06/03/2026
خطب مقترحة للأئمه والدعاه
الحج مدرسة الإيمان وصناعة الإنسان
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي شرع لعباده الحج وجعله مدرسة للإيمان والتقوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، خير من حج واعتمر، وأعظم من وقف بعرفة وذكر الله عند المشعر الحرام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد فيا عباد الله:
فرحلة الحج رحلة مليئة بالعبر، محفوفة بالدروس، مكتظة بالعظات، وهي في عبرها ودروسها وعظاتها تمس القلب، وتناجي الوجدان، وتخاطب العاطفة، وتحرك العقل، ولن يحظ الحاج بعظيم الأجر إلا إذا أدرك هذه العبر، وتعلم هذه الدروس، وتأمل هذه العظات.
ومن هذه الدروس والعبر:
• أولاً: الانقياد والتسليم لله رب العالمين:
وهذا أول درس يتعلمه الحاج من حجه، فهو في نسكه من إحرامه إلى تحلله لا بد أن ينقاد لأوامر الله جل وعلا، وهذا التسليم يظهر في نزول العبد على أوامر الله نزول الجندي لأوامر قائده في ميدان المعركة، إنه يسلم نفسه لأوامر الله جل وعلا كما يسلم الميت نفسه لمغسله على خشبة الغسل، بل أشد.
لذا فإن المسلم ينقاد للنسك وهو يعلم أن في هذا الانقياد صحة الاتباع وعلامة القبول , ولله در عمر يوم أن قال وهو يقبل الحجر: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع , ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.
ولهذا جاء أن علياً عند الحجر الأسود كان يقول: اللهم إيماناً بكـ لا بالحجر ـ وتصديقاً بكتابك. لا بالخرافـ ووفاء بعهدك ـ لا بعهد غيرك ـ واتباعاً لسنة نبيك ـ لا سنة سواه.
إن المؤمن لن يكون مؤمناً حتى ينقاد لأوامر الله، ويسلم لشرع الله، وينزل على حكم الله، وهذا شرط من شروط لا إله إلا الله، وقد قال تعالى في محكم التنزيل: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ( النساء: 65).
وقال سبحانه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (الأحزاب: 36)، وسبب نزول هذه الآية كما أورده ابن كثير عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة فدخل على زينب بنت جحش رضي الله عنها فخطبها، فقالت: لست بناكحته! فقال رسول الله: بلى فانكحيه. قالت: يا رسول الله. أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسول الله. قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحا؟ قال رسول الله: نعم! قالت: إذن لا أعصي رسول الله قد أنكحته نفسي!
إن الانقياد والتسليم لشرع الله ليس من نافلة القول بل هو أصل العبادة، وهو مقتضى عقد الإيمان: أن يسلم زمام حياته إلى الله.
مقتضى عقد الإيمان أن يقول الرب: أمرت ونهيت. ويقول العبد: سمعت وأطعت. مقتضى عقد الإيمان: أن يخرج الإنسان من الخضوع لهواه إلى الخضوع لشرع مولاه.
وهذا هو صنع المسلم في الحج: قال ربه: اترك أهلك. قال نعم. قال له: غادر وطنك. قال: نعم. قال له: اخلع ثوبك. قال: نعم. قال له: طف بالبيت سبعك. قال: نعم. قال له: اسع سبعاً. قال: نعم. قال له: انحر هديك. قال: نعم. قال له: احلق رأسك. قال: نعم. وهذا هو قمة الخضوع والاستسلام لله رب العالمين.
• ثانياً: تربية الضمير:
ومن دروس الحج عباد الله: تربية الضمير، والحق أن شعائر الإسلام تنشئ فيما تنشئ قلوباً حية، وضمائر يقظة , وأفئدة سليمة، بل الإسلام كله أراد أن يكون المسلم كذلك , مراقباً لله في السر والعلن، في الظهور والخفاء، في الجلوة والخلوة، وحده وأمام الناس، وإيمان العبد بالله عز وجل والتزامه بشعائره هو الذي يربي ذلك في نفسه، لذا كان من كلام الله عز وجل قوله وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الملك: 13، 14)، وقال: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ( الزخرف: 80)
بهذه الآيات أراد الله عز وجل أن تصل قلوب أهل الإيمان إلى الحياة، وضمائرهم إلى اليقظة، التي يصل فيها العبد وكأنه يرى الله،أو على الأقل فليعلم بأن الله يراه، وهذا هو معنى حديث مسلم في الإحسان: " اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
ولقد نشأت قلوب الصحابة وضمائرهم على هذا ولا أدل على ذلك من حديث ماعز والغامدي : عن بريدة قال: " إن ماعز بن مالك أتى رسول الله فقال : يا رسول الله إني ظلمت نفسي وزنيت ، وإني أريد أن تطهرني "(رواه مسلم).
