جامع الرحمن آية من آيات الله في عصرنا

  • Home
  • Tunisia
  • Tunis
  • جامع الرحمن آية من آيات الله في عصرنا

جامع الرحمن آية من آيات الله في عصرنا جامع الرحمن يقع بتقسيم الوكالة العقارية للسكنى بالمروج السادس قرب بناية القصر القديم.

الحساب الجاري لجمع التبرعات لبناء الجامع:
إسم الحساب: جامع الرحمان
عدد: 10.128.1191041841.788.13 فرع الشركة التونسية للبنك المروج 1 .

11/09/2026

Enjoy the videos and music you love, upload original content, and share it all with friends, family, and the world on YouTube.

09/09/2026

العودة المدرسية وظاهرة رشق القطارات بالحجارة.
الحمدُ للهِ الرحيمِ الرحمنِ، علَّمَ القرآنَ، خَلَقَ الإنسانَ علَّمَهُ البيانَ، نَسَبَ العلْمَ إلَى ذاتِهِ العليةِ، وجعلَهُ ميزةً للتفاضُلِ بيْنَ البشرية، خلق آدم وعلمه الأسماء ثم أنزله إلى دار الابتلاء، وجعل الدنيا لذريته دار عمل لا دار جزاء، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، معلم البشرية وحبيب رب العالمين، فاللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَيه وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ.
أَمَّا بعدُ: فأُوصيكُمْ عبادَ اللهِ ونفسِي بتقوَى اللهِ تعالَى، قالَ الله العليم الحكيم عز وجل: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)، البقرة.
عبادَ الله: لقد خلقَ اللهُ تعالَى الإنسانَ وفضَّلَهُ علَى كثيرٍ مِنَ المخلوقاتِ وعلَّمَهُ مَا لَمْ يكُنْ يعلمُ، وأمرَهُ بالتعلمِ والقراءةِ والفهمِ في أول مقام، فقالَ تعالَى في بداية الوحي والتنزيل: اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وفِي ظلِّ هذهِ المعانِي الساميةِ انطلقَتْ مسيرةُ العلمِ والتعليمِ في أمة المسلمين في بداية ظهورها على الأمم وبرعَ المسلمونَ فِي جميع العلوم بلا استثناء، وخاصة علومِ القرآنِ وعلوم الطب وعلوم الفلك وعلوم الدين.
أيها الإخوة والأخوات: قريبا تفتح المدارسُ والمعاهد والجامعات أبوابها لاستقبال الوفود من الطلبة والتلاميذ، ومع هذه العودة المدرسية تعود معها الآمال والتحديات ففي كل أسرة وفي كل بيت ولدى كل أبٍ وأمٍ آمال عريضة تتجدد كل عام في أن يجتاز أبناؤهم الدراسة بنجاح وتفوق، ولنا اليوم بمناسبة العودة المدرسية عدة ملاحظات وعدة نصائح أبدؤها بالمعلمين والمعلمات الذين قيل عنهم أنهم ورثة الأنبياء، لأنهم يعلمون الأجيال العلم النافع والأخلاق الفاضلة، فهم يصنعون أجيال المستقبل لينهضوا بهذه الأمة المنكوبة ويعيدوا لها عزها الضائع ومجدها المفقود، فعندما كان المسلمون هم سادة الدنيا وكانت قوافلهم تجوب الصحاري وأساطيلهم تجوب البحار شرقا وغربا لتغزو البلدان في التجارة وفي العلوم وفي التقدم والحضارة، وفي نشر العلم والمعرفة، بينما كان سكان بقية العالم في تلك العصور يتخبطون في التخلف وفي الجهل والجاهلية.
فيا أيها المعلم ويا أيها المربي: يا من قال فيك الشاعر: قم للمعلم وفه التبجيلَ كاد المعلم أن يكون رسولا، اتق الله عز وجل في أبنائنا وبناتنا فهم الأمانة في عنقك، علمهم في المقام الأول الأخلاق الفاضلة ثم العلم النافع، فإنهم يرونك مثلا أعلى لهم، وقدوة حسنة يقتدون بها، واعلم أن القناعة كنز لا يفنى، وأن الصبر واحتساب الأجر والثواب على الله هو خير من اللهفة على الدروس الخصوصية وعدم التركيز على أداء المهمة الأصلية المكلف بها المعلم في التربية والتعليم على أكمل وجه وكما يحبها الله ويرضاها.
أيها الإخوة والأخوات الأفاضل: إنه من الخطأ أيضا أن يهتم الآباء والأمهات بجانب المصاريف وتوفير الملبس والمأكل لأبنائهم دون العناية بالجانب الأهم وهو إصلاح العقول وإصلاح القلوب، وتغذيتها بالأخلاق السامية وبالاستقامة والتقوى، فالله عز وجل بين لنا خير الزاد في الدنيا والآخرة، بقوله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
واعلموا أنتم أيها الآباء والأمهات: أن مهمة التربية والتعليم لا تقتصر على المدرسة وعلى المعلمين فحسب، بل أنتم لكم فيها النصيب الأكبر، فأنت أيها الأب تتحمل المسؤولية الكبرى في تربيته أبنائك ومراقبتهم ومتابعتهم، وأنت أيتها الأم التي قيل عنها: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا عظيما؟ كوني حريصة على تربية أبنائك وتقويم سلوكهم فأنت القدوة الأولى للأبناء رغم أن الأب هو المخاطب في تربية أهله بقوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى، (طـه). فلا تفكر أيها الأب في رزقك ورزق أبنائك، فقط حرض أهلك على أداء الصلاة واصبر عليهم وإن فعلت فرزقك ورزق أبنائك مكفول من عند الله، والعاقبة للتقوى والمتقين.
وأنتم أيها الطلبة والتلاميذ أبنائي الأعزاء: تعلموا ولا تنسوا أن الكسل واليأس والملل هم من أكبر أسباب الفشل، فأقبلوا على دراستكم، واجتهدوا بروح التفاؤل والأمل، واعملوا ليومكم ولا تشغلوا بالكم بالمستقبل، فذلك مرهون بما كتبه الله لكم، واختاروا من زملائكم من استقامت أخلاقه، فجالسوا من ينفعكم في دينكم ودراستكم، وصاحبوا من يفيدكم في سلوككم وأخلاقكم، ولا تنسوا أن الجليس يُعْرَفُ بجليسه، وأن كل صداقة لغير الله فهي عداوة يوم القيامة، كما قال عز وجل: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)، (الزخرف).
