مركز أبحاث الرعاية والتحصين الفكري

  • Home
  • Sudan
  • Khartoum
  • مركز أبحاث الرعاية والتحصين الفكري

مركز أبحاث الرعاية والتحصين الفكري صفحة تعكس أنشطة مركز التحصين الفكري المهتم بتحصين المجتمع من مخاطر الغلو والاستلاب

بسم الله الرحمن الرحيم خطبة عيد الفطر المبارك للعام ١٤٤٦هـ بتاريخ ١ شوال ١٤٤٦هـ *الخطبة الأولى*الحمدُ للهِ ربِ العالمين،...
29/03/2025

بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة عيد الفطر المبارك للعام ١٤٤٦هـ بتاريخ ١ شوال ١٤٤٦هـ

*الخطبة الأولى*

الحمدُ للهِ ربِ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ الأمين ﷺ، وعلى آلِه وصَحبِه أجمعين، وبعد

يقولُ اللهُ تعالى في مُحكمِ التنزيل (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) البقرة ١٨٥.

أيها المُسلِمُون

ودعنا شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران، شهر الصوم ونزول القرآن رزقنا اللهُ تعالى ثمارَه في حياتِنا الخاصة والعامة، والدروس التي نستفيدُها منه أحبتي هي:

* إعمار حياتنا الخاصة والعامة بالتقوى لأن المقصد من الصيام ومن كلِ العبادات هو تحقيقُ التقوى (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) البقرة؛ فلنُعمِّر قلوبَنا بالتقوى لتنعكس على الجوارح فتُثمر استقامةً سلوكية في الحياة الخاصة والعامة.

إن التقوى أحبتي ليست في الجوانب الشعائرية فحسب كما يظن البعضُ؛ ولكن في كلِ جوانبِ الحياة قال رسولُ اللهِ ﷺ: "اتَّقِ اللَّهَ حيثُ ما كنتَ، وأتبعِ السَّيِّئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ النَّاسَ بخلقٍ حسنٍ" الترمذي؛ ولذلك الله الله في الدماء البريئة فإن أول ما يُقضَى فيه بين الناسِ يوم القيامةِ الدماء وما يزال المؤمنُ في فسحةٍ من دينِه ما لم يُصِب دماً حراماً، الله الله في الأموال المُحرَّمة الخاصة والعامة فإنها تُورِدُ صاحبَها النار وإن كان مُجاهِداً وقُتِل في الجهاد ما لم يردها إلى أصحابِها، الله الله في العروض المُصانَة زِنَاً أو اغتصاباً فإن عواقبَها وخيمة في الدنيا والآخرة، الله الله في الألسن التي تكذِب أو تسخَر أو تُحرِّض قولاً أو كتابةً في وسائل التواصل الاجتماعي ثم تكونُ النتيجة إصابة أبرياء بجهالةٍ فإن أصحابَها سيُصابُون بالندم يوم القيامة، الله الله في الحقوق فإن الظلمَ ظلماتٌ يومَ القيامة، الله الله في العدوان فإن اللهَ لا يُحبُ المعتدين، الله الله في الفساد فإن الله لا يُحبُ الفسادَ ولا يُصلِح عملَ المُفسدِين. فلنجعل تقوى الصيام أحبتي حائلٌ بيننا وبين هذه الكبائر التي انتشرت في زمانِنا.

* وكذلك من الدروس التي نستفيدُها من رمضان إعمار حياتَنا الخاصة والعامة بالقرآن فهو مفتاحُ الهدايةِ للتي هي أقوم (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) الإسراء ٩؛ فلنُفعِّل عِلاقتَنا معه تلاوةً وتدبراً ولنكن وقَّافِين عنده عملاً بالأوامر واجتناباً للنواهي وتجسيداً للقيم والمباديء في الحياة لننعمَ بالرحمةِ الإلهية (وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) النساء.

* أيضاً من الدروس فهم أن اللهَ تعالى لم يُرِد من تكليفنا بالعبادات ومنها الصيام التعسير علينا أو حصول المشقةِ لنا، بل التيسير (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)؛ ولذلك جعلَ الصومَ آياماً معدودات، واستحب لنا تعجيل الفطور وتأخير السحور، ورخَّص الفِطر لأصحاب الأعذار كالمريض والمسافر والحامل والمُرضع إذا أثَّر الصيامُ على صحتِهما أو صِحةِ أطفالِهما، وتجاوز عن مَنْ أكل وشَرِب ناسياً وكل هذا تيسير؛ وإنما التيسيرُ الأكبرُ أحبتي هو أن شرَع اللهُ تعالى الصيامَ لعبادِه لتسمو نفوسَهم بالتخففِ من سُفلِية الشهوات والمُسارعة في أبواب الخيرات، لتكون النفوس مُؤهلة للاستقامة بقية العام؛ ولذلك كانت الجوائز كبيرة "*إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ"* وبشارة النبي ﷺ *"مَن صامَ رمضانَ وقامَهُ، إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ، ومَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ"،* والبشارة الإلهية الأكبر *(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)* الزمر ١٠، والصيام صبر *أليس هذا هو التيسيرُ بعينِه أن يُيسر اللهُ تعالى لنا أبواب التقرب إليه؟!.*

أيها المُسلِمُون

إن كفَنا عن الطعام الحلال والنكاح لأكثر من نصفِ اليوم ولمدة شهرٍ كامل، مع الالتزام بكف الجوارح عن الآثام تدريبٌ على الصبر والطاعات وحسن الأخلاق فلنستفِد من هذا المعنى لنُجسِّده في حياتِنا بقية العام.

