خطب الأستاذ أحمد صبح

خطب الأستاذ أحمد صبح خطب الداعية الأستاذ أحمد صبح على عدة منابر في دمشق

أعظم الأيام خطبة الجمعة ٢٢-٥-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير بسم الله الرحمن الرحيمقال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَ...
26/05/2026

أعظم الأيام

خطبة الجمعة ٢٢-٥-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)
روى الإمام أحمد في مسنده عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: قال رسول الله ﷺ: «يا زيد قل كل يوم حين تصبح: لبيك اللهم لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك وبك وإليك، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير»
أيها الأحبة: نحن على أبواب يوم عرفة، يوم المغفرة، يوم العطاء، ألوف مؤلفة تهتف بالتلبية: (لبيك اللهم لبيك) .. من المسلمين من يلبي محرماً بحج أو عمرة، وأكثر المسلمين يلبي، وإن لم يكن جسده في أرض المناسك، لكن قلبه وعمله يهتفان بالتلبية.
(لبيك اللهم لبيك) تعني: أننا يا رب مطيعون لأمرك، مجيبون لدعوتك، مستسلمون لحكمك، مرة بعد مرة لا نزال على ذلك، فالملبي هو المستسلم المنقاد لأمر الله تعالى.
أيها الأحبة: ونحن نعيش فيما بقي من أفضل أيام الدنيا؛ هذه الأيام القليلة في عددها، الكثيرة في فضلها وخيراتها وبركاتها، طوبى لمن أقبل على الله تبارك وتعالى في هذه الأيام المباركة؛ فتزود لنفسه عملا صالحا ينفعه ويرفعه بعد موته، وأما من فرط وقصر فأقول له: ما زال أمامك شيء كثير من نفحات رحمة الله، فلا بد أن نتدارك ما فاتنا؛ لئلا نكون من المحرومين ..
الاثنين هو يوم التروية، تبدأ فيه أعمال الحج، وسمي بذلك لأن الحجاج يذهبون فيه إلى منى ليبيتوا فيها ويرتوون فيه من الماء ويتهيئون ليوم عرفة، والثلاثاء هو يوم عرفة، فيه نزل قول الله تعالى: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا).
جاء في فضل يوم عرفة أحاديث كثيرة:
قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتِ، يَقُولُ: مَلَائِكَتِي! انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، جَاؤونِي شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» ..
وقال ﷺ: «ما رُئي الشيطانُ يومًا هو فيه أصغرُ ولا أدحرُ ولا أحقرُ ولا أغيظُ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزُّل الرحمة وتجاوزِ الله عن الذنوب العظام».
هو يومُ العتقِ مِنَ النَّارِ، فَسَلُوا اللهَ تعالى أَنْ يُعْتِقَكُمْ وَوَالِدِيكُمْ وَمَنْ تُحِبُّونَ مِنَ ناره وعذابه ..
هو يَوْمُ ذُلِّ الشَّيْطَانِ وَصَغَارِهِ، حِينَ يَرَى رَحَمَاتِ اللهِ تَعَالَى تَتَنَزَّلُ عَلَى عِبَادِهِ، وَحِينَ يَرَى عِبَادًا فَتَنَهُمْ وَأَغْوَاهُمْ سِنِينَ عَدَدًا يَغْفِرُ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ فِي عشيته، فَيَقُولُ عَزَّ وَجَلّ: (انْصَرِفُوا مَغْفُورًا لَكُمْ) ..
هو يوم العطاء الإلهي بغير حساب، فهنيئًا لمن تعرَّض لنفحات الله فأصابته رحمتُه ونال من مغفرتِه وجودِه وكرمِه.
هو يومُ المغفرة، يومُ الرحمة، هو يومُ الإجابة، فهنيئًا لمن دعا الله فيه بقلب منيب وروحٍ خاشعة ونفس منكسرة وعين باكية ليفوز بخيري الدنيا والآخرة، قال ﷺ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»
أيها الأحبة: روي في الأثر: (اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات رحمة الله فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوا الله أن يستر عوراتكم وأن يُؤَمِّن روعاتكم)
إليكم أيها الكرام ثلاثةَ أعمال تعملونها فيما بقي من أيام هذا العشر العظيم، تعرضًا لنفحات الله وبخاصة في يوم عرفة، هذا اليوم – لا أقول العظيم – ولكنه الأعظم، فقد روى ابن حبان في صحيحه عن النبي ﷺ قال: «أفضل الأيام يوم عرفة»
أول الأعمال التي يرتجى ثوابها: الصيام، وبخاصة يوم عرفة:
فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة، قال: «يكفر السنة الماضية والباقية».
الهمة الهمة، فالصيام يسير على من طلبه بهمة عالية وإرادة قوية، وإخلاص لله تعالى.
إن لم يتيسر لنا الوقوفُ في صعيد عرفة فلنصم يوم عرفة، اللهم أعنا على الصيام والدعاء.
ثانياً: النفقة في وجوه الخير: في هذه الأيام الجليلة نقبلُ على الله تعالى بالنفقات، هذا يساعد قريبه في شراء ثياب العيد، وهذا يهدي جاره من حلوى العيد، والثالث يدخر ماله لأضحية العيد، والرابع يخفف عن المستأجر ويضع عنه جزءا من الأجرة، والخامس يسعى على أرملة أو مسكين، هي أيام للجبر والحب والتواصل وبخاصة يوم عرفة ..
حضرَ حَكِيْم بنَ حِزَامٍ رضي الله عنه يَوْمَ عَرَفَةَ، وَمَعَهُ مائَةُ رَقَبَةٍ، وَمائَةُ بَدَنَةٍ، وَمائَةُ بَقَرَةٍ، وَمائَةُ شَاةٍ، فَقَالَ: كلها للهِ.
اللهم أعنا على النفقة في سبيلك ..
ثالثاً: الذكر والدعاء:

فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من أيّام أعظمُ عند الله ولا أحبُ إليه العمل فيهنّ من هذه الأيام العشر، فأكثِروا فيهن من التسبيح والتكبير والتحميد».
وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق ويكبِّران، فيكبِّر الناسُ بتكبيرهما.
وبخاصة في يوم عرفة من بعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب:
ومن أعلى أنواع ذكر الله تعالى الدعاء: في يوم عرفة ضع حاجتك بين يدي ربك، وابتهل إليه بخشوع، لأنه يومُ إجابة الدعاء، وقضاء الحاجات، فهل من داع بيقين؟!
عن سالم بن عبد اللّه بن عمر رحمه اللّه تعالى: أنّه رأى سائلا يسأل النّاس يوم عرفة، فقال: (يا عاجز، في هذا اليوم يُسأل غيرُ اللّه عزّ وجلّ!!)
في يوم عرفة نعود جميعًا إلى ربنا، نسأله بكرمه لا بعملنا، نسأله أن يعاملنا بفضله لا بعدله، لأنه إن عاملنا بأعمالنا وتقصيرنا هلكنا: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)
قال سفيان بن عيينة- رحمه اللّه تعالى-: (لا يمنعنّ أحدًا الدّعاءَ ما يعلم في نفسه- يعني من التّقصير- فإنّ اللّه قد أجاب دعاء شرّ خلقه، وهو إبليس حين قال: ربّ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)
في يوم عرفة نعود جميعا إلى ربنا، نسأله من كرمه، نجتمع على صلاة العصر في هذا المسجد أو غيره، نقبل على الله تعالى ترتفع همة واحدنا بجماعة الحاضرين:
أورد الذهبي في ترجمة الأَثْرَمِ أَبُي بَكْرٍ أَحْمَدِ بنِ مُحَمَّدِ: الإِمَامُ، الحَافِظُ، العَلاَّمَةُ، أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ الطَّائِيُّ، أَحَد الأَعْلاَمِ، وَمُصَنِّف (السُّنَن)، وَتلمِيذُ الإِمَام أَحْمَد.
قَالَ الأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ، عَنِ التَّعريفِ فِي الأَمصَارِ، يَجْتَمِعُوْنَ فِي المَسَاجِدِ يَوْمَ عَرَفَة، فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ لاَ يَكُوْنَ بِهِ بَأْسٌ، فعلَه غَيْرُ وَاحِدٍ: الحَسَنُ، وَبَكْرُ بنُ عَبْدِ اللهِ، وَثَابِتٌ، وَمُحَمَّدُ بنُ وَاسِع، كَانُوا يَشْهَدُوْنَ المَسْجَد يَوْمَ عَرَفَة.
اللهم أعنا على الصيام والصدقات والذكر والدعاء:
يوم عرفة هو يومٌ من أيام الله تعالى .. يومٌ للطاعة والعبادة والعتق من النيران، فاكتسبوا دقائقه ولحظاته فيما يعود عليكم بالخير، احرصوا على مَلءِ هذا اليوم بالصيام والذكر والعبادة وتلاوة القرآن الكريم والدعاء، اُدعوا لأنفسكم ولأهليكم، اُدعوا لإخوانكم في غزة وفلسطين بالفرجِ والنصرِ، ادعوا للأمةِ بأن تعودَ لمنهجِ سيدنا محمدٍ حتى يعودَ لها النصرُ والعزةُ والكرامةُ ..
احرِصوا ألا يفوتَكم هذا الخيرُ .. فالمحرومُ من حُرِمَ بركةَ الله ورحمته ومغفرته ..
يا راحلينَ إلى منىً بقيادي
هيجتُم يومَ الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي
الشوق أرقني وصوت الحادي
حرمتمُ جفني المنام لبعدكم
يا ساكنين المنحنى والوادي
فإذا وصلتُم سالمينَ فبلّغوا
منّي السلام على النبي الهادي
وتذكّروا عند الطواف متيماً
صبّاً فني بالشوق والإبعادِ
الناسُ قد حجّوا وقد بلغوا المنى
وأنا حُبست فما بلغتُ مرادي
ذبحوا ضحاياهُم وسال دماؤُها
وأنا المتَيَّمُ قد نحرتُ فؤادي
لبسوا ثياب البيض شارات الرّضا
وأنا المتيم قد لبست سوادي
يا ربِّ أنت وصلتَهُم وقطَعتني
فبحقِّهِم يا ربّ حل قيادي
جعلني الله وإياكم من الذين يغتنمون خير هذه الأيام العظيمة ويفوز بالمغفرة والرحمة والعتق من النار ..
أقول قولي هذا وأستغفر الله ..
يمكنكم الاشتراك لمتابعة صفحتنا على اليوتيوب (خطب الأستاذ أحمد صبح) للمشاهدة بدقة عالية:
https://youtube.com/-67?si=0SPv2bhQ6oyDPMyk
أو من خلال الاشتراك في قناة الأستاذ أحمد صبح على واتس أب https://whatsapp.com/channel/0029VaAkRxP4CrfmgaugYO14
أو من خلال قناة تيليجرام
telegram.me/ahmad_subh

خطبة الجمعة ٢٢-٥-٢٠٢٦ للداعية الأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير...