اللهم اجعلنا من المتقين واجعلنا من عبادك الصالحين، اللهم اجعل الفوز والنجاح والفلاح حليف أبنائنا وبناتنا وأنت المستعان وفيك الأمل والرجاء يا مجيب الدعاء.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي فرض الصلاة من فوق سبع سموات، وجعلها عماد الدين، وجعلها صلة بينه وبين عباده المؤمنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: اتقوا الله عز وجل وأطيعوه وتأكدوا أن خير الزاد التقوى، وأن الله ينجي الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون.
أبنائي الأعزاء بناتي الفضليات: أتعلمون أن العلم فريضة على كل مسلم شأنه شأن بقية فرائض الدين، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصّانا في شأن الأبناء بهذه الوصية العظيمة في قوله: مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر.
فعليكم أبنائي بتقوى الله والمحافظة على فرائض الإسلام، وعلى رأسها فريضة الصلاة التي هي عماد الدين، واعلموا أنه أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلاته صلح عمله، فلا خير فيكم ولا فوز ولا نجاح ولا صلاح ولا فلاح إذا ضيعتم الصلاة، والله يوصيكم بقوله في سورة البقرة: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)، وكرر ذلك في نفس السورة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)، فاستعينوا دائما أبدا بالله وبالصبر والصلاة تفلحوا وتنجحوا وتفوزوا في الدنيا بالسعادة وفي الآخرة بجنات النعيم.
وبالمناسبة أود أن ألفت انتباه الأبناء والأولياء بمناسبة العودة المدرسية إلى ظاهرة خطيرة تحدث على مستوى قطارات السكك الحديدية التي هي من المرافق العامة والتي يجب المحافظة عليها للمحافظة على استمرارية خدماتها في نقل الموظفين والعمال وطلبة العلم إلى دراستهم، حيث كثيرا ما يقع الاعتداء على هذه الوسائل بالرشق بالحجارة من طرف بعض الشبان المتهورين ولا شك أن تهشيم البلور أثناء سير القطار قد يؤدي إلى إصابة السواق وركاب القطار بشظايا الزجاج، كما يمكن أن يخلق حالة من الفوضى والذعر داخل العربات خلال الاعتداء، مما يتسبب في تعطيل سير القطارات وتأخر المسافرين عن أعمالهم واضطراب حركة النقل، وتأخر دخول العمال والموظفين والتلامذة للمدارس وكل هذا بسبب انحراف بعض الشباب الذين عجز آباؤهم في تقويم سلوكهم وتربيتهم وقد يتسبب اعتداؤهم على القطارات بالحجارة في تحميل آبائهم الغرامات والخطايا الباهظة لتعويض الأضرار الحاصلة لوسائل النقل العمومي.
وإني أدعو جميع الآباء والأمهات إلى تربية أبنائهم على عدم مخالطة الأشرار والمنحرفين والابتعاد عن مواطن الاختلاط بذوي الشبهة والبقاء دائما داخل المعاهد والمدارس أثناء الاستراحة أو عند انتظار الدخول للأقسام، وعدم التسكع في الطرقات حتى لا يعرضوا أنفسهم لمشاركة المنحرفين في أعمال التخريب التي يقومون بها على وسائل النقل فيورطوا أنفسهم ويورطوا آباءهم في المحاكم ويصبحوا بعد ذلك على ما فعلوا نادمين.
وإن دور الآباء هو دور رئيسي في مقاومة آفة الانحراف والتسيب منذ بداية سن الطفولة بالتركيز على تعليم أبنائهم الحلال والحرام وأخلاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى جانب الإيمان بالله والخوف من عقابه، وزرع أخلاق محبة الخير للجميع وعدم الاعتداء على مكتسبات الغير وعلى حقوق الناس.
وقد جاء في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، فاللهم أعنا على تربية أبنائنا حتى يكونوا ذرية صالحة يدعون لنا فيخرجوننا بدعائهم يوما آخر من ضيق اللحود إلى جناتك جنات الخلود يا رحيم ويا ودود.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، اللهم أصلح أمور المسلمين واجمع كلمتهم على الحق المبين، اللهم وحد صفهم واجمع شملهم إنك على كل شيء قدير، اللهم انصر المستضعفين في الأرض من المسلمين، اللهم انصرهم في كل مكان وفي كل ميدان، وأعد للأمة الإسلام المجد والعز والنصر والتمكين في أقرب وقت وحين.
اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، ونسألك قلباً خاشعاً، ونسألك لساناً ذاكراً، اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، واقرن بالسعادة غدونا وآصالنا، واجعل إلى جنتك مصيرنا ومآلنا.
اللهمَّ طهرا قلوبنا، واكشف كروبنا، واغفر ذنوبنا، وأصلح أمورنا، اللهم اغني فقرنا، واذهب شرنا، واكشف همنا، واكشف غمنا، اللهم اشفي سقمنا، واقضي ديننا، وأجلو حزننا، واجمع شملنا، اللهم بيّض وجوهنا، ويمن كتابنا، ويسر حسابنا، وثقل موازين حسناتنا، وثبت أقدامنا على الصراط، اللهم أصلحنا وأصلح بنا، وأهدنا وأهد بنا، واجمعنا ووالدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات في جنات الفردوس الأعلى إنك على كل شيء قدير.
اللهم رفعنا إليك أيدينا بالدعاء فلا تردنا خائبين، ولا تجعلنا من عطاياك محرومين، وأعفو عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم.
وصل وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وأقم الصلاة.