* وفي إحياء سنةِ القيام على مدى ثلاثين يوماً في التروايح والتهجد تدريبٌ على السمو في درجاتِ القُربى من اللهِ تعالى فلنحرص على إحياء هذه السنة أقلها ركعتين بعد العشاء وأكثرها فعل المُحسنِين (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) الذرايات.

* وفي تشريع الفِدية لإطعام المساكين والحث على الإنفاق واستحباب تفطير الصائمين وتشريع زكاة الفطر إحياءٌ لروحِ التراحم والتكافل داخل مجتمعاتِ المسلمين؛ فلنستمر في إحياء هذه المعاني لنُجسِّد معنى أن المسلمين كالجسدِ الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهر والحُمَى.

* وفي الالتزام الصارم بأوقاتِ الفطر والصوم، ومن قبلِها الالتزام بأوقاتِ الصلاة، وحُولان الحول في الزكاة، ومواقيت الحج تدريبٌ على تنظيم الوقت والانضباط بالمواعيد في الحياة؛ فلنستلهم هذا المعنى في خيري الدنيا والآخرة فإن الوقتَ كالسيفِ إن لم تقطعه قطعك كما قال الحكيم.

أيها المُسلِمُون

عيدُ الفطر شكرٌ للهِ تعالى على تمامِ نعمةِ الصيام، وتكبيرٌ له على هدايتِه لنا لهذه الفريضةِ العظيمة وما فيها من حكمٍ ومقاصد (وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

والعيد إظهارٌ لوحدةِ المسلمين وقوتِهم ولذلك كان يُصليها رسولُ اللهِ ﷺ في فلاة أي ساحة واسعة ويُرجَى أن نُصليها في المساجد لظروف الحرب، وهو فسحةٌ للترويحِ عن النفس، وإحياءٌ للتواصل والتزاور بين الأرحام والأصدقاء والجيران، ومناسبةٌ لطي صفحةِ الخصومات وتجسيدِ معاني التسامح والعفو بين الناس؛ فلنحرص أحبتي على الاستفادة من هذه المعاني في حياتِنا بعد العيد.

أيها المُسلِمُون

حبَانا اللهُ تعالى في السودان بنعمٍ كثيرة: موارد متعددة زراعية وحيوانية وسمكية ومائية ومعدنية ونفطية وقبل ذلك بشرية؛ ولكن بكلِ أسف لم نُوظِف هذه الموارد في تحقيقِ نهضةِ البلاد ولا تيسير مصالحِ العباد.

وجاءت هذه الحرب لتقضي على ما كان موجوداً على قلتِه وتواضعِه؛ فبالإضافة إلى وقوع آلافِ القتلى والجرحى من المدنيين والعسكريين توقفت المشاريع الزراعية، ودُمِرت البِنى التحتية، ونُهبِت أموالُ الناسِ وممتلكاتِهم، وضاقت مصادر الدخل للأفراد مما جعل أكثرُهم يعتمد على المساعدات من الأهل أو المُحسنِين، ونزح أكثرُ من نصفِ سكانِ البلاد، وتشردت كفاءاتُه بين الدول، وهرب ما تبقى من رأسِ المال الوطني - إلا قليلاً- إلى الخارج، وتُهدد المجاعة حياة ملايين المواطنين في بلدٍ خيراتُه تكفيه وتفيضُ على جِيرانِه.

وعلاوةً على ذلك أنتجت الحرب تحديات تتطلب المعالجة:

* تحدي المحافظة على وحدةِ البلاد ومنع انزلاقها إلى التقسيم تمهيداً للانفصال كما حدث في جنوب السودان.

* تحدي انتشار السلاح في أيدي جماعات متعددة بدلاً من وجودِه في أيدي القوات النظامية فقط.

* تحدي وجود آلاف المواطنين الذين تحولوا إلى نهَّابين وسارِقين لأموالِ وممتلكاتِ الناس مما يُنذِر بتهديد السلم إذا لم يجد الحسم المطلوب، ولا يعني الحسم أخذ الحق باليد؛ ولكن اتخاذ كل ما يلزم لحماية المواطن في نفسِه وممتلكاتِه.

* تحدي انتشار خطاب السخرية والعنصرية والكذب والتحريض والثأر في وسائل التواصل الاجتماعي مما يُغيِّب الوعي وقد يجعل التفريق بين الأبرياء والمجرمين أمراً صعباً خاصةً في حالة عَمى الغضب الذي نعيشُه الآن.

أيها المُسلِمُون

لا ينفع الوقوف على الأطلال والبكاء على اللبن المسكوب؛ وإنما أخذ العبرة من سوءِ الحال لاتخاذِها فرصةً للنهوض بالبلاد، وإيجاد حياةً أفضل لما تبقى من العباد؛ وهذا النهوض لا يأتي بالتمني بل بالوعي والتخطيط والعمل من أجلِ مستقبلٍ أفضل، ونضع في الخطبة الثانية إن شاء الله مؤشرات عامة للمُضي في الطريق الصحيح.