خير أيام الدنيا ..خطبة الجمعة ١٥-٥-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير بسم الله الرحمن الرحيميقول الله عز وجل: (وَ...
15/05/2026

خير أيام الدنيا ..

خطبة الجمعة ١٥-٥-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير

بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله عز وجل: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ).
يقول التابعي المفسر مجاهد بن جبر رحمه اللّه: لمّا فرغ إبراهيم عليه السّلام من بناء البيت فقيل له: نادِ في النّاس بالحجّ. قال: كيف أقول يا ربّ؟ قال: قل: يا أيّها النّاس استجيبوا لربّكم.
فقالها، فوقرت في قلب كلّ مؤمن.
أيها الأحبة: بدأت قوافل الحجاج بالتحرك إلى مكة المكرمة، ولسان حال المشتاق يقول:
لمَّا رأيـتُ مـواكبَ الــزُّوَّارِ
تبغي بشوق حجَّ بـيـتِ الباري
ودَّعتُهم والقلبُ ينبضُ حسرةً
والدمــعُ نبـعٌ من عُـيوني جارِ
حـمَّلـتُـهم مني سلاماً عابقاً
بالطِّيْب والتَّحنان للمخـتارِ
من أصعب الأشياء رؤيةُ مشهد
للقاصدين البَيتَ في الأسحار
يمضون ثم تـعودُ أنت بأدمُعٍ
حَرَّى وفي الأعماق شــعلةُ نارِ
يا ربِّ أكرمنـا كما أكرمتَـهم
بالحـجِّ قــبلَ نهــاية المِشْوارِ
أيها الأحبة: حُقَّ لكل قلب مؤمنٍ أن يخفق ولكل عينٍ أن تدمع، كيف لا والحج من أعظم القربات إلى الله تعالى عن ماعز التّميميّ رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ: أنّه سئل أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان باللّه وحده، ثمّ حَجَّـةٌ بَـرَّةٌ تَـفْـضُـلُ سـائـرَ الأعمال».
اللهم أكرمنا بما أكرمت به عباد الحجاج والعمار يا أكرم الأكرمين.
يقول تعالى: (والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر)
ويقول سبحانه: (والعصر إن الإنسان لفي خسر)
أيها الأحبة: كلنا نعلم أن التاجر الحاذق هو الذي ينتظر بشغف مواسم الربح التي يقبل فيها الناس على الشراء، وإذا دخل الموسم التجاري تراه يستنفر كل همته ويبذل أقصى جهده لاغتنام هذا الموسم ليربح فيه الربح الوفير، إذ يُحَصِّل في موسم قصير ما لا يُحَصِّلَه طيلة العام، ولذلك تراه لا يشعر بالتعب والنصب، يَقِل نومه ويقل طعامه لأنه يطمع في عائد أكبر ونصيب أوفر، مع أن هذا من عرض الدنيا الزائل.
والله تعالى قد أتاح لنا مواسم لربح عظيم لا خسارة فيه، ننتفع به ونحن أحوج ما نكون إليه في يوم القيامة، ليزداد نصيبنا من الحسنات ولنملأ جعبتنا من الأجر والثواب، ففي ذلك اليوم لا ينفع الإنسان ماله وثروته ولا ينفعه أولاده وأصحابه، ولا ينفعه منصبه وجاهه، فقد قال تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُون)، وقال أيضاُ: (يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ)
إذن، ما الذي ينفعنا في ذلك اليوم؟ لقد بين الله تعالى ذلك فقال: (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ).
يعني: ثقلت بالحسنات والأعمال الصالحة.
أيها الأحبة: ليُعيننا الله تعالى على أن تثقل موازيننا، جعل لنا هذه المواسم التي يتضاعف فيها أجر الأعمال الصالحة أضعافاً مضاعفة تُذهل العقل وتُدهش الألباب.
انظروا مثلاً إلى موسم رمضان وما فيه من خير عظيم وربح كبير في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، أليس مدهشاً للعقل أن يربح المؤمن في ليلة واحدة ثواب أعمال تفوق أعمال أكثر من ألف شهر؟!، وماذا تحكم على الذي يضيع هذه الليلة وينساها ويتشاغل عنها ولا يغتنمها؟!، لا شك أنك ستحكم عليه أنه إنسان مغفل جاهل، كما تحكم على التاجر الذي يُقبل الناس على محله التجاري إقبالاً شديداً ولكنه أغلق محله، هل هذا سوي العقل أو صحيح الفكر؟!
ومن هذه المواسم التي أتاحها الله لعباده عشر ذي الحجة هذه الأيام المباركة، ولما في هذه الأيام من الفضائل، أقسم الله تعالى بها تنويهاً بفضلها وتنبيهاً إلى عظيم شأنها فقال عز وجل: (وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ)
وروي عن عدد من الصحابة  أنها ليالي أيام عشر ذي الحجة.
ثم إن النبي ﷺ هو الذي أفصح عن فضلها وبين عظم شأنها وشرفها في الحديث المشهور، المعروف الذي رواه الشيخان عن ابن عباس ، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ـ يعني أيام العشر ـ قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء».
قال العلماء: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام شهر رمضان ومن العشر الأخير منه، وليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة لأن فيها ليلة القدر.

