب أن ينسب إليهم. بل نقول إن القرآن يقدم لنا وصفا لنوع من القوة غير المرئية التي تعمل في البناء، والنقل، والغوص والصناعة. فإذا وجدنا على الأرض أعمالا حجرية كبرى فيها نقل أحجار ثقيلة، وقطع دقيق، وتركيب محكم، ونحت في الجبال، وتشابه في طريقة العمل عبر أماكن متباعدة، فإن النص القرآني يسمح لنا بأن نسأل: هل بقي على الأرض أثر لأعمال من هذا النوع؟
بهذا يصبح موضوع الجن مدخلا لفهم الأعمال الحجرية الكبرى، لا بديلا عن البحث التاريخي. فالآثار وحدها لا تكفي دائما لتحديد الفاعل، والنص وحده يحتاج إلى أثر يختبره على الأرض. وبين النص والأثر يبدأ هذا البحث: من الجن كما وصفهم القرآن، إلى الأعمال التي بقيت على الحجر.
بصمة أعمال الجن على الأرض: النقل، والقطع، والتركيب، والنحت في الجبال
بعد أن يصف القرآن الجن بوصفهم جنسا قديما، غير مرئي في العادة، معروفا للبشر، وصاحب قدرة على الحركة والنقل والعمل، يصبح السؤال التالي هو: ما نوع الأعمال التي يمكن أن نبحث عنها على الأرض؟ فلا يصح أن ننسب كل أثر غامض إلى الجن، ولا أن نجعل كل بناء ضخم دليلا عليهم. لذلك يجب أن نحدد أولا بصمة العمل التي يمكن أن تجعل النص القرآني قابلا للمقارنة مع الأثر.
هذه البصمة لا تقوم على عنصر واحد، بل على اجتماع عدة عناصر: نقل أحجار ثقيلة، قطع الصخر بدقة عالية، تركيب كتل حجرية بإحكام، نحت مباشر في الجبال، عمل تحت الأرض، تصميم هندسي واضح، وتشابه في طريقة العمل بين أماكن متباعدة وزمنيا غير متحدة. فإذا ظهر عنصر واحد فقط، فقد يكون له تفسير محلي عادي. أما إذا اجتمعت هذه العناصر في مواقع كثيرة، وفي قارات مختلفة، وفي عصور لا تجمعها رواية تاريخية واحدة، فإن السؤال يصبح أوسع من مجرد البناء التقليدي.
أول عنصر هو نقل الأحجار الثقيلة. فكثير من المنشآت القديمة تقوم على كتل حجرية ضخمة، بعضها يصعب تخيل نقله بوسائل بشرية بسيطة. والمشكلة ليست في الوزن فقط، بل في نقل الحجر من موضع إلى آخر، ثم رفعه، أو إنزاله، ثم وضعه في مكان محدد ضمن بناء هندسي أو موضع تحت الأرض. هنا تظهر صلة هذا الموضوع بالنص القرآني، لأن القرآن يذكر قدرة الجن على النقل من خلال عفريت الجن في قصة عرش ملكة سبأ، حين قال: “أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين”. فالنص لا يتكلم عن خيال، بل عن نقل جسم مادي عظيم في زمن قصير.
العنصر الثاني هو قطع الحجر بدقة. هناك مواقع كثيرة يظهر فيها الحجر مقطوعا بانتظام شديد، أو مشذبا بطريقة تجعل كل كتلة مناسبة لموضعها. وهذا النوع من القطع يفتح سؤال الأدوات: كيف قُطع الصخر؟ وبأي وسيلة؟ وكيف تم ضبط الزوايا والحواف؟ وفي سفر الملوك نجد وصفا لافتا لبناء سليمان، حيث كانت الحجارة معدة قبل إحضارها إلى موضع البناء، ولم يسمع في البيت صوت مطرقة ولا معول ولا أداة حديد أثناء بنائه. هذا النص لا يثبت وحده طريقة التنفيذ، لكنه يضع أمامنا فكرة الحجر المعد مسبقا، والبناء بلا صوت أدوات في موضعه النهائي.
العنصر الثالث هو التركيب المحكم. ليست كل مشكلة في الحجر متعلقة بالقطع أو النقل فقط، بل أيضا بطريقة التركيب. بعض المواقع القديمة تظهر فيها الكتل الحجرية متداخلة بإحكام شديد، كأن كل حجر صمم خصيصا لمكانه. وهذا يختلف عن البناء العادي القائم على كتل متشابهة وصفوف منتظمة فقط. التركيب المحكم يدل على معرفة دقيقة بالمادة والقياس والوزن والتوازن.