*الحديث*

قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي وهو يُعرِّفُه عن الإسلام "أيُّها الملِكُ كنَّا قومًا أَهْلَ جاهليَّةٍ نعبدُ الأصنامَ، وَنَأْكلُ الميتةَ، وَنَأْتي الفواحِشَ، ونقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجوارَ، ويأكلُ القويُّ منَّا الضَّعيفَ، فَكُنَّا على ذلِكَ حتَّى بَعثَ اللَّهُ إلينا رسولًا منَّا نعرفُ نسبَهُ، وصِدقَهُ، وأمانتَهُ، وعفافَهُ، فدعانا إلى اللَّهِ لتوحيدِهِ، ولنَعبدَهُ ونخلعَ ما كنَّا نعبدُ نحنُ وآباؤُنا من دونِهِ منَ الحجارةِ والأوثانِ، وأمرَنا بصِدقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصلةِ الرَّحمِ، وحسنِ الجوارِ، والكفِّ عنِ المحارمِ والدِّماءِ، ونَهانا عنِ الفواحشِ، وقولِ الزُّورِ، وأَكْلِ مالِ اليتيمِ، وقذفِ المُحصنةِ، وأن نعبُدَ اللَّهَ لا نُشرِكُ بِهِ شيئًا، وأمرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ» صحيح بن خزيمة. أو كما قال أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

*الخطبة الثانية*

الحمدُ للهِ ربِ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ الأمين ﷺ، وعلى آلِه وصَحبِه أجمعين، وبعد

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) الفرقان.

وعن تميم الداري أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ" مسلم.

أيها المُسلِمُون

لكي نمضي في الطريق الصحيح لتأسيس حياة كريمة أفضل في بلادنِا نحتاج إلى الكثير ولكن نكتفي ببعض الموجهات العامة:

أولاً: أول خطوة في الطريق الصحيح اعتماد التوافق الوطني بديلاً للانقسام والاستقطاب السياسي قال تعالى (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) الأنفال؛ فإن الانقسام والاستقطاب هو أكثرُ مدخلٍ يستغله الأعداءُ لتفتيت البلدان، فلنبحث أحبتي عن صيغة للتوافق الوطني حول ثوابت نلتزمُ بها جميعاً حُكاماً ومُعارضين.

ثانياً: الحكم الراشد هو مفتاحُ النهضة وأساسُ الحياةِ الكريمة لأي مجتمع؛ ولذلك جعله اللهُ تعالى من أعظمِ وأنفعِ المواعظ التي وعظنا بها (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) النساء ٥٨؛ فهل نُجسِّد موعظةَ اللهِ تعالى لنكون في الطريق الصحيح أم نزيد الخراب الذي خلفته الحرب بخرابٍ آخر قال ابن خلدون في المقدمة " إن الظلمَ مُؤذنٌ بخرابِ العِمران".

*ثالثاً: توظيف الموارد في النفع العام لا الخاص*
رأينا في هذه الحرب بشاعة نهب أموالِ الناسِ وممتلكاتِهم التي جمعوها بشقِ الأنفس؛ فكيف ينامُ قرير العين من نهبَ أو سرقَ حقَ غيرِه؛ وفي المقابل يجب أن نستبشع أكل المال العام بنفس الدرجة حفظاً للحق العام؛ فمَنْ يأكل المال العام بفسادِ الأراضي أو بالرشاوي، أو بتهريب موارد البلاد أو باستغلال النفوذ لا يقل جُرماً عن مَنْ نهب الأفراد؛ لأنه أضاع حقوق فئات واسعة من المجتمع فيهم اليتيم والمسكين والفقير، حتى المجاهد يُمكن أن يدخل النار بسبب ذلك قال رسولُ اللهِ ﷺ عن غلامٍ قُتل في خيبر أخذ شملةً من الغنائم قبل توزيعِها "*والَّذي نفسي بيدِه الشَّملةُ لَتحترقُ عليه الآنَ في النَّارِ غَلَّها مِن المسلِمينَ يومَ خيبرَ"* فقال رجلٌ مِن الأنصارِ: يا رسولَ اللهِ منصلَّى اللهُ عليه وسلَّم *أصَبْتُ يومَئذٍ شِراكَينِ* قال: *"يُعدَّدُ لك مِثلُهما في نارِ جهنَّمَ"* صحيح ابن حبان. *انظر أخي المسلم لخطورة الأمر رغم أن المجاهدين لهم حقٌ في غنائم الحرب مع المعتدين من الكفار؛ ولكن استعجال هؤلاء - لأخذ الغنائم التي لهم فيها حقٌ- قبل توزيعِها على المسلمين أوردهم نارَ جهنم، فلم يشفع لهم جهادُهم من ورودِها فاتعِظُوا يا أولي الأبصار*.

رابعاً: دروس فتح مكة في التسامي فوق الصغائر التي رسخَّها رسولُ اللهِ ﷺ في التعامل مع أهلِ مكة رغم إخراجهم له من الديار يجب أن تكون هادياً لنا في المجال الاجتماعي بدلاً من انتشار خطاب الثأر والانتقام، مع ضرورة محاسبة من ثبت تورطه في جرائم القتل والنهب وغيرها وفق منظومة التقاضي بالعدل لا بالفوضى.

خامساً: إن دعم التعليم وشمول نطاقَه للجميع ينهض بنا ويحمي البلاد والعباد من آفاتِ الجهل؛ فكل الذي عشناه من إجرامٍ في هذه الحرب والذي تشيبُ لهولِه الوِلدَان أحدُ أسبابِه الجهل وضعف الوازع الديني والأخلاقي. أحد دروس هذه الحرب أن وجود بؤر الجهل في المجتمعِ من أكبر مُهدِّدات الأمن والسلم فيه؛ فلنُفعِّل شعار اقرأ للجميع (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) العلق.

سادساً: القضاء على ظاهرة تعدد المجموعات المسلحة ودمج الصالح منها في جيش وطني واحد. إن وجود السلاح في يد أكثر من جهة أكبر مُهدد للأمن القومي للبلاد قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ".

