خطب الأستاذ أحمد صبح

خطب الأستاذ أحمد صبح خطب الداعية الأستاذ أحمد صبح على عدة منابر في دمشق

ميثاق وحدة الصف ..خطبة الجمعة ٢١-٨-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير بسم الله الرحمن الرحيم يقول تعالى: ﴿وَاعْتَ...
30/08/2026

ميثاق وحدة الصف ..

خطبة الجمعة ٢١-٨-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾
أيها الأحبة: إن الاعْتِصَامَ بحَبْلِ اللهِ المتين، وصيانةَ وحْدَةِ هذه الأمَّة هو من أفرض الفروض وأعظم الواجبات الذي ينبغي على الأمة بعمومها وخصوصها أن يولوه أعظم الاهتمام، وقد وفق الله علماء هذا البلد المبارك وبرعاية من وزارة الأوقاف إلى ميثاق عظيم أسموه: "مِيثَاقِ وَحْدَةِ الخِطَابِ الإسْلَامِيِّ"، لِصُونَ مِحرَابَ ومِنْبَرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ من أنْ يَتَحَوَّل إلى أداةِ هَدْمٍ أو بَابٍ من أبوابِ الفُرْقَة.
أيها الأحبة: يَرْوِي لَنَا يُونُسُ الصَّدَفِيُّ رَحِمَهُ اللهُ قِصَّةً عَجِيبَةً فَيَقُولُ: "مَا رَأَيْتُ أَعْقَلَ مِنَ الشَّافِعِيِّ؛ نَاظَرْتُهُ يَوْمًا فِي مَسْأَلَةٍ ثُمَّ افْتَرَقْنَا وَلَقِيَنِي، فَأَخَذَ بِيَدِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، أَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ نَكُونَ إِخْوَاناً وَإِنْ لَمْ نَتَّفِقْ فِي مَسْأَلَةٍ!". يقول الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ عن الموقف: "وهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عَقْلِ هَذَا الإِمَامِ، وَفقهِ نَفْسِهِ، فَمَا زَالَ النُّظَرَاءُ يَخْتَلِفُوْنَ".
اللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ عُقُولَنَا مُتَفَاوِتَة، وَأَفْهَامَنَا مُخْتَلِفَة. وَمِنْ رَحْمَةِ رَبِّنَا بِنَا أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ المُجْتَهِدِينَ إِذَا اخْتَلَفُوا مَا دَامَتْ نِيَّاتُهُمْ صَادِقَةً فِي البَحْثِ عَنِ الحَقِّ. فَقَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ يَوْمَ رَجَعُوا مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، وَفِي الطَّرِيقِ دَخَلَ وَقْتُ العَصْرِ، فَصَلَّى قَوْمٌ فِي الطَّرِيقِ فَهْمًا لِلْمَقْصِدِ، وَأَخَّرَ آخَرُونَ الصَّلَاةَ تَمَسُّكًا بِالنَّصِّ، فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ لَمْ يُوَبِّخْ وَاحِداً مِنْهُمْ، بَلْ تَقَبَّلَ اجْتِهَادَ الجَمِيعِ لِأَنَّ الخِلَافَ كَانَ فِي مَسْأَلَةٍ تَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ فَهْم.
وَمِنْ هُنَا قَعَّدَ عُلَمَاؤُنَا قَاعِدَةً ذَهَبِيَّةً نَحْتَاجُهَا اليَوْمَ فِي مَجَالِسِنَا: "مَنْ كَثُرَ عِلْمُهُ.. قَلَّ اعْتِرَاضُهُ". نَعَمْ.. فَالعَالِمُ يَعْذِرُ النَّاسَ لِاتِّسَاعِ مَدَارِكِهِ، أَمَّا ضَيِّقُ الأُفُقِ فَيَظُنُّ أَنَّ رَأْيَهُ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ، فَيُسَارِعُ إِلَى التَّجْرِيحِ!
وَلِذَلِكَ يَقُولُ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: "إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلِلِاجْتِهَادِ فِيهَا مَسَاغٌ لَمْ تُنْكَرْ عَلَى مَنْ عَمِلَ بِهَا مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا".
فَسَعَةُ صَدْرِكَ لِإِخْوَانِكَ هِيَ دَلِيلُ عَقْلِكَ وَفِقْهِكَ. والخِلَافَ فِي الرَّأْيِ لَا يَنْبَغِي أَبَداً أَنْ يُفْسِدَ الأُخُوَّةَ، أَوْ يَزْرَعَ الكَرَاهِيَةَ وَالقَطِيعَةَ فِي القُلُوبِ.
أيها الأحبة: يجِبُ أَنْ نَكُونَ عَلَى يَقَظَةٍ تَامَّةٍ لِمَا يُحَاكُ لَنَا. فنَحْنُ نَخُوضُ اليَوْمَ مَعْرَكَةً قَاسِيَةً، لَيْسَتْ بِالسِّلَاحِ، بَلْ هِيَ "مَعْرَكَةُ العُقُولِ". لَقَدْ أَدْرَكَ أَعْدَاءُ الإِسْلَامِ أَنَّهُمْ لَنْ يَقْدِرُوا عَلَى كَسْرِ ظَهْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ مَا دَامَتْ مُتَمَسِّكَةً بِفِطْرَتِهَا، مُتَلَاحِمَةً فِي صُفُوفِهَا. لِذَلِكَ، لَجَأُوا إِلَى مَكْرٍ خَبِيثٍ؛ لِتَمْزِيقِ الأُمَّةِ مِنْ دَاخِلِهَا، وَطَمْسِ هُوِيَّةِ أَبْنَائِهَا لِيَخْرُجَ لَنَا جِيلٌ تَائِهٌ لَا يَعْرِفُ دِينَهُ. فَنَشَرُوا مَوْجَاتِ الإِلْحَادِ وَالتَّشْكِيكِ لِنَزْعِ الإِيمَانِ مِنْ صُدُورِ الشَّبَابِ، وَحَارَبُوا الفِطْرَةَ عَبْرَ نَشْرِ الشُّذُوذِ وَ(الجنْدَرَةِ) لِهَدْمِ الأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ.
وَالسُّؤَالُ: كَيْفَ يَنْجَحُ هَؤُلَاءِ فِي اخْتِرَاقِ بُيُوتِنَا؟ يَنْجَحُونَ عِنْدَمَا نَغْفَلُ نَحْنُ، وَنَنْشَغِلُ بِتَمْزِيقِ بَعْضِنَا البَعْضِ! يَنْجَحُونَ حِينَمَا يَغْرَقُ الدُّعَاةُ فِي خِلَافَاتٍ صَغِيرَةٍ وَمَعَارِكَ جَانِبِيَّةٍ، فَنَتْرُكَ المَيْدَانَ فَارِغاً لِدُعَاةِ الإِلْحَادِ وَالشُّذُوذِ لِيَعْبَثُوا بِعُقُولِ أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا!.