ومن العجيب ما كان لعمر في أحد أسفاره يقول عبد الله بن دنيا : فانحدر بنا راع من الجبل , فقال له عمر : يا راعي بعني شاة من هذه الغنم .فقال: إني مملوك. فقال عمر: قل لسيدك أكلها الذئب، فقال الراعي : فأين الله ؟ فبكى عمر ثم غدا مع المملوك، فاشتراه من صاحبه، وأعتقه، وقال: أعتقتك هذه الكلمة في الدنيا، وأرجو أن تعتقك في الآخرة.
وفي الحج تظهر تربية الضمير وقد أشار الله الحق سبحانه إلى ذلك بقوله سبحانه: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّه (الزخرف 80 ).
أرأيتم أيها الإخوة الكرام: وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ، وهب أن إنساناً وقع في شيء من ذلك , فمن يراقبه؟ ومن يحرسه؟ هل من شرطي يقف على رأسه؟ أم هل من حارس يحوط به؟ كلا إنها مراقبة داخلية، مراقبة ذاتية، إنها مراقبة الضمير .ويظهر ذلك جلياً حين تترآى المحظورات أمام عيني الحاج، فيكف عنها خوفاً من الله، وطمعاً في رحمته، ورجاء مغفرته، وانتظار ثوابه.
وانظر إلى الحجيج وقد اختلط الرجال بالنساء في الطواف، وقد تقترب الأبدان أو تلاصقت الأبدان؛ ولكن يبقى الضمير الحي، والقلب اليقظ، ليبعد عن الحاج وساوس الشيطان، وحظوظ النفس الأمارة بالسوء.
• ثالثاً: الحج تربية للإرادة وتقوية للعزيمة:
ومن دروس الحج تربية الإرادة وتقوية العزيمة، إن من أروع ما وصف به جند خالد بن الوليد جنده: أنهم لو أرادوا خلع الجبال لخلعوها. وهذه الكلمة تدل أول ما تدل على صلابة الإرادة وقوة العزيمة، ولقد شاء الله سبحانه , أن تكون رحلة الحج وسيلة؛ بل من أعظم وسائل تربية الإرادة وقوة العزيمة لدى المسلم .
وكيف لا والحاج يغادر الوطن الذي ألفه، والدار التي أحبها، والقوم الذين عاشرهم ؟
وكيف لا وهو يغادر الوطن، ويترك المال، وينأى بعيداً عن الولد ؟
وكيف لا ورحلته لا تسلم من المخاطر، حتى في قرننا الواحد والعشرين؟ فقد تصدم السيارة، أو تغرق الباخرة،أو تسقط الطائرة، أو تحترق الخيام، أو يختنق الحجيج في نفق ما، أو يقع المُحرمون من شدة الزحام , ومع هذا كله فإن الإرادة تقوى , وإن العزيمة لتشتد .
ولقد شاء الله سبحانه أن يكون الحج إلى بلد غَيْرِ ذِي زَرْعٍ (إبراهيم: 37 ) فهي وإن حدث ما حدث فيها من خدمات رائعة لا تنكر، لا تصلح أن تكون مشتى ولا أن تكون مصيفاً, والدليل على ذلك شوارعها التي شقت في الجبال شقاً، ودورها التي نحتت في الجبال نحتاً، فأنت في غدوك ورواحك لا تلبث أن ترى نفسك في طريقك صاعداً أو هابطاً .
ومن حكم الله كذلك أن يربط الحج بالأشهر القمرية ليكون طوراً في الشتاء، وطوراً في الصيف، وهكذا تربى الإرادة وتقوى العزيمة.
وإذا علم هذا أدركنا أن الإسلام ليس دين استسلام ولا دعة ، ولا خمول ولا راحة، بل هو دين جهاد، ومن هنا كان الحج جهاد في سبيل الله؛ بل هو من أفضل الجهاد ؛ وفي الحديث عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قلت يا رسول الله : نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ فقال: لكن أفضل الجهاد حج مبرو" .
• رابعاً: المساواة:
ومن دروس الحج العظيمة: المساواة، والحق أن قضية المساواة لم تعالجها فلسفة من الفلسفات كما عالجها الإسلام، ولم تكن هذه المعالجة معالجة مثالية نظرية , لكنها كانت معالجة واقعية عملية، ولقد عالج القرآن هذه القضية بكل صرامة وصراحة , وقد أعلنت سورة الحجرات قانوناً من قوانين المساواة الراسخة ألا وهو : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ( الحجرات: 13 ). ولقد عوتب النبي صلى الله عليه وسلم لمجرد أنه أهمل رجلاً أعمى، وعمد إلى رجالات من عظماء قريش، ولم يغن النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك لمصلحة الدعوة، أو باسم الدين.
