26/05/2026
أعظم الأيام
خطبة الجمعة ٢٢-٥-٢٠٢٦ للأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)
روى الإمام أحمد في مسنده عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: قال رسول الله ﷺ: «يا زيد قل كل يوم حين تصبح: لبيك اللهم لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك وبك وإليك، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير»
أيها الأحبة: نحن على أبواب يوم عرفة، يوم المغفرة، يوم العطاء، ألوف مؤلفة تهتف بالتلبية: (لبيك اللهم لبيك) .. من المسلمين من يلبي محرماً بحج أو عمرة، وأكثر المسلمين يلبي، وإن لم يكن جسده في أرض المناسك، لكن قلبه وعمله يهتفان بالتلبية.
(لبيك اللهم لبيك) تعني: أننا يا رب مطيعون لأمرك، مجيبون لدعوتك، مستسلمون لحكمك، مرة بعد مرة لا نزال على ذلك، فالملبي هو المستسلم المنقاد لأمر الله تعالى.
أيها الأحبة: ونحن نعيش فيما بقي من أفضل أيام الدنيا؛ هذه الأيام القليلة في عددها، الكثيرة في فضلها وخيراتها وبركاتها، طوبى لمن أقبل على الله تبارك وتعالى في هذه الأيام المباركة؛ فتزود لنفسه عملا صالحا ينفعه ويرفعه بعد موته، وأما من فرط وقصر فأقول له: ما زال أمامك شيء كثير من نفحات رحمة الله، فلا بد أن نتدارك ما فاتنا؛ لئلا نكون من المحرومين ..
الاثنين هو يوم التروية، تبدأ فيه أعمال الحج، وسمي بذلك لأن الحجاج يذهبون فيه إلى منى ليبيتوا فيها ويرتوون فيه من الماء ويتهيئون ليوم عرفة، والثلاثاء هو يوم عرفة، فيه نزل قول الله تعالى: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا).
جاء في فضل يوم عرفة أحاديث كثيرة:
قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتِ، يَقُولُ: مَلَائِكَتِي! انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، جَاؤونِي شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» ..
وقال ﷺ: «ما رُئي الشيطانُ يومًا هو فيه أصغرُ ولا أدحرُ ولا أحقرُ ولا أغيظُ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزُّل الرحمة وتجاوزِ الله عن الذنوب العظام».
هو يومُ العتقِ مِنَ النَّارِ، فَسَلُوا اللهَ تعالى أَنْ يُعْتِقَكُمْ وَوَالِدِيكُمْ وَمَنْ تُحِبُّونَ مِنَ ناره وعذابه ..
هو يَوْمُ ذُلِّ الشَّيْطَانِ وَصَغَارِهِ، حِينَ يَرَى رَحَمَاتِ اللهِ تَعَالَى تَتَنَزَّلُ عَلَى عِبَادِهِ، وَحِينَ يَرَى عِبَادًا فَتَنَهُمْ وَأَغْوَاهُمْ سِنِينَ عَدَدًا يَغْفِرُ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ فِي عشيته، فَيَقُولُ عَزَّ وَجَلّ: (انْصَرِفُوا مَغْفُورًا لَكُمْ) ..
هو يوم العطاء الإلهي بغير حساب، فهنيئًا لمن تعرَّض لنفحات الله فأصابته رحمتُه ونال من مغفرتِه وجودِه وكرمِه.
هو يومُ المغفرة، يومُ الرحمة، هو يومُ الإجابة، فهنيئًا لمن دعا الله فيه بقلب منيب وروحٍ خاشعة ونفس منكسرة وعين باكية ليفوز بخيري الدنيا والآخرة، قال ﷺ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»
أيها الأحبة: روي في الأثر: (اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات رحمة الله فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوا الله أن يستر عوراتكم وأن يُؤَمِّن روعاتكم)
إليكم أيها الكرام ثلاثةَ أعمال تعملونها فيما بقي من أيام هذا العشر العظيم، تعرضًا لنفحات الله وبخاصة في يوم عرفة، هذا اليوم – لا أقول العظيم – ولكنه الأعظم، فقد روى ابن حبان في صحيحه عن النبي ﷺ قال: «أفضل الأيام يوم عرفة»
أول الأعمال التي يرتجى ثوابها: الصيام، وبخاصة يوم عرفة:
فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة، قال: «يكفر السنة الماضية والباقية».
الهمة الهمة، فالصيام يسير على من طلبه بهمة عالية وإرادة قوية، وإخلاص لله تعالى.
إن لم يتيسر لنا الوقوفُ في صعيد عرفة فلنصم يوم عرفة، اللهم أعنا على الصيام والدعاء.
ثانياً: النفقة في وجوه الخير: في هذه الأيام الجليلة نقبلُ على الله تعالى بالنفقات، هذا يساعد قريبه في شراء ثياب العيد، وهذا يهدي جاره من حلوى العيد، والثالث يدخر ماله لأضحية العيد، والرابع يخفف عن المستأجر ويضع عنه جزءا من الأجرة، والخامس يسعى على أرملة أو مسكين، هي أيام للجبر والحب والتواصل وبخاصة يوم عرفة ..
حضرَ حَكِيْم بنَ حِزَامٍ رضي الله عنه يَوْمَ عَرَفَةَ، وَمَعَهُ مائَةُ رَقَبَةٍ، وَمائَةُ بَدَنَةٍ، وَمائَةُ بَقَرَةٍ، وَمائَةُ شَاةٍ، فَقَالَ: كلها للهِ.
