15/06/2026
القلب الأقدس بمناسبة شهر "قلب يسوع" - جزء 2 -
على الرغم من أنّ التعبّد لقلب يسوع الأقدس كما نعرفه اليوم ظهر لاحقًا بإحتفاليّات طقسيّة وأوقات تخصّصيّة خلال السنة بتخصيص شهر حزيران لممارسة "التعبّد لقلب يسوع "، فإنّ جذور هذا التعبّد للقلب الأقدس نجدها في الأنجيل، وعند آباء الكنيسة الأولين يتأمّلون في قلب يسوع بتعمّق.
فبالنسبة لهم، لم يكن قلب المسيح مجرّد عضو مادّي، بل كان الرمز الأسمى لمحبتّه الفادية ومكان التقاء البشريّة بالألوهيّة. وباعتباره منبعاً للحياة والنعمة، يستند التأمّل الآبائي بشكلٍ أساسيّ إلى إنجيل (يوحنّا 7: 38) " وفي اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلاً:" إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب. من آمن بي، كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهار ماء حيّ". وكذلك إلى رمح الجندي الروماني الذي اخترق جنب المسيح (يوحنّا 19: 34): " لكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة، وللوقت خرج دمٌ وماءٌ" وأيضاً يقول كتاب آخر : "سينظرون إلى الّذي طعنوه" (يوحنّا19: 37).
رأى آباء الكنيسة، مثل القدّيس أوغسطين ويوحنّا فم الذهب، في جنب يسوع المطعون مصدر نعمة للكنيسة. وربطوا هذا الجرح بماء المعمودية ودم القربان المقدّس، رمزَي الحياة الجديدة في المسيح.
رأى أوريجانوس (القرن الثالث) في هذا القلب المثقوب فتح أبواب الملكوت وأصل الأسرار المقدسة. فبالنسبة له، يرمز الدم والماء المتدفّقان منه إلى المعموديّة والإفخارستيا. وقد طوّر القدّيس أوغسطين (القرن الرابع - الخامس) هذه الفكرة، مصرّحاً بأنّ الإنجيل يروي قصّة فتح جنب المسيح على الصليب حتّى يتمكّن المؤمن من إستمداد الحياة منه وإيجاد بوّابة الخلاص. مكانٌ للألفة والراحة.
كذلك إستلهم الآباء من الرسول يوحناّ حين "إتّكأ على صدر يسوع" في العشاء الأخير (يوحنا ١٣: ٢٣)، رأوا في قلب المسيح رمزًا للإتّحاد الروحي. يُعلّم القدّيس يوحنّا فم الذهب (القرن الرابع) أنّ قلب المسيح هو مسكن الروح القدس وفرنٌ متّقدٌ بمحبّة البشريّة. القلب رمزٌ لإتّحاد الإرادات.
وعلى إمتداد العصور تطوّر التعبّد قلب يسوع من قبل متصوّفين مثل القدّيسة جيرترود العظيمة (١٢٥٦-١٣٠٢) روت رؤىً كشف فيها يسوع عن عمق محبّته، داعيًا الناس إلى دخول قلبه كملاذ روحي، فكتبوا الصلوات والتراتيل المخصّصة لهذا القلب الأقدس.
في القرن السابع عشر، ظهور يسوع للراهبة مارغريت ماري ألاكوك مثّلت نقطة تحوّل في انتشار التعبّد لقلب يسوع الأقدس، إذ كشف لها يسوع عن رغبته في أن يُعبَد هذا القلب، ويُقدَّم التكفير من خلال الصلوات وأعمال التعبد :-
ممارسة كلّ أوّل جمعة من كلّ شهر: تناول القربان المقدس بروح التوبة.
الساعة المقدّسة: وقت للصلاة والتأمّل في آلام يسوع.
عيد قلب يسوع الأقدس: إحتفال ليتورجي مُكرّس لتكريم محبّته.
وأخيراً، في عام ١٨٥٦، أسّس البابا بيوس التاسع رسميًا عيد قلب يسوع الأقدس للكنيسة جمعاء. ويُحتفل به سنويًا يوم الجمعة الذي يلي عيد جسد المسيح.
الشماس وعد الله رسام