سابعاً: يجب أن تكون مأساة الحرب التي عشناها جميعاً درسٌ لنا مجتمعاً ودولة بالتعافي من جميع أمراض ما قبل الحرب وما بعدها وإلا ينطبق علينا المثل " ميتة وخراب ديار"!

أيها المُسلِمُون

فَرِح الملايين من السكان برجوع مدني، ومن بعدها العاصمة الخرطوم لأن رجوعَهما يُشكِّل بارقة أمل لعودة الحياة لطبيعتِها بعد عامين من الخوف والقتل والنهب والجوع وانقطاع الخدمات وتوقف فرص العمل، وتعطل حركة المواطنين، والنقص الحاد في الغذاء والدواء. فرح الأهلُ برجوعِهما ليعيشوا حياة الأمن والاستقرار وعودة الخدمات وعودة النازحين وخروج الأسرى، ولكن لا تكتمل الفرحة أحبتي إلا بعد استقرار جميع مناطق البلاد؛ فإن أحد دروس الحرب ألا نرضى لأنفسِنا حياة الأمن والاستقرار ونرضى لإخواننا في أية منطقة في البلاد حياة النزوح والخوف والجوع والقتل؛ فالمؤمنُ للمؤمنِ كالبنيان يشدُ بعضُه بعضاً كما قال رسولُ اللهِ ﷺ.

فلنعتبر أحبتي بما حدث من معاناة في هذه الحرب، ولنُعالج جذور ومُسببات الحروب التي دارت في بلادِنا لتكون هذه آخرُ حربٍ نمرُ بها لنعيش بعدها حياةً كريمة تتسق مع تكريم اللهِ تعالى لنا كبني آدم (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) الإسراء ٧٠.

أيها المُسلِمُون

لا تكتمل الفرحةُ ولو استقرت بلادُنا جميعاً مالم يستقر أهلُنا في غـ.ـزة بعد الإبادة الجماعية التي نفذها العـ.دو الصهـ.يـ.وني في حقِهم في ظل دعم أمريـ.كـي وتواطؤ غربي ينسف كل أدبيات حقوق الإنسان وصحوة الضمير التي انتظمت الغربيين بعد الحرب الأطلسية الثانية، وفي ظل وصمت إسلامي وعربي على الأقل في مستوى الأنظمة؛ فلنحمل جميعاً هم أهلنا في غـ.ـزة بالدعاء، ولنعمل على التأثير على صُناع القرار في بلدانِنا لاتخاذ قرارات أقوى لصالحِهم، ولنُظهِر التضامن معهم بالوسائل المتاحة ولو على وسائل التواصل الاجتماعي، ولنتخذ من نكبة غزة مناسبة لتوحيد جبهتنا الداخلية فإن العدو يعول أكثر ما يعول على استغلال تناقضاتِنا الداخلية في ضربِ بعضِنا بعضاً ليسهل ابتلاعنا بعد ذلك قال الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون مُعلقاً على الحرب العراقية الإيرانية قال: " هذه الحرب أمنِية، والأمنية الثانية ألا ينتصر فيها أحد" والهدف ليَضعَف الجميع ويسهُل ابتلاعهم بعد ذلك؛ فهل نعي الدرس؟!

أبارك لكم العيد، وأسأل اللهَ أن يعيده علينا وبلادنا وأمتنا في أحسن حال.

اللهم ارحمنا وارحم آباءنا، واهدنا واهد أبناءنا، واصلح اللهم حالنا في الدارين، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك يا من يتولى الصالحين فتولنا برحمتك يا أرحم الراحمين آمين.

بسم الله الرحمن الرحيمخطبة الجمعة بعنوان "المحافظة على ثمرات الصيام بقية العام" بتاريخ الجمعة ٢٨/ رمضان/ ١٤٤٦هـ الموافق ...
27/03/2025

بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الجمعة بعنوان "المحافظة على ثمرات الصيام بقية العام" بتاريخ الجمعة ٢٨/ رمضان/ ١٤٤٦هـ الموافق 28/ أبريل/ 2025م

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ ربِ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ الأمين ﷺ، وعلى آلِه وصَحبِه أجمعين، وبعد

يقولُ اللهُ تعالى في مُحكمِ التنزيل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) الحشر.

أيها المسلمون

هاهو شهرُكُم؛ شهرُ الصيام والقيام والقرآن والعتق من النيران قد شَارَف على الرحيل، وماهي إلا آيام وننتقلُ إلى شهرٍ آخر. هذا الشهر الضيف الذي مَرَّ سريعاً مَدنا بنفحاتٍ عظيمة يجبُ علينا المُحافظة عليها بقية العام:

مَدنَا بنفحةِ التقوى؛ فقد وَفَّر لنا أجواء التقوى بالتضييق على شهوتي البطن والفرج، وبالوقاية من الآثام لتسمو النفس بالأعمال الصالحة في درجات القُرب من اللهِ تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) البقرة؛ وقال رسولُ اللهِ ﷺ: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ" أي وقاية من الاثم؛ فلنُحافظ أحبتي على التقوى بقيةَ العام، ولنُوفِّر لأنفسِنا أجواء شبيهة برمضان من خلال صيام النافلة " صيام ستة من شوال، وصيام الاثنين والخميس، وصيام ثلاثة آيام كل شهر، وصيام العشر من ذي الحجة، وصيام عاشوراء" فلنجعل لأنفسِنا منها نصيباً - كل حسب استطاعتِه- لنعيش حياة رمضان ولنرتقي في الأعمال الصالحة بقية العام.

