15/11/2018
الأساس القانوني لمسؤولية الناقل البحري للبضائع
المقدمــــــــة
يقوم النقل البحري للبضائع بدور هام في الحياة الاقتصادية لمختلف الدول، إذ إنه يعد عاملا مؤثراً في خطة التنمية الاقتصادية، ويمثل العمود الفقري والركيزة الأساسية لحركة التجارة الخارجية، كما يؤدي إلى نقل البضائع وتسليمها في الزمان والمكان المحددين لها، وحدثت تطورات تكنولوجية جذرية للنقل البحري في الفترة الواقعة ما بين اتفاقية بروكسل عام 1924م ،1968م واتفاقية هامبورغ عام 1978م مما دفع البعض أن يطلق عليها الثورة التكنولوجية في الملاحة البحرية، ومن مظاهر هذه الثورة مشاركة الدول النامية في النقل البحري للبضائع، الذي يعد من ركائز التبادل التجاري الدولي في الوقت الحاضر ، وإن مسألة الوقت والمواعيد تكتسب أهمية متزايدة خاصة بعد تسارع هذه العملية التجارية. فقد يحدث أن يتأخر الناقل البحري في ايصال البضاعة في الزمان والمكان المحددين . فما هو المقصود بالتأخير في عقد النقل البحري للبضائع في ظل القوانين الوطنية والاتفاقات الدولية ؟ وما هي الأضرار الاقتصادية الناتجة عن التأخير؟ وما مدى مسؤولية الناقل البحري عن تلك الأضرار؟ كل هذه المسائل تشكل موضوع بحثنا.
لاشك أن مسؤولية الناقل البحري تُعدُّ حجر الزاوية في القانون البحري ، كما تُعدُّ أهم موضوعات هذا القانون ، نظراً لكثرة القضايا التي تعرض أمام المحاكم والمتعلقة بالنقل البحري، ونظراً لما تثيره من منازعات بين الشاحنين والناقلين وبين هؤلاء وشركات التأمين التي يحيل إليها الشاحنون حقوقهم قبَل الناقل. وتعدُّ مسؤولية الناقل البحري في نقل البضائع مسؤولية تعاقدية أساسها الالتزام التعاقدي على عاتق الناقل البحري والمتمثل بنقل البضائع من ميناء القيام وإيصالها إلى ميناء الوصول سليمة كاملة .
إن الموءود ليس إلا مجلة التجارة البحرية فيما يتعلق بالقواعد و الأحكام المنظمة لعقد النقل الدولي البحري للبضائع و خاصة لمسؤولية الناقل. و لقد وأد هذا النص الوطني بامتياز لما صادقت الجمهورية التونسية على قواعد هامبورغ و زرعت في جسد القانون الوضعي التونسي هذه القواعد لتنسخ نظاما قانونيا حافظا لمصالح الطرف الضعيف في عقد النقل البحري للبضائع.
و أما النص المولود فيتمثل في اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بنقل البضائع كليا او جزئيا عبر البحر . فلقد تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 11/12/2009 وكانت قد أجازت المصادقة على هذا النص الدولي الجديد صلب فعاليات المؤتمر مطلق الصلاحية الذي انعقد بهولندا. وأوصت بتسمية هذه الاتفاقية "بقواعد روتردام" التي أمضت عليها إلى حد هذا اليوم واحد و عشرون دولة.
و تمثل هذه الاتفاقية الجديدة نسخة طبق الأصل من اتفاقية بروكسيل لسنة 1924 مع بعض التعديلات المواكبة للتطورات الرقمية و الالكترونية و ما افرزه النقل الدولي للبضائع من تعدد المتدخلين لتنفيذه جزئيا او كليا من "الباب إلى الباب".
ان هذا الهاجس المؤرق على السواء للدول المصنعة كالدول الفقيرة أو النامية أو الساعية للنمو يؤكد حجم المصالح المراد حمايتها على المحك الاقتصادي باعتماد القانون بتعلة التوحيد و التناغم بين النص الوطني و النص الدولي. على أن هذا الهاجس الاممي المتجلي عبر منظمة الأمم المتحدة للتجارة و التنمية قدم اليوم اتفاقية –عقد لم ير لها مثيل من قبل طالما نظمت و حددت هذه القواعد لأول مرة التزامات جميع الأطراف المتدخلة في تكوين و تنفيذ عقد النقل الشيء الذي جعل من موادها تناهز المائة .
و لا يقف هذا الرقم عند عدد البنود بل انه يمثل تلك السنين التي حاولت و تحاول خلالها الدول منذ سنة 1893 إلى حد اليوم تنظيم القواعد و الأحكام المنظمة للتجارة البحرية.
فلقد سعت الدول والهيئات الدولية منذ بداية القرن الماضي أسوة بقانون الولايات المتحدة الأمريكية لسنة 1893 لتوحيد القواعد والأحكام المنظمة لمسؤولية الناقل البحري للبضائع و ذلك بتبنّي اتفاقيتين دوليتين يفصل بينهما ما يزيد عن نصف قرن. أقامت الأولى مسؤولية مفترضة قانونا إلا أنّها مكّنت الناقل من عدة أسباب للإعفاء وأعلنت الثانية مسؤولية قوامها مبدأ الخطأ أو الإهمال المفترض.
إن هذا التعدد في النصوص الدولية التي تحاول استغراق النقل الدولي للبضائع عبر البحر يؤكد أهمية هذا النشاط التجاري على المستوى الوطني وعلى المستوى الدولي. و بين هذا و ذاك يكمن المطلب الخاص بكيفية تحقيق التوازن بين مصالح الدول الشاحنة التي تمثل الطرف الضعيف في عقد النقل البحري و الدول الناقلة التي تمثل الطرف القوي. و افرز هذا التعدد ضربا جديدا من التنازع بين النصوص القانونية الدولية ألا وهو تنازع الاتفاقيات الدولية.
إن التصدع الذي يعانيه قانون النقل الدولي للبضائع جعل البعض يقر بعبثية محاولات التوحيد الدولي للأحكام المنظمة لهذا القطاع شديد الحساسية على اقتصاديات الدول المعنية خاصة بالنظر إلى أحكام النص الجديد المسمى بقواعد روتردام الذي يعتبر إعلانا في صورة المصادقة عليه ودخوله حيز التنفيذ عن إغراق ابدي لخصوصية القواعد والأحكام المنظمة للنقل البحري للبضائع طالما أضحت الرحلة البحرية جزءا من نقل متعدد الوسائط أيا كانت الوسيلة المعتمدة برية ام جوية.
