22/07/2022
22 / 07 / 2022 – عبرانيين 10 : 25.
"٢٥ غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا كَمَا لِقَوْمٍ عَادَةٌ، بَلْ وَاعِظِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَبِالأَكْثَرِ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَوْنَ الْيَوْمَ يَقْرُبُ." – عبرانيين 10 : 25.
لدى الكثير منا ذكريات الطفولة الجميلة التي كنا فيها نذهب إلى الكنيسة صباح الأحد أو كنا ربما نحضر برنامجاً خاصاً لمدارس الأحد (لتدريب الأطفال أو الجدد) وربما أيضاً فرصاً أخرى خلال الأسبوع. بالطبع لا يمكن أن ننكر دور تلك المناسبات في حصولنا على بعض المعرفة الكتابية الأولية التي شكلت للكثيرين أساساً من الإيمان والمعرفة خدمهم بقية حياتهم كلها. أظن (إن لم أكن مخطئاً)، عملت تلك الكنائس برامجها التعليمية أو التحضيرية نوعاً ما على شاكلة المجامع اليهودية. فعند سبي اليهود قديماً إلى بابل (أو أشور)، لم يكن هنالك لهم في أرض الغربة هيكل ليقوموا فيه بالخدمات أو الواجبات الدينية المقدسة. كما أن فترة ما بعد السبي، رغب الكثيرون في البقاء حيث هم دون العودة إلى أرضهم. فبلاد فارس (بعد سقوط أشور وبابل) كانت ممتلئة باليهود. أيضاً كانت هنالك في مصر جالية يهودية كبيرة جداً. هذا إذا لم نتكلم عن يهود توزعوا في كل أرجاء العالم. كل هؤلاء، كانوا بحاجة إلى هيكل كي ينهلوا من كهنته حاجاتهم الروحية. وليتمموا فيه دورهم أو واجباتهم الدينية، كونهم كانوا بعيدين عن هيكل أورشليم.
نظراً إلى هذا الوضع، ارتأى حكماء اليهود أو قادتهم الدينيين أن يزودوا اليهود البعيدين عن الهيكل (في أورشليم) بالمعرفة الروحية والمراجع اللازمة. من هنا أتت فكرة تشكيل المجامع اليهودية. وهي مراكز – ولو أنه كان يجري فيها الوعظ والتعليم الديني. أيضاً كانت هنالك مكتبات تحتوي بعض المراجع للقراءة والاطلاع. إلا أنها لم تكن بالضرورة مقتصرة على الأمور الدينية. فكانت تهتم بالأمور الاجتماعية أيضاً. وقد توفرت في الكثير منها ترتيبات للمحاكم لبتّ الخلافات. أو أيضاً أماكن لنوم الزوار والغرباء. أضف إلى ذلك حتى تحضير وجبات طعام مشتركة. وإلى ما هنالك من نشاطات أو توفير حاجات لليهود المحليين.
مع مرور الوقت انتشرت المجامع وصارت مألوفة ليس فقط في الأراضي أو البلدان البعيدة عن هيكل أورشليم. بل أيضاً في أرض إسرائيل ومدنها، وحتى في أورشليم بالذات (على الرغم من وجود الهيكل). بالطبع، لا نستطيع أن ننكر دور مجامع كهذه في البناء الروحي. وبالمناسبة، كانت نشاطات الرب يسوع ورسله عند انطلاق وتأسيس الكنيسة الأولى قد تركزت أو استفادت من أماكن كهذه لأجل نشر الإنجيل.
صحيح أن المسيحية لم تعمل مجامع تماماً كاليهود. لكنها عملت أشكالاً أخرى للتعليم والتدريب – كالأديرة والجامعات اللاهوتية ومدارس الأحد والتجمعات القانونية (كل كنيسة حسب نظامها). أيضاً عملت نشاطات إرسالية شملت التعليم الديني، وأيضاً فتح مراكز صحية ومدارس وإلى ما هنالك. مهما يكن. ولو لم تخلُ بعض تلك الترتيبات والأنظمة (أو البرامج) من العيوب. إلا أننا لا نستطيع أن ننكر الجوانب الإيجابية التي نتجت منها.
الرسول بولس في آية اليوم المحورية، يبين أن الإخوة المسيحيين أو الكنائس في القرن الأول للميلاد كانت تعمل ترتيبات للتجمع الروحي: "٢٤ وَلْنُلاَحِظْ بَعْضُنَا بَعْضًا لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ" (عبرانيين 10 : 24). بحسب إيحاء بعض الآيات، يمكن أن نفهم بأن "أول الأسبوع" أو مناسبات العطَل والأعياد كانت أوقاتاً معقولة للكثيرين – ليس فقط للتجمع الروحي، بل أيضاً لتناول وجبات الطعام معاً: "٧ وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ إِذْ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِيَكْسِرُوا خُبْزًا، ..." (أعمال 20 : 7). بالطبع، من المنطقي أن نتوقع من المجتمع اليهودي أن يستفيد من يوم السبت أو اليوم الذي يليه لأجل تجمعات كهذه. ولا ننسَ بأن التلاميذ اعتادوا أن يعملوا هكذا تجمعات أنتجت في أحدها (يوم الخمسين مثلاً) حلول الروح القدس على المجتمعين. لكن لا يوجد (بحسب ذاكرتي) أي دليل أو أية إشارة إلى برنامج تجمع معروف وثابت (كما لو كان فريضة).