رمضان مَدَنا بنفحةِ القرآن فعكفنَا عليه خلال الشهر المبارك فُرادى وجماعات، وختمناه في البيوت وحلقات التلاوة وصلاة التراويح والتهجد، وتدبرنا ما تيسر من معانيه، وتخلقنا ببعضِ خُلُقِه؛ فلنُحافظ على ذلك بقية العام فنجعل للقرآنِ حظاً من وقتِنا تلاوةً وتدبراً وعملاً حتى نُكتَب من أهلِ الله قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ للَّهِ أَهْلينَ منَ النَّاسِ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، من هُم ؟ قالَ: هُم أَهْلُ القرآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وخاصَّتُهُ" بن ماجة.

رمضان مَدَنا بنفحةِ القيام فاجتهدنا في آيامِه بالمُحافظة على صلاة التروايح والتهجد؛ فلنُحافظ أحبتي على قيام الليل ولو ركعتين؛ فإن صلاة الليل هي أفضلُ صلاةٍ بعد الصلاة المكتوبة قال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (٧٩) الإسراء. وقال رسولُ اللهِ ﷺ: "عليكمْ بقيامِ الليلِ فإنَّه دأبُ الصالحينَ قبلكمْ، وقربةٌ إلى اللهِ تعالى، ومنهاةٌ عنِ الإثمِ، وتكفيرٌ للسيئاتِ، ومطردةٌ للداءِ عنِ الجسدِ" الترمذي وأحمد.

رمضان شجَّعنا على مُلازمة بيوت اللهِ حيث امتلأت مساجدُنا في الصُلواتِ المكتوبة، وفي صلاةِ القيام والتهجد والاعتكاف فلنُحافظ على إقامة الصلوات في جماعة قال تعالى (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) البقرة ٢٣٨.
وقال رسولُ اللهِ ﷺ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عليه لَاسْتَهَمُوا " أي جعلوه قرعةً بينهم"، ولو يَعْلَمُونَ ما في التَّهْجِيرِ " أي التبكير للصلاة"- لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، ولو يَعْلَمُونَ ما في العَتَمَةِ "أي العشاء" وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُما ولو حَبْوًا" البخاري.
وقال ابنُ مسعود رضي اللهُ عنه: "إن رسول اللهِ ﷺ علَّمَنا سُنَن الهدى، وإن من سُنَن الهُدَى الصلاة في المسجد الذي يُؤذَن فيه" مسلم.

رمضان شهرُ المغفرة؛ فالصيامُ إيماناً واحتساباً، والقيام إيماناً واحتساباً يُثمران مغفرة الذنوب قال ﷺ: "مَنْ صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ" البخاري. وقال: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" البخاري ومسلم.
وقال ﷺ: "رغِم أنفُ امرئٍ أدرك رمضانَ فلم يُغفرْ له" الطبراني؛ فلنُحافِظ أحبتي على طلب المغفرة بالتوبةِ النصوح، وبالمراجعة المستمرة للنفس قال عمرُ بنُ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه: "حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنُوا أنفسَكم قبل أن تُوزنُوا، فإنَّه أخفُّ عليكم في الحِسابِ غدًا أن تُحاسِبوا أنفسَكم اليومَ وتزيَّنوا للعَرضِ الأكبرِ (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) ابن كثير.
كُلُنا يقع في الخطأ فنحن بشر ولكن كما قال رسولُ اللهِ ﷺ: "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ" الترمذي وبن ماجه.

رمضان شجعنا على الصدقات، فتصدقَنا الصدقات الواجبة كزكاة الفطر، والصدقات المُستحبة، وأطعمنا الصائمين، وأنفقنا على المُحتاجين؛ فلنُحافِظ على هذه السُنة الحميدة - خاصةً في هذا الظرف الذي نمرُ به- فإن الصدقةَ تُطفيء غضب الرب، وتُساعد الفقراء والمَساكين في سدِ حَاجاتِهم، وهنالك كثيرون لا يجدون ما يكفيهم من طعام اليوم قال رسولُ اللهِ ﷺ لمُعاذٍ: "ألا أدلُّك على أبوابِِ الخيرِ قلتُ بلى يا رسولَ اللهِ قال: الصَّومُ جُنَّةٌ والصَّدقةُ تطفئُ الخطيئةَ كما يطفئُ الماءُ النَّارَ" الترمذي.

رمضان رسَّخ فينا الصبر فصبرنا على الجوع، وصبرنا على العطش، وصبرنا على عدم الاقترابِ من النساء فلنُحافِظ على الصبر على الطاعات، والصبر في حبس النفوس عن المعاصي، والصبرِ في تحمل الأذى فإنه مفتاحُ الخير قال تعالى (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) الزمر.

رمضان زرَعَ فينا الإخلاص فتَركنا الأكل والشرب والنكاح للهِ تعالى، ولو أكلنا أو شرِبنا ما عَلِم بنا أحدٌ؛ ولكن فعلنا ذلك للهِ تعالى مُخلصين له العبادة؛ فلنُحافِظ على هذا الإخلاص في الأقوالِ والأعمال فإنه بوابةُ القبول عند الله جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ، فقالَ: أرأيتَ رجلًا غزا "أي غزا مُجاهداً" يلتمسُ الأجرَ والذِّكرَ "أي يريد الأجر من الله والشُهرَة" ما لَهُ؟ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: لا شيءَ لَهُ فأعادَها ثلاثَ مرَّاتٍ، يقولُ لَهُ رسولُ اللَّهِ: لا شيءَ لَهُ ثمَّ قالَ ﷺ: إنَّ اللَّهَ لا يقبلُ منَ العملِ إلَّا ما كانَ لَهُ خالصًا ، وابتُغيَ بِهِ وجهُهُ" النسائي.

