06/04/2026
"الخبز النازل من السماء"
بقلم المطران كيرلس سليم بسترس Cyrille Bustros
"النهار" السبت 13 حزيران 2020
"ليس بالخبزوحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متى 4:4)
ما يجمع بين اليهودية والمسيحية والإسلام هو الإيمان بالله وبعلاقة الله بالإنسان. لكنّ هذا الإيمان يعبّر عنه كلّ من هذه الأديان الثلاثة على طريقته الخاصّة وبحسب الظروف المختلفة التي مرّ بها في تاريخه. يروي سفر الخروج أنّ اليهود قد جاعوا في رحلتهم من مصر إلى فلسطين، فطلبوا من موسى النبيّ أن يلجأ إلى الله، فأنزل لهم الله المَنّ من السماء، كما قال لموسى: "الآن أُمطِر لكم خبزًا من السماء، وعلى الشعب أن يخرجوا ليلتقطوه طعام كلّ يوم في يومه" (خروج 4:16).
وقد ذكّر الفرّيسيون يسوع بهذه المعجزة، قائلين له: "أيّ آية تصنع فنراها فنصدّقكَ؟... آباؤنا أكلوا المنّ في البرّيّة كما هو مكتوب: إنّه أعطاهم الخبز من السماء ليأكلوا. فقال لهم يسوع: الحقّ الحقّ أقول لكم إنّ موسى لم يُعطِكم الخبز من السماء، بل أبي يُعطيكم خبز السماء الحقّ، لأنّ خبز الله هو الذي ينزل من السماء ويُعطي الحياة للعالم". ثمّ أضاف: "أنا خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المنّ في البرّيّة وماتوا. إنّه هنا الخبز النازل من السماء لكي لا يموت من يأكل منه. أنا هو هذا الخبز، الحيّ، النازل من السماء. فمن أكل من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أعطيه هو جسدي المبذول لحياة العالم" (يوحنا 30:6-34، 48-51). إنّ يسوع يقول لليهود: المَنّ الذي أعطاه الله لليهود لم يأت من السماء، أي من عند الله، بل هو طعام ماديّ يفنى، لذلك قال لهم: "فاعملوا لا للطعام الذي يفنى بل للطعام الذي يبقى للحياة الأبديّة الذي يُعطيكموه ابن البشر، فإنه هو الذي ثبّته الله، الآب، بختمه" (يوحنا 27:6).
هذا "الخبز النازل من السماء"، وهذا "الطعام الذي يبقى للحياة الأبديّة"، وهذا الجسد "المبذول لحياة العالم"، قد أراد يسوع أن يستمرّ حضوره بين تلاميذه على مدى الزمن من خلال خبز القربان المقدس. ففي عشائه الأخير معهم، "أخذ خبزًا وشكر، وكسره، وأعطاهم قائلاً: هذا هو جسدي المبذول عنكم. اصنعوا هذا لذكري" (لوقا 19:22). فبتناول القربان المقدس، هذا الخبز السماويّ، يتّحد المؤمنون بالمسيح، الذي يؤمنون بأنّه كلمة الله النازل من السماء، ويحيون به، وفيهم يتمّ قول يسوع: "وكما أنّ الآب الذي أرسلني حيٌّ وأنا أحيا بالآب، فكذلك من يأكلني فإنّه يحيا بي" (يوحنا 57:6). لقد أتى يسوع ليُنشئ في الناس حياة إلهيّة، وقد أنشأ لهذه الحياة غذاءً إلهيًّا يحفظها ويُنميها فعلَ الغذاء المادّيّ بحياة الجسد.
إنّ موضوع الخبز النازل من السماء قد ورد ذكره في القرآن في سورة المائدة حيث نقرأ: "إذ قال الحَواريّون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربُّكَ أن يُنزِّل علينا مائدة من السماء؟ قال: اتّقوا الله إن كنتم مؤمنين. قالوا: نريد أن نأكل منها وتطمئنّ قلوبنا ونعلم أنْ قد صدقتَنا ونكونَ عليها من الشاهدين. قال عيسى ابن مريم: اللهمّ ربّنا أنزِلْ علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا لأوّلنا وآخرنا وآيةً منكَ وارزقْنا وأنتَ خير الرازقين. قال الله: إنّي مُنزِّلها عليكم فمن يكفرْ بعد منكم فإنّي أعذّبه عذابًا لا أعذّبه أحدًا من العالمين" (112:5-115).
يرى بعض المفسّرين أنّ هذه المائدة التي "تنزل" من السماء ليست مجرّد طعام مادّيّ، إنّما هي كلمة الوحي الإلهيّ، كما يبدو من الآية التالية: "يسألكَ أهل الكتاب أن تُنزّل عليهم كتابًا من السماء" (سورة النساء 153:4). لذلك من يكفر بكلام الله يعذَّب أقسى العذاب. وهذا الكلام الإلهيّ هو عيد "لأوّلنا"، أي للتلاميذ، ولآخرنا، أي لكلّ الأجيال الآتية. وهذا يذكّرنا بقوله تعالى عن عيد الفصح عند اليهود: "ويكون هذا اليوم لكم ذكرًا، فتعيّدونه للربّ فريضة لكم مدى أجيالكم" (خروج 14:12).
إنّ الكنيسة، من خلال القدّاس الإلهيّ الذي تُقيمه كلّ يوم وفيه تكرّس الخبز النازل من السماء، ومن خلال "عيد الجسد الإلهي" الذي تحتفل به كلّ سنة، تُعيد حضور يسوع المسيح كلمة الله المتجسّد، الذي هو كمال الوحي الإلهيّ، والذي بذل ذاته من أجل حياة العالم. والذين يتناولون هذا الخبز السماويّ من المائدة المقدسة يشتركون في الوقت عينه في فصح المسيح، ويصيرون معه جسدًا واحدًا، فيعبرون معه من الموت إلى الحياة.