8-إن القواعد والأحكام المنظّمة لمادة المسؤولية تعتبر أهمّ المسائل القانونية التي يطرحها قانون العقد ، ذلك أنّ مادة النقل البحري للبضائع مادة حيوية وإستراتيجية، وهي أهمّ ركائز الاقتصاد الوطني والدولي، باعتبار وأنّ النقل البحري يعتبر أهمّ وسيلة للمبادلات التجارية لكلّ من الدول المصنّعة والدول النامية او الساعية للنموّ، خاصة وأن عقد النقل يعدّ المكمّل الضروري لعقد البيع ويرتبط ارتباطا وثيقا به .
وتنشا أغلب النزاعات عن عدم تنفيذ العقد كليا أو جزئيا لتبرز القواعد والأحكام المنظّمة للمسؤولية كضمانات كفيلة بمواجهة الخسائر المالية الهامّة والهائلة الناتجة عن الأضرار المحقّقة بالبضائع وخاصة الضرر بعنوان التأخير في تسليمها .
على أنّ الخصوصية الخالدة لهذه المادة تطلّبت تضامنا وتوزيعا خاصين للمسؤولية نتيجة المخاطر التي يكتنفها هذا النقل والتي جعلت من نظام المسؤولية مجالا شاسعا لتجليّات القوى وعنوانا للسيطرة والهيمنة وأساسا بعد عولمة الاقتصاد مما صيّر العالم منطقة صناعية .
وبفضل استجابة القانون الأصولية للحاجيات الإجتماعية والإقتصادية تمثّلت فيه الدول, القادم الجديد, "سفينة نوح" لتعصم من طوفان أسباب الإعفاء من المسؤولية التي تضمّنتها اتفاقية بروكسيل لسنة 1924 و م ت ب ، عبر تمثّل موحّد للحق وللعدالة تجلى في قواعد هامبورغ.
على أنّ الدول التي صنعت الطوفان وصنعت السفينة في آن, أدركت أنّ تطلّعات القادم الجديد إلى الساحة الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، المشحونة صلب المؤتمرات الدبلوماسية، لن تحيد عن الواقعية الإقتصادية بفضل آليات أهمّها التوافق كسلاح تستنجد به الدول المتقّدمة أمام الأغلبية الآلية للدول في طور النموّ داخل المؤتمرات مطلقة الصلاحية لصياغة أحكام لمسؤولية الناقل البحري للبضائع حسب القياس المطلوب.
إن تأصيل أحكام المسؤولية لهذه المادة القانونية (المبحث الأول ) يبرز مدى رغبة الدول المتقدمة و حرصها الشديد على تنظيم هذا المجال الحيوي و الاستراتيجي الذي لم يكن خاضعا إلا إلى ما تعارف عليه التجار من أعراف.
على أن هذا التدخل الرسمي افرز خصوصية النظام القانوني المهاجر من مدينة إلى أخرى بدأت ببروكسيل سنة 1924 لتنتهي بروتردام اواخرسنة 2009 مرورا بهامبورغ سنة 1987 و هو ما يطرح في محايثة لهذا الجهد التشريعي الدولي مكانة قواعد هامبورغ التي صادقت عليها الجمهورية التونسية عبر التأمل في إشكالية الأساس القانوني الذي انبنت عليه (المبحث الثاني) في سعي للبحث عن إمكانية بعث جديد للنص الوطني.
المبحث الأول
تأصيل أحكام المسؤولية
إن مادة النقل البحري للبضائع وتحديدا القواعد المقررة للمسؤولية تكاد تكون أكثر المسائل المثيرة للجدل والاختلاف والتنوع نتيجة تضارب المصالح وتقابلها و خاصة بعد مرور الولايات المتحدة إلى الساحة الدولية عبر منظمة الأمم المتحدة للتجارة و التنمية.
و لم تكن مسؤولية الناقل نظاما وقواعد مجالا للاختلاف أو السيطرة أو الهيمنة إلا بعد تدخّل الدول قصد تقنينها رغبة في توحيدها(ب) فهذه المسؤولية كانت خاضعة لتعارف التجّار على قواعد التجارة البحرية، كأعراف متغلغلة في القدم (أ) قدم هذا النشاط التجاري لذلك فشلت أضخم محاولة لتأصيلها .
أ- هيمنة الأعراف
لئن سعت السلطة الرسمية لاحتكار هذه التجارة والاستئثار بالسفن الكبيرة على غرار ما حصل في مصر القديمة إلا انّ هذه السلطة احترمت العرف كأهمّ مصدر تشريعي وأحاطته بهالة من القدسية منعت عن الفرعون نفسه مخالفته . وكانت لبلاد ما بين النهرين أنشطة تجارية بحرية نشيطة تجاوزت خليج البصرة ومرافئ دجلة والفرات وصلت إلى الهند وشرقي إفريقيا. وازدهرت بفضلها البلاد ازدهارا كبيرا. و وقع تدوين بعض الأحكام والقواعد المنظمة لعقد الرهن، وعقد الوديعة وعقد إيجار السفن على شكل ألواح طينية وخشبية وجلدية على غرار قانون أنشونا" سنة 1935 ق.م .
واعتنى قانون حمورابي بتنظيم التجارة من الفصول 101 إلى 107 إلّا أنّ قواعد المسؤولية حافظت على كيانها العرفي بالرغم من أهمية التجارة البحرية في حياة الفينيقيين. أتاحت لهم السيطرة على التجارة البحرية عالميا ردحا من الزمان. فكانوا السبّاقين إلى إيجاد قواعد تنظّم العقود والمسؤولية ومن ذلك ترتيب مسؤولية ربّان السفينة تجاه مالكها وتحديد الالتزامات في حالة الخسارة المشتركة ، وتنظيم قرض المخاطرة الجسيمة وهو أصل التأمين البحري . فكان نظام المسؤولية قائما على حدّين أوّلهما المخاطرة بركوب البحر وثانيهما الثروة لتتوزّع المسؤولية بين الناقل وصاحب البضاعة في إطار المغامرة.