رمضان رسَّخ فينا الأخلاق الحسنة من خلال التزامنا بأخلاقِ الصيام فلم نجرح صيامَنا بالسب ولا الشتم ولا الصِياح ولا السخرية. التزمنا بحديث رسولِ اللهِ ﷺ: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ فلا يَرْفُثْ ولَا يَجْهلْ، وإنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ"؛ فلنُحافِظ على هذه الأخلاق بقية العام فإنها ترفعُ الدرجات قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إن المُؤمنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه درجةَ الصائمِ القائمِ" أبو داود. أي يُدرِك بأخلاقِه الحسنة ثواب من يصوم النهار ويقوم الليل؛ فطُوبَى لمَنْ حسُنت أخلاقُه، وطُوبَى لمن صام رمضان إيماناً واحتساباً، وطُوبَى لمن قامه إيماناً واحتساباً، وطُوبَى لمن حافظ على ثمرات الصيام بقية العام، وطُوبَى لمن قام العشر الأواخر واجتهد فيها بالطاعات والقُرُبات، وطُوبَى لمن قام ليلة القدر، وتلا فيها القرآن الكريم، وذكر فيها اللهَ تعالى، وتقرب إليه بأنواع الطاعات والقربات فإن اللهَ يكتب له أفضل من أجرِ عَمَلِه في 83 عاماً وأربعة أشهر فاغتنموا أحبتي ما تبقى من الليالي العشر بالأعمال الصالحة واجتهدوا فيها بمختلف أنواع الطاعات والقُرُبَات حتى تُثقِلوا موازينَكم يوم القيامة (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) المؤمنون.

اللهم ارزقنا الاجتهاد في ما تبقى من العشر الأواخر، وبلغنا ليلة القدر، وارزقنَا المحافظة على نفحات رمضان بقية العام، وارزقنا خيري الدنيا والآخرة آمين.

الحديث

قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ لِرَبِّكم في أيَّامِ دَهْرِكم نَفحاتٍ، ألَا فتَعرَّضوا لها" الطبراني. أو كما قال أقول ما تسمعون واستغفرُ اللهَ لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على رسول الله ﷺ، وعلى آلِه وصحبِه ومن والاه

يقولُ اللهُ تعالى في مُحكمِ التنزيل (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) آل عمران.

وعَن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

أيها المسلمون

المقصدُ من تشريعِ الصدقات في الإسلام تطهيرُ النفوسِ من رزائلِ البخلِ والشحِ والأنانية قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا)، وهي في نفس الوقت وسيلة من وسائل التكافل الاجتماعي حتى تتقلص الفوارق الاقتصادية داخل المجتمع المسلم كيْ لَا يكونَ المالُ دُولَةً بَينَ الأَغْنِياء.

وبالنسبة لزكاةِ الفطر فقد شرعها الإسلامُ طهرةً للصائم من اللغو والرفث الذي يحدث أثناء الصيام، وطعمةً للمساكين لتكون لهم عوناً على قضاء حاجاتهم حتى يصير المسلمون جميعاً في يوم العيد في حالةِ فرحٍ وسرور فلا يعيش السرور الميسورون فقط؛ ولذلك أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ أن تُؤدَى قبل الصلاة حتى لا يعيش المحرومون حياة البؤس يوم العيد عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ فرضَ رسولُ اللَّهِ ﷺ زَكاةَ الفطرِ طُهرةً للصَّائمِ منَ اللَّغوِ والرَّفثِ وطُعمةً للمساكينِ مَنْ أدَّاها قبلَ الصَّلاةِ فَهيَ زَكاةٌ مقبولةٌ ومن أدَّاها بعدَ الصَّلاةِ فَهيَ صدقةٌ منَ الصَّدقاتِ" أخرجه أبو داود وابن ماجه.

وهي زكاةٌ مفروضةٌ على الأفراد لا الأموال ولذلك لا يُشترَط فيها النصاب فقط من يَمتلِك صاعاً يزيد عن قوتِه وقوتِ عيالِه لمدة يوم وليلة وجَبَ عليه إخراجها.

أيها المسلمون

تُخرَج زكاة الفطر صاعاً من غالب قوتِ أهلِ البلد وفي عمومِ بلادِنا هو القمح، وفي بعضِ الولايات الذُرَة، وفي بعضِها الدُخُن، والكيلة "أي الرُبُعِين" تجزي عن خمسة أفراد، ويجوز رعايةً لمصلحةِ المِسكين إخراجها نقداً على مذهب عمر بن عبد العزيز والثوري وأبي حنيفة وسعر الكيلة أي الرُبعين يجزي عن خمسة؛ وهي تُخرج عن الصغير والكبير والصائم والفاطِر لعذر. بعض الناس يقول أنا فاطر بعذر المرض، وزكاة الفطر شُرعت لإكمال النقص الذي قد يعتري الصيام وهذا صحيح ولكنه ليس شرطاً في إخراجِها؛ فلا يُشترَط في إخراجِها أن يكون المسلمُ صائماً، فمن أفطر بعذر في رمضان تجب عليه زكاة الفطر وكذلك من أفطر عمداً؛ لأنها تُخرَج عن الطفل وهو غير مُكلف بالصيام؛ بل تُخرَج حتى عن المولود الصغير الذي يُولد قبل غروب شمس اليوم الأخير من رمضان؛ وهذا يُبين أنها ليست مرتبطة بسد النقص في الصيام فقط وهو أحدُ مقاصِدِها؛ وإنما مُرتبِطة أيضاً بسد حاجاتِ الفقراءِ والمَساكين قال رسولُ اللهِ ﷺ: "أغنوهم عَن طوافِ هذا اليومِ" السنن الكبرى للبيهقي.

