18/06/2026
حفل التخرج لتلاميذي في كلية مار إغناطيوس النوراني اللاهوتية.
إلى أبطال الإيمان، خريجي دراسات الكتاب المقدس و اللاهوت العقائدي وايمان الكنيسة الأعزاء
يا من لم تكونوا يومًا مجرد طلبةٍ يجلسون على مقاعد الدراسة، بل كنتم جنودًا في جيش الكلمة، وحَمَلةً لنور الإنجيل، وشهودًا للمسيح في زمنٍ يحتاج فيه العالم إلى أصواتٍ تحمل الحق بمحبة، وإيمانٍ لا ينحني، ورجاءٍ لا ينطفئ.
اليوم، وأنا أقف أمامكم وأسلّمكم شهادات التخرج، أدرك في أعماق قلبي أنني لم أُسلّمكم أوراقًا تحمل أسماءكم فقط، بل كنتُ أشهد أمام الكنيسة والسماء أن كل واحدٍ منكم هو شهادة حيّة للمسيح. فالشهادة الحقيقية ليست ما يُكتب على الورق، بل ما يُكتب في القلب، وما يظهر في الحياة، وما يُعلن أمام العالم أن المسيح حيّ ويعمل في أبنائه.
لقد درستم الكتاب المقدس، ليس كحروفٍ جامدة، بل ككلمة الله الحيّة التي "حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ" (عبرانيين 4: 12). حملتم اللاهوت، وتعمقتم في عقيدة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، وغصتم في كنوز الإيمان الذي تسلّمناه من الآباء، لا لكي تمتلكوا المعرفة فقط، بل لكي تصبحوا نورًا للآخرين، ومناراتٍ تهدي النفوس إلى المسيح.
يا أبطال الإيمان...
لقد اخترتم طريقًا ليس سهلًا. طريق اللاهوت ليس طريق المجد الأرضي، بل طريق الصليب؛ ليس طريق التصفيق، بل طريق الأمانة. إنه طريق من قال عنه ربنا يسوع المسيح: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (متى 16: 24).
أنتم اليوم لا تحملون شهادة تخرج فقط، بل تحملون مسؤولية مقدسة. تحملون رسالة أن تكونوا صوتًا للحق عندما يعلو صوت الضياع، وأن تكونوا نورًا عندما تشتد الظلمة، وأن تكونوا رجاءً عندما يفقد كثيرون الرجاء.
تذكروا دائمًا كلمات الرسول بولس:
"لأَنَّنَا نَحْنُ عَامِلُونَ مَعَ اللهِ" (1 كورنثوس 3: 9).
يا لها من دعوة عظيمة! أن يعمل الإنسان مع الله! أن تكون حياته أداة في يد الرب، وأن تصبح كلماته عزاءً للمتألمين، وتعليمًا للباحثين، ونورًا للذين يسيرون في العتمة.
أنتم أبناء هذا العصر، عصر التحديات والأسئلة والاضطرابات. ولكن الله لم يضعكم في هذا الزمن صدفة، بل اختاركم لتكونوا شهودًا له. وكما قال الرب لإرميا:
"قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ" (إرميا 1: 5).
لقد دعاكم الرب قبل أن تعرفوا أنتم الطريق، وهيّأكم لكي تحملوا اسمه بمحبة وغيرة مقدسة.
أيها الأحباء...
أنا الذي كان لي الفرح أن أضع بين أيديكم شهادات تخرجكم، أقول لكم بكل صدق: الشهادة التي أعطيتموني إياها أنتم أعظم من أي شهادة أعطيتكم إياها. لقد أثبتم بالاجتهاد والصبر والالتزام أن الإيمان ليس كلمات تُقال، بل حياة تُعاش.
أنتم شهادة للمسيح في هذا العصر. أنتم صفحات حية من إنجيله، ورسائل مفتوحة يقرأها الناس من خلال أعمالكم وأخلاقكم ومحبتكم. وكما قال الرسول بولس:
"أَنْتُمْ رِسَالَتُنَا مَكْتُوبَةً فِي قُلُوبِنَا، مَعْرُوفَةً وَمَقْرُوءَةً مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ" (2 كورنثوس 3: 2).
لا تسمحوا لأي شيء أن يطفئ النار التي وضعها الله في قلوبكم. لا تجعلوا المعرفة تفصلكم عن المحبة، ولا اللاهوت يجعلكم تبتعدون عن الإنسان المتألم. فالمسيح الذي عرفتموه في الكتب هو نفسه المسيح الذي يبحث عن الخاطئ، ويشفي المنكسر، ويحمل الضعيف على كتفيه.
كونوا أمناء، لأن:
"كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ" (رؤيا 2: 10).
يا أبطال الإيمان...
ليكن العالم عندما يراكم يرى شيئًا من وجه المسيح. ليكن كلامكم يحمل نعمة، وخدمتكم تحمل تواضعًا، وقلوبكم تحمل نار المحبة. لا تبحثوا عن أن يعرف الناس أسماءكم، بل اجعلوا اسم المسيح معروفًا من خلالكم.
اليوم نفرح بتخرجكم، لكن السماء تفرح أكثر لأن جنودًا جددًا خرجوا إلى الحقل. فكما قال الرب:
"إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ وَلَكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ" (متى 9: 37).
صلاتي من أجل كل واحد منكم أن يحفظكم الرب، ويثبتكم، ويملأكم من نعمته، ويجعلكم بركة للكنيسة السريانية الأرثوذكسية، ولشعب الله، ولكل نفس تلتقون بها.
اذهبوا الآن، لا كخريجين فقط، بل كرسل محبة، وحَمَلة حق، وشهود أمناء.
اذهبوا وأنتم تعلمون أنكم لستم مجرد أسماء في سجل التخرج، بل أسماء مكتوبة في قلب الله.
مباركٌ أنتم، يا أبطال الإيمان.
مباركٌ تعبكم، مباركة صلواتكم، ومباركة الرسالة التي وضعها الرب بين أيديكم.
وليبقَ المسيح نور طريقكم، وقوة خدمتكم، وفرح قلوبكم إلى الأبد.
آمين.