وأدّى إنشاء المستعمرات الإغريقية إلى ازدهار التجارة وازدياد الثروة. وحافظت الأعراف على مكانتها فلم يقع تدوين كل الأعراف في اليونان ليخضع التعاقد في ظلّ الديمقراطية الأثينية لمبدأ الحرية التعاقدية . واعتبرت قرطاج الوريث الشرعي للفينيقيين فهي قبل كلّ شيء "مدينة ملاحة ورجال بحر وتجارة بحرية...ولدت لتسيطر على البحر المتوسّط.." .
وأخرجت قرطاج الإمبراطورية الرومانية من الاقتصاد البدائي المحدود في القرن4 ق.م من خلال عقد اتفاقات تجارية معها . ولم يكن للقانون الروماني أيّ فضل في تطوّر قواعد المسؤولية, رغم تعامل الرومان مع البحر, بسبب استعصاء فهمهم للأعراف والقواعد البحرية السائدة في الشرق, باستثناء إقرار إمكانية مطالبة مجهّز السفينة مباشرة استنادا على قواعد الوكالة .
ونشأ القانون الروماني كغيره من الشرائع نشأة عرفية. ولم يقع تحويل الأعراف السائدة إلى قواعد مقنّنة إلّا في النادر من الأحوال. ولم يتعرّض قانون الألواح الإثني عشر (449 ق.م) إلّا للمسائل الأساسية تاركا الأمور التفصيلية للأحكام العرفية .
ولمّا تولّى جوستينان الحكم لم يلغ "الأم الرفيعة للحقوق" التي تمثّلت في مدرسة بيروت, ليبعث القانون الروماني من جديد بفضل المدوّنة التي جمعت القانون القديم. وتضمّنت بابا خصّص لقواعد تنظم إلقاء البضائع في البحر تجنّبا لخطر محدق معنون بـ « De Lege Rhodia de Jactu » . وبقيت هذه القواعد إلى جانب الأعراف نافذة واندرجت بقية القواعد المنظّمة لمسؤولية الناقل البحري للبضائع صلب القواعد العامة للمسؤولية .
ولئن اشتهر العرب بالتجارة ورحلات القوافل إلّا أنهم سادوا البرّ لا البحر رغم الرأي القائل بأهمية دورهم في التجارة البحرية . وإثر انتشار الإسلام فتحا وأسوة اهتمّ المسلمون بالأساطيل البحرية الحربية . واندرج عقد النقل البحري في إطار عقد الإجارة. وعالج الفقهاء المسلمون مسألة التعاقد مع "المكّاري" وهو الشخص الذي يتعهّد بنقل البضائع، بواسطة، مقابل أجرة .
ولم تختصّ مسؤولية الناقل البحري للبضائع بنظام خاصّ لأنّ الفقه الإسلامي لم يفرّق بين أنواع العقود . فلقد عالج الفقهاء مسألة "طرح البحر عند الهول"، وهي عرف فينيقي قديم، يعتبر واحدا من جملة الأعراف التي كانت مصدرا أصليا للتشريع الإسلامي الخاصّ, الذي قسّم الأعراف من حيث مظهرها إلى قولية وعملية, ومن حيث شموليتها إلى عامّة وخاصّة, ومن حيث مشروعيتها إلى صحيحة وفاسدة, لتكون كلّما لم تتعارض مع القرآن والسنّة حجّة تبنى عليها الأحكام المنظّمة للمسؤولية.
ب- إشكالية التدوين
شهد العصر الوسيط أوّل مخطوط تضمّن قواعد مكتوبة نظّمت المسؤولية، تمثّل في الأمر البحري لمدينة "تراني" الإيطالية 1063م. أشار إلى سجّل السفينة ودور الكاتب الذي يقع اصطحابه خصّيصا لتلقّي إعلامات أصحاب البضائع, الذين كانوا يرافقونها على ظهر السفن الناقلة. وتأتّى عن إخلالهم بواجبات الإعلام عدم تحمّل الناقل لأيّة مسؤولية عن الهلاك أو النقص أو الفقد الذي يلحق البضائع .
كما وجدت مجموعات جمعت عدة قواعد وأعراف على غرار "مجموعة أوليرون". انطبقت أحكامها على المواني الفرنسية المطلّة على الأطلسي. وأقرّ فصلها الثاني بمسؤولية الربّان تجاه مالكها وأصحاب البضائع إذا ما خالف رأي البحّارة قبل الإبحار بسبب سوء الأحوال الجوية. وأقرّ فصلها العاشر ضرورة التعويض في صورة الإخلال بموجبات الرصّ وتستيف البضائع. كما وجدت مجموعة ثانية أطلق عليه اسم "قنصلية البحر" تضمّنت فقه قضاء محكمة برشلونة ومجموعة ثالثة تعلّقت بالتأمين البحري أطلق عليها اسم "مرشد البحر" .
وبرز من خلال هذه المجموعات ونطاق انطباقها في هذه الفترة سيادة بعض الدول على مناطق بحرية من المتوسّط و بحر الشمال. فلقد أخضعت الدانمارك مثلا بحر البلطيق وعديد المناطق من بحر الشمال إلى سيادتها. واستندت كلّ من اسبانيا والبرتغال على براءة البابا اسكندر السادس في القرن 15 م لتكريس حقّهما في الملاحة والتجارة البحرية. أمّا بريطانيا فلقد احتكرت, استنادا إلى قانون كراموال لسنة 1650م, الملاحة والتجارة على كثير من المناطق البحرية. ولم تسمح لبقية الدول بالتجارة إلّا شرط اقتسام الأرباح مناصفة, ممّا أدّى إلى نشوب صراعات خاصّة مع هولاندا التي تصدّت إلى الاحتكار البريطاني. وطالبت بتكريس مبدأ الحرية البحرية الذي دافع عنه الفقيه « Grotius » ، لتأصيل مبدأ الحرية التعاقدية الذي انبنى على "حرية الفرد حريّة مطلقة لا تقيّدها سلطة خارجية أو أيّ قانون باستثناء ما يرتضيه الفرد لنفسه" .
وانتصرت عديد الأنظمة القانونية لهذا المبدأ, على غرار القانون السويدي لسنة 1667م، المرسوم الفرنسي لسنة 1681م، القانون النرويجي لسنة 1683م، مرسوم بيلباو لسنة 1737م والقانون الألماني لسنة 1794م .