والعمل الصالح هو كل عمل وعد اللهُ تعالى أو رسوله  بالثواب والأجر عليه، فكل ما فيه أجر وثواب هو عمل صالح يُرضي الله تعالى، فصلة الأرحام من العمل الصالح، والصدقات من العمل الصالح، وقيام الليل من العمل الصالح، وصلاة الجماعة من العمل الصالح، وقراءة القرآن من العمل الصالح، والصيام من العمل الصالح، وإدخال السرور إلى قلب مسلم من أعظم الأعمال الصالحة، وهكذا فكل ما فيه أجر وثواب ويجزى عامله الحسنات فهو عمل صالح.
ولذلك من العجيب والغريب أن يسأل بعضهم عن أحد هذه الأعمال الصالحة ويقول: هل ورد فيها حديث؟ مثل ما يسأل بعضهم: هل ورد حديث في صيام عشر ذي الحجة؟
فعلى هذا يجب أن نسأل: هل ورد حديث في قيام ليالي عشر ذي الحجة؟ وهل ورد حديث في فضل قراءة القرآن في عشر ذي الحجة؟ وهكذا.
فقوله عليه الصلاة والسلام: العمل الصالح يشمل جميع العبادات، ومع هذا نقول: قد ورد عن بعض أزواج النبي  فيما رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما قالت: كان رسول الله  يصوم تسع ذي الحجة، وأما قول السيدة عائشة : ما رأيت رسول الله  صائماً في العشر قط، فقال بعض العلماء: يعني العشر الذي حج فيه النبي ، وقال آخرون: هذا إخبار من عائشة  عما علمت، وقول رسول الله  مقدم على شيء لم يعلمه الراوي، وقد رجح الإمام أحمد رحمه الله أن النبي  كان يصوم هذه العشر، والصيام على كل حال داخل في عموم الأعمال الصالحة التي قال النبي : «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام».
أيها الأحبة: ومما يؤيد هذا الفهم أنه ورد عن السلف الصالح أنهم كانوا يجتهدون اجتهاداً شديداً في هذا العشر بالعبادة والأعمال الصالحة وأنواع الطاعات وكانوا يعظمونها غاية التعظيم، فهذا سعيد بن جبير رحمه الله إذا دخل العشر اجتهد اجتهاداً شديداً، وكان يحث على العبادة في ليالي العشر ويقول: "لا تطفئوا سرجكم في ليالي العشر".
وقال أبو عثمان النهدي: "كانوا يعظمون ثلاث عشرات هي العشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأول من محرم".
أيها الأحبة: إذن علينا أن نغتنم هذا العشر:
أولا: بالعمل بما يحبُه الله بشكل خاص: أحبُّ الأعمال إلى الله سرور تدخله على قلب مسلم، فسارع بإدخال السرور على قلب أختك، على قلب أخيك، على قلب أرحامك، وذلك بالاتصال بهم وزيارتهم وقضاء حوائجهم، فإذا فعلت هذا تكون قد فعلت أحب الأعمال إلى الله في أحب الأيام إلى الله تعالى.
ثانيا: الإكثار من ذكر الله تعالى، فقد ورد عن النبي  أنه قال: «فأكثروا فيهن من التهليل والتحميد والتكبير»، وهذا من أحب الكلام إلى الله تعالى، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الكلام إلى الله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر»، وهي من الباقيات الصالحات.
ثالثا: الإكثار من الصدقات والتفريج عن المنكوبين، كقضاء ديونهم وتفريج همومهم.
رابعا: صيام هذه الأيام وبخاصة يوم عرفة وهو من الأيام التي يتأكد صيامها في العشر، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده».
وكان سعيد بن جبير يقول: "أيقظوا خدمكم يتسحرون لصوم يوم عرفة"، مما يُشير إلى أن نَحثَّ أولادنا على صيام هذا اليوم.
خامسا: ومما يحسن جداً في هذا العشر أن يحرص المؤمن على قراءة ختمة كاملة للقرآن الكريم، وأن يكون له نصيب وافر من قيام الليل، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»
وقد قال الله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يحذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)، يقول العلماء: والجواب محذوف تقديره: كمن هو غافل ساه عابث ماجن؟!
ويكون المعنى: هل أولئك القائمون القانتون كأولئك الذين يمضون لياليهم في لهو وعبث يجتمعون على شرب (الأراكيل) والدخان وعلى لعب النرد وعلى اللهو والعبث، هؤلاء لا يعلمون أنهم سيندمون أشد الندم، على هذه الأوقات التي يمضونها لهواً وعبثاً، وأنهم سيتبرؤون من بعضهم يوم القيامة، لأنهم اجتمعوا على غير طاعة الله تعالى، كما قال عز وجل: (الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا الْمُتَّقِينَ).
فلننظر إلى العواقب والنهايات، ولا تغرنا لذة عابرة أو ش**ة طارئة، فالعبرة بالمآلات، ولنغتنم هذه الأيام المباركة ونسأل الله عز وجل أن يتقبل منا.
اللهم أكرمنا باغتنام خيرات هذه الأيام العظيمة واجعلنا فيها من الفائزين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله ..
يمكنكم الاشتراك لمتابعة صفحتنا على اليوتيوب (خطب الأستاذ أحمد صبح) للمشاهدة بدقة عالية:
https://youtube.com/-67?si=0SPv2bhQ6oyDPMyk
أو من خلال الاشتراك في قناة الأستاذ أحمد صبح على واتس أب https://whatsapp.com/channel/0029VaAkRxP4CrfmgaugYO14
أو من خلال قناة تيليجرام
telegram.me/ahmad_subh

خطبة الجمعة ١٥-٥-٢٠٢٦ للداعية الأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير.صفحة خطب الأستاذ أحمد صبح على فيسبوك: / khotab.ahmadsubuh ​قناة الداعية الأستاذ أحمد صب...

