مَسِيدُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ الْمُبَارَكِ

  • Home
  • Sudan
  • Tabat
  • مَسِيدُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ الْمُبَارَكِ

مَسِيدُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ الْمُبَارَكِ مَسِيدُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ الْمُبَارَكِ بْن الأُسْتَاذُ الشَّيْخَ عَبْدَ الْمَحْمُودِ بْن الشَّيْخِ نُورَ الدَّائِمِ الطَّيِّبِيِّ السَّمَّانِيِّ ✨

03/09/2026
03/09/2026

قصة سيدنا أويس القرني رضي الله عنه

01/09/2026

بسم الله الرحمن الرحيم
دراسة بلاغية في قصيدة «طَهَ العَدْنَانِي»
لسيدي الشيخ هاشم الشيخ عبدالمحمود

أفول مستعينٱ بالله أن هذه القصيدة ليست مجرد مدحة نبوية تتتابع فيها أوصاف المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإنما هي بناء شعري تتداخل فيه المعاني الإيمانية، والصور البيانية، والمحسنات البديعية في نسيج واحد؛ فجاءت اللغة سهلة عذبة، والصورة قريبة من الوجدان، والمعنى ممتدًا من التعظيم والمحبة إلى الذكر والتزكية، ثم إلى استحضار المعجزات، فالختام بالصلاة والسلام والرجاء في صحبة أهل الله.

ومن أجمل ما يلحظ في قصائد شاعرنا أنه لا يتكلف البلاغة وإنما تأتي كثير من وجوهها طبيعية مندفعة مع حرارة المحبة.

أولًا: علم المعاني
1. افتتاح القصيدة بالنداء
يقول:
(يا خيرَ الناسِ طهَ العدناني
برضاك اتحفني ونوِّر جناني)
افتتح الشاعر بالنداء: «يا خير الناس»، والنداء هنا ليس لمجرد طلب الإقبال، وإنما هو نداء المحب لمن امتلأ قلبه بتعظيمه.
وفي قوله «خير الناس» إيجاز بالغ؛ إذ جمع في كلمتين معنى السيادة والفضل والكمال البشري.
ثم ينتقل من المدح إلى الطلب:
«برضاك اتحفني ونوِّر جناني»
وهنا يظهر انتقال جميل من الثناء إلى الابتهال، ومن الحديث عن الممدوح إلى الحديث عن أثر محبته في قلب المادح.
والتعبير بـ «جناني» بدل «قلبي» موفقا جدا ولطبف من جهة الإيحاء؛ لأن الجنان موضع الوجدان والمشاعر الباطنة.
2. الخبر والإنشاء وتنوع الأسلوب
تتعدد في القصيدة الأساليب بين:
النداء: «يا خير الناس»
الدعاء: «اصرف إلهي عني الخناس»
الأمر والالتماس: «خذ من آيتو...»
الطلب: «برضاك اتحفني»
التعجب والمدح: «ما أحلى ذكره، ما أعلى قدره»
الخبر: في معظم أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته.
وهذا التنوع يمنح القصيدة حركة داخلية، فلا تبقى على نسق واحد.
3. الالتفات في الخطاب
من جمال القصيدة انتقال الشاعر بين مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومخاطبة الله تعالى، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بضمير الغائب.
فهو يقول:
«يا خير الناس»
ثم:
«اصرف إلهي عني الخناس»
ثم يعود:
«مصباح الداجي خيار الناس»
وهذا التنقل ليس اضطرابًا في الخطاب، بل هو من مقتضى الحالة الوجدانية؛ التي يعيشها شاعرنا فالمحب ينتقل من الممدوح إلى ربه، ومن الدعاء إلى الوصف، ومن الوصف إلى المناجاة.

ثانيًا: علم البيان
وهنا تظهر براعة الشاعر بصورة أوضح؛ لأن القصيدة تقوم على تحويل المعاني المجردة إلى صور محسوسة.
1. الاستعارة في قوله: «ونوِّر جناني»
(برضاك اتحفني ونوِّر جناني)
النور هنا ليس نورًا حسيًا، وإنما هو نور الهداية والمحبة والمعرفة والصفاء.
فاستعمال «النور» للقلب استعارة؛ إذ صوّر الهداية والمحبة كأنها نور يدخل القلب فيضيئه.
وهذه من الصور التي تلائم المعجم الذوقي الوجداني في القصيدة: النور، الظلام، المصباح، التطهير، الذكر، الأنس.
2. الاستعارة في «مصباح الداجي»
(مصباحُ الداجي خيارُ الناس)
من أجمل صور القصيدة.
صوّر النبي صلى الله عليه وسلم بالمصباح، وصوّر الجهل والضلال والبعد عن الهدى بالليل الداجي.
فالرسول صلى الله عليه وسلم في الصورة ليس مجرد شخص يهدي، بل مصباح يبدد الظلمة.
وهذه استعارة ممتدة داخل القصيدة؛ إذ يتكرر حقل النور والظلام:
مصباح
الداجي
ضياه
الظلام
البدر
نور
الشجر وظلاله.
وهذا يمنح القصيدة وحدة تصويرية واضحة.
3. الاستعارة في «غاسل الأدناسي»
(الراعي الواعي غاسل الأدناسي)
الأدناس هنا ليست أوساخًا حسية، وإنما الذنوب والأخلاق المذمومة وأدران النفوس.
فصوّر التطهير المعنوي بصورة الغسل الحسي.
وهذه استعارة جميلة؛ لأنها تنقل فعل التزكية من عالم المعنى المجرد إلى صورة محسوسة: غسل الدنس.
4. التشبيه في «من نوره البدر»
(مرقاة الفخر من نوره البدر)
في البيت صورة تشبيهية تقوم على استحضار البدر بوصفه رمزًا للنور والجمال والعلو.
والبدر في المخيال العربي ليس مجرد جرم سماوي؛ بل رمز للبهاء والهداية والجمال والرفعة.
5. الكناية
من أبرز الكنايات في القصيدة:
«عظيم المنكب»
(على خير الخلق عظيم المنكب)
«عظيم المنكب» كناية عن القوة والهيبة وتمام الخِلقة، وفي السياق الشعري تحمل أيضًا إيحاءً بعظم المكانة.
«صاحب الحسام»
(مقيم السنة صاحب الحسام)
الحسام كناية عن القوة والنصرة والدفاع عن الحق، وليس المقصود مجرد حمل السيف.
«طيب الأسامي»
(طيب الفعال طيب الأسامي)
كناية عن اجتماع حسن الذكر وحسن السيرة وحسن الصفات.