لِذَا كَانَ تَوْحِيدُ الصَّفِّ اليَوْمَ فَرِيضَةَ الْوَقْتِ فنحنُ نَمُرُّ بِمُنْعَطَفَاتٍ صَعْبَةٍ ومصيريَّة. والتحدياتُ تُحيطُ بنا من كلِّ جانب، ولا مَنجاةَ لنا بعدَ عَونِ الله إلا بأن نَقِفَ صَفًّا وَاحِداً كالجَسَد الواحد. وإنَّ أيَّ نِزاعٍ شَخصي، أو تَعَصُّبٍ لِحِزبٍ أو جماعةٍ في هذه المَرحلةِ الحَرِجَة، هو هديَّةٌ مَجَّانيَّةٌ نُقَدِّمُها لأعدائنا ليُدَمِّروا ما تَبقَّى من قُوَّتِنا! اسمعوا لنداءِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ وهو يُنادينا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، وهذا حبيبنا ونبينا ﷺ يُبَيِّنُ لَنا أَنَّ قُوَّةَ المُسْلِمِينَ في تَلاحُمِهم، فَيَقُول: «الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ».
إنَّ كُلَّ خِلَافٍ يُثَارُ اليَوْمَ لِيَزرَعَ الحِقدَ والضَّغينَة في صُدُورِ النَّاسِ، هُوَ استخفافٌ بِدِماءِ الشُّهداءِ وَتَضْحِيَاتِ هَذِهِ الأُمَّة. لقد حَذَّرنا نبيُّنا ﷺ من الاختلاف لأنه يُمَزِّق القلوبَ من الداخل، فقال كلمةً حاسمة: «وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ».
ففرقتنا هي هلاكنا، واجتماعنا هو طريقُ نجاتنا، وإنَّ قُوَّتُنَا فِي وحْدَتِنَا رَغْمَ اخْتِلَافِنَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الحَكِيمُ مُوصِياً أَبْنَاءَهُ:
كونُوا جميعَاً يا بَنِيَّ إِذا اعتَرى
خَطْبٌ ولا تتفرقُوا آحادَا
تأبَى الرِماحُ إِذا اجتمعْنَ تكسُّراً
وإِذا افترقْنَ تكسَّرتْ أفرادَا
أيها الأحبة: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَحْفَظُ وَحْدَةَ صَفِّنَا: صِيَانَةُ مَقَامِ عُلَمَائِنَا، وَحِمَايَةُ عُقُولِ العَوَام.
فَأَئِمَّتُنَا الكِبَارُ، قَدِيماً وَحَدِيثاً، هُمْ مَصَابِيحُ هُدًى تُنِيرُ لَنَا طَرِيقَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَلِكَيْ تَبْقَى قُلُوبُنَا مُتَآلِفَةً، يَجِبُ أَنْ نُطَهِّرَ مَجَالِسَنَا وَمَنَابِرَنَا مِنْ أَمْرَاضٍ مُهْلِكَةٍ تُفَرِّقُ الأُمَّةَ؛ كَالتَّشْهِيرِ بِالْمُخَالِفِينَ، وَتَوْزِيعِ اتِّهَامَاتِ الخِيَانَةِ وَالضَّلَالِ فِي مَسَائِلَ فَرْعِيَّةٍ، وَالتَّفْتِيشِ فِي نِيَّاتِ النَّاسِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا رَبُّ البَرِيَّةِ. فَإِذَا سَمِعْتَ مِنْ أَخِيكَ كَلِمَةً، فَاحْمِلْهَا عَلَى أَحْسَنِ مَحْمَلٍ، وَدَعِ السَّرَائِرَ لِخَالِقِهَا.
وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ صُوَرِ هَذَا الِاحْتِرَامِ؛ أَلَّا نُقْحِمَ عوامَ المسلمينَ فِي تَفَاصِيلِ الخِلَافَاتِ الفِقْهِيَّةِ وَالمَسَائِلِ العِلْمِيَّةِ الدَّقِيقَةِ. فالمُسْلِمَ الَّذِي لَمْ يَتَخَصَّصْ فِي دِرَاسَةِ الشَّرِيعَةِ وَأَدِلَّتِهَا، وَاجِبُهُ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ هُوَ أَنْ يَسْأَلَ العُلَمَاءَ الثِّقَاتِ وَيَأْخُذَ بِفَتْوَاهُمْ بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ؛ وَلِذَلِكَ يَقُولُ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْعَامَّةَ عَلَيْهَا تَقْلِيدَ عُلَمَائِهَا وَأَنَّهُمُ الْمُرَادُونَ بِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
أَمَّا نَشْرُ المَسَائِلِ المُعَقَّدَةِ -الَّتِي تَحْتَاجُ لِجَلَسَاتٍ مُغْلَقَةٍ بَيْنَ العُلَمَاءِ- عَلَى شَاشَاتِ التَّوَاصُلِ أَوْ مَنَابِرِ الجُمُعَةِ؛ فَهُوَ بَابٌ عَظِيمٌ لِلْفِتْنَةِ! إِنَّهُ يَجْعَلُ العاميَ حَكَماً بَيْنَ الفُقَهَاءِ، فَتَضِيعُ هَيْبَةُ العِلْمِ، وَيَتَجَرَّأُ النَّاسُ عَلَى شَتْمِ العُلَمَاءِ، فَتَتَمَزَّقُ الصُّفُوفُ.
لِذَلِكَ، فَإِنَّ العَالِمَ الحَكِيمَ وَالخَطِيبَ النَّاصِحَ؛ هُوَ مَنْ يَكُونُ مِفْتَاحاً لِلْخَيْرِ، يُبَسِّطُ الدِّينَ لِلنَّاسِ، وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى مَا يُصْلِحُ قُلُوبَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ وَصَلَاتَهُمْ.
أيها الأحبة: إِنَّ "مِيثَاقَ وَحْدَةِ الخِطَابِ الإسْلَامِيِّ" الذي حدثتكم عنه في مقدمة الخطبة يَقُومُ عَلَى أَسَاسٍ عَظِيمٍ وَقَاعِدَةٍ وَاضِحَة وهو: أن نَجْتَمِعَ عَلَى الأُصُولِ الكُبْرَى الَّتِي نَتَّفِقُ عَلَيْهَا، وَأَنْ نَبْتَعِدَ عَنْ إِثَارَةِ مَسَائِلِ الخِلَافِ الفَرْعِيَّةِ الاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي تُمَزِّقُ الصُّفُوفَ وَتُفَرِّقُ القُلُوبَ.
اسْمَعُوا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ الَّتِي تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ؛ حَيْثُ يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "إِنَّ الِاعْتِصَامَ بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف مِن أُصُولِ الدِّينِ، وَالْفَرْعُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ مِن الْفُرُوعِ الْخَفِيَّةِ، فَكَيْفَ يُقْدَحُ فِي الْأَصْلِ بِحِفْظِ الْفَرْعِ؟!" أَيْ: كَيْفَ نَهْدِمُ الأَصْلَ العَظِيمَ (وَهُوَ وِحْدَةُ الأُمَّةِ) مِنْ أَجْلِ الِانْتِصَارِ لِرَأْيٍ فِي مَسْأَلَةٍ فَرْعِيَّةٍ؟!.