عدالة السماء ..خطبة الجمعة ١-٥-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير بسم الله الرحمن الرحيمأيها الأحبة: خرج تاجر من ...
01/05/2026

عدالة السماء ..

خطبة الجمعة ١-٥-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير

بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأحبة: خرج تاجر من مدينته الموصل ليبيع بعضاً من مواشيه في حلب باعها وقبض ثمنها، وفي طريق عودته خرج عليه قاطع طريق، فسل خنجره وأخذ ما معه من مال، واستغاث التاجر ولا مغيث فقد أراد اللص أن يذبحه بخنجره، فتوسل التاجر إليه ألا يقتله وليأخذ جميع ما يملك، ولكن قسوة قلب القاطع أبت إلا السلب والقتل، ولما أيقن التاجر بالقتل نظر يمنة ويسرة فلم يجد من يغيثه، لكنه رأي حمامتين على غصن، فخاطبهما أيتها الحمامتان: اشهدا أنه قد قتلني ظلما وعدوانا، فضحك اللص وأجهز عليه بدم بارد، انتظر أولاد التاجر وأهله عودة أبيهم. من رحلته التجارية، وطال انتظارهم دون جدوى، وسافر ولده إلى حلب ليسأل عن أبيه فقيل له: إن والده نزل في خان كذا وباع مواشيه في اليوم الفلاني، ووجد مقتولاً في اليوم الذي باع فيه ما معه، ودفن في المقبرة وقاتله وسالب أمواله مجهول.
وانتهت قضية التاجر القتيل إلى باب مسدود، فتقبل أولاده التعازي وأوكلوا قضيته إلى الله، وتعاقبت السنون وتبدل الولاة والقضاة مرات ونسي الناس القصة، ولكن رجلاً واحداً لم ينسها: قاطع الطريق، ظل يذكرها وفي يوم من الأيام وقد صار من وجهاء بلدته لبى دعوة الوالي على العشاء، وكان الوليمة تضم أشتاتاً وألواناً من الطعام فوجد أمامه مباشرة طبقاً فيه حمامتان، فصار يضحك، فسأله الوالي عن سر ضحكه بلا سبب، فقال له: أمر منذ زمن بعيد حصل معي، فطلب الوالي أن يخبره بالقصة فبدأ يسردها، وفي آخرها قال وهو يضحك مجددا إن ذلك الرجل الأحمق نظر إلى حمامتين وقال اشهدا، وكيف تشهد حمامتان عجماوتان؟
هنا وجم الوالي وسكت للحظة، ثم قال له: لقد شهدت الحمامتان، وأمر برفع الطعام ونادى قاضيه، وأمر القاطع أن يعيد القصة عليه، فحكم القاضي بقتله قصاصا ..
عجزت عدالة الأرض عن اكتشاف سر القتيل فبقي القاتل طليقاً سنين طويلة ولكن عدالة الله كانت للقاتل بالمرصاد فكشفت سره وساقته إلى القضاء، وأمهله الله ساعة ولكن لم يمهله إلى قيام الساعة، وشهدت الحمامتان فساقته شهادتهما إلى مصيره ..

وصدق الله العظيم القائل في كتابه: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، وهو القائل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾.
لا تَظلِمَنَّ إِذا ما كُنتَ مُقتَدِرًا
فَالظُلمُ مَرتَعُهُ يُفضي إِلى النَدَمِ
تَنامُ عَينُكَ وَالمَظلومُ مُنتَبِهٌ
يَدعو عَلَيكَ وَعَينُ اللهِ لَم تَنَمِ
نعم يا عباد الله... "وعينُ اللهِ لم تنمِ"، العدل صفةٍ من صفاتِ الله العُلى، ففي زمنِ الفتنِ والمحنِ، وتكاثرِ المصائبِ، لا ملجأَ للقلوبِ ولا طمأنينةَ للنفوسِ إلا باليقينِ المطلقِ في عدالةِ اللهِ الإلهيةِ.
كان من أوائل الكتب التي قرأناها في شبابنا كتابا اسمه: (عدالة السماء) لكاتبه اللواء محمود شيت خطاب، يروي فيه قصصا واقعية تحكي عن عدالة الله في الأرض، وعن نصره للمظلوم ولو بعد حين، قصص فحواها تصديق للخبر (بشِّرِ القاتلَ بالقتلِ ولو بعد حينٍ).
إن صفة الله "العدل" هذه الصفة العظيمة تحمل في طياتها معاني الكمال المطلق في الإنصاف والحق، فعدلُ اللهِ هو الذي لا يميل ولا يجور، ولا يظلم أحداً، ولا ينقص أحداً من حقه، ولا يزيد على أحد في عقوبته، هو الذي يضع كل شيء في موضعه الصحيح، بحكمة وعلم لا يحيط بهما أحد سواه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾
ومن تجليات عدل الله تعالى أنه يُمهل الظالمين ولا يهملهم، قد يرى بعضهم أن الظالم يتمتع بقوته وسلطانه، والمظلوم يعاني ولا يجد نصيراً، فيظن أن العدل قد غاب.
ولكن هيهات! إن الله تعالى يمهل الظالم ليعود ويتوب، فإن لم يفعل، أخذه أخذ عزيز مقتدر. قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ».
جرائم ومذابح نفذها أشخاص لا يؤمنون بأن هناك يوم للحساب، ومِن تجبرهم وجراءتهم على الله صوروا جرائمهم ونشروها وتندروا بها، ظنوا أنهم باقون، وأن ظلمهم سيدوم، ولكن الله تعالى أخذهم أخذ عزيز مقتدر، شهدت عليهم أيديهم كما شهدت الحمامتان، فكانت نهايتهم عبرة للمعتبرين، لقد رأينا كيف أن نظاماً جائراً استمر لعقود، يقتل ويهجر ويسجن، ثم جاءت ساعة الحساب، فسقطت أركانه وتهاوت قلاعه، وصدق الله العظيم: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾.
قد لا ندرك في بعض الأحيان حكمة الله في قضائه وقدره، قد نستبطئ انتقام الله ممن ظلم، وعدله فيمن أجرم وتمادى في غيه، لكن هذا لا يعني أن العدل غائب، بل يعني أن عقولنا قاصرة عن إدراك كمال حكمته وعلمه، فواجبنا أن نُسلِّم ونؤمن بأن الله عدل حكيم، وأن كل ما يفعله هو عين العدل والحكمة، حتى وإن لم ندرك ذلك.

