25/05/2026
عظة راعية كنيستنا قسيسة ماتيلد صباغ في يوم العنصرة
نشاركها معكم من صفحة مجلة النشرة
عندما صار الروح ذريعة.. وضاع المسيح (القسيسة ماتيلد صبّاغ)
يوم الخمسين ليس مجرد عيد في التقويم، بل هو اللحظة التي نفخ فيها الله حياة جديدة في شعبه. بعد القيامة والصعود، جاء الروح القدس ليحول التلاميذ من جماعة خائفة إلى كنيسة مرسلة تحمل انجيل المسيح إلى العالم.
في يوم الخمسين، الوعد القديم يتحقق بقوة، فالعنصرة ليست حدثاً مفاجئاً بل تتميماً لوعود الله:
وعد يوئيل "أفيض روحي على كل بشر".
وعد المسيح "ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم".
في يوم الخمسين، الروح لا يأتي ليصنع ظواهر، بل ليعلن المسيح:
اللغات، الصوت، النار.. كلها علامات وليست الهدف، فالهدف هو إعلان المسيح المصلوب المقام وبداية كرازة الإنجيل إلى كل الأمم.
العنصرة ليست عرضاً روحياً بل إعلان ملكوت الله.
في يوم الخمسين، لم يُعطَ الروح لأفراد منعزلين، بل لجماعة واحدة وهكذا ولدت الكنيسة: موحدة، ثابتة في كلمة الله، عابدة، مرسلة، ممتلئة بالنعمة والقوة.
العنصرة هي عيد ولادة الكنيسة.
بالتالي، في يوم الخمسين، الروح لم يُعطِ ليمنح مشاعر فقط بل ليمنح: قوة للشهادة، وجرأة للكرازة، وثمراً في الحياة، وقداسة في السلوك، وحكمة في التمييز. العنصرة هي بداية حياة روحية ناضجة تحت سيادة المسيح.
لماذا أقول كل هذا؟
لأنه في التاريخ المسيحي، هنالك حوادث تاريخية تحول فيها عمل الروح إلى فوضى بدل إعلان المسيح:
1-مونتانوس وحركة النبوءات المفرطة في القرن الثاني:
ظهر مونتانوس في فريجية أي تركيا اليوم مدعياً أن الروح القدس يتكلم من خلاله مباشرة وأنه النبي الأخير. وبدأت معه امرأتان (بريسكيلا وماكسيميلا) يعلنَّ عن رؤى متواصلة واعتبرن أنفسهن فم الروح.
كيف أصبحت فوضى؟ لقد تجاهلوا الكتاب المقدس لصالح إعلانات جديدة، وأعلنوا مواعيد نهاية العالم ولم تتحقق، واعتبروا أنفسهم أعلى من الرسل، وانقسمت الكنيسة بسببهم.
نتعلم هنا: إن الروح القدس لا يعطي وحياً جديداً ينافس كلمة الله، بل يعلن المسيح ويقود إلى الكتاب المقدس.
2-الأنابابتست المتطرفون في مونستر 1534:
في زمن الإصلاح الإنجيلي، ظهرت مجموعة متطرفة في مدينة مونستر الألمانية، وادعوا أن الروح قادهم لإقامة ملكوت الله.
كيف أصبحت فوضى؟ أعلنوا أن الروح أمرهم بإلغاء الملكية الخاصة، وفرضوا تعدد الزوجات بوحي الروح، واستخدموا العنف لإجبار الناس على الانضمام، وانتهت المدينة بكارثة انسانية.
نتعلم هنا: إن أي عمل روحي يقود إلى الفوضى الأخلاقية أو العنف هو ضد روح المسيح.
3-النهضات العاطفية المفرطة في القرن الثامن عشر:
كانت هنالك نهضات حقيقية قادها أناس الله الأتقياء، لكنها أظهرت أيضاً مجموعات جعلت "الاختبارات الروحية" أهم من الإنجيل.
كيف أصبحت فوضى؟ صراخ وإغماءات وحركات جسدية غير منضبطة، وادعاء أن الروح يعمل فقط حيث توجد مشاعر قوية، واحتقار للتعليم وللعقل، وانقسامات جديدة بين الكنائس.