04/09/2026

Enjoy the videos and music you love, upload original content, and share it all with friends, family, and the world on YouTube.

04/09/2026

إلى متى الغفلة يا عباد الله؟
الحمد لله القاهر فوق عباده وهو العزيز الحميد، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه ولا راد لأمره، القائل في محكم التنزيل: وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيراً.
أما بعد، أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه ولا تنسوا العبرة والموعظة من قول الله تعالى في كتابه العزيز: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) فاطر.
عباد الله: جاء عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أن الله خاطبنا بقوله: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، ... يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، (أخرجه مسلم في صحيحه).
عباد الله الفقراء إلى الله: إن هذا خطاب الخالق الغني لكم وإنه مع غناه عنكم يأمركم بدعائه ليستجيب لكم وبسؤاله ليعطيكم وباستغفاره ليغفر لكم، وأنتم مع فقركم وحاجتكم إليه تعرضون عنه أو تعصوه أو تنسوه، وأنتم تعلمون أن الغفلة عن ذكر الله ودعائه والتوكل عليه والاستعانة به تسبب سخطه وغضبه وعقابه، نعم: أقول هذا الكلام لإننا ما زلنا نموج في بحر من الغفلة والمخالفات والمعاصي ليلاً ونهاراً، دون خوف من الله ولا حياء، سائلين الله أن يتغمدنا برحمة منه وغفراناً وأن ينجينا من داء هذا العصر الذي هو السهو والغفلة والنسيان.
ألا تلاحظون أيها الأحبة في الله أن الغفلة قد خيمت على قلوب كثير من الناس، حتى أصبح الكثير من العباد لا يرجون لقاء الله ولا يخافون عقابه، ورضوا بالحياة الدنيا وملذاتها وغفلوا عن آيات الله وابتعدوا عن صراطه المستقيم وتركوا سنة نبيه الكريم، واشتغلوا بالخوض مع الخائضين وبالقيل والقال وكثرة الجدال وإضاعة المال، والتمتع بالملذات والشهوات، حتى أصبحت أسماعهم عن الخير مقفلة، وأبصارهم عن النظر في العواقب معطلة، وقلوبهم في وجه الحق مغلقة، فوصفهم رب العزة بقوله: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)، (الأعراف).
سبحان الله هل بلغ الأمر بالعباد بعد أن أكرمهم ربهم بالإسلام والإيمان وأنزل عليهم القرآن وما فيه من حكمة وآيات بينات، وأرسل لهم أشرف المرسلين عليه أفضل الصلاة والتسليم، ولكنهم كفروا بالنعمة وغفلوا واتبعوا أهواءهم فأصبحوا كالحيوانات ولعلهم أحيانا أضل حتى من الحيوانات، حاشاكم والعياذ بالله.
أيها الأخوة والأخوات: هل ترون مع إعراضنا عن منهج الله أننا آمنون من العذاب أو ناجون من العقاب وفي القرآن الكريم آيات بينات تصف حال أقوام سبقونا ما أُهلكوا إلا بسبب ذنوبهم وإعراضهم عن صراط الله المستقيم، فما الذي أغرق أهل الأرض جميعا حين أرسل الله عليهم الطوفان حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم؟ أين فرعون وما الذي أهلكه؟ وأين قارون الذي خسف الله به الأرض؟ وأين طغاة هذا العصر وأتباعهم من المنافقين وتجار الدنيا والدين، إنهم إما دفنوا في المقابر وإما مشردون في البلدان وإما قابعون في زنزانات السجون، وما ظلمهم ربنا عز وجل ولكنهم ظلموا الخلق وظلموا أنفسهم فكان عقابهم مصداقا لقول الله عز وجل: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) العنكبوت.
يا عبد الله: عليك بنفسك أخي العزيز ولا تلتفت لما يفعله الناس من مخالفات فإن كل مصيبة يصاب بها العبد فبذنبه، وكل نعمة تزول من العبد فبذنبه، ولا يطبع الله على قلب العبد إلا بذنبه، ولا يدخل العبد إلى جهنم إلا بذنبه، فكم دعانا القرآن الكريم إلى الاعتبار بما حل بمن قبلنا، وبمن حولنا لنتعظ ولنقف عند حدود الله فلا نتعداها: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)، (الأعراف).
وهذه الآيات تؤكد ما يحدث في عصرنا من خلل في المناخ وما نراه من صعوبة في المعاش، وما نراه من يأس وحيرة لدى الكثير من الناس وهذا قد ينذر بمزيد الصعوبات وبمزيد تأزم الأوضاع، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولله في خلقه شؤون، فأسرعوا عباد الله المكرمين عسى أن يرفع الله عنا الهم والغم والشقاء والبلاء، أسرعوا إلى توبة نصوح ما دام بابها مفتوح، وما دمتم في زمن الإمهال، واتقوا الله يا عباد الله واعلموا أنه لا يزول البلاء إلا بالتوبة ولا يزول الذنب إلا بالاستغفار، وفوضوا أمركم للخالق العزيز الجبار وتوكلوا عليه وحده، ولا تنتظروا من الخلق أن يرحموكم، لا لا أبدا فلا راحم إلا الرحيم الرحمان، وتوجهوا لله بالدعاء والسؤال أن يرفع الغمة عن بلادنا وعن بلاد المسلمين وأن يردنا للحق ردا جميلا، واستجيبوا لقول الله عز وجل: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)،(الأحقاف).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن الله الملك الحق المبين، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عليهم تسليما كثيرا.
أيها المسلمون: يوصيكم ربكم بقوله عز وجل: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (الذاريات)، ومصداقا لذلك فإن الإنسان إذا خاف من شيء فر منه، إلا المسلم فإنه إذا خاف من شيء لجأ إلى الله عز وجل، فالواجب أن يتعرف العبد إلى الله عز وجل في حال الرخاء ليعرفه الله في حال الشدة، يقول عبد الله بن عباس: كنت خلف النبي فقال لي: يا غلام: إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف. رواه الترمذي وقال حسن صحيح.
فعودوا إلى ربكم أيها الإخوة والأخوات، فالله هو مولى المتقين، يجيب المضطر إذا دعاه، ويغيث الملهوف إذا ناداه، يكشف السوء ويفرج الكربات، ويقيل العثرة ويغفر الزلات، بيده ملكوت كل شيء وهو رب الأرض والسماوات، قدرته لا تقهر وقوته لا تدفع، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ،(الرعد)، قهر الجبابرة والمتكبرين وأعز عباده المتقين، وهو سبحانه إذا عذب فلا يعذب عذابه أحد، وإذا أعطى أفاض من خزائن رزقه عطاء لا يعطي مثله أحد، فاذكروا الله واشكروه وأطيعوه ولا تعصوه، واستغفروا ربكم وتوبوا إليه وتعاونوا على البر والتقوى، وتحابوا يحببكم الله، وتراحموا يرحمكم الله.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واجعل بلادنا آمنة مطمئنة وسائر بلاد المسلمين، اللهم احم مساجدنا التي هي حمى الدين، اللهم احم المسجد الأقصى وأعده لحوزة المسلمين، اللهم انصر عبادك المستضعفين من المسلمين في كل وقت وحين، اللهم أصلح لنا الأزواج والذرية، ونجنا من كل سقم وهم وبلية، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللحاضرين معنا والغائبين، ومن المسلمين الأحياء منهم والميتين.
اللهم أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم ارفع عنا القحط والحر والجفاف، وأغثنا بالغيث النافع يا فتاح ويا رزاق ويا وهاب، اللهم أغننا بفضلك عمن سواك وارزقنا من رزقك العميم وأنت خير الرازقين.
اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا ميتا إلا رحمته، ولا فقيرا إلا أغنيه، ولا جاهلا إلا علمته، ومبتلى إلا عافيته، ولا مظلوما إلا نصرته، ولا عيبا إلا أصلحته، ولا حاجة لنا من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضا ولنا فيها صلاح إلا يسرتها وقضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم رفعنا إليك أيدينا بالدعاء فلا تردنا خائبين، ولا تجعلنا من عطاياك محرومين، وأعفو عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم، وصل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