إن وقتَ وجوبها هو غروب شمس اليوم الأخير من رمضان حتى صلاة العيد، ويجوز تعجيلها قبل هذا الوقت بيومٍ أو يومين وقال بعضُهم يجوز إخراجها من أولِ رمضان؛ ولكن لا يجوز تأخيرها بعد صلاة العيد لأمرِ رسولِ اللهِ ﷺ بذلك عَن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ.

وهي لا تسقط بالتقادم أحبتي فمَنْ لم يُخرِجها في السنوات السابقة وجب عليه إخراجها عن كلِ السنوات التي لم يُخرِج فيها مع التوبة والاستغفار من التفريط في إخراجِها.

ومَنْ لم يجد ما يزيد عن نفقتِه ونفقةِ عيالِه يوم العيد وليلته فإنها تسقط عنه قال تعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ ) البقرة ٢٨٦.

رزقنا اللهُ وإياكم ثمرة الصيام في قلوبِنا وفي جوارحِنا، ووفقنا على المحافظة على نفحات رمضان بقية العام، وحفظ اللهُ بلادنا وأهلها من كل سوء آمين.

اللهم ارحمنا وارحم آباءنا واهدنا واهدِ أبناءنا واصلح اللهم حالنا في الدارين ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك يا من يتولى الصالحين فتولنا برحمتك يا أرحم الراحمين آمين وأقم الصلاة.

بسم الله الرحمن الرحيم من دروس رمضان آية كل يوم رقم (٢٠) بعنوان التمكين هو الوجه المقابل للاستضعافيقولُ اللهُ تعالى في م...
27/03/2025

بسم الله الرحمن الرحيم
من دروس رمضان آية كل يوم رقم (٢٠) بعنوان التمكين هو الوجه المقابل للاستضعاف

يقولُ اللهُ تعالى في مُحكمِ التنزيل ‏‏(قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) الأعراف (١٢٩).

هذه آيةٌ من آياتِ سُورةِ الأعراف صِّورَ اللهُ تعالى فيها الحوار بين موسى عليه السلام وقومه الذين شكوا إليه بطش فرعون بهم وطغيانه - مِنْ قبلِ بعثِ موسى إليهم وبعده-؛ فبشَّرهم موسى بقُربِ الفرج من طغيانِ فرعون بهلاكِه وتمكينهم هم في الأرض؛ وإن هذا التمكينَ الذي سيبلغونه - بعد اجتياز مرحلة الاستضعاف- إنما هو ابتلاءٌ آخر مِنْ اللهِ تعالى لينظر في أعمالِهم هل سيُقِيمُون الخلافة بالحقِ والعدل أم سَيسلُكُون نهج الفَراعِنة في عصيانِ الرُسل ومُمارسة الطغيان والعُلو في الأرضِ بغيرِ الحق؟.

ما يُستفاد من هذه الآية:

الفائدة الأولى: إن الاستضعافَ جزءٌ مِنْ الابتلاء الإلهي للإنسان وقد ذاق ألمَه الرسل عليهم السلام وأتباعهم وذرياتِهم؛ وهؤلاء الذين شَكُوا إلى موسى عليه السلام بطش فرعون إنما هُم مِنْ ذرية النبي يعقوب، وقد جاءوا إلى أرض مصر عندما تولَى يوسف عليه السلام منصب العزيز ووزير الخزانة فيها؛ وقد أُكرِمُوا فيها غاية الإكرام قال تعالى (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) يوسف؛ ولكنهم اضطُهِدوا بعد ذلك واستُعبِدُوا مِنْ قِبَل الفراعنة يُمارِسُون الذبح بحقِ بعضِهم ويَبقُون البعضَ الآخر تحت الاستعباد مع تسخيرِ نسائِهم للخدمة قال تعالى على لسانِ فرعون ( قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) الأعراف ١٢٧؛ ومادام الحال هذا قد حصل للأنبياء وأتباعهم وذرياتهم فليصبِر المُؤمنون إذا عاشوا حياةً كهذه أو أقل منها سوءً.

الفائدة الثانية: أن حياة الاستضعاف لا تدوم مهما طال الوقت فليستعِن المؤمنُ باللهِ وليَصبِر وليأخذ بالأسباب في سبيل الخلاص من الاستضعاف فإن الأرض للهِ يُورثُها من يشاءُ من عبادِه والعاقبة للمتقين بالنصرِ في الدنيا والفوز بجنةِ اللهِ في الآخرة (قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) الأعراف ٢٨.