ولقد وعى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدرس ومن يومها بدأ صلى الله عليه وسلم يمحو كل رابطة تقوى على رابطة الدين , فرأيناه في مكة مؤاخياً بين عمه حمزة ومولاه زيد بن حارثة , وبين عبد الله بن رواحة الخثعمي وبلال بن رباح الحبشي.
ويوم يشم النبي صلى الله عليه وسلم من كلام أبي ذر تعالياً على أخيه بلال حين قال له : يا ابن السوداء ؛ هنا يغضب النبي وتحمر عيناه , وتنتفخ أوداجه , ويرد أبا ذر إلى صوابه معنفاً إياه قائلاً له: " أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية ".
ولا أعجب من اهتمامه صلى الله عليه وسلم في غزوة من مغازيه بجلبيب وهو مولى فقير. فعن أبي برزة الأسلمي أن النبي كان في مغزى له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟ قالوا نعم، فلانا، وفلانا، وفلانا، ثم قال : هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا: قال: لكني أفقد جليبيباً ، فاطلبوه ، فطلب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قتلهم، ثم قتلوه! فأتى النبي صلى لله عليه وسلم، فوقف عليه فقال: قتل سبعة ثم قتلوه! هذا مني، وأنا منه، هذا مني وأنا منه، قالها مرتين أو ثلاثا، ثم قال بذراعيه هكذا فبسطهما، قال: فوضعه على ساعديه، ليس له سرير إلا ساعدي النبي قال: فحفر له ووضع في قبره، ولم يذكر غسلا. رواه مسلم).
وفي الحج تظهر روعة المساواة، حيث تساوت الرؤوس، يوم أن حسرت الرؤوس، وجردت الأبدان، إلا من إزار ورداء، ظهر عليهما البياض، فتلفت يمنة ويسرة، فلا تميز وزيراً ولا أميراً، ولا ملكاً ولا رئيساً، الكل سواء الوزير كالخفير، والغني كالفقير، وتنظر بأم عينيك في الطواف والسعي لترى أميراً بجوار خفير، وغنياً بجوار فقير، وعالماً بجوار أمي جاهل،وسيداً ملاصقاً لخادم عامل. من بكر في الطواف قبل الحجر، ومن تأخر كان عليه تأخيره، فليست هناك ساعة مخصوصة يطوف فيها علية القوم، أو يوماً مخصوصاً يطوف فيه الملأ الأعلى من الناس، أو مدة معينة يقف بها الأثرياء بعرفة.
كلا إنه يوم واحد يقف فيه الناس كلهم.
وساعة واحدة يفيض الناس فيها من عرفات.
ومشعر واحد يذكر الناس ربهم عنده.
وجمرات محدودة يرميها الناس.
ومكان واحد يرمي الناس حصاتهم فيه.
لقد تساوى الناس كلهم في زيهم وأعمالهم، في طوافهم وسعيهم، في حركاتهم وأقوالهم، لم تفرقهم أجناسهم، ولم تميزهم أعراقهم، ولم تفضلهم أنسابهم، ولم تقدمهم أحسابهم، ولم يرفعهم سلطانهم؛ ومن هنا فقد انتهز النبي صلى الله عليه وسلم فرصة تجمع أصحابه في حجة الوداع فأعلنها صريحة مدوية ليسمع الحاضر , ويبلغ الشاهد الغائب , فقال صلى الله عليه وسلم كما عند أحمد في مسنده: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ "، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ "، قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: " أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ "، قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: " أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ "، قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: " فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ " ـ قَالَ: وَلَا أَدْرِي قَالَ: أَوْ أَعْرَاضَكُمْ، أَمْ لَا ـ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَلَّغْتُ "، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: " لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ"
• وأخيرا أيها الإخوة الكرام والأخوات الفضليات:
إن دروس الحج ليست خاصة بالحجاج وحدهم، بل هي رسائل لكل مسلم.
فالتسليم لله مطلوب منا في كل وقت.
ومراقبة الله واجبة في كل مكان.
وقوة الإرادة ضرورة لكل مؤمن.
والمساواة بين الناس أصل من أصول هذا الدين العظيم.
فاجعلوا من هذه المعاني منهجًا لحياتكم، وربوا أبناءكم عليها، وأحيوا بها قلوبكم ومجتمعاتكم.
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم ارزقنا صدق الإيمان، وكمال التسليم، وحسن الاتباع.
اللهم طهر قلوبنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعمالنا من الفساد.
اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، واجمع كلمتهم على الحق، وانصر المستضعفين منهم في كل مكان، في السودان واليمن وفلسطين.....
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وأقم الصلاة.