وهذا سيدنا محمد ﷺ كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ يَهْدِمَ الكَعْبَةَ وَيُعِيدَ بِنَاءَهَا كَمَا بَنَاهَا جَدُّهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ لَكِنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ خَوْفاً مِنْ أَنْ تَنْفِرَ قُلُوبُ النَّاسِ الجُدُدِ فِي الإِسْلَامِ وَتَحْدُثَ فِتْنَةٌ. يَقُولُ ﷺ لِأُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ»، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ تَرَكَ بِنَاءَ الكَعْبَةِ حِفَاظاً عَلَى جَمْعِ القُلُوبِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمُسْلِمٍ اليَوْمَ أَنْ يَهْدِمَ أُخُوَّةَ الأُمَّةِ وَوِحْدَتَهَا مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَةٍ فَرْعِيَّةٍ أَو رَأْيٍ فِقْهِيٍّ بَسِيطٍ؟!.
وَلِكَيْ نَحْفَظَ هَذِهِ الأُخُوَّةَ يَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِثَلَاثِ قَوَاعِدَ أَخْلَاقِيَّةٍ ذَهَبِيَّةٍ:
أَوَّلاً: أحسن الظَّنِّ بِإِخْوَانِكَ: يَقُولُ الفاروقُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: "ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ فِيهِ مَا يَغْلِبُكَ، وَلا تَظُنُّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءًا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا مِنَ الْخَيْرِ مَحْمَلا".
ثَانِياً: التمس الأَعْذَارِ: المُسْلِمُ الصَّادِقُ يَبْحَثُ لِأَخِيهِ عَنْ عُذْرٍ، وَلَا يَفْرَحُ بِاصْطِيَادِ زَلَّاتِهِ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ رحمه الله: "الْمُؤْمِنُ يَطْلُبُ الْمَعَاذِيرَ وَالْمُنَافِقُ يَطْلُبُ الْعَثَرَاتِ".
ثَالِثاً: الرَّفْقُ وَاللِّينُ مَعَ المُخَالِفِ: الرَّفْقُ هُوَ المِفْتَاحُ السِّحْرِيُّ لِلْقُلُوبِ. تَذَكَّرُوا رَحْمَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِالأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي المَسْجِدِ فَغَضِبَ الصَّحَابَةُ وَقَامُوا إِلَيْهِ ليَزْجُرُوه، فَمَنَعَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: «دَعُوهُ، وَلَا تُزْرِمُوهُ»، ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنْهُ وَعَلَّمَهُ بِمُنْتَهَى اللُّطْفِ أَنَّ المَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِهَذَا. هَذَا هُوَ الرَّفْقُ الَّذِي جَعَلَ الإِسْلَامَ يَأْسِرُ القُلُوبَ، فَبِالرَّفْقِ نُصْلِحُ الأَخْطَاءَ، وَبِالشِّدَّةِ نُفَرِّقُ الأُمَّةَ.

أقول قولي هذا واستغفر الله ..
يمكنكم الاشتراك لمتابعة صفحتنا على اليوتيوب (خطب الأستاذ أحمد صبح) للمشاهدة بدقة عالية:
https://youtube.com/-67?si=0SPv2bhQ6oyDPMyk
أو من خلال الاشتراك في قناة الأستاذ أحمد صبح على واتس أب https://whatsapp.com/channel/0029VaAkRxP4CrfmgaugYO14
أو من خلال قناة تيليجرام
telegram.me/ahmad_subh

خطبة الجمعة ٢١-٨-٢٠٢٦ للداعية الأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير...

المولد في العقل الجمعي ..خطبة الجمعة ٢١-٨-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير بسم الله الرحمن الرحيمأيها الأحبة: ف...
22/08/2026

المولد في العقل الجمعي ..