كلمات بولس (في رأسية المقال) قد توحي بوجود برنامج تجمع ثابت ومعروف. لكن هذا غير أكيد – إذ يمكن أن يشير إلى مكان معروف للالتقاء. أو إلى التشجيع على احتكاك ومعاشرة الإخوة بعضهم ببعض من وقت لآخر – متجنبين حالة الانعزال والابتعاد عن روح الجماعة. وبالمناسبة، لا أتذكر مناسبات قانونية وثابتة حتى لاجتماع السيد المسيح مع تلاميذه. لكن هذا لا يعني أن البرنامج القانوني هو غير صالح. على العكس! فبرنامج ثابت ومعروف يساعد الإخوة على تحضير أنفسهم متأكدين بأنهم سيرون غيرهم في ذلك المكان (المحدد).
إنما لا يجب أن نسيء الفهم. لأن بعض الكنائس تنسب الفضل لتجمعات كهذه في الحفاظ على الإيمان والخلاص والصحة الروحية. ما يعني (بنظرهم)، إن لم تحضر تلك التجمعات بشكل قانوني، فأنت في خطر روحي يمكن أن يجعلك تخسر إيمانك! هذه في الواقع رؤية خاطئة. فمع أننا نعرف وذكرنا أعلاه فوائد هكذا تجمعات. لا يجب أن ننسى بأن الفضل في ثباتنا في الإيمان وديمومة علاقتنا مع الرب لا يعود إلى تلك التجمعات. بل إلى روح الله القدوس العامل في كل منا – كل بحسب علاقته الشخصية مع الله.
لدينا (كمثال) حالة ذلك الناشط الروحي أيام يسوع المسيح، لكنه لم يكن معروفاً للتلاميذ كمشارك في تجمعاتهم. ماذا كان موقف الرب يسوع من حالته يا ترى؟ "٣٨ فَأَجَابَهُ يُوحَنَّا قِائِلاً: «يَا مُعَلِّمُ، رَأَيْنَا وَاحِدًا يُخْرِجُ شَيَاطِينَ بِاسْمِكَ وَهُوَ لَيْسَ يَتْبَعُنَا، فَمَنَعْنَاهُ لأَنَّهُ لَيْسَ يَتْبَعُنَا». ٣٩ فَقَالَ يَسُوعُ: «لاَ تَمْنَعُوهُ، لأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَصْنَعُ قُوَّةً بِاسْمِي وَيَسْتَطِيعُ سَرِيعًا أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ شَرًّا. ٤٠ لأَنَّ مَنْ لَيْسَ عَلَيْنَا فَهُوَ مَعَنَا»." (مرقس 9 : 38 – 40). هذا يعني أن الرب يسوع لم يعتبر المشاركة في التجمعات معه ومع تلاميذه دليلاً على أو مقياساً للحالة الروحية. وإنما علاقة المرء بالله وعمل الروح القدس فيه هو ما يعكس أكثر الواقع الروحي.
لدينا مثال آخر على هذا الواقع. فأيام موسى، كان يهوه قد قرر اختيار سبعين رجلاً آخرين ليعملوا معه ويحملوا عنه بعض الحمل. هؤلاء جرى إخبارهم بالوقت والمكان الذي ينبغي أن يوجدوا فيه أثناء عملية وضع الله روحه القدوس عليهم. وبالفعل حدثت العملية كما كان مقرَّراً – سوى أن اثنين من المرشحين لم يحضروا أمام الرب في خيمة الاجتماع (إلداد وميداد). هؤلاء، لأسباب غير معروفة بقوا في خيمهم. فهل عدم وجودهم في المكان الذي قرره الله أعاق الروح القدس من الوصول إليهم؟ تعالوا نعود إلى تلك الرواية:
"٢٤ فَخَرَجَ مُوسَى وَكَلَّمَ الشَّعْبَ بِكَلاَمِ الرَّبِّ، وَجَمَعَ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنْ شُيُوخِ الشَّعْبِ وَأَوْقَفَهُمْ حَوَالَيِ الْخَيْمَةِ. (خيمة الاجتماع أو الهيكل المتنقل) ٢٥ فَنَزَلَ الرَّبُّ فِي سَحَابَةٍ وَتَكَلَّمَ مَعَهُ، وَأَخَذَ مِنَ الرُّوحِ الَّذِي عَلَيْهِ وَجَعَلَ عَلَى السَّبْعِينَ رَجُلاً الشُّيُوخَ. فَلَمَّا حَلَّتْ عَلَيْهِمِ الرُّوحُ تَنَبَّأُوا، وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَزِيدُوا. ٢٦ وَبَقِيَ رَجُلاَنِ فِي الْمَحَلَّةِ، اسْمُ الْوَاحِدِ أَلْدَادُ، وَاسْمُ الآخَرِ مِيدَادُ، فَحَلَّ عَلَيْهِمَا الرُّوحُ. وَكَانَا مِنَ الْمَكْتُوبِينَ، لكِنَّهُمَا لَمْ يَخْرُجَا إِلَى الْخَيْمَةِ، فَتَنَبَّآ فِي الْمَحَلَّةِ. ٢٧ فَرَكَضَ غُلاَمٌ وَأَخْبَرَ مُوسَى وَقَالَ: «أَلْدَادُ وَمِيدَادُ يَتَنَبَّآنِ فِي الْمَحَلَّةِ». ٢٨ فَأَجَابَ يَشُوعُ بْنُ نُونَ خَادِمُ مُوسَى مِنْ حَدَاثَتِهِ وَقَالَ: «يَا سَيِّدِي مُوسَى، ارْدَعْهُمَا!» ٢٩ فَقَالَ لَهُ مُوسَى: «هَلْ تَغَارُ أَنْتَ لِي؟ يَا لَيْتَ كُلَّ شَعْبِ الرَّبِّ كَانُوا أَنْبِيَاءَ إِذَا جَعَلَ الرَّبُّ رُوحَهُ عَلَيْهِمْ»." (عدد 11 : 24 – 29).