28/08/2026

Enjoy the videos and music you love, upload original content, and share it all with friends, family, and the world on YouTube.

28/08/2026

خطبة بعنوان: بمناسبة شدة الحر وتأخر نزول المطر
الحمد لله، كتب العز والنصر والتوفيق لمن أطاعه واتقاه، وجعل الذل والشقاء لمن خالف أمره وعصاه، أحمده سبحانه حمد المقر بفضل ربه ومولاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا عز إلا في طاعته، ولا نجاة إلا في سعة رحمته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله لا نجاح ولا فلاح إلا في إتباع سنته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فالتقوى هي رأس الحكمة، وهي خير الزاد ليوم المعاد:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
عباد الله: إن ربكم الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، بيده ملكوت كل شيء وهو الجواد الكريم، يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، لا إله إلا هو، له القدرة والحكمة في تدبير شؤون خلقه، وأمور ملكه، يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن، وهو أحكم الحاكمين وأكرم الأكرمين، وهو أرحم بعباده منهم بأنفسهم، وأرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم، تولى تدبير أمور خلقه بموجب علمه وحكمته وبفضل عدله ورحمته، مصداقا لقوله عز وجل: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ، إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ، (الشورى).
أيها المؤمنون: تعلمون رحمني الله وإياكم ما حصل من شدة الحر في هذه المدة الأخيرة ونقص في الغيث النافع في كثير من البلاد، فجفت الحقول وجاعت الأنعام، وقلت الثمار وارتفعت الأسعار، كل ذلك موعظة وذكرى للعباد، ليتفكرون في الأسباب والمسببات، ويتدبرون قول ربهم تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأمَّته من بعده: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، [النساء]، وقوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، [الشورى].
ومما نفهم بالتأكيد من هذه الآيات أنه ما نزل بلاء بالخلق إلا بذنوبهم ومعاصيهم، إما موعظة وتنبيها أو تذكرة لهم وليعودوا إلى طريق الحق التي رسمها لهم رب العزة في كتابه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وقد حدث ذلك في أمم سبقونا وأخبرنا عنهم عز وجل في قوله: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، (الأعراف). "السنين" هي السنين العجاف التي يعم فيه القحط والجفاف، عقابا من الله للخلق لتذكيرهم بأمره ونهييه، وبحقه عليهم في طاعته وعبادته.
أيها السامعون العقلاء: إن أحوالنا وأوضاعنا أصبحت تغضب رب العالمين وتنذر بخطر جسيم، فالمعاصي تكاثرت بعضها فوق بعض، والحرمات تنتهك في كل مكان وميدان، هجوم من كل جانب على ثوابت الدين، وحرب واقتتال غير منقطع في بلاد المسلمين، وإننا اليوم على خطر عظيم مما وقع الكثير فيه الناس من الذنوب والمعاصي التي قل إنكارها واستنكارها، فكيف يا عباد الله نستغيث بربنا ليرفع عنا شدة الحر، ويسقي الأرض بالغيث النافع وقلوب الخلق غافلة وناسية وقاسية، ونفوسهم عن طاعة الله وذكره وشكره وعن الصلاة والزكاة والصدقات ساهية، فلقد فشا التعامل بالربا، وانتشرت في الفضائيات دعاوي المنكر والفاحشة، وأصبحت لقمة العيش عند الكثير من الناس مشبوهة وعند البعض حراماً، واعلموا أن من أسباب المصائب والعقاب كهذا الحر الشديد، وانقطاع الغيث النافع، وكثرة الاحتياج وصعوبة المعاش، كلها بسبب ما يجره الناس على أنفسهم من إعراض عن طاعة الله ورسوله فيما جاء في الكتاب والسنة من هدي قويم ومنهج سليم، فكانت النتيجة كثرة النفاق وسوء الأخلاق، وكثرة الغيبة والنميمة وقطيعة الأرحام، وتفشي العداوات بين الأفراد والجماعات، الذين يملئون مجالسهم بالخوض مع الخائضين والبحث عن الزلات وبث الشائعات، والنيل من الأحياء والأموات، وهكذا عاقبنا الله عز وجل بالمصائب والويلات، وبشتى العقوبات، فأرسل علينا الحر الشديد ليلا نهارا وفي الصباح والمساء وبلا انقطاع، مما تسبب في الجفاف وانحباس الأمطار في جميع جهات البلاد، وقد أطلع الله نبيه محمد عليه الصلاة والسلام على ما ستؤول إليه الأوضاع، عند ظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فبين لنا الأسباب والمسببات التي تجلب العقاب، وحذرنا من الوقوع فيها، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله ص: خمس بخمس قالوا: يا رسول الله وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا مَنعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر، وهكذا أفعال الخلق وأخلاقهم تعود عليهم بالعقوبات والكوارث والأزمات، ولن يخرجوا منها إلا بالتوبة والاستغفار والرجوع إلى منهج الله القويم.
