05/09/2026
"طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ". (متى 5 : 4 )
حين كانت الحاجة مُلحَّة فإنه كما ترون يبدأ في التقدم إلى وصية أخرى، والتي تبدو ضد أحكام العالم أجمع، لأنه بينما يظن الكل أن الفرحين هم محل حسد الناس، وأن المرفوضين والفقراء والحزانى هم البؤساء، فإن الرب يدعو هؤلاء البؤساء مطوَّبين أكثر من غيرهم قائلاً: "طوبى للحزانى" .
الحزانى هم الذين يصفهم الجميع بأنهم تُعساء، ولهذا يصنع السيد المعجزات قبل أن يضع تشريعاته حتى إذا ما سن هذه التشريعات لهم يكتسب ثقتهم.
لا يتحدث هنا عن كل الحزانى، بل عن الذين يحزنون بسبب خطاياهم، لأن غير ذلك من الحزن مُحرَّم، مثل الأحزان لفقدان أشياء العالم. وهو ما أوضحه بولس الرسول صراحة حين قال: "حُزن العالم يُنشئ موتًا، أما الحزن الذي بحسب مشيئة الله الصالح) فيُنشئ توبة للخلاص" ( ( قابل 2 كو7 : 9-10 )
فالذين لهم الحزن للتوبة هم الذين يطوِّبهم الرب، وليس الذين يحزنون وحسب، بل يحزنون حزنًا عميقًا، لهذا لم يقل: "طوبى للذين يتأسفون"، بل "طوبى للحزانى"، أي الذين يئنون حزنًا على الدوام. هذه الوصية مناسبة لتعليمنا ضبط النفس الكامل. لأنه إن كان الحزانى لأجل فقدان أولاد أو زوجة أو قريب رحل عنهم لا يجنون من وراء أحزانهم هذه ربحًا أو متعة ما أثناء حزنهم، ولا يسعون وراء مجد، ولا تؤثر فيهم إهانات، ولا يتملك عليهم حسد، ولا يتأثرون بأي هوى، بل يستحوذ عليهم الحزن فقط إلى أقصى الحدود، كم بالأحرى أولئك الذين يحزنون بسبب خطاياهم كم ينبغي أن يكون الحزن، إنما يظهرون إنكارًا للذات أكثر من غيرهم.
وما هي مكافأة الحزانى؟ "إنهم يتعزون". اخبروني إذن أين يتعزون؟ أقول لكم يتعزون هنا وهناك أيضًا، لأنه إذ يرى أن ما أُمر به يفوق القدرة والطاقة، فإنه يعد أن يجعل هذا الحمل خفيفًا. لهذا إن أردتم تعزية احزنوا. ولا تحسبوا في هذا القول انقباضًا، لأن الله حين يعزيكم فمهما توالت عليكم الأحزان بغير عدد كسقوط الثلج ندفأ، يجعلكم ترتفعون فوقها جميعًا. ولما كانت المنافذ التي يضعها الله أكبر من أمثالنا دائمًا، فقد أعلن حينذاك أن الحزن مطوَّب، ليس بحسب استحقاق ما نفعله، بل بحسب محبته الخالصة لنا. لأن الذين يحزنون على سوء أعمالهم ويكفيهم أن ينعموا بالمغفرة، وأن ينالوا سؤل قلبهم وما يطلبون، ولأن الرب يفيض حبًا نحو الإنسان، فإنه لا يحد مجازاته سواء من جهة رفع العقوبات عنا أو خلاصنا من خطايانا، بل يباركنا أيضًا، ويمنحنا تعزيات وفيرة. وهو يأمرنا أن نحزن لا بسبب خطايانا نحن فقط، بل بسبب خطايا الآخرين أيضًا. هكذا كانت نفوس القديسين مثل موسى وبولس وداود، فإن هؤلاء جميعًا قد حزنوا حقًا بسبب شرور لم يصنعوها.
{القدّيس يوحنّا الذهبي الفم}