18/06/2026
**الليلة الثالثة من مجالس محرم الحرام 1448هـ في مؤسسة الكوثر الثقافية**
في أجواء إيمانية يملؤها الحزن والولاء لسيد الشهداء عليه السلام، واصلت مؤسسة الكوثر الثقافية في لاهاي، بالاشتراك مع **منظمة شباب أهل البيت عليهم السلام في هولندا**، إقامة مجالس العشرة الأولى من محرم الحرام لعام 1448هـ، حيث شهدت الليلة الثالثة حضوراً مباركاً من المؤمنين والمؤمنات وأبناء الجالية.
جاءت هذه الليلة امتداداً للموسم الحسيني الذي تسعى المؤسسة من خلاله إلى تقديم رسالة الإمام الحسين عليه السلام باللغتين الهولندية والعربية، بما يخاطب مختلف الأجيال، ويجعل من مجالس محرم مساحة للتعلم والتأمل وتجديد الارتباط بقيم كربلاء.
افتُتح البرنامج باللغة الهولندية بتقديم السيد حسن السعبري، الذي رحّب بالحضور وأشار إلى أن اجتماع المؤمنين في الليلة الثالثة ليس لمجرد استذكار واقعة كربلاء، بل للتعلم من مواقفها ورسالتها. فقد وقف الإمام الحسين عليه السلام أمام خيار صعب، واختار طريق الحق والعدالة رغم قساوة الطريق، ولذلك فإن إحياء ذكره يعني أيضاً أن ينظر الإنسان إلى أشكال الظلم والانحراف في زمانه، ويسأل نفسه عن موقفه ومسؤوليته.
بعد ذلك تعطّر المجلس بتلاوة قرآنية مباركة بصوت القارئ السيد يوسف الهاشمي، حيث قرأ آيات من الذكر الحكيم تناولت التفكر في خلق السماوات والأرض، ودعاء المؤمنين، وختم بآيات النفس المطمئنة، فكانت التلاوة افتتاحاً روحياً مناسباً لأجواء المجلس ومحاوره الإيمانية.
ثم قدّم الدكتور الحاج وائل الخطيب محاضرته باللغة الهولندية تحت عنوان: **لماذا أحتاج إلى الله؟**، وهي محاضرة تناولت سؤالاً معاصراً يطرحه كثير من الناس، خصوصاً في زمن القوانين الحديثة، والتطور المادي، وكثرة الانشغالات، حيث قد يظن البعض أن الإنسان لم يعد بحاجة إلى الدين أو الرجوع إلى الله تعالى.
وبيّن المحاضر أن هذا السؤال يزداد أهمية في واقع يعاني فيه كثيرون من الفراغ الداخلي، والقلق النفسي، والبحث عن معنى الحياة، رغم توفر أسباب الراحة المادية. وأكد أن هذا الفراغ لا يُملأ دائماً بما تقدمه الدنيا، بل يحتاج الإنسان إلى صلة أعمق بالله تعالى تمنحه الطمأنينة والاتجاه.
وانطلق الدكتور الحاج وائل الخطيب من سؤال: **من هو الإنسان؟**، موضحاً أن الإنسان لا يُفهم فقط من جانبه الجسدي، بل له واقع اجتماعي وروحي وفكري. فهو يمتلك قوة التفكير وقوة الإرادة، وله ارتباط بالأرض وبناء الحياة، ويمر في هذه الدنيا بالتحديات والابتلاءات، كما يتأثر بالثقافة والفكر والعقيدة التي يحملها. ومن هنا فإن العقيدة ليست أمراً هامشياً، بل هي التي توجه رؤية الإنسان لنفسه ولأسرته ومجتمعه وقراراته اليومية.
كما أشار إلى أن الإيمان بالله يمنح الإنسان معياراً يرشده وسط كثرة الأفكار والاتجاهات، ويحميه من الضياع والانجراف خلف تيارات لا تحفظ كرامة الإنسان وقيمته. فالله تعالى هو مصدر الهداية والنور الذي يساعد الإنسان على أن يرى الطريق، وأن يختار الصواب في مواقفه الحياتية.
وربط المحاضر هذا المعنى بكربلاء، مبيناً أن الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه كانوا يعيشون أعلى درجات الطمأنينة لأنهم اختاروا طريق الله. فقد واجهوا الموت بثبات، وأقاموا الصلاة في قلب المعركة، ليعلّموا الأمة أن العلاقة بالله هي مصدر القوة والسكينة، وأن القلوب لا تطمئن إلا بذكر الله تعالى.
وفي القسم العربي من البرنامج، تولّى الحاج فارس الساعدي تقديم الفقرات العربية، ممهداً للأجواء الروحية بكلمات في التعزية والولاء لأبي عبد الله الحسين عليه السلام، ومشيراً إلى ما حملته نهضته المباركة من قيم التوحيد والعدل والإحسان والإيثار والوفاء والتضحية، في مقابل قيم الظلم والطمع وحب الدنيا.
بعد ذلك قرأ الحاج أبو محمد الرماحي زيارة الإمام الحسين عليه السلام، فشارك الحضور في أجواء من الخشوع وتجديد العهد مع سيد الشهداء عليه السلام، مستحضرين مقامه العظيم ومقام أهل بيته وأصحابه الذين بذلوا مهجهم دونه.