خطبة الجمعة ٢١-٨-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير

بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأحبة:
فقد اعتدنا مع قدوم شهر ربيع الأنور من كل عام أن نشهد شيئًا من التراشق اللفظي بين فريقين من المسلمين: فريق يرى مشروعية الاحتفال بمولد النبي ﷺ، وفريق يرى عدم مشروعيته.
وقد ظهر هذا الخلاف بصورة أوضح مع وسائل التواصل الاجتماعي، حتى بدأ في الآونة الأخيرة ينتقل من العالم الافتراضي إلى الواقع، فأصبح الناس يتواجهون بهذه الآراء وجهًا لوجه، وربما وصل الأمر إلى السباب والشتم والتباغض.
وفي العادة، يا إخواني، لا أتعرض لهذا الموضوع، ولا أخصص خطبة لإثبات المشروعية أو نفيها؛ لأن الأدلة والفتاوى في ذلك قد سمعها كثير من الناس، وهذا خلاف فقهي سيبقى ما بقي الفقه واختلفت أنظار العلماء.
لكنني اليوم أريد أن أضيء على جانب يغفل عنه كثير من الناس، وأرجو أن يكون في فهمه شيء من فك الاشتباك، ومد جسور التفاهم بين المسلمين، ودرء أسباب التباغض والتحريش الذي يدخل منه الشيطان.
أيها الأحبة: في بلاد الشام، وفي دمشق على وجه الخصوص، هناك ما عُرف قديمًا بـ (مجلس الصلاة على النبي ﷺ)، ويذكر المؤرخون أن له في دمشق تاريخًا يمتد نحو خمسمائة سنة بدأ مع دخول السلطان سليم إلى دمشق كما يقول المحبّي وغيره من المؤرخين.
ومجلس الصلاة على النبي ﷺ هذا كان يسمى قديمًا (المَحْيَا)، لأن الناس كانوا يحيون ليلة الجمعة بالصلاة على النبي ﷺ، لما ورد من أحاديث في فضل الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ في ليلة الجمعة ويومها، وقراءة القصائد التي تتحدث عن شمائله وصفاته، مع شيء من الطعام والشراب إلى أن تأتي صلاة الجمعة.
ثم تطور هذا المجلس، وقُصرت مدته، وتغير شيء من برنامجه، وأصبح الناس يسمونه (المولد).
وهنا ينبغي أن نفهم ماذا يعني لفظ (المولد) عند كثير من أهل البلد.
فهو عندهم ليس مجرد مسألة فقهية يتناقشون فيها، وإنما هو مجلس يجتمع فيه الرجال وليس الرجال والنساء؛ لذكر الله، والصلاة على النبي ﷺ، ومدحه، وسماع الموعظة، ثم ينصرفون بعد الطعام. وسُمّي مولدًا لأنهم يضمنونه أبياتًا تتحدث عن ساعة مولد النبي ﷺ، تفاؤلًا بمولده الذي كان مولد الخير والنور والبركة.
ولذلك أصبح الناس يقيمون هذه المجالس في مناسبات كثيرة؛ في الزواج، وعند افتتاح مشروع، أو نجاح ولد، أو غير ذلك، رغبة في افتتاح المناسبة بذكر النبي ﷺ والتفاؤل بالخير.
(مثال على دعوة كتاب أو عرس أو نجاح أو افتتاح محل)
ومن هنا خرج الأمر عند كثير من الناس عن كونه مناسبة مرتبطة بيوم الثاني عشر من ربيع الأول، وأصبح جزءًا من العادات والأعراف والثقافة الاجتماعية، يقام على مدار العام، ليس في 12 ربيع، ليس في شهر ربيع، بل في شهري ربيع الأول والثاني ..
ومن هنا أقول لإخواني الذين لا يرون مشروعية المولد: انتبهوا إلى هذه الخلفية.
عندما تنكر على إنسان، أنت لا تنكر عليه في ذهنه مجرد مسألة فقهية قرأتها في كتاب، وإنما أنت تنكر عليه شيئًا يراه جزءًا من ثقافته وعاداته وأعرافه التي لها أصل في الشرع، وقد رأى العلماء والصالحين يحضرون هذه المجالس ويشاركون فيها.
فإذا قلت له مباشرة: «هذا حرام» أو «هذا ضلال»، فقد لا يفهم مرادك، بل قد يشعر أنك تطعن في ثقافته ودينه وعلمائه، فينقطع ما بينك وبينه، وتغرس في قلبه سوء الظن والكراهية، من حيث أردت أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
وليس المقصود أن كل عادة صحيحة لمجرد أنها قديمة، ولا أن كل ما اعتاده الناس يصبح مشروعًا، وإنما المقصود أن فهم الواقع جزء من الحكمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أيها الأحبة:
ثم إن أهم أركان هذا المجلس الذي لا يقوم المجلس بغيره أن يحضر علماء البلد وصلحاؤها، من القراء والفقهاء والمحدثين، ومن أعلام المدينة الذين عرفهم أهلها، ولذلك لا يوجد مجلس من هذه المجالس إلا يحضره هؤلاء، ولا يوجد أحد من علماء البلد إلا وحضره ودعا وعلم فيه؛ مثل الشيخ أحمد الحباب الرفاعي، والشيخ عبد الرحمن الشاغوري، والشيخ شكري اللحفي، وتلاميذ الشيخ المحدث الأكبر محمد بدر الدين الحسني، الشيخ علي الدقر، والشيخ حسن حبنكة الميداني وطلابه، والشيخ عبد الكريم الرفاعي وطلابه، والشيخ أبي الحسن الكردي، وغيرهم من علماء دمشق وصلحائها.
والمقصود من ذكر هؤلاء ليس إثبات حكم فقهي بمجرد حضورهم، وإنما بيان أن المولد عند أهل البلد لم يكن في تصورهم أمرًا غريبًا أو طارئًا، بل كان مرتبطًا عندهم بالعلماء والصلحاء وبمجالس الذكر والدعوة.
ولذلك فإن التعامل معه يحتاج إلى فهم هذه الخلفية الاجتماعية والتاريخية والدينية، أنت عندما تقول له حرام أو ضلال، هو لا يفهم عليك .. لم هذا حرام أو هو ضلال؟!
أيها الأحبة:
ومن العادات المرتبطة بهذا المجلس ما اعتاده الناس من تقديم نوع خاص من الحلوى وهو (الملبّس)، وهو اللوز المغطى بالسكر الأبيض، تفاؤلًا بالبياض، وقد كان ﷺ يحب البياض، يقول لك أهل الشام (بيّضها) شو يعني بيضها؟ يعني ملبس، رز بحليب، سحلب، أكلة لبن، عادات وأعراف أنت تراها بدعا لكن لها خلفية شرعية وأصل من الأصول.