ثالثًا: علم البديع
وهنا نجد للشاعر عناية واضحة بالموسيقى اللفظية والتقابل والتكرار.
1. الطباق
من أجمل مظاهر البديع في القصيدة المقابلة بين:
النور والظلام
كما في:
«ونوِّر جناني»
ثم:
«مصباح الداجي»
ثم:
«جلّى بضياه الظلام»
فالشاعر يبني علاقة بديعية ودلالية بين قطبين:
النور - الظلام
وهذا الطباق ليس للزينة اللفظية فحسب، وإنما يخدم المعنى المركزي للقصيدة: وهو أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم هداية تزيل ظلمة الجهل والغفلة.
2. التكرار
يقول:
(ما أحلى ذكره ما أعلى قدره)
تكرار صيغة «ما...» أحدث إيقاعًا قويًا، وجمع بين:
حلاوة الذكر
علو القدر
ثم يقول:
(طيب الفعال طيب الأسامي)
فتكرار «طيب» يرسخ المعنى في النفس.
وهذا من التكرار البلاغي الذي يزيد المعنى توكيدًا ويمنحه موسيقى داخلية.
3. حسن التقسيم
من أجمل المواضع:
(ذو اللين والجبرة
والكف الطاهرة
والكلمة الجامعة والآي الباهرة)
تتابع الصفات في وحدات متقاربة أحدث حسن تقسيم، وجعل البيت كأنه عقد من الفضائل.
فقد انتقل من:
اللين والجبر - اليد والعطاء - الكلمة والحكمة - الآيات والمعجزات.
وهذا ترتيب تصاعدي جميل يبدأ بالخلق، ثم الفعل، ثم القول، ثم الآية.
4. الجناس والاشتقاق
في:
(طيب الفعال طيب الأسامي)
تقارب لفظي واضح بين «طيب» و«طيب»، مع اختلاف المتعلق.
وكذلك:
(ما أحلى ذكره ما أعلى قدره)
التوازن الصوتي بين أحلى / أعلى يمنح البيت نغمة خاصة.
وفي:
(هائم وواثق)
تقارب موسيقي ينسجم مع حركة المعنى.
رابعًا: التناسب بين الألفاظ والمعاني
ومن براعة شاعرنا أنه ينتقي ألفاظًا متناسبة مع المجال الروحي الذي يتحرك فيه.
فإذا تحدث عن الهداية جاء بألفاظ:
النور، المصباح، البدر، الضياء.
وإذا تحدث عن تزكية النفس جاء بألفاظ:
الغسل، الأدناس، الذكر، الأنس.
وإذا تحدث عن النبوة والمعجزات جاء بألفاظ:
الآي، العين، الماء، العذق، الضب، الحجر، الشجر.
وهذا ما يسمى مراعاة النظير؛ أي جمع الألفاظ والمعاني التي يجمعها باب دلالي واحد.
خامسًا: التصوير الحسي في القصيدة
من أسباب جمال القصيدة أن الشاعر لا يكتفي بالمعاني المجردة، بل يحولها إلى مشاهد.
فالهداية تصبح:
نورًا ومصباحًا وضِياءً وبدرًا.
والتزكية تصبح:
غسلًا للأدناس.
والكرم يصبح:
كفًا طاهرة وإطعامًا للجائع.
والمعجزات تتحول إلى مشاهد حسية:
الماء، العين، العذق، الحجر، الشجر، جذع النخلة.
وهذا الانتقال من المعنوي إلى الحسي من أقوى أسباب تأثير الصورة الشعرية.

سادسًا: التناص القرآني والحديثي
القصيدة غنية بالإيحاءات الدينية، ومن ذلك قوله:
(اصرف إلهي عني الخناس)
فلفظة «الخناس» ذات صلة مباشرة بالوصف القرآني في سورة الناس:
﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾.
وقوله:
(جلّى بضياه الظلام)
يستحضر المعنى القرآني العام المتعلق بإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
وقوله:
(مصباح الداجي)
يتصل كذلك بصورة الهداية والنور النبوي في القرآن الكريم.
أما مقطع المعجزات:
(النجر / البير والجدر والماء والشجر)
(العين والعذق والضب والحجر)
فهو قائم على التناص مع كتب السيرة والشمائل ودلائل النبوة، حيث استحضر الشاعر جملة من الآيات والمعجزات التي اشتهرت في التراث الإسلامي
سابعًا: البناء الفني للقصيدة
ومن أجمل ما يمكن تسجيله أن القصيدة تسير في مدارج وجدانية متصاعدة:
التعظيم - الطلب -الذكر - التزكية - الشمائل - النسب والكرم - النور والهداية - المقام النبوي - المعجزات -الصلاة والسلام - صحبة أهل الله.
وهذا البناء يجعل القصيدة أشبه برحلة روحية.
فالشاعر يبدأ بقلبه:
«ونوِّر جناني»
ثم يحاول إصلاح هذا القلب:
«بقواعد الدين قوِّم أساسي»
ثم يطلب التخلص من عدو القلب:
«اصرف إلهي عني الخناس»
ثم يجعل الذكر أنيسه:
«واجعل ذكر المحبوب إيناسي»
ثم ينتقل إلى مقام التعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم،ثم إلى الشمائل والمعجزات، ثم يعود في النهاية إلى نفسه:
«بها هاشم يسلم ويسير في الموكب»
وكأن الرحلة كلها انتهت إلى سؤال واحد: أن يكون الشاعر في موكب أهل المحبة والصلاح.

