30/05/2026
من فقهِ معاني عيدِ الأَضحَى: فقهُ الابتِلاءِ «ذَبْحُ التَّعلُّقِ لا ذَبْحُ الولَدِ»:
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ - أَنَّ البلايا لا تأْتي دائمًا في صورَةِ الفقدِ والحِرمانِ؛ فكثيرًا ما يجيءُ الابتلاءُ في ثوبِ العطَاءِ والتَّمكينِ؛ ليُعلَمَ أَيَشكرُ العبدُ أَمْ يغفلُ، وأَيَتعلَّقُ بالمُنعِمِ أَمْ بالأَسبابِ والنِّعَمِ.
قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.
ومن أَعظمِ شواهدِ ذلكَ قصَةُ الخليلِ إبراهيمَ عليهِ السَّلامُ؛ فقدْ جاءَهُ الولَدُ بعدَ طولِ انتظارِ، وعلى كِبَرٍ وضعفِ أَسبابٍ؛ فازدادَ حبُّهُ في القلبِ رسوخًا، وموقعُهُ في النَّفسِ عِظَمًا.
ثمَّ جاءَ الابتلاءُ في أَحبِّ موضعٍ من قلبِ الأَب: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾.
لم يكنْ مرادُ اللهِ تعالى النهائيُّ إهلاكَ الابنِ، وإنَّما إظهارَ صدقِ التَّسليم، وتطهيرَ القلبِ من كلِّ تعلُّقٍ يُزاحمُ كمالَ التَّوحيدِ؛ فلمَّا صدقَ الخليلُ، وأَسلمَ الذَّبيحُ، وانقادَ القلبانِ لأَمرِ اللهِ؛ جاء النداءُ من السَّماء: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ ثم جاء الفداءُ العظيمُ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.
فلمْ تكُنِ القضيَّةُ ذبْحَ ولَدٍ فحسْبُ، بلْ كانَتْ ذبْحَ تعلُّقٍ مُزاحِمٍ؛ تعلُّقٍ يأْسِرُ القلبَ بالنِّعمَةِ، حتَّى يحجبَهُ عن شُهودِ المنعِمِ، ويُضعفَ فيهِ كمالَ العبوديَّةِ.
إنَّ اللهَ تعالى لا يذمُّ محبَّةَ الولَدِ، ولا ينهى عن الفرحِ بالنِّعمَةِ؛ ولكنَّهُ لا يرضى أَن تُزاحمَ هذِهِ المحبَّةُ حقَّهُ في القلبِ، أَو أَن تتحوَّلَ النِّعمَةُ إلى صَنمٍ خفيٍّ يستعبدُ صاحبَها من حيثُ لا يشعرُ.
و«عيدُ الأَضحى» ليسَ مجرَّدَ لحمٍ يُذبَحُ، ولا ذكرى تُعادُ؛ بل مدرسَةٌ ربَّانيَّةٌ تُعلِّمُنا أَنَّ حقيقَةَ القُربانِ ليسَتْ في الدِّماءِ واللُّحومِ، بلْ في تقوى القلوبِ، وتحريرِها من العبوديَّاتِ الخفيَّةِ.
قال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾.
فليفتِّشْ كلٌّ منَّا عن «إسماعيلِهِ» الذي أَسَرَ قلبَهُ: مالٍ يخافُ نُقصانَهُ، أَو ولَدٍ يخشى عليهِ أَكثرَ ممَّا يخشى على دينِهِ، أَو منصَبٍ يخافُ زوالَهُ، أَو شهوَةٍ لا يقوى على فراقِها، أَو جاهٍ يستثقِلُ فقدَهُ، أَو خوفٍ من النَّاسِ يمنعُهُ من تقديمِ مرادِ الله، أَو تعلُّقٍ خفيٍّ لا يعلمُهُ إلَّا اللهُ تعالى.
فليسَتِ العبرَةُ أَن تفقدَ ما تحبُّ، ولكنَّ العبرَةَ أَن لا يكونَ في قلبِكَ شَيْءٌ أَحبَّ إليكَ من اللهِ، ولا أَحقَّ بالتَّقديمِ من أَمرِهِ.
فطُوبى لقلْبٍ ملكَ النِّعمَةَ ولم تملكْهُ، وأَحبَّ الخلْقَ ولم يُقدِّمْهم على الخالِقِ، وجعلَ اللهَ فوقَ كلِّ محبوبٍ، وأَمرَهُ فوقَ كلِّ مرادٍ.
اللَّهُمَّ! طهِّر قلوبَنا من كلِّ تعلُّقٍ يُزاحم توحيدَك، واجعل نِعَمَكَ عونًا لنا على طاعتِكَ، ولا تجعلها حجابًا بيننا وبينكَ، وارزقنا صدقَ التَّسليمِ، وكمالَ المحبَّةِ، وحُسنَ التَّوكُّل عليكَ، واجعلْ رضاكَ أَحبَّ إلينا من كلِّ محبوبٍ.. آمين!