نتعلم هنا: إن الروح يعرف من ثمره (بحسب غلاطية) وليس من انفعالاته.
4-حركة "الروح يكتب على الجسد" في القرن التاسع عشر:
ظهرت مجموعات في أمريكا وأوروبا تدعي أن الروح يكتب رسائل على أجسادهم ويحركهم بطريقة خارقة.
كيف أصبحت فوضى؟ كان هنالك رسائل متناقضة من الروح، وادعاءات نبوية متضاربة، وانقسامات وفضائح أخلاقية، وتركيز على الظواهر بل المسيح.
نتعلم هنا: إن الروح لا يلفت الأنظار إلى الجسد، بل إلى المسيح وحده.
5-بعض انحرافات الحركة الخمسينية المتطرفة في القرن العشرون:
ليس كل الخمسينيين بل مجموعات متطرفة فقط، حيث ظهرت مجموعات تركز على علامات الروح أكثر من الإنجيل.
كيف أصبحت فوضى؟ ضحك هستيري بالروح، وسقوط جماعي، وادعاء أن الروح يعطي ذهباً أو زيتاً في الاجتماعات ونبوءات كاذبة عن مواعيد عودة المسيح وتهميش لكلمة الله.
نتعلم هنا: إن الروح لا يعطي عروضاً روحية، بل يقود إلى التوبة والإيمان بالمسيح.
الخلاصة: عبر التاريخ، في كل مرة يفصل فيها عمل الروح عن: كلمة الله- مركزية المسيح- ثمر الروح- حياة القداسة- بناء الكنيسة، تتحول الحركة إلى فوضى روحية بدل أن تكون إعلاناً لملكوت الله.
إذاً ماذا ندرك من الكلمة المقدسة لليوم بحسب أعمال الرسل 2؟
إن الروح القدس في يوم الخمسين لم يعطَ ليخلق تجارب روحية فردية، بل ليعلن المسيح المصلوب المقام ويقيم شعب العهد الذي يعيش تحت سيادة الله:
1-العنصرة عمل سيادي من الله: العنصرة ليست مبادرة بشرية بل تتميم لوعد الله في يوئيل 2. فالروح لا يأتي استجابة لمشاعر البشر بل بحسب توقيت الله وقصده الخلاصي.
فالله هو الذي اختار يوم الخمسين، وهو الذي يملأ البيت، وهو الذي يعطي الكلام. فالكنيسة لا تبنى بالجهد البشري بل بعمل الروح المعطى من الله الذي يسبق ويحرك ويُحيي.
2-الروح يعلن المسيح أولاً: في العنصرة لم يكن التركيز على اللغات بل على الكرازة بالمسيح. فبطرس لا يتحدث عن التجربة الروحية بل عن: تجسد المسيح- صلب المسيح- قيامة المسيح- سيادته على العرش. فالروح إذاً يمجد الابن، لا الانسان. بالتالي فإن أي حركة روحية لا تقود إلى تعظيم اسم المسيح هي حركة ليست من روح المسيح.
3-العنصرة تقيم شعب العهد: بعد الكرازة، الروح لا يترك الناس في اختبار فردي، بل يدخلهم في جماعة وتقول الكلمة في أعمال الرسل 2: 42 "وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ ٱلرُّسُلِ، وَٱلشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ ٱلْخُبْزِ، وَٱلصَّلَوَاتِ."
هذه هي علامات الكنيسة الحقيقية: كلمة الله، المعمودية والعشاء الرباني، التأديب والتعليم الكنسي، والشركة العملية. فالعنصرة لم تخلق نشوة روحية بل أسست كنيسة العهد الجديد.
4-الروح يعيد ترتيب الحياة تحت سيادة المسيح: الروح القدس لا يعطي مواهب فقط بل يخلق حياة جديدة وعلاماتها: التوبة والمعمودية والقداسة والسخاء والوحدة والشهادة. فالروح ليس مجرد قوة بل شخصاً يعمل في القلب ليجعلنا نعيش "كورام ديو" أي أمام وجه الله.