ثامنًا: براعة الاستهلال
عنوان القصيدة:
«طَهَ العدناني»
ثم مطلعها:
(يا خير الناس طه العدناني)
استهلال موفق؛ لأن الشاعر جمع في المطلع بين الاسم والإشادة والنسب.
فـ«طه» تحمل إيحاء المحبة النبوية في لغة المديح، و«العدناني» تستحضر شرف النسب، و«خير الناس» تفتح باب الفضائل.
فالمطلع إذن يضع المتلقي منذ اللحظة الأولى في حضرة الممدوح ومقام التعظيم..

تاسعًا: براعة التخلص والانتقال
لا ينتقل الشاعر انتقالًا فجائيًا بين الموضوعات، بل يستعمل المعنى السابق جسرًا للمعنى اللاحق.
فمن الحديث عن الذكر والأنس ينتقل إلى الشمائل، ومن الشمائل ينتقل إلى النسب والكرم، ثم إلى النور والهداية، ثم إلى المعجزات، ثم إلى الصلاة والسلام.
وهذا يمنح القصيدة وحدة موضوعية رغم تعدد أغراضها الجزئية.

عاشرًا: جمال الخاتمة
يقول:
(مولاي صلِّ ما دار كوكب
على خير الخلق عظيم المنكب)
ثم:
(بها هاشم يسلم ويسير في الموكب
مع أهل الله لا يطيح لا ينكب)
الخاتمة شديدة الصلة بالمديح الصوفي؛ إذ يعود الشاعر من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديث عن مصيره هو.
فالغاية ليست مجرد تعداد الفضائل، وإنما أن تتحول المحبة إلى صحبة وسلوك ونجاة.
والجمع بين:
«لا يطيح لا ينكب»
يمنح الخاتمة إيقاعًا قويًا، ويصور طريق السالك كأنه طريق يحتاج إلى ثبات حتى لا يتعثر صاحبه.

خلاصة الدراسة البلاغية
يمكن القول إن سيدي الشيخ هاشم الشيخ عبدالمحمود قد بنى قصيدته على ثلاثة أجنحة بلاغية متكاملة:
جناح المعاني
ويتمثل في:
النداء.
الدعاء.
الخبر والإنشاء.
الالتفات.
التوكيد.
الانتقال من الثناء إلى الابتهال.

جناح البيان
ويتمثل في:
الاستعارة: مصباح الداجي، نوّر جناني، غاسل الأدناس.
التشبيه: البدر والنور.
الكناية: عظيم المنكب، صاحب الحسام.
التصوير الحسي للمعجزات.

جناح البديع
ويتمثل في:
الطباق، ولا سيما النور والظلام.
التكرار: ما أحلى، ما أعلى.

حسن التقسيم.
التوازي الصوتي.
مراعاة النظير.
الجناس والاشتقاق في بعض المواضع.
التناسب الموسيقي بين الأشطر والقوافي.
والأجمل من ذلك كله أن هذه المحسنات لم تأتِ منفصلة عن التجربة الشعورية؛ فالشاعر لا يستعرض البلاغة، وإنما تأتي البلاغة خادمة للمحبة. ولهذا تبدو القصيدة سهلة العبارة، قريبة المأخذ، عميقة الإيحاء، تجمع بين المديح النبوي والوجد الصوفي والصورة الشعرية الشعبية الأصيلة.

أحمد الطيب الشيخ الفاتح

31/08/2026

✨الله حكمه نافذ محتوم✨
✨ليالي المولد النبوي الشريف✨
✨مسيد الشيخ محمد المبارك✨

دراسة بلاغية في قصيدة «كُلَّ يَوْمٍ عَابِي لِيهُو القُومَة»لسيدي الشيخ هاشم الشيخ عبدالمحمودتمهيد: بلاغة الطبع حين تتوار...
31/08/2026

دراسة بلاغية في قصيدة
«كُلَّ يَوْمٍ عَابِي لِيهُو القُومَة»
لسيدي الشيخ هاشم الشيخ عبدالمحمود

تمهيد: بلاغة الطبع حين تتوارى الصنعة
من يتأمل هذه القصيدة لا يملك إلا أن يقف عند ظاهرة لافتة في شعر سيدي الشيخ هاشم الشيخ عبدالمحمود، وهي أن البلاغة عنده ليست غايةً مستقلة، وإنما هي خادمة للمعنى الوجداني.
فهو لا يبحث عن الاستعارة ليقول إنه استعان بها، ولا عن الطباق ليعرض مقدرته عليه، ولا عن الجناس ليزخرف به كلامه؛ وإنما تأتي الصورة والمحسنات مندفعة مع التجربة الشعورية نفسها.
وهنا تكمن قيمة شعره.
فالشاعر المتمكن حقًا هو الذي يُشعرك بالمعنى قبل أن يُشعرك بالبلاغة، فإذا تأملت كلامه بعد ذلك وجدت فيه من ضروب البيان والمعاني والبديع ما يدل على رسوخ قدمه في صياغة الشعر.
وهذا هو معنى قولهم في الشعر:
السهل الممتنع؛
ذلك الشعر الذي يبدو قريب المأخذ، عذب العبارة، مألوف الألفاظ، حتى يظن السامع أن الإتيان بمثله يسير، فإذا حاول أن يحاكيه وجد أن وراء هذه السهولة تمكنًا دقيقًا في اختيار اللفظ، وبناء الصورة، وإيقاع العبارة، ومناسبة المعنى للمقام.