وتعدّدت الأنظمة المنظمّة لمسؤولية الناقل البحري للبضائع. واختلفت بحسب المصلحة المراد حمايتها. وانعكست أهمية قواعد المسؤولية على الشروط التعاقدية. وفرض الناقل بموجب حجم القوة التي يمتلك شروطه الإعفائية من المسؤولية , لتتعدّد المطالب بإيجاد الحلول الكفيلة للحدّ من تسلّط الناقلين. فكان اجتماع مدنية ليفربول سنة 1882 تقرّر خلاله لأوّل مرّة تضمين سندات الشحن مفهوم العناية المعقولة كالتزام يثقل كاهل الناقل, إلّا أنّه, في المقابل, تقرّر وضع سقف قانوني للتعويض. واعتمدت هذه الصيغة صلب قواعد هامبورغ لسنة 1885 .
وتواصلت هيمنة الشروط الإعفائية من المسؤولية لفائدة الناقل البحري للبضائع إلى أن جاءت ردّة الفعل بتبنّي قانون هارتر الأمريكي لسنة 1893 الذي مثّل أوّل نظام قانوني للمسؤولية. ووضع القانون الأمريكي حدّا تشريعيا لإمكانية الاتّفاق على الإعفاء من المسؤولية. ووسّع من نطاق انطباقه ليشمل جميع عقود النقل التي تتّخذ أحد مواني الولايات المتحدة الأمريكية للشحن أو التفريغ . وتمّ تبرير إبطال هذه الشروط بناء على مفهوم "عدم تكافئ القوى في الأعمال" « Unequal bargaining power » .
واستلهمت عدّة قوانين وطنية هذا النظام المقرّر للمسؤولية على غرار القانون الأسترالي لسنة 1904 والقانون الزيليندي لسنة 1909 والظهير المغربي لسنة 1919. ومثّلت هذه القوانين محاولات وطنية للتصدّي لهيمنة الناقلين الذين تضاعف قلقهم الطبيعي لتحديد شروط قيام مسؤولياتهم ونطاقها . فكان لزاما عليهم السعي إلى توحيد القواعد والأحكام المنظّمة للمسؤولية على الصعيد الدولي استئناسا ببقية أنواع النقل الأخرى.
29-عهدت هذه المهمّة إلى اللجنة الدولية البحرية فكانت اتفاقية بروكسل لسنة 1924. وأقامت هذه الاتفاقية مسؤولية مفترضة قانونا لم تمسح جميع المسائل المتعلّقة بالنقل البحري للبضائع. واتّسمت قواعدها بالغموض وخاصة فيما يتعلّق بنطاق المسؤولية. ولم تفلح التعديلات المقرّرة لأحكامها، بموجب تعديلي 28 فيفري 1968 وبروتوكول لاهاي فيسبي المؤرخ في 21 ديسمبر 1979، في المحافظة على وحدة القانون الدولي الذي شهد تصدّعا متواصلا، تدعّم بتبنّي قواعد هامبورغ التي قامت على أساس التسوية بين المصالح لتزاحم كنصّ دولي رابع اتفاقية بروكسيل لسنة 1924.
و تبشر لجنة الأمم المتحدة حول التجارة والتنمية بميلاد قواعد روتردام لتحل كنص خامس إلى جانب ما سبق لحسم جميع المشاكل و الإشكاليات القانونية فهو البديل المنتظر منذ عقود باعتبار مظاهر التجديد مقارنة بالنصوص السابقة كإجازة النقل بواسطة السجل الالكتروني و التحديد التفصيلي لالتزامات أطراف عقد النقل و الأطراف المتدخلة لتنفيذه الشيء الذي جعل مواد هذه الاتفاقية الجديدة تبلغ المائة مبوبة في عدد 20 فصلا على أن هذا النص الدولي المنتظر أقام جسرا للمرور إلى إعادة إطلاق عنان الحرية التعاقدية من خلال تنظيم العقد الكمي فضلا عن انه نص مستنسخ عن اتفاقية بروكسيل لسنة 1924 وخاصة بروتوكول لاهاي فيسبي لسنة 1979 أي العودة الصريحة لحالات التفصي من المسؤولية التي يمتع بها الناقل البحري للبضائع. وتفوق هذه الحالات ضعف ما ورد بمجلة التجارة البحرية لسنة 1962.
و يطرح تساؤل مركزي على الدولة التونسية يتعلق بموقفها من هذه القواعد الجديدة فهل أن كرم الضيافة خلال مؤتمر روتردام في سبتمبر2009 قد أعلن صراحة عن أحقية النص الوطني في بعث جديد بعد وئده بداية من 01/11/1992 خاصة أمام التماثل الثابت بين طبيعة ونظام المسؤولية صلب مجلة 1962 و قواعد روتردام أم ستتمسك الدولة التونسية باختيار الانضمام إلى قواعد هامبورغ بالرغم من الصعوبات التطبيقية التي تشهدها هذه المادة .
المبحث الثاني
قواعد هامبورغ وإشكالية الأساس القانوني للمسؤولية
إن التأمّل في الأساس القانوني لمسؤولية الناقل البحري للبضائع صلب قواعد هامبورغ يمر قطعا عبر دراسة نص الملحق II لهذه الاتفاقية وأحكام الفصلين 5 و 16 منها تحديدا. إن هذا المثلث يمثل مناط التأسيس القانوني للمسؤولية. وتكمن أهمية الرجوع إلى نصّ الملــــــحق اا II لقواعد هامبورغ وأحكام و الفصلين 5 و16 في خصوصية أساس المسؤولية (أ) والارتباط الوثيق بين القيمة القانونية لنصّ هذا الملحقII مقارنة بنصوص الاتفاقية والآثار القانونية المترتبة عن حجية السند المثبت لعقد النقل البحري للبضائع. إن هذا التحليل يمكن من تحديد النص الأمثل طبيعة و نظاما لتبرير الاختيار التشريعي(ب).
أ-خصوصية النظام القانوني للمسؤولية
لقد برزت خصوصية النظام القانوني لمسؤولية الناقل صلب قواعد هامبورغ من خلال الاخـــــــــتلاف الشديد للفقه حول تحديد الطبيعة القانونية لهذه المسؤولية انطلاقا من الفصل5 و حول الأساس القانوني الذي انبنت عليه. فلقد تراوحت الآراء بين اعتبارها مسؤولية مفترضة قانونا لا يمكن أن تكون إلّا كذلك ، واعتبارها مسؤولية قائمة على مبدأ الخطأ أو الإهمال المفترض .