عباد الله: وإن ما نعانيه اليوم من أزمات خانقة، وما نمر به من سنوات صعبة، كل ذلك إنما هو نتيجة لمعاملاتنا فيما بيننا، معاملات مليئة بالظلم والعداوة وبحب الذات، فهل لنا من توبة صادقة نطهر بها أنفسنا وواقعنا ونرضي بها ربنا قبل فوات الأوان، فخذوا أيها المؤمنون بأسباب الرحمة والتراحم فيما بينكم، عسى أن يبدل الله حالنا ويجيب سؤالنا، ويرفع عنا البلاء، فأحسنوا أيها المؤمنون إلى فقرائكم وإلى المحتاجين والمساكين، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وافعلوا الخير لعلكم ترحمون، وتحابوا فيما بينكم ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وأحبوا لإخوانكم ما تحبوا لأنفسكم، فإن الجزاء من جنس العمل، كما وصى تعالى: فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، جَعَلَ فِي مُرُورِ الأَيَّامِ عِبْرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَذِكْرَى لِلْغَافِلِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الأَمِينُ، سَيِّدُ الْمُتَّعِظِينَ وَإِمَامُ الْوَاعِظِينَ، وَصَفْوَةُ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ النَّبِيِّينَ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّاهِرِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تَقْوَاهُ، وَاسْتَعِدُّوا بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِيَوْمِ لُقْيَاهُ.
أيها الإخوة المؤمنون: إنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة وكثرة استغفار، فأوصيكم بما وصاكم به رب العزة في الحديث القدسي: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، لا إله إلا الله القادر المقتدر القدير الذي يفعل ما يريد ولا يسأل عما يفعل، الله القادر المقتدر جل في علاه يحرم الظلم على نفسه ونحن لا نحرمه على أنفسنا، نتخبط صباح في مساء في ظلم الناس بشتى الطرق والوسائل، ولا نشعر بذلك، ولا نحاسب أنفسنا، وكأن شيئا لم يكن، الأبناء والبنات قل إحسانهم للإباء والأمهات، عداوات لا تنتهي بين الأزواج والزوجات، فُرقة بين الإخوة والأخوات، وهجران بين الأرحام والأقرباء، خصومات بين الأجوار والجارات في كل المناسبات، الكذب والحيلة والغش أصبحت أرخص البضائع في الأسواق، والغفلة عمت وطمت وزادتها اللامبالاة، وحدث أخي ولا حرج عن كل الخلافات والمخالفات.
عباد الله: عجلوا بمحاسبة أنفسكم ومراجعة أعمالكم وأقوالكم وعلاقاتكم بالخالق وبالخلق قبل فوات الأوان: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58)، الزمر، نسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى الحق والعدل ردا جميلا، نسأل الله أن يهدي الجميع لما فيه خيري الدنيا والآخرة آمين.
اللهم إن أحد إخواننا من أهل مسجدنا هذا ابتلاه الله بمرض نسأل الله أن يهدي طبيبه للدواء وأن يعجل لأخينا بالشفاء، فهو الآن طريح الفراش قد ألم به المرض وأحاط به الألم، اللهم يا واسع العطاء، ويا سامع الدعاء، ويا مجيب النداء، ويا منزل الشفاء، ويا رافع البلاء، ويا مجيب الدعاء، اللهم عجل له بالشفاء وانفعه بالدواء، وارفع عنه السقم والبلاء، اللهم ارزقه العفو والعافية من جميع الأمراض المستعصية، اللهم اشفه شفاء عاجلا لا يغادره سقما، اللهم دعوناك له بالشفاء فعجل له بدوام الصحة والعافية وبالسعادة والرضا، اللهم اشف كل مريض في جمعنا هذا واشمله بهذا الدعاء.
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، واجعل بلادنا آمنة مطمئنة وسائر بلاد المسلمين، اللهم احم مساجدنا التي هي حمى الدين، اللهم احم المسجد الأقصى وأعده لحوزة المسلمين، اللهم انصر عبادك المستضعفين من المسلمين أينما كانوا في كل وقت وحين.، اللهم أصلح لنا الأزواج والذرية، ونجنا من كل سقم وهم وبلية، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللحاضرين معنا والغائبين، ومن المسلمين الأحياء منهم والميتين.
اللهم إنا نسألك الإيمان والعفو عمّا سلف وكان، من الذنوب والعصيان، يا رحيم يا رحمن، اللهم أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم نعوذ بك من الكفر والفقر، ونعوذ بك من عذاب القبر وضيق الصدر، فارفعنا عنا اللهم الضر والعسر، وارفع عنا شدة الحر وقلة المطر، وارزقنا اللهم من رزقك العميم وأنت خير الرازقين.
اللهم رفعنا إليك أيدينا بالدعاء فلا تردنا خائبين، ولا تجعلنا من عطاياك محرومين، وأعفو عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم صل وسلم عل نبينا محمد وآله وصحبه ما هب النسيم، وما نزل الغيث العميم، اللهم صلي وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد، وأرض اللهم عن أصحابه أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