الفائدة الثالثة: وكما أن الاستضعاف جزء من الابتلاء الإلهي للإنسان كذلك التمكين فإنه الابتلاءُ المُقابِل للاستضعاف، وفي الحالين " الاستضعاف والتمكين" فإن اللهَ تعالى ينظر في أعمالِ عبادِه ليرى أكانوا مِنْ الفائِزين أم الخاسِرين؟ قال تعالى على لسانِ موسى (قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) الأعراف ١٢٩؛ ما يدل على أن الإنسان إذا مكَّنه اللهُ تعالى في الأرضِ فإنه يبقى تحت مراقبته سبحانه ليرى أعماله أنجح في امتحان التمكين أم فشل؟ نجح بالتصرف وفق مقتضى الحق والعدل أم فشل بانتهاج سلوك الطُغاة والظالمين؟

نخلص من كل ذلك:

أن الاستضعاف جزء من الابتلاء الإلهي للإنسان، وأن التمكين هو الوجه المُقابِل للاستضعاف، وأن المُؤمِن في كلا الحالين مُبتلَى في الاستضعاف والتمكين، وأن الدنيا لا تدوم على حالٍ واحد؛ فيومٌ شِدَة ويومٌ رخاء، يومٌ عُسرٌ ويومٌ يُسر، يومٌ استضعافٌ ويومٌ تمكين؛ وعلى المُؤمن أن يعي ذلك وأن يجتهد في الفوز في الحالين: في الاستضعاف بالصبر والأخذ بالأسباب للخلاص منه والاستعانة بالله، وفي التمكين بالشكر والتصرف وفق مقتضى الحق والعدل وعدم السير في طريق الطغاة الظالمين.

رزقنا اللهُ وإياكم حسن الفهم وحسن العمل وجعلنا من الذين يستمعُون القولَ فيتبعون أحسنَه أولئك الذين هدَاهُم اللهُ وأولئك هم أولو الألباب.

بسم الله الرحمن الرحيم من دروس رمضان آية كل يوم رقم ١٩يقولُ اللهُ تعالى في مُحكمِ التنزيل (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَو...
26/03/2025

بسم الله الرحمن الرحيم
من دروس رمضان آية كل يوم رقم ١٩

يقولُ اللهُ تعالى في مُحكمِ التنزيل (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥) الأنبياء.

قد بيَّن اللهُ تعالى في هذه الآية كما بيَّن في آياتٍ أخرى صوراً من سُننِه في الخلق التي لا تتبدل ولا تتحول (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) فاطر.

الصورة الأولى في الآية: سنة الموت (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ) وهي سنة ماضية في جميع الخلق إنسهم وجنهم، جمادهم وحيوانهم، حتى الملائكة بمن فيهم أمين الوحي وملك الموت (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) الرحمن ٢٦-٢٧؛ وإذا كان أشرفُ الخلق رسلُ اللهِ تعالى مضت فيهم هذه السنة فكيف بمنْ دونهم (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) الأنبياء.

وعلى الرغم من التقدم العلمي الكبير الذي وصل إليه البشر في عدد من مجالات الحياة، وعلى الرغم من تسخيرهم للطبيعة، ووصولهم إلى الفضاء، والثورة الطبية الكبيرة في كشف الأمراض وإيجاد العلاج اللازم لها، على الرغم من كل هذا لم يستطع البشر، ولن يستطيعوا أن يجدوا علاجاً للموت لأنه سنةٌ إلهيةٌ قاهرة لا تتخلف ولا تتبدل (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) الأنعام ٦١؛ بل لا يستطيع أحدٌ تقديمَها أو تأخيرها (وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١) المنافقون.

الصورة الثانية: سنة الابتلاء بالشر (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ) وهي ماضية في الخلق ولذلك نُبتلَى بالخوف والجوع والفقر والمرض والهزيمة والفقد والعُقْم، والسؤال لماذا الابتلاءُ بالشر؟ إن الابتلاء بالشر أحبتي قد يكون للاختبار (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) العنكبوت ٢-٣؛ وقد يكونُ بسبب أفعالنا (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (٣٠) الشورى. والابتلاء بالشر يُوجِب علينا مراجعة أنفسَنا وتقويمها (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) الأعراف، ويُوجب أيضاً الصبر (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ).

إن الحياة أحبتي إن لم يكن فيها شر لم نعرف قيمة الخير، وإن لم يكن فيها مرض لم نعرف قيمة الصِحة، وإن لم يكن فيها خوف لم نعرف قيمة الأمن، وإن لم يكن فيها جوع لم نعرف قيمة الشبع، وإن لم تكن فيها مصيبة لم نعرف قيمة النعمة وهكذا؛ فلنصبر على ما ابتلانا اللهُ تعالى به مصيبة ف(إنما يُوفَى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) الزمر.

الصورة الثالثة في الآية: سنة الابتلاء بالخير مثل الصِحة، والمال، والجمال، والعلم، والحسب، والأبناء، والفراغ، والأمن كل هذه من صُور الابتلاء بالخير، وهي تُوجب الشكر باللسان والقلب، والشكر بالتصرف فيها وفق مراد اللهِ تعالى ولنا في رسلِ اللهِ تعالى قدوة؛ فهذا سليمان عندما وجد عرش بلقيس قد وصل إليه من اليمن لم يغتر ولم يطغَ بل شكر (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) النمل، وهذا يوسف عليه لما وُلِي منصب عزيز مصر شكر (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) يوسف ١٠١.

نخلص من ذلك أحبتي إلى أن الابتلاء سنة ماضية في الخلق تارةً بالخير وتارةً بالشر وتارةً بالفناء أي الموت؛ ثم إننا جميعاً سنُردُ إلى عالمِ الغيب والشهادة فيُنبئُنا بحصيلة أعمالِنا ومدى نجاحنا في ابتلاء الحياة خيراً أو شراً؛ فهل نُحسن أحبتي اجتياز ابتلاء الحياة لنفوز برضا اللهِ تعالى وجنتِه أم نتعثر فيه (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) المؤمنون.

رزقنا اللهُ وإياكم حُسن الفهم وحُسن العمل وجعلنا جميعاً من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم اللهُ وأولئك هم أولو الألباب.

Address

الخرطوم شارع البلدية/مجمع الفقه الإسلامي
Khartoum

Telephone

+249963085280

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when مركز أبحاث الرعاية والتحصين الفكري posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share