وتأتّى هــــــــــــذا الاختلاف علاوة على غموض التأسيس صلب أحكام الفقرة 1 من الفصل 5، من خلال الاختلاف في تحديد القيمة القانونية لمقتضيات الملحـــــق II كجزء من بنية الاتفاقية الدولية الذي استغربه جانب من الفقه ، واعتبره جانب آخر باطلا بطلانا مطلقا مقارنة بأحكام الفصل 5 ، واعتبره البعض الآخر آلية من آليات تفسير قواعد وأحكام المسؤولية . ورأى فيه جانب أخير نفس القوة الإلزامية لنــــــــصوص المعاهدة .
وأثّر هذا الاختلاف بدوره في تحديد الطبيعة القانونية لالتزام الناقل البحري للبضائع. فالأصل أنه التزام لا يختلف عن أيّ التزام يثقل كاهل أيّ ناقل مهما اختلفت الوسيلة المعتمدة في النقل ومهما تغيّر الفضاء المتّسع لتحقيق نقل البضاعة من مكان التسلّم إلى مكان التسليم. إلّا أنّ الفقهاء، بتمثّلاتهم للحقّ وللعدالة، منهم من تجاوز منطوق النصّ لاعتباره التزاما بتحقيق نتيجة ، ومنهم من كشف النقاب عن حقيقة قانونية جعلت منه التزاما ببذل عناية . وتتوسّط هذا الاختلاف أحكام الفصل 16 التي تجاوزت التأسيس القانوني للمسؤولية لتعلن عن قوّة ثبوتية للتنصيصات والبيانات التي يتضمّنها سند الشحن تختلف باختلاف الأطراف إذ تتراوح بين القوّة الثبوتية القاطعة والقوة الثبوتية النسبية بحسب قابلية هذا السند للتداول المؤثّرة بدورها في نطاق المسؤولية وطبيعتها القانونية.
وبرز من ضميمة هذه الأحكام إلى بعضها الاختلاف الفقهي اختلاف في تمثّلات الحقّ والعدالة. وجدت في غموض أحكام الفصل 5 وفي المعلن صلب الملحق II للقواعد مجالا شاسعا لتأويلات متناقضة. فلقد غابت مبدئيا مقوّمات القاعدة القانونية صلب الفصلين 5 و16 نتيجة تداخل الدور الصياغي للمشرّع والدور الاستقرائي للقاضي، بفعل مصاهرة عائلتين قانونيتين تمثّلتا في النظام القانوني الروماني-الجرماني والنظام القانوني الأنقلوسكسوني .
لقد تطلّب الفصل 5 عدد 7 فقرات برمّتها مغرقة في التفصيل تضمّنت أكثر من فرض استوجب أكثر من حلّ. كما تطلّب الفصل 16 عدد 4 فقرات كاملة وإحالة ضمنية على الفصل 17. على أنّ صياغة الفقرة 1 من الفصل 5 ونصّ الملحق II جاءت مستجيبة للعمومية والتجريد والإلزامية، المتوفّرة في النصّ والمختلف في شأنها صلب الملحق، وبين هذه الفقرة ونصّ الملحق تجلّى الغموض في التأسيس واستعصت عن الوضوح معالم التكريس خاصّة بإعمال التجريد استعارة من نظام الأوراق التجارية كمبنى للصبغة التداولية لسند الشحن عبر نطاق قوّته الثبوتية.
ولئن صادقت الجمهورية التونسية على قواعد هامبورغ بموجب القانون عدد 30-80 لسنة 1980 المؤرخ في 28 ماي 1980، ممّا صيّرها جزءا من النظام القانوني الوضعي. نشرت بموجب الأمر عدد 117 81 لسنة 1981 المؤرخ في 17 جانفي 1981، وقلّصت من نطاق انطباق مجلة التجارة البحرية ليقتصر على النقل البحري الداخلي وعلى بعض المؤسسات بإحالة صريحة من قواعــــــــد هامبورغ.
فإنّ محكمة التعقيب ومنذ دخول قواعد هامبورغ حيّز التنفيذ في غرة نوفمبر 1992 الى حد اليوم "...لم تعط أهمية تذكر لمسألة تطبيق إتفاقية هامبورغ وعلويتها على مبادئ القانون الوطني التي نظّمتها مجلة التجارة البحرية لندرة القرارات التعقيبية وذلك في الفترة الممتدة من سنة 1992 إلى سنة 1998" .
و رأى جانب من الفقه أنّ محكمة القانون "لم تتخلّ عمّا أنجزت منذ صدور مجلة التجارة البحرية عام 1962 من فقه قضاء متكامل ومتناسق أو يكاد...فاستبعدت أحكام المعاهدة بالرغم من تطابقها كما استبعدتها بالرغم من تناقضها" .
39- مثّلت هذه المعاينة لفقه القضاء التونسي تجلّيا أفقيا للصعوبات التطبيقية لقواعد هامبورغ وخاصّة نتيجة المراوحة بين أحكام الفصلين 5 و16. إنّ ندرة القرارات قد لا تعني التجاهل والاستبعاد بالرغم من التطابق أو من التناقض، وقد لا يعني ذلك الانتصار لفقه قضاء سابق متكامل أو متناسق، ذلك أنّ هذا المنحى يستصغر القواعد القانونية ويستصغر تمثل الحقّ والعدل لدى المتقاضي ، وخاصّة عندما تتسرّع السلطة السياسية في تبنّي النصوص الدولية بالمصادقة والانضمام فتضع السلطة القضائية في مأزق .
على أنّ هذا التسرّع أهدى للقاضي الوطني نصّا غامضا يفعّل بالضرورة دوره الخلاّق . إلاّ أنّه من الثابت أنّ القاضي يواجه صعوبات عديدة أولها أنّ قواعد هامبورغ جاءت بستّ لغات تتساوى في الحجية حسب منطوق الفصل 34 فقرة 2 . وأكّد الفصل 3 منها أنّ تفسير قواعدها يجب أن يراعي طابعها الدولي وضرورة الالتزام بنهج موحّد مما يجعلها خاضعة لقواعد التفسير التي تضمّنتها اتفاقية فيانا لسنة 1969 وتحديدا الفصول من 31 إلى 33.