وقد رأينا، يا إخواني، كيف يمكن أن يتحول الإنكار إلى نتيجة عكسية، بالأمس جاء رجل يريد أن يوزع الملبّس على الناس ويقول: (صلّوا على النبي)، فيأخذ أحدهم الصرة ويرميها في وجهه قائلًا: (هذا حرام).
يا أخي، يا حبيبي، أتظن أن النبي ﷺ لو رآك تفعل ذلك لفرح بك؟
أنت أردت أن تنكر منكرًا تراه، جزاك الله خيرًا، لكن هل أدى أسلوبك إلى إزالة المنكر؟ أم غرست في قلب الرجل كراهية وبغضاء، وربما جعلته ينفر من كل من يدعو إلى الدين؟
يا أخي، طوّل بالك، واهدأ، واصبر، وافهم الواقع، ووسّع عقلك وصدرك وقلبك؛ فالأمر أعقد مما تظن، أنت حينما تنكر المولد إنما تنكر ثقافة متكاملة متجذرة ممتدة تاريخيا واجتماعيا وروحيا عند الناس.
ومع بداية شهر ربيع، ترى في أسواق دمشق القديمة مظاهر الزينة والفرح، ويجتمع المتدين وغير المتدين، والمحجب وغير المحجب، وتسمع الأناشيد والصلاة على النبي ﷺ، ويأكل الأطفال الملبّس.
بل أصبحت عبارات مثل: (على حب النبي كُل)، و(على حب النبي اشرب)، جزءًا من لهجة أهل البلد وطريقة كلامهم، وقد يقولها الإنسان دون أن يكون متدينًا أصلًا.
فإذا أردت أن تنكر، فاعرف أولًا على ماذا تنكر، وافهم كيف ينظر الناس إلى ما تريد إنكاره.
قد تكون أنت تنظر إلى مسألة فقهية، بينما هو ينظر إليها باعتبارها عادة وثقافة ارتبطت عنده بالدين والعلماء والأسرة والمجتمع.
أيها الأحبة:
ولذلك فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى علم وبصيرة وحكمة، ويحتاج إلى معرفة متى يُنكر وكيف يُنكر.
وأنا هنا لا أقول لكم: اعملوا مولدًا، ولا أقول: لا تعملوا مولدًا، إنما أقول: نريد أن نصل إلى حالة من التفاهم.
الذي يريد أن يعمل مولدًا، فليعمل، والذي لا يريد أن يعمل، فلا يعمل. لا هذا يثرب على ذاك، ولا ذاك يثرب على هذا.
أنا أريد أن أعمل مولدًا، فلماذا تنكر عليّ؟ وأنت لا تريد أن تحضر، فلماذا أقول لك: إنك لا تحب النبي ﷺ ؟
لا، بل قد يحب الإنسان النبي ﷺ، ولكنه لا يرى إقامة المولد.
يا أخي، لا تحضر المولد، والذي يريد أن يقيمه، اتركه.
فمسائل الخلاف الفقهي كثيرة، وقد قال الشافعي قولًا، وقال أبو حنيفة قولًا، واختلف العلماء في مسائل كثيرة، وطبيعة النظر في الأدلة تفتح باب الاجتهاد والخلاف.
والخلاف في ذاته ليس مشكلة ما دمنا نحفظ الأخوة ولا يتحول الخلاف إلى صراع وتضليل وتبديع وتسابب وتباغض.
هناك من يحب هذا، وهناك من لا يحبه؛ وهذا يمكن أن يكون خلافًا صحيًا. لكن متى يصبح الخلاف خطرًا؟
عندما نتشابك ونتصارع، ويضلل بعضنا بعضًا، ويخطئ بعضنا بعضًا، ويدخل الشيطان بيننا، فتنتشر البغضاء.
ولهذا، يا إخواني، علينا أن نتذكر قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
فكل شيء يفتح بابًا للغل والتحريش والتباغض ينبغي أن نحذر منه.
إذا كان النقاش في مسألة اختلف فيها العلماء، ثم أصبحت عند الناس عادة وثقافة وعرفًا، وارتبطت بتاريخهم وعلمائهم ومجالسهم، فهل يستحق الأمر أن يتحول إلى نزاع وتضارب وتشاحن وتسابب وتحاقد؟ لماذا؟ ومن الذي يفرح بهذا؟
لا أرى أنه يفرح بذلك إلا إبليس وجنده.
وقانا الله وإياكم شر إبليس، وشر شياطين الإنس والجن، وجمع قلوبنا جميعًا على ما يحبه ويرضاه.
أقول قولي هذا واستغفر الله ..
يمكنكم الاشتراك لمتابعة صفحتنا على اليوتيوب (خطب الأستاذ أحمد صبح) للمشاهدة بدقة عالية:
https://youtube.com/-67?si=0SPv2bhQ6oyDPMyk
أو من خلال الاشتراك في قناة الأستاذ أحمد صبح على واتس أب https://whatsapp.com/channel/0029VaAkRxP4CrfmgaugYO14
أو من خلال قناة تيليجرام
telegram.me/ahmad_subh

خطبة الجمعة ٢١-٨-٢٠٢٦ للداعية الأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير...

خطبة | دين النظام ...خطبة الجمعة ١٧-٧-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: ﴿...
18/07/2026

خطبة | دين النظام ...