أولًا: علم المعاني — بلاغة المقام وحركة الخطاب
من أبرز مظاهر التمكن في القصيدة أن الشاعر لا يسير في أسلوب واحد، بل ينتقل بين النداء، والخبر، والوصف، والتعجب، والدعاء بحسب حركة وجدانه.

1- النداء واستحضار الحبيب
(كُلَّ يَوْمٍ عَابِي لِيهُو القُومَة
يَا رَحِيمَا)
بدأ شاعرنا بالنداء:
«يا رحيما»
والنداء هنا ليس مجرد أداة نحوية، وإنما هو استحضار للمخاطَب في الوجدان.
فالمحب حين يقول: يا رحيما لا يكون بصدد تقديم معلومة، وإنما هو في مقام مناجاة واستمداد ورحمة.
والتعبير بالنكرة في «رحيما» يزيد اللفظ إطلاقًا؛ فكأن الرحمة صارت وصفًا غالبًا على الممدوح صلى الله عليه وسلم،
وهذه مناسبة دقيقة بين المقام الوجداني والأسلوب الإنشائي.

2 -الخبر الذي يحمل التعظيم
(خَيْرُ مَنْ مَشَى وَعَلَى الخَلْقِ أَفْضَلْ
مِفْتَاحُ الجِنَانِ الدِّينَةْ مَا اتْبَدَّلْ)
الخبر هنا ليس خبرًا محايدًا، وإنما هو خبر في مقام المدح والتعظيم.
وقوله:
«خير من مشى»
صيغة تفضيل شديدة التكثيف؛ إذ اختصر بها شاعرنا مساحات واسعة من الثناء.
ثم أتبعها:
«وعلى الخلق أفضل»
فجمع بين الخيرية والأفضلية، وكأن المعنى يرتقي درجة بعد درجة.
وهذه من براعة الشاعر في الإيجاز؛ فعبارة قصيرة تحمل معنى واسعًا.

ثانيًا: علم البيان - حين تتحول المحبة إلى صورة
وهنا تظهر براعة الشاعر بصورة أوضح؛ إذ لا يكتفي بالمعنى المجرد، بل يحوله إلى صور محسوسة.
1- «مفتاح الجنان» - الاستعارة
(مِفْتَاحُ الجِنَانِ الدِّينَةْ مَا اتْبَدَّلْ)
في قوله:
«مفتاح الجنان»
استعارة جميلة؛ فقد صوّر ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والدين بمفتاح يفتح أبواب الجنان.
والمفتاح شيء حسي، والجنان أمر غيبي، فانتقل المعنى من المجرد إلى المحسوس، فأصبح المستمع يرى في خياله مفتاحًا يفتح أبواب النجاة.
وهذا من خصائص البيان الجميل: تجسيد المعنى حتى يكاد يُرى.
2-«بدر السماء استحى» - التشخيص والاستعارة
(مِنْ وَجْهِهِ اسْتَحَى
بَدْرُ السَّمَاءِ وَكَلَّا)
هذه من أبدع صور القصيدة.
فالبدْر لا يستحي في الحقيقة، وإنما الشاعر شخّص البدر وجعله كإنسان يشعر بالحياء.
ثم جعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم سببًا في خجل البدر من جماله.
وهنا اجتمع:
التشخيص: جعل البدر كائنًا يشعر ويستحي.
الاستعارة: إضفاء صفات الإنسان على الجماد.
والجمال في المدح: حتى إن البدر، رمز الجمال والنور، يخجل أمام جمال المصطفى صلى الله عليه وسلم.
والأجمل أن الصورة ليست غريبة عن الموروث الشعري؛ فقد كان النور والقمر والبدر من أكثر الرموز حضورًا في وصف الجمال.
لكن الشاعر السوداني أعاد إنتاج الصورة بعبارته الخاصة، فجاءت عفوية غير متكلفة.

ثالثًا: الطباق والمقابلة في بناء الصورة
من جمال القصيدة أنها تقوم في مواضع منها على مقابلات معنوية من غير أن يصرح الشاعر بأنه يصنع طباقًا.
ومن أوضح ذلك:
(كَانَ يَمْشِي الهُوَيْنَةْ
اللِّي مَا بَيْتْقَدَّلْ
لِجَيْشِ الضَّلَالِ وَالكُفْرِ كَمْ جَنْدَلْ)
فهنا مقابلة بين:
الهوينة ٫ السكينة والتواضع
و
الجندلة - القوة والحسم.
وهذه المفارقة ترسم شخصية متوازنة:
لينٌ في موضع اللين، وقوةٌ في موضع القوة.
ولا يحتاج الشاعر إلى أن يقول ذلك تقريرًا؛ فقد أراه لنا في الصورة.
وهذه هي البلاغة الحقيقية.

رابعًا: الكناية - المعنى وراء العبارة
(كَانَ يَأْكُلُ القَدِيدَ وَيَحْمِلُ الكَلَا)
هذا البيت من المواضع التي تستحق التأمل.
فذكر القديد ليس مجرد ذكر لطعام، وإنما يوحي بـخشونة العيش والزهد وقلة الترف.
كما أن:
«يحمل الكلا»
تتجاوز ظاهر العبارة إلى معنى الرحمة بالضعفاء وتحمل أعبائهم.
فالشاعر لا يقول مباشرة:
كان متواضعًا رحيمًا بالضعفاء.
بل يجعلنا نرى التواضع والرحمة في فعل محسوس.
وهذا من جمال الكناية:
أن تقول الشيء وتريد ما وراءه.