سقطت دولة الظلم والطغيان، سقطت دولة الأمن والمخابرات، سقطت القوة الغاشمة التي حكمت الناس بالحديد والنار لستين عاما، ما ظنوا أن يسقطوا، ولا كنا في الأحلام نتوقع أن يحصل ما حصل، ولكن ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾.
هذا درس للظلمة والمظلومين جميعا، فرعون سقط وهو في أوج جبروته ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، صاروا أثرا بعد عين.
قارون الذي وصف الله ملكه بقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، عند لحظة الحساب: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾.
وسقط هتلر وسقط ستالين، وسيسقط ترامب ونتنياهو، سيسقط الظلمة جميعا سقوطين، سقوطا في الدنيا أقله الموت، وسقوطا عظيما في يوم العدل الأكبر يوم القيامة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾
وهنا لابد أن يقف واحدنا موقف المؤمن الراضي بحكم الله، موقف المؤمن بأن كل محنة ربانية من ورائها حكمة، سواء علمناها أم خفيت علينا، فالمحنة تطهير للذنوب، والمحنة رفعة للدرجات، والمحنة تميز بين المؤمن والمنافق، والمحنة تظهر معادن الرجال، لذلك قال لنا سبحانه: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾.
لولا الأقدار المؤلمة لما ظهر الصادق من الكاذب، لولا الشدائد والمحن التي توالت علينا لتساوى الناس في ادعاء الإيمان.
هكذا ينبغي أن نفهم الأقدار المؤلمة التي توالت علينا، والتي ما زالت تتوالى على أهلنا في أرض الرباط فلسطين، كلما ظننت العدل غائبا فتذكر: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، كلما مر عليك أقدار قاسية فاعلم: أن من ورائها حِكم لا يعلمها إلا الله ..
ختاما أيها الأحبة: مما ينبغي أن نتذكره، وقد مرت علينا سنوات لا يعلم حالنا فيها إلا الله ..
أقول: مما ينبغي ألا يخفى علينا: أن هذه الدنيا ليست دار جزاء؛ ولكنها دار ابتلاء واختبار، أما الجزاء الأوفى والعدل التام فإنه سيكون يوم لقاء الله ..
فإذا رأيت مظلوما لم ينصف في الدنيا، وإذا تفطر قلبك وأنت ترى ظالما نجا من عقوبة الدنيا؛ فاعلم أن حسابه يوم لقاء الله شديد، فكم من شهيد في بلادنا لم ينل حقه في الدنيا، لكنه الآن في جنات النعيم. وكم من مجرم، وكم من طاغية، لو أن له مائة نفس، فأعدم مائة مرة لما كفى ذلك ليشفي صدور المظلومين، بما ظلم وسفك من دماء الأبرياء المقهورين.
لذلك أيها الأحبة: ونحن نرى اليوم صورة مصغرة لمحاكمة عدد من المجرمين، رأيناهم بفضل الله أذلة صاغرين، فلنتذكر أن هذه الصورة إنما هي صورة مصغرة عن الوقفة الكبرى في محكمة أحكم الحاكمين ..
يقول سيدنا رسول الله ﷺ: «لو أنَّ أَهلَ السَّماءِ وأَهلَ الأرضِ اشترَكوا في دمِ مؤمنٍ لأَكبَّهمُ اللَّهُ في النَّارِ»، ويقول ﷺ: «أوَّلُ ما يُقضى بينَ النَّاسِ يَومَ القيامةِ في الدِّماءِ».
وأخرج النسائي بسند صحيح، عن سيدنا عبد الله بن مسعود  أن رسول الله ﷺ قال: «يجيءُ الرجلُ آخذًا بيدِ الرجلِ، فيقولُ: أيْ ربِّ! إِنَّ هذا قتلَني، فيقولُ اللهُ: لم قتلْتَهُ؟ فيقولُ: لِتكونَ العزَّةُ لفلانٍ! فيقولُ: إِنَّها ليستْ لفلانٍ، فيبوءُ بإثمِهِ».
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾.
أقول قولي هذا وأستغفر الله ..
يمكنكم الاشتراك لمتابعة صفحتنا على اليوتيوب (خطب الأستاذ أحمد صبح) للمشاهدة بدقة عالية:
https://youtube.com/-67?si=0SPv2bhQ6oyDPMyk
أو من خلال الاشتراك في قناة الأستاذ أحمد صبح على واتس أب https://whatsapp.com/channel/0029VaAkRxP4CrfmgaugYO14
أو من خلال قناة تيليجرام
telegram.me/ahmad_subh

عدالة السماء

نحن وإبستين ..خطبة الجمعة ٦-٢-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير بسم الله الرحمن الرحيمقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الل...
07/02/2026

نحن وإبستين ..