خطبة الجمعة ١٧-٧-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ ‌اللَّيْلُ ‌نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
أخرج أبو داود وابن حبان في "صحيحه" من حديث محمد بن مسلم، قالَ: صليت إلى جنب أنس يوماً، فقالَ هل تدري لم صنع هذا العود؟ قلت: لا والله. قالَ: إن رسول الله ﷺ كانَ إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه، ثم التفت، فقالَ: «‌اعتَدِلوا، ‌سَوُّوا صُفوفَكم».
وأخرج الإمام مالك في "الموطأ" عن نافع، أن عمر كانَ يأمر بتسوية الصفوف، فإذا أخبروه أن قد استوت كبر.
وبإسناده، عن ابن عمر، أن عمر كانَ يبعث رجالاً يقيمون الصفوف في الصلاة.
عنوان خطبة اليوم: بين النظام والفوضى
يعدك أن يزورك في السابعة مساء فإذا به يصل عند الثامنة معتذراً مبتسماً، وربما لا يعتذر أصلاً. إنها فوضى المواعيد.
يتناول الأطفال طعام الإفطار عند السابعة ويتناول الأب إفطاره عند الثامنة ويخرج الأخ الكبير من البيت من دون إفطار وتتناول هي إفطارَها عند استيقاظها مع ابنتها في العاشرة. إنها فوضى البيوت.
تدخل إلى بعض المساجد لتجد بعض الساعات تعمل وبعضها معطلة، وبعض الإضاءة تعمل وبعضها معطلة، وترى الكراسي مبعثرة في المسجد، وبرادات الماء نصفها لا يعمل، ويؤذن عند كل وقت أحد الحاضرين ويؤم آخر، وربما خطب، إنها فوضى المساجد.
تدخل غرفته الخاصة فتجد الكتب مبعثرة على الطاولة، والملابسَ مرميةً على السرير، والأحذيةَ وبعضَ الأجهزة الكهربائية مفرقةً في الغرفة، إنها فوضى الغرف.
أيها الأحبة:
عرّف العلماء الدين بأنه نظامٌ إلهيٌّ سائق لذوي العقول السَّليمة، باختيارهم المحمود لِمَا فيه صلاحهم في الدُّنيا، ونجاتُهم في الآخرة.
فالدين كله نظام، نظام في العقيدة ونظام في الشريعة ونظام في الأخلاق. وبهذا تكون الفوضى خارجةً عن الدين.
كان النَّاس يعيشون قبل الإسلام في فوضى تضرب جذورها في كلِّ أنحاء الحياة، فوضى في العقيدة، وفوضى في الشَّريعة، وفوضى في الأخلاق.
ففي العقيدة كان أناسٌ يعبدون الحجر، وأناسٌ يعبدون البقر، وأناس يعبدون الشَّجر، وعبَدَ قومٌ البشر، وسَجَدَ قومٌ للقمر، وركع قومٌ للبشر، اتَّخذ واحدهم إلهين اثنين، واتَّخذ آخر ثلاثة آلهة، وربَّما عبَدَ الرَّجل كلَّ يوم إلهاً، فله في كلِّ سنة ثلاثُ مائةٍ وستون إلهاً!!
روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: (كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ، أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الْآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا، جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ، ثمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ ثمَّ طُفْنَا بِهِ).
جاء الإسلام ليعلن نظاماً واحداً في العقيدة عنوانه: (لا إله إلا الله، محمَّد رسول الله)، ﴿‌قُلْ ‌هُوَ ‌اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.
عاش النَّاس في الجاهلية فوضى ما بعدها فوضى، ففي علاقة الرَّجل بالمرأة مثلاً أطلقوا العنان لشهواتهم، وتركوا لجام أنفسهم تسير بهم حيث يأمرهم الهوى، فالزِّنى، وهتك الأعراض، والاعتداء على الحرمات، واختلاط الأنساب كان شائعاً.
جاء الإسلام ليقضي على هذه الفوضى والعشوائية والجاهلية؛ ليعلن نظاماً طهوراً، وميثاقاً غليظا.
وفي الأخلاق عاشت الجاهلية فوضى الغش والخديعة والسَّطو والخيانة والكيد والغدر والكذب والغيبة والفحش والظلم.
فجاء الإسلام ليعلن نظام الصدق والأمانة والطهر والعفة والعدل والإحسان.
أرأيتم إلى هذه الفوضى؟ إلى هذا التفلُّت، وهذه العشوائية، وهذه الجاهلية. في العقيدة والشريعة والأخلاق.
لقد جاء ليهدم الفوضى ويبني النظام، لذلك عرَّف العلماء الدِّين بأنه نظامٌ إلهيٌّ، سائق لذوي العقول السَّليمة، باختيارهم المحمود لِمَا فيه صلاحهم في الدُّنيا، ونجاتُهم في الآخرة.
إنَّ دين الله الذي شرعه للناس مبناه على النظام.
يقول أحد المفكرين: إنِّي جُبْتُ الأرض قاطبةً، فلم أجدْ نخلةً واحدةً خالفتْ نظام خَلْقِها؛ جذورها للأعلى فوق الأرض، وساقها وتمرها للأسفل تحت الأرض!
لو تفكَّرنا في أجسامنا؛ لوجدنا الله خلقنا بنظامٍ دقيقٍ، فالدَّم يجري في عروقه، لا يخرج عن مساره، والطَّعام يسري في دروبه، والهواء يمرُّ في أقنيته، المعدة تهضم، والقلب يخفِق، والدِّماغ يأمر، والكِلْية تُنَقِّي، والنُّخامة تُفْرَز، والكبد يُوَلِّد ذلك بنظام.
إنَّ فطرة الله التي فُطر النَّاس عليها هي النِّظام.