خامسًا: التورية والإيحاء في «ساحت»
(قَلْبِي الانْفَطَرْ وَسَبِيكَتُهْ سَاحَتْ
جُودْ بِزُورَةِ البِيهُو الهُمُومُ رَاحَتْ)
هنا تظهر خصوصية الشاعر أكثر.
فهو يستعير من لغة الحياة اليومية السودانية صورة السبيكة التي إذا ساحت تعطلت السيارة، ثم ينقلها إلى عالم الوجد:
«سبيكته ساحت»
فالقلب من شدة الشوق لم يعد يؤدي وظيفته؛ كما أن السيارة لا تستمر إذا ساحت سبيكتها.
هذه صورة شعبية في أصلها، لكنها حين دخلت القصيدة تحولت إلى استعارة وجدانية طريفة ومبتكرة.
وهنا بالذات تظهر براعة شاعرنا؛ لأنه لم يحتج إلى ألفاظ غريبة أو صور متعالية حتى يصنع صورة شعرية.
بل أخذ صورة من الشارع والحياة اليومية وأدخلها في عالم المديح والمحبة.
وهذه موهبة لا تتأتى بسهولة.

سادسًا: البديع - المحسن حين يخدم المعنى
ومن أجمل ما يميز الشاعر أن المحسنات البديعية عنده ليست زخارف منفصلة عن المعنى.
ومن ذلك قوله:
(هُمْ رَاحَةُ فُؤَادِي
مَوْسِمُ أَعْيَادِي)
بين:
راحة فؤادي
و
موسم أعيادي
تآلف صوتي ومعنوي جميل.
فالأعياد مواسم الفرح، وراحة الفؤاد هي ثمرة ذلك الفرح في النفس.
وهذا تكرار للمعنى في صورتين مختلفتين يزيد إحساس المحب بالسرور.

الجناس الصوتي والإيقاعي
ونجد في القصيدة ميلًا واضحًا إلى التقارب الصوتي في خواتيم الأشطر:
أَفْضَلْ – اتْبَدَّلْ – يَتْقَدَّلْ – جَنْدَلْ
ثم:
كُلَّا – الكَلَا – وَكَلَّا – مَا كَلَّا
وهذا التقارب ليس مجرد جناس مصطنع، بل يخدم الموسيقى الداخلية للقصيدة، ويجعل الأبيات سهلة الحفظ والإنشاد.
والشاعر هنا يستفيد من طبيعة اللهجة السودانية نفسها؛ إذ تمنحه النهايات المتقاربة مجالًا واسعًا للموسيقى والترديد.

سابعًا: التكرار - موسيقى المحبة
من السمات الواضحة في القصيدة تكرار بعض الأبنية والألفاظ، خصوصًا في:
(كُلَّا)
(الكَلَا)
(وَكَلَّا)
(مَا كَلَّا)
وهذا التكرار يمنح النص إيقاعًا إنشاديًا يناسب طبيعته كمديح نبوي.
والتكرار هنا ليس حشوًا؛ لأنه في الشعر الوجداني يشبه ترديد الذكر: كلما عاد اللفظ عاد معه الشعور.

ثامنًا: براعة الانتقال
ومن علامات تمكن الشاعر حسن التخلص والانتقال.-
فالقصيدة تنتقل من:
النبي - إلى الصحابة - إلى الحجاز - إلى شوق القلب - إلى الصلاة والسلام والدعاء.
وهذا انتقال طبيعي جدًا.
فحين ذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم استدعى ذلك ذكر أصحابه:
(يَا نِعْمَةَ الصَّحَابَةِ الكُمَّلْ أَسْيَادِي)
ومن الصحابة انتقل إلى الحجاز:
(اللَّيْلَةَ الحِجَازُ بَرَّاقَةْ اتْبَاحَتْ)
ومن الحجاز انتقل إلى القلب:
(قَلْبِي الانْفَطَرْ وَسَبِيكَتُهْ سَاحَتْ)
ومن القلب انتهى إلى الدعاء:
(تَكْشِفْ عَنَّا الهَمَّا وَالغَمَّا
تَغْفِرْ لِذُنُوبِ الهَاشِمِي وَالأُمَّة)
فليس في القصيدة انتقال مفاجئ يقطع السياق، وإنما كل صورة تلد الصورة التي بعدها.
وهذا من إحكام البناء الشعري.

السهل الممتنع: سر شاعرية النص
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو الحديث عن السهل الممتنع.
فشاعرنا لا يستخدم لغة معجمية متعالية، بل يقول:
القومة، القديد، الكلا، بيتقدل، السبيكة، ساحت، اتباحَت.
وهي ألفاظ قريبة من السماع السوداني، وبعضها من لغة الحياة اليومية.
ومع ذلك استطاع أن يصنع بها:
مدحًا نبويًا، وصورة بيانية، وإيقاعًا شعريًا، وتجربة وجدانية.
وهذه هي المفارقة الجميلة:
الألفاظ سهلة، ولكن تركيبها ليس سهلًا.
الصورة تبدو عفوية، ولكن وراءها ذوقًا.
المعنى قريب، ولكن الوصول إلى مثله عسير.
ومن هنا يمكن القول إن شاعرنا ليس شاعر صنعة، وإنما شاعر طبعٍ متمكن؛ فهو لا يستعرض البلاغة، وإنما تتولد البلاغة من صدق حاله.
وهذه منزلة رفيعة في الشعر؛ لأن أجمل البلاغة ما اختفى أثر الصنعة فيه وبقي أثر الصدق.
ولذلك فإن قصيدة «كل يوم عابي ليهو القومة» تقدم نموذجًا واضحًا لشعر سوداني صوفي نبوي استطاع أن يجمع بين عفوية اللفظ، وعمق المعنى، وخصوبة الصورة، والموسيقى الشعبية، والوجدان الصادق؛ فجاء شعرًا سهل المأخذ، ممتنع المحاكاة.
وهنا تكمن براعة سيدي الشيخ هاشم: أن البلاغة عنده لا تتقدم على المحبة، وإنما تمشي خلفها؛ فإذا صدق الوجد، جاء البيان، وإذا تحرك القلب، جاء البديع، وإذا اكتمل المعنى، جاءت الموسيقى من تلقاء نفسها.