أمّا الصعوبة الثانية فهي مزدوجة ضرورة أنّ القاضي محمول على علمه بالقانون، لكنّ قواعد هامبورغ منذ تبنّيها سنة 1978 بقيت في انتظار اكتمال نصاب دخولها حيّز التنفيذ وهو ما تحقّق سنة 1992. واستمر اعتماد أحكام مجلة التجارة البحرية. وطالما يحدّد الأطراف رقعة النزاع وأسانيدهم القانونية تواصل الاستناد إلى أحكام مجلة 1962.
ولم يثر القاضي من تلقاء نفسه الدفع المتعلّق بالمساس بقواعد النظام العام الدولي. وواصل النظر بالاستناد إلى أحكام مجلة التجارة البحرية.
43- أمّا الصعوبة الثالثة فتمثّلت في المراوحة بين تطبيق قواعد هامبورغ وأحكام مجلة 1962 وكأنّهما نصّان متكاملان يتمّم الثاني ما تخلّف من قواعد صلب الأول دون الالتفات إلى نصّ الفصل 32 دستوريّا ولا إلى أحكام الفصل 2 من قواعد هامبروغ ولا إلى أحكام الفصل 38 م.ق.د.خ. ولم تتوان محكمة القانون من القول بإمكانية استبعاد الاتفاقية دون تعليل أو شرح .
لقد تضافرت هذه الصعوبات لتبرز أحكاما قضائيا لو غيّبت فيها درجة الحكم لحازت على مقوّمات القرار التعقيبي وفي المقابل أبرزت جلّ القرارات التعقيبية جدّية التساؤل المتعلّق بتحوّل محكمة القانون إلى محكمة أصل من جهة ولتبرز تناقضا بدا كقدر يحكم فقه القضاء التونسي من جهة ثانية.
وبالرغم من أهمية القواعد والأحكام التي قامت عليها مسؤولية الناقل صلب قواعد هامبورغ فإنّ فقه القضاء في مجمله تجاهلها وانتصر لأحكام مجلة التجارة البحرية وخاصّة أحكام الفصلين 144 و145. وحتى القرارات القليلة ، التي أقرّت علوية أحكام الفصل5 والفصل 16، فإنّها اعتمدت مراوحة بين النصّ الناسخ والنصّ المنسوخ خلافا لأحكام الفصل 542 من م.ا.ع، لتوسّع الضيّق وتضيّق الواسع وكأنّ شيئا لم يتغيّر في أساس المسؤولية .
ب-تبرير الاختيار التشريعي
لقد اجتمع فقه القضاء التونسي عموما مع إرادة واضعي النصّ الدولي لإعلان احتضار قواعد هامبورغ بالسعي الحالي إلى استبدالها "بقواعد روتردام" التي تمثل نقلة نوعية في مجال قواعد المسؤولية خاصة بالنظر إلى نطاق انطباقها إذ أنها عبارة عن اتفاقية نقل متعدد الوسائط يتخلله جزء بحري قائمة على مفهوم النقل من "الباب إلى الباب". وملامح النصّ الجديد تؤكّد أنه صورة طبق الأصل لاتفاقية بروكسيل لسنة 1924 مع بعض التعديلات بحسب المتغيّرات الاقتصادية والتجارية والمعلوماتية. بدعوى ضرورة توحيد القواعد والأحكام المنظّمة لمسؤولية الناقل البحري. فهل عجزت قواعد هامبورغ رغم التهليل لمولدها عن القيام كنصّ دولي موحّد للأحكام المنظّمة للمسؤولية قوامها مبدأ الخطأ أو الإهمال المفترض ؟ وهل لا بدّ للسلطة السياسية أن ترتمي دائما في أحضان هذه "الرغبة" الدولية أيّا كان الأساس القانوني المقترح ؟
47- لقد قطعت قواعد هامبورغ – مبدئيا - مع الدليل المطوّل لأسباب الإعفاء التي لم تحضر إلّا للتخفيف من شدّة قرينة المسؤولية، سواء صلب اتفاقية 1924 أو صلب مجلة التجارة البحرية لسنة 1962. ومثّل تراجع القواعد عن تلك الحالات حدثا قانونيا على الصعيد الدولي، إلا أنّه تزامن مع مراجعة التأسيس القانوني. ومكّنت هذه المراجعة الخطأ من استعادة سيادة توافقية من خلال المعلن صلب الملحق II وأحكام الفصل 5 للحضور كأساس مفترض قانونا لتحميل الناقل البحري للبضائع مسؤولية الخسارة الناتجة عن الأضرار المحقّقة بالبضائع أو الناتجة عن التأخير في تسليمها.
وأريدَ لقرينة الخطأ أو الإهمال أن تنهض كبديل لقرينة المسؤولية إلاّ أنّ أحكام الفصلين 5 و16 في مراوحة مع نصّ الملحق طرحت عدة أسئلة بآفاق استفهامية متداخلة؛ فالطبيعة الثلاثية لعقد النقل البحري للبضائع استوجبت قيام نوعين من العلاقات أوّلها علاقة الناقل بالشاحن وثانيها علاقة الناقل بالطرف الثالث بما في ذلك أيّ مرسل إليه. وتطلّبت هذه الازدواجية قواعد وأحكاما تختلف باختلاف المصلحة أو المصالح المراد حمايتها خاصّة إذا استغرق سند الشحن عقد النقل. و تستعير هذه الوثيقة من الورقة التجارية قابليتها للتداول وللتظهير.
وتمنح الشخص الحامل لها جميع الحقوق المترتّبة عن ملكية البضائع. على أنّ أهمية الوثيقة تكمن في اعتماد البيانات والتنصيصات المضمنة بها بعلم الناقل، مُصدرها، في جميع المعاملات المالية والبنكية والتأمينية. وكلما توفّر حسن النية لدى الطرف الثالث، بما في ذلك أيّ مرسل إليه، إلا وتغيّرت وضعية الناقل الذي وإن يقبل منه إثبات ما يخالف البيانات والتنصيصات المضمّنة بالسند في مواجهة الشاحن صلب العلاقة الأصلية فإنّ هذا الإثبات مرفوض قطعيا كلّما انتقل السند إلى الطرف الثالث حسن النية الذي تصرّف اعتمادا على البيان أو التنصيص.