لو نظرنا إلى السَّماء؛ لوجدناها بُنيت على النِّظام الفَلَكي المعجِز، ولو تفكَّرنا في الأرض في بحارها وأنهارها وسهولها وجبالها، في نبتها وثمارها، في ليلها ونهارها؛ لوجدناها بُنيَتْ على النِّظام.
إن صبغة الله التي صبغ خلقه بها هي النظام.
بعد كلِّ ما سمعتَ: هل تكون أيُّها المسلم منظَّماً أو فوضويَّاً؟
كان سعد بن أبي وقاص  قائدَ جيش في خلافة عمر بن الخطاب ، وأقبل ليتسَّلم من بيت المال ما خُصِّصَ له من راتب، وكان الجند يقفون بنظام أمامٍ بيت المال، فَسَحَ الجند لقائدهم سعد ليتقدَّم عليهم، فلمَّا اقترب من عمر خفقه بالدُّرة، وقال: (الزمْ مكانَك يا سعد).
إنَّها التربية على النَّظام.
وتروي كتب الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أرسل اثنين أَمَّرَ أحدهما؛ ليُعلِّمَنا النِّظام.
ديننا كلُّه نظام، فالصَّلاة على وقتها نظامٌ في الأوقات، وصلاة الجماعة والانضباط بأفعال الإمام نظامٌ في الجماعات، والصَّوم نظامٌ في الطَّعام، والزَّكاة نظامٌ في الإنفاق، والحجُّ نظامٌ في الاجتماعات. وهكذا سائر العبادات والمعاملات المشروعة.
إنَّنا في اليوم الذي نقفُ فيه على موقف الحافلات بنظاٍم، وفي اليوم الذي نخرج فيه من أبواب مدارسنا ومساجدنا بنظامٍ، وفي اليوم الذي نرتِّب فيه أحذيتنا إذا دخلنا المساجد بنظامٍ، وفي اليوم الذي تكون فيه منتجاتنا موافقةً للمواصفات، وفي اليوم الذي نستخرج فيه المعاملة الرسمية بشروطها وفي وقتها بنظام، وفي اليوم الذي نربي أولادنا على النِّظام ...
ذاك اليوم هو الذي نكون فيه صالحين لوراثة الأرض؛ لأنَّ الأرض لا يرثها إلَّا أهل النِّظام: ﴿وَلَقَدْ ‌كَتَبْنَا ‌فِي ‌الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
جاء في التفسير المنير: الصَّالحون لعمارتها.
في خاتمة هذه الخطبة عن فضيلة النظام وشؤم الفوضى كيف يخلّص المرء نفسه من العشوائية والفوضى؟:
أربعة أمور تعينك على التخلص من العشوائية والفوضى هي:
التدرب على النظام والبدء بالواجبات الشرعية في أوقاتها:
جميع العبادات قائمةٌ على نظام محكم، فللصلاة وللصيام وللحج وللزكاة ضوابط محددة، وهكذا في كل شعائر الإسلام...
فإذا بدأت تحافظ على صلاتك في المسجد منضبطاً بوقتها، وبدأت صومك ممسكاً ومفطراً في الأوقات وبدأت الزكاة في وقتها وبمقدارها بدأت التدرب على النظام.
2- اكتب برنامج مهامك اليومية والأسبوعية والشهرية والسنوية.
مما يعين على تنظيم الوقت أن يضع الإنسان لنفسه قائمة بالمهام المطلوبة منه كواجبات الدراسة، والعبادة والعمل، والأسرة، وصلة الأرحام وغير ذلك... ثم يرتبها حسب ما يراه ضروريا، ولعله يضيف إلى ذلك قائمةً أسبوعيةً وأخرى شهرية..
ولا يُطْلب من قائمة المهام أن تكون شديدة الدقة، بل هي معينة على ترتيب الأوقات وضبطها قدر الاستطاعة.
3-تخلص من الفوضى في مساحتك المادية:
فتراكم الأشياء لا يشغل مساحة منزلك فحسب، بل يؤثر أيضاً على طاقتك العقلية. وفقاً لدراسة أجريت عام 2023، فإن الإفراط في امتلاك الأشياء يقلل من الرضا عن الحياة ويزيد التوتر لدى جميع الفئات العمرية.
وتخلص مثل ذلك من الفوضى الرقمية: فالفوضى الرقمية تستنزف طاقتك العقلية دون أن تشعر. ففي دراسة أجريت عام 2019 ربطت بين الإفراط في استخدام الشاشات وزيادة القلق وتراجع احترام الذات.
واحذف التطبيقات التي لم تستخدمها خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
وأوقف التنبيهات غير الضرورية لتقليل التشتيت، وأنشئ مناطق خالية من التكنولوجيا، مثل غرفة النوم أو طاولة الطعام.
وحدد وقتاً يومياً لاستخدام التطبيقات الترفيهية، أو مواقع التواصل.
4- صاحب أهل الانضباط والنظام ودع أهل الفوضى: فالصاحب يعدي.
أيها الأحبة:
لا يختلفُ عاقلان على أنَّ النِّظامَ بركةٌ، وأنَّ الفوضى شؤمٌ. على أنَّ المنَظَّم منتجٌ، والفوضوي ضعيف الإنتاج. على أنَّ الطَّالب المنَظَّم، والتَّاجر المنَظَّم، والموظف المنَظَّم، والأب المنَظَّم، والزَّوجة المنظَّمة، والأسرة المنظَّمة، والمجتمع المنَظَّم...، كلُّ هؤلاء عنوان حضارةٍ ورقيٍ وتمسُّكٍ بالدِّين.
كما لا يختلف اثنان على أنَّ المدرس العشوائي، والزَّوج المزاجي، والعائلة الفوضوية، والمجتمع المتَّبِع للأهواء...، كلُّ هؤلاء عنوان تَخَلُّفٍ وجهلٍ وتقصيرٍ في حقِّ الدِّين
وليس أنفع للمرء من تزكيته نفسَه بتحريرها من الفوضى وتجميلها بالنظام. وقد كان رسول الله ﷺ يدعو يقول: اللَّهمَّ آتِ نَفسي تَقْوَاها، وزَكِّها أَنت خَيرُ مَنْ زكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّها ومولاها.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم ..
يمكنكم الاشتراك لمتابعة صفحتنا على اليوتيوب (خطب الأستاذ أحمد صبح) للمشاهدة بدقة عالية:
https://youtube.com/-67?si=0SPv2bhQ6oyDPMyk
أو من خلال الاشتراك في قناة الأستاذ أحمد صبح على واتس أب https://whatsapp.com/channel/0029VaAkRxP4CrfmgaugYO14
أو من خلال قناة تيليجرام
telegram.me/ahmad_subh

Enjoy the videos and music you love, upload original content, and share it all with friends, family, and the world on YouTube.

شرُّ النَّاسِ ..خطبة الجمعة ١٠-٧-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير بسم الله الرحمن الرحيميقول الله تعالى: ﴿يَا أ...
14/07/2026

شرُّ النَّاسِ ..