أحمد الطيب الشيخ الفاتح

30/08/2026

سِيَاحَةٌ أَدَبِيَّةٌ وِجْدَانِيَّةٌ ذَوْقِيَّةٌ فِي قَصِيدَةِ
{كُلَّ يَوْمٍ عَابِي لِيهُو القُومَة}
لِسَيِّدِي الشَّيْخِ هَاشِمِ الشَّيْخِ عَبْدِالمَحْمُود

هذه القصيدة من تلك المدائح التي لا يبدو فيها شاعرنا كأنه يصف الحبيب صلى الله عليه وسلم من بعيد، وإنما يبدو كأنه يعيش في فضاء المحبة، فيتحول الذكر عنده إلى حركة، والحركة إلى شوق، والشوق إلى رجاء، ثم ينتهي كل ذلك بالصلاة والسلام والدعاء.
والقصيدة تتحرك في مسار بديع: من القيام والمحبة، إلى شمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ثم إلى الصحابة، ثم إلى الحجاز، ثم إلى اشتعال القلب بالشوق، وأخيرًا إلى الصلاة والسلام والرجاء في كشف الهموم ومغفرة الذنوب.
وفيها امتزاج جميل بين فصاحة المعنى وعفوية اللفظ السوداني؛ فالشاعر لا يتكلف اللغة، لأن لغة الوجدان عنده أقرب إلى القلب من لغة الصنعة.

أولًا: مطلع القصيدة — حين يصبح الشوق قومةً
(كُلَّ يَوْمٍ عَابِي لِيهُو القُومَة
يَا رَحِيمَا)
يبدأ شاعرنا من القومة، وهي كلمة ذات إيحاء حركي قوي؛ فالمحب لا يستطيع أن يبقى ساكنًا، وكأن المحبة الصادقة تستنهض الجسد كما تستنهض الروح.
وقوله: «كل يوم» يوحي باستمرار الحال وتجدد الشوق؛ فليست القومة حادثة عابرة، وإنما هي حال يتجدد كل يوم وهو حال من عاش ذلك.
ثم يأتي النداء:
«يا رحيما»
وكأن القلب، بعد أن نهض شوقًا، لم يجد إلا الرحمة النبوية ملجأً يتوجه إليه.
وهنا تتشكل منذ البداية علاقة وجدانية بين المحب القائم والحبيب الرحيم.

ثانيًا: خير البرية ومفتاح الجنان
(خَيْرُ مَنْ مَشَى وَعَلَى الخَلْقِ أَفْضَلْ
مِفْتَاحُ الجِنَانِ الدِّينَةْ مَا اتْبَدَّلْ)
ينتقل شاعرنا من حاله هو إلى الحديث عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.
«خير من مشى» صورة تختصر عظمة الممدوح؛ فكل من وطئت قدمه الأرض من البشر، فإن خير من مشى عليها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم يقول:
«وعلى الخلق أفضل»
فيجمع بين خير المشي وأفضلية المقام؛ فهو خير من وطئت قدماه الأرض، وأفضل الخلق منزلةً وشرفًا
فقد انعقد إجماع المسلمين على أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم هو أفضل خلق الله تعالى على الإطلاق، فقد خصه الله تعالى بخصائص لا توجد لغيره من الأنبياء، من ذلك قوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين {الأنبياء: 107}. وقوله تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا {سبأ: 28}..
أما:
«مفتاح الجنان»
فهي صورة شديدة الكثافة؛ إذ يجعل النبي صلى الله عليه وسلم مفتاحًا للجنان، من جهة ما جاء به من الهدى والدين الذي يقود إلى رضوان اللهروى مسلم (197) عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتفْتِحُ ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ : مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ : مُحَمَّدٌ ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ ) .
ثم:
«الدينة ما اتبدل»
تأتي لتقرر الثبات: الدين الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم محفوظ في أصل رسالته، لم يتبدل في جوهر دعوته.
فكأن الشاعر يقول: هذا النبي خير الخلق، وهذا الدين الذي جاء به طريق النجاة، ثابت لا يتغير.

ثالثًا: الهيبة النبوية بين الهوينة والجهاد
(كَانَ يَمْشِي الهُوَيْنَةْ
اللِّي مَا بَيْتْقَدَّلْ
لِجَيْشِ الضَّلَالِ وَالكُفْرِ كَمْ جَنْدَلْ)
هنا تظهر عظمة الصورة.
فالرسول صلى الله عليه وسلم ، يمشي الهوينة؛ أي في سكينة وتواضع، لا في كِبر ولا تبختر.
وقوله:
«اللِّي ما بيتقدل»
ينفي عن مشيته معنى الخيلاء؛ إنها مشية العبد المتواضع، لا مشية المتكبر.
لكن هذه الهيبة الهادئة لا تعني ضعفًا أو وهنًا.
فإذا واجه جيش الضلال والكفر تبدلت الصورة:
«كم جندل»
وهنا المفارقة الفنية الجميلة تبرز براعة الشاعر :
هوينة في المشي، وقوة في الموقف.
سكينةٌ في السلوك، وشجاعةٌ عند مواجهة الباطل.
وكأن شاعرنا يرسم لنا شخصية المصطفى صلى الله عليه وسلم في توازنها الكامل: تواضع بلا ضعف، وقوة بلا كبر.