24/08/2026

في ذكرى ميلاد النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ وَاسِعِ الْفَضْلِ وَالْإِنْعَامِ، أَكْرَمَنَا بِأَنْ جَعَلَنَا مِنْ أُمَّةِ خَيْرِ الْأَنَامِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْمُتَفَرِّدُ بِالْمُلْكِ عَلَى الدَّوَامِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الذي قال عنه تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، [الْأَحْزَابُ]، واَلذِي كَانَتْ حَيَاتُهُ كُلُّهَا قُدْوَةً لِأُمَّتِهِ عَلَى مَدَى الْأَيَّامِ والأعوام، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامَ، وَمِنِ اِقْتَفَى أَثَرَهُمْ وَسَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ مَا تَعَاقَبَتِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ.
أما بعد، عباد الله فأوصيكم ونفسي بتقوى الله القائل في محكم التنزيل: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ، (التوبة)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ. [الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، فاللهم صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ وَعَلَى آلِهِ الْأَطْهَارِ وأصحابه الْأَخْيَارِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ القرار.
إخوتي وأحبائي في الله، إِنَّ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ حَدِيثٌ عَنْ رَسُولٍ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وشرفه بأن أنزل عليه القرآن العظيم وبعثه للناس كافة وجعله رحمة للعالمين، وأَجْمَلَ من ذلك أَنْ الله جعل نبينا ﷺ هُوَ إِمَامُ الْأَنْبِيَاءِ وخاتمهم، وَإِمَامُ الْأَتْقِيَاءِ، وَإِمَامُ الْأَصْفِيَاءِ، وَهُوَ قُدْوَتُنَا وَأُسْوَتُنَا وَمُعَلِّمُنَا وَمُرْشِدُنَا، وَقَدْ ميز اللَّهُ شَهْرَ رَبِيعٍ الأول بِأَحْدَاثٍ خَاصَّةٍ برَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ فِيهِ مَوْلِدُه، وَفِيهِ بِعْثَته، وَفِيهِ الْهِجْرَةُ وَفِيهِ الْوَفَاة، فلا يعلم قدر رسول الله، ومنزلة رسول الله، ومكانة رسول الله إلا الله سبحانه وتعالى، فهو الذي خلقه فسواه، وهو سبحانه وتعالى الذي اختاره واصطفاه، وهو سبحانه وتعالى الذي أرسله واجتباه، وهو سبحانه وتعالى الذي أدبه وعلمه وهداه، فهو إمام المتقين، وهو سيد المرسلين والمقربين، وهو خليل رب العالمين، وهو خاتم النبيين، وهو قائد الغر المحجلين، أقام الله به الحجة على الثقلين الجن والإنس، واخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن عبادة الأوثان إلى عبادة الرحيم الرحمن.
ولقد كانت مَكَانَتُهُ ﷺ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ أُمَّتِهِ عظيمة، حيث كَانَ ﷺ خَيْرَ النَّاسِ لِأُمَّتِهِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ودليل ذلك قول الله عز وجل: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَيَقُولُ ﷺ: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]، فوَاجِبُنَا نَحْوَهُ ﷺ مَحَبَّتُهُ وَإِجْلَالُهُ وَتَعْظِيمُهُ وتوقيره ودوام الصلاة والسلام عليه في كل وقت وحين.
وقد سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَيْفَ كَانَ حُبُّكُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: كَانَ وَاللَّهِ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَمْوَالِنَا وَأَوْلَادِنَا وَآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الظَّمَأِ، وذلك مصداقا لقول الله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ، وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)، (التوبة).
عبَادَ اللَّهِ: تَأَمَّلُوا كَيْفَ كان الْحُبُّ في نُفُوسَ الصَّحَابَةِ الْأَطْهَارِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَانَ حُبُّهُمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ حُبًّا يَفُوقُ الْوَصْفَ وَيُعْجِزُ عنه الْبَيَانَ، فهَذَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رِحْلَةِ الْهِجْرَةِ لَمَّا شَرِبَ الرَّسُولُ ﷺ فِي الطَّرِيقِ، يَقُولُ الصِّدِّيقُ كَلِمَتَهُ الَّتِي تَكْتُبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ: "فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى ارْتَوَيْتُ"، يَا الله أَيُّ حُبٍّ هَذَا الَّذِي يَجْعَلُ أبا بكر يَشْعُرُ بالشبع فِي جَوْفِهِ لِأَنَّ محبوبه الحبيب المصطفى قَدْ شَرِبَ وَارْتَوَى.
إخوة الإسلام: لقد وُلد النبي محمد ﷺ في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول في مكة المكرَّمة، (عام الفيل)، وبمولده ولد النور الساطع، والسراج المنير الذي أضاء الطريق للحيارى والسالكين، ولقد كان ميلاده ﷺ ميلادا للخير والبركة، والنور والسرور، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، (الأنبياء)، ومصداقا لهذه الآية كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَادِي في مكة أيام بعثته: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ.
