24/05/2026
تحتفل الكنيسة اليوم بعيد العنصرة، وهو ذكرى حلول الروح القدس على التلاميذ بعد قيامة المسيح بخمسين يومًا. وهو بالنسبة إلى المسيحيّين عيد روح الله. هذا لا يعني أنّ الله شيء وروحه شيء آخر، لأنّ الله روح. وحين نقول روح الله، نقصد تلك الماهيّة في الله التي تتعامل معنا منذ لحظة الحبل بنا حتّى مماتنا. ماهيّة، تشكّلت جيناتنا تحت إشرافها فصرنا ما نحن عليه. ماهيّة، هي عين ساهرة على التحفة التي خلقتها، أي أنا، لأنّ العالم يحتاج إليها، وغيابها سيولّد فراغًا.
يا له من فرحٍ أن أعلم أنّني تحفة الله، وكما يقول المزمور 139: «أَنتَ الَّذي كَوَّنَ كُليَتَيَّ وطَرَّزني في بَطْنِ أُمِّي. أَحمَدُكَ لِأَنَّكَ أَعجَزتَ فأَدهَشتَ». وأيّ حيرةٍ حين أعلم أنّ روح الله «طرّزني» لأجل غايةٍ معيّنة، وأنّني لستُ في هذا العالم رقمًا أو قطعةً يمكن الاستغناء عنها! ما هي هذه الغاية؟
هنا يسعفنا القدّيس بولس حين يقول: «إِنَّ المَواهِبَ على أَنواع وأَمَّا الرُّوحُ فواحِد، وإِنَّ الخِدْماتِ على أَنواع وأَمَّا الرَّبُّ فواحِد، وإِنَّ الأَعمالَ على أَنواع وأَمَّا اللهُ الَّذي يَعمَلُ كُلَّ شَيءٍ في جَميعِ النَّاسِ فواحِد» (1 كورنثوس 12: 4).
كلام القدّيس بولس يعني أنّ كلّ واحدٍ يتمتّع بقدرات يجب تقديرها. كلامه يعني أن نتجنّب فخّ سلّم تقييم القدرات، فنجعل مثلًا الموهوب في الرياضيّات أفضل من الموهوب في الشعر. فهذا السلّم من عمل الشيطان الذي يريد التفرقة بيننا، وبناء مجتمعٍ يقوم على الطبقيّة لا على المساواة، وبالتالي مجتمع لا يقيم روح الله فيه.
كثيرون يتساءلون ما فائدة أن يولد الإنسان معوقًا. هل كان روح الله حاضرًا له منذ الحبل به و«طرّزه» هكذا؟ يا له من عملٍ فاشل! لكنّ هؤلاء أنفسهم يرفضون الموت حين تصيبهم إعاقة شديدة ودائمة، أو يطعنون في السنّ ويصبحون «عديمي الفائدة» بحسب عقليّتهم. حينها، يدركون خطأ تساؤلهم. حينها، يدركون أنّ حياة الإنسان رسالة لا تقاس بالأرقام ولا بالإنتاج، بل بالحضور، بالحبّ. ومن هذا الحبّ تتولّد مشاعر الارتياح والسلام والسكينة.
فلا عجب أن يربط الإيمان المسيحيّ روح الله بالحب. روح يجعل المختلفين في مواهبهم، وأشكالهم، ودياناتهم، وطباعهم، وثقافاتهم يحبّون بعضهم بعضًا في اختلافاتهم، وليس على الرغم من اختلافاتهم، تمامًا كما يحبّ الأهل أن يكون لديهم أبناء وبنات، بسبب الاختلاف بين الذكر والأنثى لا على الرغم من هذا الاختلاف.
في عالمٍ يزداد فيه رفض الاختلاف، في عالمٍ لم يتعلّم من التاريخ ما هو مصير الشعوب التي تبنّت عقليّة رفض الاختلاف هذه، نسأل روح الله أن ينير عيون قلوبنا لندرك موهبة كلّ شخصٍ نلتقيه بدون معايير وبدون سلّم تقييم.
الأب سامي حلّاق اليسوعيّ
#حياتنا #الروحانية
ّاق_اليسوعيّ