رابعًا: الاصطفاء الإلهي
(اخْتَارَهُ الإِلَهُ عَلَى
الخَلْقِ كُلَّا
كَانَ يَأْكُلُ القَدِيدَ وَيَحْمِلُ الكَلَا)
بعد أن ذكر الشاعر صفاته في الأرض، يصعد بالمديح إلى مقام الاصطفاء:
«اختاره الإله»
فالمحمدية هنا ليست مجرد فضيلة بشرية، وإنما هي اصطفاء إلهي.
وقوله:
«على الخلق كلا»
يؤكد شمول هذا الاصطفاء ورفعة مقام المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ثم يعود الشاعر إلى مشهد إنساني بالغ الجمال:
«كان يأكل القديد ويحمل الكلا»
فالاصطفاء العظيم لم يصحبه ترف ولا تكلف.
كان صلى الله عليه وسلم يأكل من خشونة الطعام، ويحمل الكَلَا؛ أي الضعيف الذي أقعده التعب وأضناه الضعف.
وهنا تبلغ الصورة ذروة الجمال؛ إذ يجمع شاعرنا بين رفعة المقام وبساطة العيش، وبين سيادة الخلق وخدمة الضعفاء.
وكأن الرسالة تقول:
كلما علا المقام في قلب العارف، ازداد تواضع صاحبه ورحمةً بالخلق.

خامسًا: وجهٌ تستحي منه الأنوار
(مِنْ وَجْهِهِ اسْتَحَى
بَدْرُ السَّمَاءِ وَكَلَّا
بِالقُرْآنِ يُقِيمُ اللَّيْلَ مَا كَلَّا)
هنا ينتقل شاعرنا إلى الجمال النبوي.
يقول إن بدر السماء يستحي من وجهه صلى الله عليه وسلم،
وهذه صورة من صور المحبة في المدائح النبوية؛ فالبدْر الذي هو رمز النور والجمال يصبح هو نفسه مستحييًا أمام نور الوجه المحمدي.
ثم ينتقل من جمال الظاهر إلى جمال الباطن:
«بالقرآن يقيم الليل ما كلا»
أي لا يمل ولا يضعف.
وهذا الانتقال بالغ الروعة:
نور الوجه يقابله نور القرآن في القلب.
فالجمال ليس جمال صورة فحسب، وإنما جمال عبادة وقيام وخشوع.
وهكذا لا يترك الشاعر الممدوح في دائرة الجمال الحسي فحسب، بل يرده سريعًا إلى جمال الروح والعبودية.

سادسًا: من المصطفى إلى أصحابه
(يَا نِعْمَةَ الصَّحَابَةِ الكُمَّلْ أَسْيَادِي
هُمْ رَاحَةُ فُؤَادِي
مَوْسِمُ أَعْيَادِي) الله الله يا الروعة!:
بعد أن امتلأ قلب شاعرنا بصورة النبي صلى الله عليه وسلم، اتسعت دائرة المحبة لتشمل أصحابه.
يقول:
«يا نعمة الصحابة الكمل»
فهم نعمة؛ لأن صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم جعلتهم في موضع عظيم من الفضل.
ثم يقول:
«أسيادي»
وهذه كلمة تكشف أدب المحب مع أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم،فهو لا يتحدث عنهم باعتبارهم شخصيات تاريخية، وإنما باعتبارهم سادةً وأهل منزلة في قلبه.
ثم تأتي العبارة الأجمل وجدانيًا:
«هم راحة فؤادي»
فالحديث عن الصحابة يريح القلب.
ثم:
«موسم أعيادي»
وكأن ذكرهم عيد متجدد؛ فالعيد عند المحب ليس يومًا في التقويم، وإنما لحظة يفيض فيها القلب بالمحبة والسرور.

سابعًا: الغصن جالمحمدي
(فَرْعُ المُصْطَفَى الغُصْنَةْ قِيَادِي
بَاعُوا أَرْوَاحَهُمْ
لِنُصْرَةِ الهَادِي)
يصور الشاعر الصحابة باعتبارهم فرعًا من شجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم،
وهذه استعارة جميلة؛ فالشجرة أصلها ثابت وفرعها متصل بها، فكأن الصحابة امتداد للرسالة المحمدية في حملها ونصرتها.
وقوله:
«باعوا أرواحهم لنصرة الهادي»
يحمل معنى التضحية الكاملة.
لم يقدموا مالًا فحسب، ولا وقتًا فحسب، بل:
«باعوا أرواحهم»
فأصبح حب المصطفى صلى الله عليه وسلم والدين الذي جاء به عندهم بذلًا وفداءً.
وهنا يتحول المديح من وصف إلى اقتداء؛ لأن محبة النبي صلى الله عليه وسلم الحقيقية تظهر في نصرة سنته وحمل رسالته وبذل النفس في سبيل الحق.

ثامنًا: الحجاز حين يلمع في عين المشتاق
(اللَّيْلَةَ الحِجَازُ بَرَّاقَةْ اتْبَاحَتْ
هَاطِلْ سُحُبُهَا أَعْرَافُهَا فَاحَتْ)
بعد أن دار شاعرنا في عالم السيرة والصحابة، تنتقل القصيدة فجأة إلى الحجاز.
وهنا يبدأ المشهد الذوقي الوجداني.
الحجاز ليس عند الشاعر مجرد مكان جغرافي؛ إنه مكان الحبيب.
ولذلك يراه مضيئًا:
«الحجاز براقة» والبطريق يلهب الاشوق،
وكأن الشوق حين يشتد يجعل المكان البعيد حاضرًا أمام العين.
ثم يقول:
«هاطل سحبها أعرافها فاحت»
فيجمع بين المطر والرائحة؛ فالسحب تهطل، والأعراف تفوح.
إنها صورة حسية متعددة الحواس: عين ترى البرق، وأنف يشم العطر، وقلب يتلقى الرحمة.
وكأن الحجاز كله دخل في حالة من الاحتفال الروحي.