هذه حادثة جديرة بالاهتمام لتعلمنا درساً هاماً جداً في علاقتنا الشخصية مع الرب. فالمؤسسات الدينية (أو الأنظمة الكنسية) عملت كل واحدة برامجها للتعليم والتدريب والنمو الروحي (ظاهرياً). تلك المؤسسات (سبق وذكرت في مقالاتي مرات ومرات) لا تمثل بالضرورة الإيمان المسيحي. هي مؤسسات بشرية خاضعة عادة لسلطة الدولة. وبرامجها أو مناهجها أو موادها التعليمية هي أيضاً بإشراف القيادات الإدارية في الدولة. إذاً يتخلل تلك المناهج وجهات النظر البشرية (وليس دائماً الروحية) والكثير من عوامل أو مواد "غسل الأدمغة"! هي مؤسسات تعمل لتُبقي الأتباع في خضوع وإذعان لإدارتها. لذلك تشدد الكثير من الكنائس على الحضور القانوني لبرامجها مُدّعين أن الفشل في ذلك يعرّض المرء إلى الأخطار الروحية والانزلاق بعيداً عن الرب. متجاهلين بذلك عامل الروح القدس والعلاقة الشخصية مع الله. لذلك فحادثة إلداد وميداد ترد على ادّعائهم هذا – إذ ترينا بأنه يمكن نيل روح الله القدوس حتى في بيوتنا الخاصة من خلال علاقتنا الشخصية معه وليس بالضرورة بفضل برامجهم أو موادهم التعليمية.
ليس المقصود من مقالي هذا تحذير الإخوة من التجمع مع الآخرين. لا أبداً! ففي التجمعات الروحية أو التجمعات مع ذوي الإيمان المشابه يمكن أن ننال الكثير من التعزية والمشاركة في الاختبارات والأفكار الإيمانية. يمكن أيضاً أن نصنع أصدقاء فرديين أو عائليين. كما ويمكن أن نعمل معهم نشاطات كرازية أو اجتماعية أو إنسانية. هنالك أيضاً المشاركة في الترنيم سوية أو القيام بصلوات جماعية معزية. والكثير الكثير غير ذلك. إنما الفكرة هي أن لا نظن بأن علاقتنا مع الرب تتوقف على هكذا تجمعات أو إلى انتسابات رسمية لتلك الكنائس. فلنستعمل تلك المؤسسات وبرامجها كأدوات أو وسائل وليس كهدف! الهدف يجب أن يبقى دائماً السهر على علاقتنا الفردية والشخصية مع الرب حتى في بيوتنا – بـِ أو بدون تلك التجمعات.
أعرف بعض الأشخاص الذين لا ينتسبون إلى أية كنيسة، ولا يشاركون في التجمعات مع أية جهة لعشرات السنين. لكنهم مع ذلك يحافظون على علاقتهم الفردية مع الرب. بل حتى قادرون على تعليم الآخرين من الكنوز المكنونة من روح الرب العامل فيهم: "٥٢ ... كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقَاءَ." (متى 13 : 52). "٣٨ مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ." (يوحنا 7 : 38). لكن تلك العطية الإلهية لا تتوفر لدى الجميع. فمعظم الإخوة (على ما يبدو)، لا ينجحون في الوقوف على أرجلهم، بل يحتاجون لجهات إدارية توجههم وتعلمهم. نعم، لأمثال هؤلاء تكون التجمعات مهمة أو ضرورية. فليعمل كل واحد منا بحسب الحالة التي أعطاه إياها الرب. فإذا كان يشعر بأن حالته الروحية تكون أفضل في اجتماعه مع الآخرين. لا يجب أن يتردد في فعل ذلك. إنما كما قلت أعلاه: لتكن له تلك الجهات أو المؤسسات – لا هدفاً، بل وسيلة!