وهنا تظهر بيرو وبوليفيا بوصفهما من أهم الشواهد العالمية. ففي بيرو نجد ساكسايهوامان، حيث تظهر الجدران الحجرية الضخمة والكتل المتداخلة بأشكال غير منتظمة لكنها ملتحمة بدقة. ونجد ماتشو بيتشو، حيث يجتمع الموقع الجبلي الصعب مع البناء الحجري والتخطيط. ونجد أويانتايتامبو، بما فيه من مدرجات وأحجار ضخمة وموضع مرتفع، ونجد كوريكانشا، معبد الشمس في كوسكو، حيث تظهر دقة البناء الحجري المصقول. هذه المواقع لا تدخل في البحث لأنها من حضارة واحدة فقط، بل لأنها تقدم نمطا من العمل الحجري يشبه في جوهره سؤال مصر والبتراء: قطع، نقل، تركيب، دقة، وموضع صعب.
وفي بوليفيا يظهر مجمع تيواناكو، ومعه بوما بونكو، وكالاساسايا، وأكابانا، والمعبد الغائر. أهمية هذه المواقع أنها لا تقدم حجارة ضخمة فقط، بل تقدم أيضا قوالب هندسية، ومنصات، وبوابات، وأحجارا مصقولة، وأعمالا توحي بتخطيط ديني/هندسي. بوما بونكو خصوصا يطرح سؤال القطع الدقيق والتركيب، بينما يطرح أكابانا سؤال الشكل الهرمي أو المدرج، وتطرح كالاساسايا والمعبد الغائر سؤال التنظيم الطقسي والهندسي. وهكذا لا نكون أمام موقع واحد معزول، بل أمام مجموعة أعمال تحمل بصمة مشتركة داخل منطقة واحدة، ثم تتشابه من حيث نوع العمل مع مواقع أبعد في العالم.
والأهم في بيرو وبوليفيا أن العناصر الزمنية مختلفة. فهذه الأعمال لا تنتمي إلى زمن الإسكندر/سليمان، ولا إلى المجال المصري أو الشامي، بل تنتمي إلى عوالم أخرى في القارة الأمريكية. لذلك فهي لا تُذكر لإثبات أن سليمان بنى كل شيء، بل لإثبات أن نمط العمل الحجري الغامض أوسع من مشروع واحد أو ملك واحد. فالجن في القرآن لم يظهروا مع سليمان، بل كانوا موجودين قبل الإنسان، ومع آدم، ومع المجتمعات القديمة، ثم سخر منهم سليمان طائفة للعمل. لذلك يمكن أن تكون هذه الأعمال العالمية شاهدا على وجود نوع من القدرة أو المعرفة أو الفاعلين غير المرئيين عبر التاريخ، ثم بلغ تسخيرهم في زمن سليمان مرحلة منظمة وملكية.
العنصر الرابع هو النحت في الجبال. وهذا يهمنا خصوصا عند الحديث عن البتراء. فالنحت في الجبل ليس مثل بناء جدار من كتل حجرية؛ إنه عمل في جسم الصخر نفسه. هنا لا تكون المسألة نقل حجر فقط، بل تحويل الجبل إلى واجهات وغرف ومداخل ومستويات. وهذا النوع من العمل يقترب من وصف القرآن للجن في ملك سليمان، لأن الآيات تذكر المحاريب والتماثيل والعمل الكبير، وهي ألفاظ تقبل الارتباط بالبناء والنحت والصناعة الثقيلة. وفي هذا الموضع تدخل البتراء لا كموقع حجري فقط، بل كمدينة منحوتة في الجبل، وكموضع يناسب وصف هيكل سليمان في قراءة هذا البحث.
العنصر الخامس هو العمل تحت الأرض. وهذا العنصر يظهر في مصر من خلال السيرابيوم في سقارة. نذكره هنا بوصفه مثالا مساعدا لا بوصفه مركز الموضوع. فالسيرابيوم لا يطرح سؤال الهرم فوق الأرض، ولا سؤال المدينة المنحوتة في الجبل، بل يطرح سؤالا آخر: كيف تدخل كتل حجرية ضخمة إلى ممرات ومقابر تحت الأرض؟ فيه توابيت حجرية هائلة، وأغطية ثقيلة، وممرات محدودة، ومواضع تجعل عملية النقل والإنزال والتركيب أكثر تعقيدا. والرواية الأثرية تربطه بعجول أبيس وبتاح في منف، لكن هذا الربط الديني لا يلغي السؤال العملي: كيف قُطعت هذه التوابيت؟ وكيف أُدخلت إلى السراديب؟ وكيف وُضعت في مواضعها؟ لذلك نذكر السيرابيوم هنا ضمن بصمة العمل الحجري، على أن نعود إليه بتفصيل أوسع عند الحديث عن موت الإسكندر الأكبر، وملف دفنه، وممفيس، وبطليموس، وعلاقة بتاح/أبيس بالمشروع المقدوني في مصر.