لقد قدّم الفصل 16، فيما قدّم، نظاما خاصّا لحجيّة سند الشحن ومفاعيلا للتحفّظات التي للناقل إدراجها بهذه الوثيقة، رتّبت قوّة ثبوتية قاطعة للبيانات أو التنصيصات، التي يصرّح بها الشاحن والمتعلّقة بالطبيعة العامة للبضائع، عددا أو وزنا أو كمية، لتتجلّى من أحكام الفصل 16 مقوّمات قرينة المسؤولية عبر إقرار استثناءات أصلية لعبء الإثبات. على أنّ هذا التجاور أو التداول في التأسيس مطلب عزيز على من انتصر إلى قواعد هامبورغ وتمثّل فيها ضمانا للطرف الضعيف في عقد النقل البحري للبضائع . وتمثّل في سند الشحن تأمينا مجرّدا لجميع المتدخّلين في هذا المجال وكفالة لسلامة واستقرار المعاملات المالية والبنكية وإعلاء لثقة مجرّدة تحكم المادة التجارية .
وفي المقابل اعتبرت هذه الأحكام انتكاسة وفخّا ، وقعت فيه الدول التي ضاقت ذرعا من استئساد الناقل، لأنّها رأت في التحفّظات حقّا له سواء أتاه أم لم يأته فـ"لا ضرر ولا ضرار" .
ولم ينشأ هذا الاختلاف في الرؤى إلّا نتيجة غموض التأسيس، غموض تأتّى من أحكام الفقرة 1 من الفصل 5 التي جعلت من جميع التدابير المعقولة معيارا أوحد لقيام الخطأ أو الإهمال كأنموذج يتحدّد من خلال كلّ حادث يقع أثناء امتداد التعهد بالبضائع.
وتأتّى كذلك من تخلّي أحكام الفصل 5 عن قيامها كنصّ دولي موحّد لتحيل جانبا من مجال انطباقها إلى القوانين الوطنية أو اللوائح السارية في مواني الشحن والتفريغ. ومثّلت هذه الإحالة، التي ولئن جاءت حصرية، مطية لفقه القضاء التونسي لاستعادة سحر أحكام مجلة 1962 والانتصار لقواعدها بالاستناد خاصّة إلى ديباجة الاتفاقية وهو ما مكّن الجمل من أن يلج في سمّ الخياط .
51-إنّ التأمّل في تجليّات قرينة الخطأ أو الإهمال كأساس قانوني معلن من خارج النص ومدعّم تأويلا بمنطوق الفقرة 1 من الفصل 5، كشف النقاب عن حضور مقوّمات لقرينة مسؤولية مشدّدة داخل أحكام الفصل 16.
وقد تكفّلت الفقرات الأربع الأخيرة من الفصل 5 بإبراز ملامح هذا التجاور أو التداول.و تجاوزت أحكامها التأسيس القانوني لتعلن عن حدود للمسؤولية تستجيب من جهة لمتطلّبات التخفيف من قرينة الخطأ أو الإهمال بإقرار صريح لتجزئة المسؤولية عند اجتماع سبب آخر مع الخطأ في إحداث الأضرار.
وتستجيب من جهة أخرى لمتطلّبات التخفيف من قرينة المسؤولية بإقرار حالات ثلاث للإعفاء لا تستساغ في نظام قانوني مبني على قرينة الخطأ أو الإهمال الذي غيّب كلّيا.
لقد انبنت مسؤولية الناقل البحري للبضائع صلب قواعد هامبورغ على قرينة الخطأ أو الإهــــــمال وهو ما استروح من نصّ الملحق اا و أحكام الفصل 5. على أنّ قيام هذا التأسيس مرتبط ارتباطا وثيــقا بالتنصيصات والبيانات التي يتضمّنها سند الشحن كأهمّ وثيقة مثبتة لانعقاد عـــــــــــقد النقل البحري للبضائع بفضل نظام التحفّظات والحجيّة كيفما يتجلّى من أحكام الفصل 16 ليتأكد التجاور فـــــــــــــي التأسـيس .
إنّ رغبة تحقيق تناغم القانون الوطني مع القانون الدولي لا تتحقّق بالضرورة عـــــــــبر المصادقة والانضمام المباشر كيفما اتّفق وإنّما قد تتحقّق عبر مراجعة للمكاسب التشريعية الوطـــــــنية وخاصّة مجلة 1962، التي أكّدت أفضليتها عن اتفاقية بروكسيل لسنة 1924، رغم تماثل الطـــــــبيعة القانونية للمسؤولية. وتتأكّد أفضليتها بناء على الاتفاقية الجديدة الذي مثّل عودا على بدء بمعـــــــنى الرجوع إلى الدليل المطوّل لأسباب الإعفاء من المسؤولية . ان افضلية م ت ب تتجلى عبر عدم امـــــــكانية تفصي الناقل من المسؤولية حتى اذا ما اثبت توفر حالة من حالات الإعفاء الواردة حصرا إذ انـــــــــه مطالب بإثبات انعدام إتيانه علاوة على ذلك لخطا او إهمال.
أفلم يئن للمشرع التونسي التدخل عبر مراجعة مجلة التجارة البحرية بالسعي إلى تحيينها وتوحيد أحكام مع المتطلبات الدولية؟تحتمل كل قاعدة قانونية قصورا قد يؤدي إلى استصغارها ولا تخرج قواعد هامبورغ عن هذه الحقيقة خاصة وأنها تحتوي صلب الفصل 16 والفصل 5 المدعّم بنص الملحق II أهم المسائل الأساسية التي يطرحها قانون العقد .
فلقد أعلن هذا الملحق أنّ مسؤولية الناقل تقوم بموجب هذه الاتفاقية على قرينة الخطأ أو الإهمال، قرينة جاءت كقاعدة وهو ما تأكد صلب الفقرة 1 من الفصل 5 في جزئها الأول الذي أعلن عن مبدأ بدا ثابتا ومطلقا إلا أنه لم يصمد كثيرا واستعصى، عبر نطاقه وتجلياته من خلال المراوحة بين الفصل 5 و الفصل 16، عن التحلّي بهذه المقوّمات ليتأكّد دائما أنّ كلّ نظام معيّن مقرّر للمسؤولية يستمدّ خصوصيته من خلال هذا الشرط المتغيّر المضاف إلى ثوابت قيام المسؤولية .