وإن من هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي شُكْرِ يَوْمِ مِيلَادِهِ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الإثنين، فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يوم الاثنين؟ قَالَ: ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ، [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
ولذا، فإنَّ تذكير الأمة بمولده الشريف إنما هو تذكير بالخير العميم، والفضل العظيم، الذي أفاض الله به على خلقه ببعثة سيد الأنام الذي أكمل الله به دين الإسلام، وأتم به النعمة على المسلمين، ورضي لهم الإسلام دينا،، فرسول الله ﷺ هو الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والمنَّة الإلهية، والعطية الربانية، وأيُّ عطية أعظم من مولده، وأيُّ منّةٍ أعظم من بعثته، قال الله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، [آل عمران].
وإن إحياء الميلاد النبوي هي ذكرى للفرح ببعثة النبي ﷺ، والفرح به وبمولده ﷺ، وكل هذا جزء من محبته وتوقيره وتعزيزه ونصرته، وإن إحياء هذه الذكرى النبوية هي مناسبة تربوية لتذكير المسلمين بفضل بعثة النبي ﷺ، وبيان الأشواق العطرة والاحتفاء الخالد بخاتم الأنبياء والمرسلين وخيرة الخلق أجمعين، وكلها عنوان الفرح والسرور، بهذه المناسبة المباركة التي تجمع جميع المسلمين وتجمع بلدانهم وشعوبهم على محبة النبي محمد ﷺ، عملا بقوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، (يونس).
فكَيْفَ تَكُونُ سعادتنا وفرحنا بِمَوْلِدِهِ يا أحباء محمد ﷺ؟ إِنَّ التذكير بِمَوْلِدِ حَبِيبِنَا النَّبِيِّ ﷺ يَجِبُ أَنْ َيَشْمَلُ في المقام الأول: الِاقْتِدَاءَ بِهَدْيِهِ وَالسَّيْرَ عَلَى نَهْجِهِ، وَتَحْقِيقَ طَاعَتِهِ من خلال دراسة سِيرَتِهِ وَتَعْلِيمَهَا لِلْأَبْنَاءِ، حَتَّى يَكُونَ لَهُمُ الْقُدْوَةُ فِي جميع جَوَانِبِ حَيَاتِهِمْ، والتَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِهِ وَالتَّأَسِّيَ بِهِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وتَوْقِيرَهُ ﷺ وَتَعْظِيمَهُ، فقد قَالَ في وصفه ربنا عز وجل: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، [الْفَتْحُ]، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: قال ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ يَعْنِي: "الْإِجْلَالَ"، ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾: يَعْنِي: "التَّعْظِيمَ"، أي التَّأَدُّبَ مَعَهُ حَالَ ذِكْرِهِ أَوِ التَّحَدُّثِ عَنْهُ، فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْرَ نَبِيِّهِ، فَعَرَّفَ الْوُجُودَ بِأَسْرِهِ بِاسْمِهِ وَبِمَبْعَثِهِ وَبِمَقَامِهِ، وجعل شرط الدخول للإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ ، فمن آمن بالله آمن به أحبَّه، ومن أحبَّه اتبعه، ومن أحبَّ اللهَ اتَّبعَ رسولَه صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، [آل عمران].
وقد َقَالَ تَعَالَى في وجوب نصرته ونصرة دعوته: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، [الْأَعْرَافُ] وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ في التحذير من مخالفته: فلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، [النُّورُ].
وقال أيضا في وجوب طاعته: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، [الْحَشْرُ].
وإن الْمَدْحُ وَالثَّنَاءُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يُعْتَبَرُ مُحَرَّمًا أَوْ بِدْعَةً فعَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَكْبُرُهُ بِعَامَيْنِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَمْدَحَكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: هَاتِ، لَا يَفْضُضِ اللَّهُ فَاكَ، فبدأ الْعَبَّاسُ يَقُولُ شِعْرًا ومِنْهُ قَوْلُهُ:
وَأَنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ ... الْأَرْضُ وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الْأُفُقُ
فَنَحْنُ فِي الضِّيَاءِ وَفِي النُّورِ .. وَفي سُبُلُ الرَّشَادِ نَخْتَرِقُ
أي بِنُورِكَ يا رسول الله نَسِيرُ فِي طَرِيقِ الحق وَالْخَيْرِ وَنَخْتَرِقُ بنور هداك الصِّعَابَ، [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ].
بَلِ إن اللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَ نَبِيَّهُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ في كِتابِهِ الكَرِيمِ وأَظْهَرَ بِها مَكارِمَ أَخْلاقِهِ وَشَرَفَ حالِهِ وَعَظِيمَ قَدْرِهِ وفَضْلِهِ، فَقالَ له عَزَّ وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم).