العنصر السادس هو التصميم الهندسي. فالقوة وحدها لا تبني هرما، ولا تنحت مدينة في الجبل، ولا تقيم منصات وبوابات وأحجارا مقطوعة بدقة في بيرو وبوليفيا، ولا تنقل تابوتا حجريا ضخما إلى موضع تحت الأرض. لذلك يجب أن نفرق بين القوة والعلم. في قصة العرش، عفريت الجن يمثل القوة والقدرة على النقل، أما الذي عنده علم من الكتاب فيمثل طبقة أعلى من المعرفة. وهذا التفريق مهم جدا في فهم البناء القديم: لا يكفي وجود قوة تنقل الحجر، بل لا بد من علم يحدد القياس، والاتجاه، والزاوية، والموضع، والغرض.
العنصر السابع هو التشابه في طريقة العمل بين أماكن متباعدة. وهذا هو المدخل العالمي للموضوع. نحن لا نتحدث عن مصر وحدها، ولا عن البتراء وحدها، ولا عن بيرو وبوليفيا وحدهما. هناك أعمال حجرية في أماكن كثيرة من العالم تحمل أسئلة متشابهة: في مصر تظهر الأهرامات والشكل الهندسي الضخم، وفي سقارة يظهر السيرابيوم والعمل الحجري تحت الأرض، وفي البتراء يظهر النحت في الجبال، وفي بيرو تظهر ساكسايهوامان وماتشو بيتشو وأويانتايتامبو وكوريكانشا، وفي بوليفيا تظهر تيواناكو وبوما بونكو وكالاساسايا وأكابانا والمعبد الغائر، وفي آسيا تظهر أيضا معابد ومدن صخرية ومواقع حجرية تحتاج إلى دراسة مستقلة. هذه المواقع تختلف في الحضارة واللغة والمكان والزمن، لكنها تشترك في سؤال العمل الحجري: كيف قُطع الحجر؟ كيف نُقل؟ كيف رُكب؟ ولماذا تتكرر الدقة والضخامة والهندسة في أماكن متباعدة؟
هذه الشواهد لا تعني أن الجن بنوا كل هذه المواقع، ولا أن البحث يجب أن ينسب كل أثر عجيب إلى قوة غيبية. لكنها تعني أن هناك نمطا من العمل الحجري القديم يتجاوز التفسير البسيط. وهذا النمط هو الذي يجعل النص القرآني عن الجن قابلا للفحص من زاوية جديدة. فالقرآن لا يصف الجن بأنهم مجرد كائنات خفية، بل يصفهم بأنهم يعملون، ويبنون، ويغوصون، ويصنعون المحاريب والتماثيل والجفان العظيمة والقدور الراسيات.
ومن هنا تصبح القاعدة واضحة: نحن لا نبحث عن الجن بأعيننا، لأن النص نفسه يقول إنهم يرون الإنسان من حيث لا يراهم. نحن نبحث عن نوع العمل الذي نُسب إليهم في النص. فإذا كانت طبيعتهم الخفاء، فإن أثرهم، إن وجد، لن يكون في رؤية الكائن، بل في بقاء العمل: حجر منقول، صخر مقطوع، بناء محكم، جبل منحوت، تابوت حجري داخل الأرض، واتجاه هندسي لا يبدو عشوائيا.
وبذلك يصبح موضوع الجن في هذا البحث ليس خروجا عن التاريخ، بل سؤالا عن الفاعل غير المرئي خلف بعض الأعمال المرئية. فالأرض تحتفظ بالأثر، والنص يحتفظ باسم القوة. وبين الأثر والنص يبدأ التحقيق.
وللحديث باقية
هشام طاهر

Address

Washington D.C., DC

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when انبياء الله فى التاريخ العام posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Place Of Worship

Send a message to انبياء الله فى التاريخ العام:

Share