اللهم أعنا على النفقة في سبيلك ..
ثالثاً: الذكر والدعاء:
فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من أيّام أعظمُ عند الله ولا أحبُ إليه العمل فيهنّ من هذه الأيام العشر، فأكثِروا فيهن من التسبيح والتكبير والتحميد».
وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق ويكبِّران، فيكبِّر الناسُ بتكبيرهما.
وبخاصة في يوم عرفة من بعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب:
ومن أعلى أنواع ذكر الله تعالى الدعاء: في يوم عرفة ضع حاجتك بين يدي ربك، وابتهل إليه بخشوع، لأنه يومُ إجابة الدعاء، وقضاء الحاجات، فهل من داع بيقين؟!
عن سالم بن عبد اللّه بن عمر رحمه اللّه تعالى: أنّه رأى سائلا يسأل النّاس يوم عرفة، فقال: (يا عاجز، في هذا اليوم يُسأل غيرُ اللّه عزّ وجلّ!!)
في يوم عرفة نعود جميعًا إلى ربنا، نسأله بكرمه لا بعملنا، نسأله أن يعاملنا بفضله لا بعدله، لأنه إن عاملنا بأعمالنا وتقصيرنا هلكنا: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)
قال سفيان بن عيينة- رحمه اللّه تعالى-: (لا يمنعنّ أحدًا الدّعاءَ ما يعلم في نفسه- يعني من التّقصير- فإنّ اللّه قد أجاب دعاء شرّ خلقه، وهو إبليس حين قال: ربّ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)
في يوم عرفة نعود جميعا إلى ربنا، نسأله من كرمه، نجتمع على صلاة العصر في هذا المسجد أو غيره، نقبل على الله تعالى ترتفع همة واحدنا بجماعة الحاضرين:
أورد الذهبي في ترجمة الأَثْرَمِ أَبُي بَكْرٍ أَحْمَدِ بنِ مُحَمَّدِ: الإِمَامُ، الحَافِظُ، العَلاَّمَةُ، أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ الطَّائِيُّ، أَحَد الأَعْلاَمِ، وَمُصَنِّف (السُّنَن)، وَتلمِيذُ الإِمَام أَحْمَد.
قَالَ الأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ، عَنِ التَّعريفِ فِي الأَمصَارِ، يَجْتَمِعُوْنَ فِي المَسَاجِدِ يَوْمَ عَرَفَة، فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ لاَ يَكُوْنَ بِهِ بَأْسٌ، فعلَه غَيْرُ وَاحِدٍ: الحَسَنُ، وَبَكْرُ بنُ عَبْدِ اللهِ، وَثَابِتٌ، وَمُحَمَّدُ بنُ وَاسِع، كَانُوا يَشْهَدُوْنَ المَسْجَد يَوْمَ عَرَفَة.
اللهم أعنا على الصيام والصدقات والذكر والدعاء:
يوم عرفة هو يومٌ من أيام الله تعالى .. يومٌ للطاعة والعبادة والعتق من النيران، فاكتسبوا دقائقه ولحظاته فيما يعود عليكم بالخير، احرصوا على مَلءِ هذا اليوم بالصيام والذكر والعبادة وتلاوة القرآن الكريم والدعاء، اُدعوا لأنفسكم ولأهليكم، اُدعوا لإخوانكم في غزة وفلسطين بالفرجِ والنصرِ، ادعوا للأمةِ بأن تعودَ لمنهجِ سيدنا محمدٍ حتى يعودَ لها النصرُ والعزةُ والكرامةُ ..
احرِصوا ألا يفوتَكم هذا الخيرُ .. فالمحرومُ من حُرِمَ بركةَ الله ورحمته ومغفرته ..
يا راحلينَ إلى منىً بقيادي
هيجتُم يومَ الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي
الشوق أرقني وصوت الحادي
حرمتمُ جفني المنام لبعدكم
يا ساكنين المنحنى والوادي
فإذا وصلتُم سالمينَ فبلّغوا
منّي السلام على النبي الهادي
وتذكّروا عند الطواف متيماً
صبّاً فني بالشوق والإبعادِ
الناسُ قد حجّوا وقد بلغوا المنى
وأنا حُبست فما بلغتُ مرادي
ذبحوا ضحاياهُم وسال دماؤُها
وأنا المتَيَّمُ قد نحرتُ فؤادي
لبسوا ثياب البيض شارات الرّضا
وأنا المتيم قد لبست سوادي
يا ربِّ أنت وصلتَهُم وقطَعتني
فبحقِّهِم يا ربّ حل قيادي
جعلني الله وإياكم من الذين يغتنمون خير هذه الأيام العظيمة ويفوز بالمغفرة والرحمة والعتق من النار ..
أقول قولي هذا وأستغفر الله ..
يمكنكم الاشتراك لمتابعة صفحتنا على اليوتيوب (خطب الأستاذ أحمد صبح) للمشاهدة بدقة عالية:
https://youtube.com/-67?si=0SPv2bhQ6oyDPMyk
أو من خلال الاشتراك في قناة الأستاذ أحمد صبح على واتس أب https://whatsapp.com/channel/0029VaAkRxP4CrfmgaugYO14
أو من خلال قناة تيليجرام
telegram.me/ahmad_subh
خطبة الجمعة ٢٢-٥-٢٠٢٦ للداعية الأستاذ أحمد صبح في جامع برزة الكبير...