وتطلّبت مسؤولية الناقل البحري للبضائع لتأسيسها فصلا بسبع فقرات كاملة. وتطلّب إضافة إلى ذلك تفاهما عاما تجلّى عبر الإعلان عن هذا الأساس من خارج النصّ صلب الملحق II, ملحق اعتبره البعض غريبا , ورأى فيه البعض الآخر تنازلا أخرقا لتهدئة خواطر رجال القانون الأنقلوسكسوني ليكون في مقابل أحكام الفصل 5 باطلا . ورأى فيه البعض الآخر آلية من آليات تفسير قواعد هامبورغ . واعتبر حسب قانون المعاهدات الدولية جزءا لا يتجزأ من بنية الاتفاقية ليتمتّع بنفس القوّة الإلزامية لنصوصها .
56-وأيّا كان الحلّ المتبنّى في تحديد الطبيعة القانونية للملحق II، فإنّ الفصل 5 جاء تحت عنوان "أساس المسؤولية".
ولئن أعلنت فقرته الأولى قرينة الخطإ أو الإهمال كأساس فإنّ الفقرات الثلاث قبل الأخيرة عدلت عن هذا الإقرار لصالح تجليّات قرينة المسؤولية من خلال ثلاث حالات للإعفاء. وهو ما جعل من نطاق المسؤولية بسبب الحريق وتدابير إنقاذ الأرواح والممتلكات ونقل الحيوانات الحيّة يتراجع عن الوحدة والاتّساع نتيجة التجاور في نطاق المسؤولية بين قرينتي الخطأ والمسؤولية.
ومثّلت أحكام الفقرة 1 من الفصل 5 القاعدة العامة لتأسيس المسؤولية وأغرت بأحكامها جانبا كبيرا من الفقه الذي اعتبر أنّها تمكّن من الذهاب إلى أبعد من النطاق الذي ارتضاه محررو جزئها الأول . وهو ما ذهب إليه فعلا من اعتبر أنّ المسؤولية طبق أحكام الفصل 5 ما هي إلّا مسؤولية مفترضة قانونا . وليس هذا التمثّل من قبيل التأمّل المحض أمام غموض الفقرة 1 من الفصل 5 وإصرار الملحق II للحضور كحارس على أحكامها. فالمتأمّل في أحكام الفصل 16 وخاصّة فقرته الثالثة يلمس مقوّمات قرينة للمسؤولية مشدّدة تطّلبتها حماية الطرف الثالث بما في ذلك أيّ مرسل إليه يكون قد تصرّف بحسن نية بناء على البيان أو التنصيص المضمّن بسند الشحن. وتجاورت كلّ من قرينة الخطأ أو الإهمال مع قرينة المسؤولية لتحمّل الناقل البحري التعويض عن الأضرار المحقّقة والمنتجة للخسارة. على أنّ هذا التجاور لم يكن بالثبات والإطلاقية اللازمين لاستنهاض مسؤولية الناقل وتحميله التعويض.
لقد ولدت قرينة الخطأ أو الإهمال عرجاء إذ لا تعدو أن تكون قاعدة قابلة للتعديل لا تملــــك في ذاتها مقوّمات الافتراض القانوني الثابت والدقيق . أمّا قرينة المسؤولية فقد ولدت برجاء إذ تراوحت بين الإقرار بالقوة الثبوتية القاطعة والقوة الثبوتية النسبية، وفرّقت بين نوعين من العلاقات تتمثل الأولى في علاقة الناقل بالشاحن وتتمثل الثانية في علاقة الناقل بالطرف الثالث التي اشترطت فيها حسن النية في التصرّف بناء على البيان والتنصيص المضمّن بالسند. وكان السبب في هذا التجاور بلا ريــــــــــــــب المصاهرة بين نمطين من التفكير القانوني تمثّلا في عائلة القانون الروماني-الجرماني وعائلة القانون الأنقلوسكسوني.
وأدّت هذه المصاهرة لاستحداث نسب هجين يأخذ باليمين ما أعطى بالشمال لينتج عن السعي إلى "تفريد" الناقل بتحمّل المسؤولية تجزئة لها بفضل تدخّل "السبب الآخر". والتأمّل في هذا السبب الآخر يكتشف أنه حقل جاذب لجلّ أسباب الإعفاء من المسؤولية التي حضرت بمقتضى أحكام الفقرة 7 من الفصل 5 بشكل مقنّع ومستتر كحالات للإعفاء الجزئي بناء على اجتماعها مع خطأ أو إهمال في إحداث الأضرار، على أنّ قواعد هامبورغ تكريما لهذا الحضور منحت الناقل عبء إثبات المقدار الذي لا يعزى إلى الخطأ أو الإهمال.
برزت قواعد هامبورغ أو أريد لها أن تبرز كقواعد تستهدف الناقل ولا تستهدف غيره. و إن بدا أن الانتصار للطرف الضعيف بموجب هذه المعاهدة الدولية مطلب عزيز على الدول في طور النموّ فإنّ مركز ثقل هذه الاتفاقية تجلّى من أحكام الفصلين 5 و16 عبر نطاق محدود وقيام جزئي. ويحكم كلّا من النطاق والقيام أنموذج ثلاثي الأبعاد؛ "التدابير المعقولة" في رأس المثلث. تشترك كـــــــلّ من "حالات الإعفاء" و"السبب الآخر" في تكوين أضلاعه ليبرز من خلال الترابط بين أضلاع هذا الأنموذج تجاور من نوع خاصّ ألا وهو قوّة المنطق ومنطق القوّة ؛ قوّة المنطق القانـــــــوني و منطق القوّة الصياغية، ليتأكّد أنّ الدول المتقدمة إذا ما اعتبرت نشاطا ما أو قطاعا ما حــــقّا لها فإنّها تأخذ ذلك الحقّ بجدية .
و لا يسع فقه القضاء إلا الانتصار إما لمكسب وطني منسوخ أو التطبيق السليم لقواعد هامبورغ وخاصة الفصل 16 منها على أن الاختيار العادل يكمن بالضرورة في النص القانوني النافذ .