وتضمن المجلس أيضاً فقرة فقهية مختصرة لفضيلة الشيخ الدكتور حيدر الساعدي، استكمل فيها بعض الأحكام المتعلقة بلباس المصلي، وما لا تصح الصلاة فيه، مع بيان بعض الفروق بين الصلاة الواجبة والصلاة المستحبة، ومنها أحكام الأذان والإقامة والقيام في الصلاة.
ثم ألقى فضيلة الشيخ الدكتور حيدر الساعدي محاضرته العربية، متناولاً محوراً اجتماعياً وتربوياً مهماً حول **مكانة الأسرة في الرؤية الإسلامية**. واستند سماحته إلى قوله تعالى:
**﴿والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً﴾**، مبيناً أن القرآن الكريم يجعل الأسرة الصالحة من أمنيات عباد الرحمن، وأن صلاح الزوج والزوجة والذرية يمثل نعمة كبرى وسبباً لراحة القلب وطمأنينة الإنسان.
وأوضح الشيخ الساعدي أن القرآن الكريم عرض الأسرة بوصفها من آيات الله تعالى، كما في قوله تعالى: **﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها﴾**، وهذا يدل على أن كيان الأسرة ليس أمراً عادياً أو هامشياً، بل هو بناء مقدس له أثر كبير في حياة الإنسان والمجتمع.
كما أكد أن الإسلام ينظر إلى الوجود داخل الأسرة على أنه طريق من طرق التقرب إلى الله تعالى، فجلوس الإنسان مع أهله، ورعاية الأبناء، والإحسان إلى الوالدين، والسعي على العائلة، كل ذلك يدخل في دائرة العبادة إذا كان بنية صالحة. وبيّن أن العبادة لا تعني الابتعاد عن الأسرة أو الانعزال عن المجتمع، بل إن خدمة الأسرة وبناءها ورعايتها من أعظم أبواب القرب إلى الله.
وتناول سماحته كذلك أهمية الحياة الاجتماعية في الإسلام، مشيراً إلى أن الدين يدعو الإنسان إلى الاجتماع لا العزلة، وأن كثيراً من التشريعات تحمل طابعاً اجتماعياً مثل صلاة الجماعة، والاجتماع على الطعام، والتواصل مع المؤمنين. ومن هذا المنطلق، فإن الأسرة تمثل المدرسة الأولى التي يتربى فيها الإنسان على الرحمة والمسؤولية والتفاهم.
كما أشار إلى أن الحياة الأسرية لا تخلو من الصعوبات، لكن كثيراً من المشكلات الزوجية والاجتماعية قابلة للحل إذا امتلك الإنسان الثقافة والوعي وحسن التعامل. ودعا إلى تثقيف النفس في شؤون الأسرة، وتعلم أساليب الحوار وفهم الآخر، بدلاً من إضاعة الأوقات فيما لا ينفع، لأن حماية الأسرة تحتاج إلى وعي وتربية مستمرة.
وختم الشيخ الساعدي محاضرته بربط موضوع الأسرة بنهضة الإمام الحسين عليه السلام، موضحاً أن الأنبياء والأولياء اصطحبوا أسرهم في مسيرتهم الرسالية، كما في قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام، وكما خرج الإمام الحسين عليه السلام بأهل بيته إلى كربلاء. وقد كان لأسرة الإمام الحسين عليه السلام، وخاصة السيدة زينب عليها السلام والإمام زين العابدين عليه السلام، دور أساسي في حفظ رسالة عاشوراء ونقلها إلى الأجيال.
واختُتم المجلس بفقرة الرثاء واللطمية الحسينية بصوت الرادود الحسيني الملا محمد الربيعاوي، حيث صدحت القصائد بمصاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام وأهل بيته، واستحضرت أجواء الفراق والوداع ومظلومية العيال، ولا سيما مصاب العليلة وما يرتبط بآلام أهل البيت عليهم السلام في طريق كربلاء. وتفاعل الحضور مع أجواء العزاء، مجددين الحزن والوفاء لسيد الشهداء عليه السلام.
وتتواصل مجالس العشرة الأولى من محرم الحرام في الأيام التالية، حيث تبدأ المحاضرة الهولندية في تمام الساعة **السابعة مساءً**، ويبدأ البرنامج العربي في تمام الساعة **الثامنة مساءً**، ضمن الموسم الحسيني المشترك بين مؤسسة الكوثر الثقافية ومنظمة شباب أهل البيت عليهم السلام في هولندا.
وبهذه الليلة المباركة، تواصل المؤسسة رسالتها في إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام، وترسيخ قيم عاشوراء في نفوس أبناء الجالية، لتبقى المجالس الحسينية منبراً للوعي، ومدرسةً للإيمان، ومناسبةً لتجديد العهد مع الإمام الحسين عليه السلام وقضيته الخالدة.
عظّم الله أجورنا وأجوركم بمصاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام.
**مؤسسة الكوثر الثقافية – لاهاي – هولندا**
**الليلة الثالثة من محرم الحرام 1448هـ**