خطبة الجمعة ١٠-٧-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير

بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
ويقول سيدنا رسول الله ﷺ: «الناس رجلان: برٌّ تقيٌّ كريمٌ على الله، وفاجرٌ شقيٌّ هيِّنٌ على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب»، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
أيها الأحبة: آيةٌ صريحةٌ بأن خير الخلق عند الله تعالى أتقاهم لله، سواء فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى؛ فتراه مقبلًا على الطاعات، هاجرًا للمعاصي والمحرمات، أو فيما بينه وبين عباد الله؛ عندما يترجم إيمانه وعبادته وصلاته وقرآنه وأذكاره، يترجم ذلك كله إلى أخلاق صالحة يلمسها كل من يتعامل معه.
فالمسلم في ميزان رسول الله ﷺ: «من سلم المسلمون من لسانه ويده»، والمؤمن في عرف الشرع «مَن أمِنَه الناسُ على أمْوالِهِم وأنْفُسِهم» وأحب الناس إلى الله في ميزان المصطفى ﷺ: «أنفعهم للناس».
وهذه من أعظم صفات المؤمن؛ حيثما حلَّ، حلَّ نفعه وخيره.
إذا رأى محتاجًا سانده، وإذا رأى مسكينًا آثره، وإذا رأى ملهوفًا أغاثه، وإن دخل بيته سُرَّ أهل البيت برؤيته، فكان حاله كما قال عليه الصلاة والسلام: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
وبالمقابل: تعال معي إلى ما أخرجه الإمام البخاري في الصحيح، عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رجل من المؤلفة قلوبهم -وهم الذين دخلوا في الإسلام حديثًا ولم يتمكن الإيمان من قلوبهم-، فاستأذن رجل من هؤلاء على النبي ﷺ، فقال عليه الصلاة والسلام: «بئس أخو العشيرة هو»، ثم أذن له، فجلس معه، وانبسط إليه، وألان له الكلام، فلما انطلق هذا الرجل، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، حين رأيتَ الرجل قلتَ له كذا وكذا، ثم تطلقتَ في وجهه وانبسطتَ إليه!!
فقال ﷺ: «متى عهدتني فحاشًا؟! إن من شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة: من تركه الناس اتقاء شره».
وهنا اسمحوا لي أيها الأحبة أن نقف عند هذه القصة لنستمد منها بعض الفوائد والعبر.
وأولها: ليست البطولة والرجولة أن أشكل رعبًا لمن حولي، بأن أكون متكبرًا مختالًا على عباد الله، كما يفعل بعض الناس اليوم؛ يفتخر أنه ما من أحد من الجوار يستطيع أن يخالفه، وبأن الكل يتحاشاه، ويتحاشى أن يصطدم معه.
بل يفتخر ويفرح بأنه إذا دخل إلى محله أو إلى ورشته، تأذى منه جميع عماله؛ يعامل أجيره بلسان بذيء ويدٍ مؤذية، يستغل فقره، ويستغل ضعفه، ويستغل حاجته، متناسيًا ساعة الوقوف والحساب بين يدي الله تبارك وتعالى.
من الظواهر الكريهة التي تركها النظام البائد في بعض النفوس الضعيفة التي لم يدخلها الإيمان ما نسميه ظاهرة التشبيح والتعالي على خلق الله، حالات كلكم رآها كثيرا فيما سبق، ونراها الآن وللأسف عند البعض، على الأفران، على طوابير الغاز والبنزين، ذاك الذي يرى الناس كأنهم حشرت لا قيمة لهم، فيتعدى على حقوقهم اعتمادا على قوته أو سلطته أو سلاحه، تكون واقفا على حاجز التفتيش الأمني فيأتي ذاك الذي يعد نفسه خيرا من جميع الواقفين فيتجاوز رتل السيارات ليدخل في غير دوره، ويأخذ ما ليس له بحق ..
سيدنا أبو مسعود الأنصاري t كان يضرب غلامًا له بسوط، فإذا بصوت ينادي من بعيد: «اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود».
قال أبو مسعود: لم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا إذا به رسول الله ﷺ. قال: فارتجفت يدي، فوقع السوط منها، من هَيْبَتِه، فقال – أي النبي ﷺ -: «اعلم أبا مسعود أنَّ اللهَ أقدَرُ عليك منك على هذا الغلام»، فقلت: يا رسول الله، هو حُرٌّ لوجه الله، فقال ﷺ: «أمَا لو لم تفعل للفحتْك النارُ، أو لمسَّتْك النار»، فقلت: والذي بعثك بالحقِّ، لا أضرب عبدًا بعده أبدًا، فما ضربت مملوكًا لي بعد ذلك اليوم.
كلما دعتك نفسك أن تؤذي أجيرًا، أو ضعيفًا، أو يتيمًا، أو مسكينًا، فتذكر: «أنَّ اللهَ أقدَرُ عليك منك على هذا الغلام». وتذكر: «إن من شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة: من تركه الناس اتقاء شره».
هي رسالة إلى ذاك الرجل الذي إذا دخل إلى بيته أهان زوجته بلسانه أو بيده، حتى أصبحت تتحاشى أن تكلمه؛ كيلا ينالها من نتن أخلاقه وسوء أخلاقه.
إلى ذلك الجار الذي يعرف بأساليبه غير النظيفة كيف يعتدي على حقوق جيرانه، يعتدي على وجائبهم، يحجز الطريق لسيارته بغير وجه حق، يسرق الحق العام، يعتدي على المرافق العامة لمصلحته.
بينما لو دققنا في أحوال رسول الله ﷺ، لوجدناه خير الناس، وأعدل الناس، وأحنَّ الناس، وألطف الناس مع الناس وبخاصة مع أهل بيته.
كان ﷺ إذا دخل بيته فرح أهل بيته بدخوله، وكان بركةً لهم وعليهم، وكان ملاطفًا ممازحًا لزوجاته الطاهرات.

تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: «تقدموا»، فتقدموا، ثم قال لي: «تعالي حتى أسابقك»، فسابقته، فسبقته.
فسكت عني، حتى إذا حملتُ اللحم وبدَنتُ ونسيتُ، خرجتُ معه في بعض أسفاره، فقال للناس: «تقدموا»، فتقدموا، ثم قال لي: «تعالي حتى أسابقك»، فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول: «هذه بتلك».
شتان بين من يتخلق بخلق هذا الزوج الكريم عليه الصلاة والسلام، وبين من يتقيه أهل بيته، ويتحاشون أن يجالسوه بسبب سوء لسانه وسوء عشرته.
«إن من شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة: من تركه الناس اتقاء شره».
اليوم، للأسف، نرى بعض الأولاد قد وصل بهم سوء الخلق، وقلة الدين والإيمان، إلى أنك تجد آباءهم وأمهاتهم يتحاشون الكلام معهم بسبب ما يكون منهم من سوء الخلق، ومن العقوق، ومن بذاءة اللسان، والتسلط في الكلام على والديهم.
مع أن العلماء قد نصوا على أن من العقوق: أن يحدَّ الولد النظر إلى أبيه أو إلى أمه – يعني يتزورهم - فكيف بمن يكون حاله في التعامل مع والديه كما قال عليه السلام: «إن من شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة: من تركه الناس اتقاء شره».
ختامًا، أيها الأحبة، لا بد أن ننتبه إلى أخلاقنا؛ فإن معيار التفاضل عند الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
وتذكروا أن حسن الخلق في التعامل مع الناس عمومًا سببٌ لمجاورة رسول الله ﷺ في أعلى مراتب الجنان.
قال عليه الصلاة والسلام: «إن من أحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقًا، وإن من أبغضكم إليَّ، وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون».
قالوا: قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون».
اللهم حسن أخلاقنا ووسع أرزاقنا، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ..
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم ..
يمكنكم الاشتراك لمتابعة صفحتنا على اليوتيوب (خطب الأستاذ أحمد صبح) للمشاهدة بدقة عالية:
https://youtube.com/-67?si=0SPv2bhQ6oyDPMyk
أو من خلال الاشتراك في قناة الأستاذ أحمد صبح على واتس أب https://whatsapp.com/channel/0029VaAkRxP4CrfmgaugYO14
أو من خلال قناة تيليجرام
telegram.me/ahmad_subh

خطبة الجمعة ١٠-٧-٢٠٢٦ للداعية الأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير...

Address

Yabroûd

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when خطب الأستاذ أحمد صبح posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share