بالحق، علينا اليوم أن نفرق بين عمل الروح الحقيقي والادعاءات المزيفة وبين الروح الذي يمجد المسيح وبين الروح الذي يمجد الانسان. كيف؟
1-المركز: المسيح أم الانسان؟ هل يقود إلى الصليب والتوبة والقداسة ويجعل المسيح محور العبادة والخدمة؟ أم يمجد القائد أو النبي ويركز على التجارب والمشاعر والظواهر ويجعل الانسان مركز الحدث؟
بالتالي كل روح لا يرفع المسيح، ليس من الروح القدس.
2-المرجع: كلمة الله أم الإعلانات الخاصة؟ الروح الحقيقي يعمل دائماً من خلال الكتاب المقدس ولا يناقض كلمة الله أبداً ويفتح الذهن فلا إضافة لوحي جديد. والروح المزيف يعتمد على "قال لي الروح.... سمعت....رأيت" ويعطي رسائل متناقضة أو غير كتابية ويهمش الكتاب المقدس لصالح الإعلان.
الروح الحقيقي لا يضيف كتاباً جديداً بل يفتح الكتاب الموجود.
3-الثمر: قداسة أم فوضى؟ ينتج الروح الحقيقي بحسب غلاطية 5: 22- 23 "وَأَمَّا ثَمَرُ ٱلرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلَامٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلَاحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ". أما الروح المزيف فينتج عنه: انقسامات، غرور روحي، فوضى، سلوك غير منضبط، انفعالات بلا ثمر.
الروح يعرف من ثمره، لا من ظواهره.
4-الهدف: بناء الكنيسة أم تمزيقها؟ الروح الحقيقي يبني الجسد ويوحد المؤمنين ويعطي مواهب لخدمة الآخرين. بينما الروح المزيف يخلق مجموعات منغلقة، ويرفع نخبة روحية، ويسبب انقسامات وارتباك.
حيث يوجد الروح.. توجد وحدة لا فوضى.
5-الأسلوب: نظام أم اضطراب؟
يتكلم بولس الرسول في 1 كورنثوس 14 عن اللياقة في العبادة ويختتم الاصحاح بقوله في العدد 40 "وَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ".
الروح القدس يقود إلى عبادة هادئة وعميقة ومركزة على كلمة الله. بينما الروح المزيف يسبب صراخاً وسقوطاً وحركات غير منضبطة ويجعل الاجتماع مسرحاً بدل أن يكون هيكلاً.
الروح الحقيقي لا يطفىء العقل بل ينيره.
6-النتيجة: توبة أم إثارة؟ الروح الحقيقي يقود إلى توبة حقيقية ويغير الحياة اليومية ويخلق طاعة للمسيح. بينما الروح المزيف يعطي لحظات إثارة بلا تغيير ويجعل الناس يطاردون اختبارات بدل القداسة ويترك القلب كما هو.
حيث يوجد الروح، توجد حياة جديدة وخليقة جديدة في المسيح ولأجل المسيح.
إن يوم الخمسين، هو يوم يقول لنا "ليس بقوتكم، بل بروحي".
إن يوم الخمسين، هو يوم ولدت فيه الكنيسة لتكون شاهدة للمسيح وليس لتتحول من نور إلى فوضى فتشهوه اسم المسيح.
لننتبه يا أحباء، لأنه عندما صار الروح ذريعة، ضاع المسيح. فلنلتصق بكلمة الرب وبالمسيح الجالس على العرش وبالإنجيل فنحيا أمام وجه الرب مبررين ومقدسين وشاهدين لعمله.
والروح الذي نزل في يوم الخمسين، ليس ذكرى تاريخية بل واقع حاضر، لذلك نصلي قائلين:
يا رب، كما ملأت العلية في يوم الخمسين، املأ قلوبنا اليوم.
كما أعطيت قوة للتلاميذ، أعطنا قوة لنعيش لك.
كما أعلنت المسيح للعالم، أعلنه في حياتنا فيكون إنجيلك في وجوه كنيستك مكشوفاً في زمن يحتاج إلى الحق. آمين