تاسعًا: قلب المشتاق
(قَلْبِي الانْفَطَرْ وَسَبِيكَتُهْ سَاحَتْ
جُودْ بِزُورَةِ البِيهُو الهُمُومُ رَاحَتْ)
هنا تبلغ القصيدة ذروة الوجد.
«قلبي الانفطر»
أي انشق من شدة الشوق.
ثم يستعمل شاعرنا صورة السبيكة التي ساحت؛ فإذا ساحت السبيكة تعطلت السيارة.
وهذه صورة شعبية عميقة، لكنها في السياق الوجداني تتحول إلى استعارة مؤثرة:
القلب نفسه لم يعد يحتمل حرارة الشوق.
ثم تأتي المناجاة:
«جود بزورة البيهو الهموم راحت»
أي يا رب، تفضل عليَّ بزيارة ذلك المكان الذي تذهب فيه الهموم.
وهنا يتحول الشوق إلى دعاء.
فالمحب لا يريد من الزيارة مجرد الانتقال بالجسد، وإنما يريد ما وراءها: راحة القلب وسكينة الروح وانكشاف الهم.
وهذا من أجمل مقاطع القصيدة؛ لأن الشاعر يجعل المدينة والحجاز موضعًا للراحة الروحية.

عاشرًا: الخاتمة — من الشوق إلى الصلاة والسلام
(الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا قَامَ حَجِيجْ أَمَّا
لِخَيْرِ الأَنَامِ اللِّرُسُلْ أَمَّا
تَكْشِفْ عَنَّا الهَمَّا وَالغَمَّا
تَغْفِرْ لِذُنُوبِ الهَاشِمِي وَالأُمَّة)
تختم القصيدة بالصلاة والسلام على خير الأنام صلى الله عليه وسلم،
وهذا الختام طبيعي جدًا في بنائها؛ فقد بدأت بالقومة، ومرت بالمدح والشمائل والصحابة والحجاز والشوق، ثم انتهت إلى الصلاة والسلام والدعاء.
وقوله:
«ما قام حجيج»
يربط الصلاة والسلام بمشهد الحج؛ فكأن أفواج الحجيج وهي تقوم بأداء المناسك تملأ المكان بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم:
«لخير الأنام اللرسل أما»
يجمع الشاعر في لفظة واحدة بين خيرية المصطفى صلى الله عليه وسلم وإمامته للرسل.
ثم يتحول المديح إلى رجاء:
«تكشف عنا الهم والغما»
وهنا تظهر طبيعة الوجدان القوم في القصيدة: فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ليس مجرد استحضار تاريخي، بل هو ملجأ روحي تتعلق به النفس في رجائها ودعائها.
ثم يبلغ الدعاء غايته:
«تغفر لذنوب الهاشمي والأمة»
فالشاعر لا يقف عند نفسه، بل يتسع قلبه ليشمل الأمة.
وهذه نهاية غاية في الروعة والجمال؛ لأن المحبة التي بدأت فردية في قلب الشاعر انتهت جماعية في دعائه للأمة.

الخلاصة الذوقية
هذه القصيدة يمكن أن نقرأها باعتبارها رحلة قلب أكثر من كونها قصيدة مدح تقليدية.
بدأ القلب:
قائمًا - ثم صار مادحًا - ثم صار متأملًا في الشمائل - ثم أحب الصحابة - ثم رحل بخياله إلى الحجاز - ثم اشتد به الشوق - ثم انتهى إلى الصلاة والسلام والدعاء.
ولذلك فإن أجمل ما في القصيدة ليس الأوصاف منفردة، وإنما حركة الوجدان بينها.
فالقصيدة تبدأ بالحركة:
«كل يوم عابي ليهو القومة»
وتنتهي بالدعاء:
«تكشف عنا الهم والغما
تغفر لذنوب الهاشمي والأمة»
وبين القومة والدعاء رحلة كاملة من المحبة.
وفيها كذلك ثنائية جميلة تتكرر بصورة خفية:
الهوينة - الجندلة
القديد -الاصطفاء
خشونة العيش - علو المقام
نور الوجه -نور القرآن
راحة الفؤاد - شدة الشوق
الحجاز البعيد - الحضور القلبي
انفطار القلب - راحة الزيارة.
وهذا هو سر جمالها: أنها لا تجعل المحبة مجرد كلام عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل تجعلها حركةً في القلب، وصورةً في الخيال، وحنينًا إلى المكان، وصلاةً على الحبيب، ورجاءً في الرحمة.
إنها قصيدة تُذاق أكثر مما تُشرح؛ لأن بعض ألفاظها الشعبية، مثل «القومة» و«بيتقدل» و«السبيكة ساحت» و«اتباحَت»، تحمل وراء معناها المعجمي ذاكرة البيئة السودانية وحسّها الشعبي، وحين تدخل هذه الألفاظ في سياق المديح النبوي تتحول من ألفاظ يومية إلى أوعية للوجد والمحبة مما يدل على تمكن شاعرنا الذي عاش الحال.
احمد الطيب الشيخ الفاتح

29/08/2026

✨الليل سوقو ✨
✨ أداء بكري الشيخ عبد الكريم ✨
ليالي المولد النبوي الشريف بمسيد الشيخ محمد المبارك

Address

Tabat

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when مَسِيدُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ الْمُبَارَكِ posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share