خطبة الجمعة ٦-٢-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
وقال سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
أيها الأحبة:
الحمد لله الذي جعلنا مسلمين وجعلنا من المتطهرين، الحمد لله على دين جعل الطهارة والعفة ركنا ركينا، وصفة لا تنفك عن أتباعه المؤمنين.
قال سبحانه: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
الإسلام فرض طهارة الظاهر من الأحداث والأنجاس والفضلات، وقد جعل الإسلام هذه المرتبة، جزءاً من حياة المسلم، وطابعاً لا غنى له عنه، وعملاً لا ينفك منه في اليوم والليلة، قال ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره».
بل قد جعل المصطفى ﷺ الطهور شطر الإيمان، كما في صحيح مسلم.
أمرنا بخصال الفطرة، كما في حديث عائشة  عند مسلم وغيره: أن النبي ﷺ قال: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء -يعني: الاستنجاء-» قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
أمر بنظافة البيوت والطرق والطعام والشراب، واللباس والمرافق العامة، وجعل إماطة الأذى عن الطريق شعبةً من شعب الإيمان، وأخبر المصطفى ﷺ: «أن الله جميلٌ يحب الجمال»، ومدح سبحانه أصحاب رسوله ﷺ، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾.
أيها الأحبة:
لم يكتف الإسلام بطهارة ونظافة الظاهر، لكن الإسلام جاء بأوسع من ذلك بكثير؛ جاء ليصنع إنساناً طاهراً في قلبه، في عينه، في لسانه، في سلوكه، في بيته، وفي علاقاته كلها.
لذلك قرن الله سبحانه في الآية الكريمة بين التطهر والتوبة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، بيانا للارتباط الوثيق بين طهارة الظاهر وطهارة الباطن.
عباد الله: الإسلام أمر بطهارة العين فقال سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
وقال ﷺ: «اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم».
أمر بطهارة الأذن من سماع الكذب والغيبة والنميمة وسائر المحرمات فقال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾.
أمر بطهارة الفم واللسان ظاهر وباطنا حسا ومعنى، سن لنا المضمضة والسواك، وكان ﷺ يكره أكل الثوم والبصل لأنه يؤذي الملائكة والناس، وأمر بحفظ اللسان عن المحرمات، ففي حديث معاذ  الطويل، أنه ﷺ َأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟! قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟».
فالمسلم لا يعرف الغيبة ولا النميمة ولا البهتان ولا السب ولا اللعن ولا الكفر ولا البذاءة.
أمر بطهارة الجوارح ظاهرا وباطنا حسا ومعنى، أوجب إزالة النجاسات، والغسل والوضوء، وقص الأظافر وإزالة الشعر من مواضع التعرق وتجمع الأقذار.
ونهى عن السرقة والقتل والأذى والعدوان على حقوق الآخرين وبالذات عند القوة والسلطة، قال ﷺ: «من اقتطع حقَّ امرئٍ مسلمٍ بيمينِه حرَّم اللهُ عليه الجنةَ وأوجب له النارَ، فقال رجلٌ وإنْ شيءٌ يسيرٌ قال: وإنْ قضيبٌ من أراكٍ».
وللعلماء في تفسير اليمين في هذا الحديث وجهان أحدهما: من اقتطع حقا بيمينه أي بقسمه ويمينه الكاذبة، والوجه الثاني: اليمين هي القوة والسلطة، وكم من قوي تسلط على حق ضعيف فأخذه بغير وجه حق اعتمادا على قوته وسلطانه.
تذكر كتب التاريخ أن وزيرًا ظلم امرأة فأخذ مزرعتها وبيتها ليضمها إلى أرضه ومزرعته؛ فقالت له سأشكوك إلى الله؛ فأوصاها مستهزئاً: أوصيك بالدعاء في ثلث الليل الآخر؛ فأخذت تدعو عليه شهراً؛ فغضب عليه الملك وقطع يده وصلبه وجلده على الملأ.
فمرت عليه وهو يجلد فشكرته على وصيته بالدعاء في ثلث الليل الآخر، وقالت:
إذا جار الوزير وكاتباه
وقاضي الأرض أجحف في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويل
لقاضي الأرض من قاضي السماء
أيها الأحبة:
لو نظرنا إلى واقع العالم اليوم، لرأينا الفرق بين مجتمع يجعل العفّة قيمة، ومجتمع يجعل الش**ة سلعة، كثير من المجتمعات رفعت شعار الحرية بلا حدود، وقالوا: الإنسان حرّ يفعل ما يشاء، فماذا كانت النتيجة؟
تفكك أسري واسع، أمراض وأوبئة، أطفال بلا آباء معروفين، نسب طلاق مرتفعة، اكتئاب ووحدة، تجارة أجساد، وانهيار الثقة داخل المجتمع نفسه.