فيا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ شَهْرَ رَبِيعٍ الأول يُذَكِّرُنَا أَنَّ أَعْظَمَ نِعْمَةٍ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ وهِيَ بِعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَا يَكْفِي أَنْ نَحْتَفِلَ بذكره بألسنتنا، بَلْ بِأَخْلَاقِنَا وَبمُعَامَلَاتِنَا وتصرفاتنا، وليسأل كل واحد منا نفسه: هَلْ أَنَا أَشْبَهُ ِالنَّبِيِّ ﷺ في أخلاقي وفِي بَيْتِي؟ وفِي عَمَلِي؟ ومَعَ جَارِي؟ ومَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْرَحَ بِالنَّبِيِّ فَلْيُحْيِ سُنَّتَهُ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعَظِّمَ الْمَوْلِدَ فَلْيُعَظِّمْ هَدْيَهُ، وتذكروا أن من أطاع الله ورسوله فقد فاز ومن عصاهما فقد ضل وغوى، كما ورد ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُواْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى، [صحيح البخاري باب الاقتداء بسنن النبي ﷺ].
وَإليكم هَذِهِ الْأُمْنِيَةُ الَّتِي بَكَى مِنْ أَجْلِهَا الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فقد جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثْرَةِ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَلِمَتَهُ الْخَالِدَةَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
عباد الله: إنه مهما تحدثنا ومهما وصفنا سيرة نبينا ﷺ، فلن نستوفيه حقه ولن تتسع الكتب ولا الخطب لذكر سيرته ووصف أخلاقه وخلقه، وإنما نقول ما يرضي الله بالقدر الذي نستطيع، ونرجو من الله حسن الثواب وحسن القصد وحسن النية.
هذا وقد َتُوُفِّيَ ﷺ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَهُوَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَكَانَ آخِرُ كَلَامِهِ ﷺ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، [أَبُو دَاوُدَ]، اللهم كما آمنا به ولم نره فاجمع بيننا وبينه يوم المعاد في جنات النعيم، ولا تفرق بيننا وبينه ما دامت السموات والأرض.
عباد الله أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ القَدِيرِ القَائِلِ فِي مُحْكَمِ كِتابِهِ ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾، (الأَحزاب) ومَعْنَى الصَّلاةِ هُنا التَّعْظِيمُ والتشريف، فَاللهُ عَظَّمَ قَدْرَ محمَّدٍ وأَمَرَنا أَنْ نَطْلُبَ مِنْهُ سُبْحانَهُ أَنْ يَزِيدَ سَيِّدِنا محمَّدًا شَرَفًا وتَعْظِيمًا وأَنْ نَطْلُبَ لَهُ السَّلامَ أَيِ الأَمانَ مِمَّا يَخافُ عَلَى أُمَّتِهِ.
إِخْوَةَ الإِيمانِ: ولَقَدْ وَرَدَ في فَضْلِ الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَحادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْها ما رَواهُ النَّسائِيُّ قوله عليه الصلاة والسلام: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ أُمَّتِي صَلاةً مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرَ صَلَواتٍ، ورَفَعَهُ بِها عَشْرَ دَرَجاتٍ، وكَتَبَ لَهُ بِها عَشْرَ حَسَناتٍ، ومَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئاتٍ، وقالَ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ فِيما رَواهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ حِبّانَ إِنَّ أَوْلَى الناسِ بِي يَوْمَ القِيامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً، فاللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِنْهُمْ يا أَكْرَمَ الأَكْرَمِين.
اللَّهُمَّ صل وسلم وبارك على نبينا محمد وارْزُقْنَا مَحَبَّتَهُ وإتباع سُنَّتِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، اللَّهُمَّ اجْمَعْنَا بِهِ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى، وَاسْقِنَا مِنْ يَدِهِ شَرْبَةً هَنِيئَةً لا نظمأ بعدها أبدا، اللَّهُمَّ أَحْيِنَا عَلَى سُنَّتِهِ، وَأَمِتْنَا عَلَى مِلَّتِهِ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْعَمَلَ خَالِصًا لِوَجْهِكَ، واجعله ذخرا لنا يوم نلقاك، آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِين.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك وحبيبك ونبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، صلاة مقبولة لديك، مرضية لديه، واشفنا اللهم بها من كل داء، وأغننا اللهم بها عن كل دواء، وحصنا اللهم بها من كل بلاء، صلاة تفتح لنا بها أبواب الخير والرزق والرحمة، وتغلق بها عنا أبواب الشر والفقر والفتنة، وعلى آله وصحبه في كل ذرة ألف ألف مرة ﷺ
اللهم نشهدك يا ربّنا أنه قد بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف عنها الجهل والغمّة، اللهم أجزه عنا خير ما جازيت به نبيّا عن قومه، ورسولا عن أمته، اللهم أحينا على سنّته، وأمتنا على ملّته، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدا، اللهم كما آمنا به ولم نره فلا تفرّق في الآخرة بيننا وبينه، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم رفعنا إليك أيدينا بالدعاء فلا تردنا خائبين، ولا تجعلنا من عطاياك محرومين، وأعفو عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم، وصل وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Address

Mourouj 6
Tunis
2074

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when جامع الرحمن آية من آيات الله في عصرنا posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share