ومن الأمثلة التي صدمت العالم ما عُرف بفضيحة رجل الأعمال جيفري إبستين، حيث كُشف عن شبكة لاستغلال فتيات قاصرات تورّط فيها أصحاب نفوذ ومال، وظهرت أسماء شخصيات كبيرة كانت مرتبطة بهذه الشبكات.
اهتزّ العالم لأنه اكتشف أن خلف واجهة الحضارة والحرية توجد مستنقعات استغلال وانحراف.
وهذه ليست حادثة منفردة، بل نتيجة طبيعية عندما تُلغى الحدود الأخلاقية باسم الحرية، ويصبح الجسد سلعة، والش**ة تجارة.
كانوا يقولون لنا إن الكبت الذي تمارسه المجتمعات المسلمة يؤدي إلى سعار الش**ة وانفلاتها، واتهموا المسلم بأنه باحث عن الش**ة، بل طعنوا في الإسلام لأنه جعل من جزاء المسلم في الجنة الحور العين، فقالوا إن لدى المسلمين هوسا جنسيا، وبعض المنبهرين بحضارة الغرب المزيفة صدّق وصار يعزف على هذا الوتر ..
ثم اكتشف العالم أن سعار الش**ة المجنونة هو سمة لهذه الحضارة الغربية المنافقة، ففضائح أبستين أظهرت للعالم أن المهووسين بالشهوات هم أولئك الذين اجتمعت لهم ملذات الدنيا كلها مع المال والسلطة، فصاروا يبحثون ككلب لاهث وراء لذائذ شاذة، فاعتدوا على الأطفال والقاصرات، وتاجروا بالبشر، وقتلوهم وأكلوا لحومهم .. تحدوا الله وأقاموا موائد للشيطان.
لذلك لم يعد المسلمون يرددون تلك المقولة الكاذبة: رأينا في الغرب إسلاما ولم نر مسلمين، بل رأينا العهر والفسق والقتل والإجرام، رأينا السكوت على مذابح المسلمين في البوسنة وغزة وكشمير وتركستان وغيرها.
رأينا زعيم أقوى دولة في العالم يتباهى بأنه زود الاحتلال الصهيوني الفاشي المجرم بأعتى الطائرات والقنابل والصواريخ، وأنهم أحسنوا استخدامها، نعم لقد أحسنوا وفق شرعة الدجال، فقد قتلوا بها أكثر من 70 ألفا من أهلنا في غزة، معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ.
هذه السادية والقسوة ليست طفرة في الغرب أيها الأحبة، فتاريخ الغرب مليء بالقتل والمذابح والتدمير، قتلوا المسلمين في إسبانيا وأقاموا لهم محاكم التفتيش، قتلوا الهنود الحمر في أمريكا، قتلوا في الحرب العالمية الأولى أكثر من ثمانية ملايين، وفي الحرب العالمية الثانية أكثر من 60 مليون إنسان، ألقوا على هيروشيما وناغازاكي قنبلتين ذريتين أفنيتا الإنسان والحيوان والنبات ..
بينما الإسلام حرر الجزيرة العربية بعدد شهداء من المسلمين وقتلى من المشركين لا يتجاوز الألف.
في الإسلام الرحمة ممارسة لا نظرية، العدل واقع لا خيال، المرأة كرامة لا سلعة، والرجل مسؤول لا صيّاد شهوات، والعلاقة بين الرجل والمرأة ميثاق ورحمة ومسؤولية، لا نزوة تنتهي بندم.
هناك في الغرب يفتحون أبواب الش**ة بلا قيود، ثم يبنون آلاف المراكز لعلاج الاكتئاب والانتحار والأمراض النفسية الناتجة عن الفراغ والانهيار الأسري.
أيها الأحبة:
نحن اليوم نعيش تحدياً خطيراً، فبيوتنا مفتوحة على العالم كله عبر الشاشات والهواتف، لم يعد الفساد يحتاج إلى شارع أو مكان، بل يدخل إلى غرف أبنائنا وبناتنا بضغطة زر، ولذلك أصبحت العفّة اليوم جهاداً حقيقياً، وغضُّ البصر عبادة عظيمة.
أيها الآباء والأمهات:
ليس كافياً أن نمنع أبناءنا، بل يجب أن نشرح لهم، ونقرّبهم من الله، ونملأ قلوبهم بالإيمان حتى يرفضوا الحرام من داخلهم لا خوفاً من رقابة.
علّموا أبناءكم أن الحياء شرف لا ضعف، وأن الطهارة قوة لا تعقيد، وأن الشاب العفيف بطل حقيقي، وأن الفتاة المصونة تاج على رأس أهلها.
إن مستقبل الأمة يبدأ من طهارة بيوتنا، ومن شباب يحترمون أنفسهم، ومن فتيات يعرفن قدرهن، ومن آباء يغرسون الحياء في أولادهم.
اللهم طهّر قلوبنا، واحفظ أبناءنا وبناتنا، واجعل بيوتنا بيوت عفّة وإيمان، وأبعد عن أمتنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله ..
يمكنكم الاشتراك لمتابعة صفحتنا على اليوتيوب (خطب الأستاذ أحمد صبح) للمشاهدة بدقة عالية:
https://youtube.com/-67?si=0SPv2bhQ6oyDPMyk
أو من خلال الاشتراك في قناة الأستاذ أحمد صبح على واتس أب https://whatsapp.com/channel/0029VaAkRxP4CrfmgaugYO14
أو من خلال قناة تيليجرام
telegram.me/ahmad_subh

خطبة الجمعة ٦-٢-٢٠٢٦ للداعية الأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير.صفحة خطب الأستاذ أحمد صبح على فيسبوك: / khotab.ahmadsubuh ​قناة الداعية الأستاذ أحمد صبح...

Address

Yabroûd

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when خطب الأستاذ أحمد صبح posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share