20/06/2025
خطبة جمعة بعنوان: "واجب الدعاة عند النوازل والوقائع: بين التثبت والتسرع"
للإمام محمد كبير لول غربا في مسجد السنة حي رينو السكني، مدينة الألفية، كدونا نيجيريا.
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم.
أما بعد: فيا أيها الناس، فإن الله قد أمر بالتثبت ونهى عن التسرع والاضطراب، وجعل العلم نورًا ونجاة، والجهل فتنةً وهلاكًا.
عباد الله، إن من الابتلاءات التي يعيشها المسلمون في هذا الزمان ما يقع من نوازل سياسية وعسكرية عظيمة، ومنها ما نراه ونسمعه من الاقتتال الجاري بين إيران والكيان الصهيوني (إسرائيل).
وقد أصبح كثير من الناس، حتى بعض طلاب العلم والدعاة، يتحدثون في هذه النوازل بغير تثبت، ولا عودة إلى العلماء، ولا وزن للكلمات، حتى صاروا يفتون ويؤصّلون ويتكلّمون في شؤون الأمة العامة وهم ليسوا من أهل هذا الشأن.
وهذا مما نهى الله عنه، حيث قال:
﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌۭ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ ﴾ [النساء: 83].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
"إنكار على من يُبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيُخبر بها ويُفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة".
أيها المسلمون، ألم يقل النبي ﷺ كما في صحيح أبي داود: "لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال"؟
فلا يتكلم في شؤون العامة إلا من كان له ولاية، أو أُذن له من أهل العلم، أو من تسلّط بالجهل وطلب الشهرة، والعياذ بالله.
وفي الحديث المشهور عند أحمد وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه:
"سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصدق فيها الكاذب، ويُكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة".
قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟
قال: "الرجل التافه يتكلم في أمر العامة".
وها نحن نرى هذا ظاهرًا في منصات التواصل، يتكلم الرويبضة والجهلة وأدعياء الفكر بغير علم ولا بصيرة، يضلون ويُضلّون.
قال السعدي رحمه الله في تفسير الآية السابقة: "ينبغي إذا جاء أمر مهم من الأمن أو الخوف أن يُرد إلى أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة... وهم الذين يعلمون متى تُذاع الأخبار ومتى تُكتم، بحسب المصلحة والمفسدة".
عباد الله، لقد جاءت الشريعة بالتريث عند النوازل، قال النبي ﷺ كما في صحيح مسلم: "من حدّث بحديث وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين"،
وقال ﷺ: "بئس مطية الرجل زعموا عليه" [أبو داود].
ونهى صلى الله عليه وسلم عن "قيل وقال"، كما في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة، أي: كثرة التناقل بغير تثبت.
وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثالًا في التثبت، لما شاع بين الناس أن النبي ﷺ طلق نساءه، لم يُصدّق الخبر، بل ذهب بنفسه إلى رسول الله ﷺ فقال له: "أطلقت نساءك؟" فقال: "لا"، فخرج ونادى الناس: "لم يطلق رسول الله نساءه".
فنزل قوله تعالى: ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به... ﴾.
وقد ذكر البغوي رحمه الله أن المنافقين كانوا يسارعون في إذاعة أخبار السرايا، فيضعفون قلوب المؤمنين، فنزلت الآية تأديبًا لهم، وفيها تحذيرٌ لمن يسلك مسلكهم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد، فيا أيها المسلمون،
إن هذه الحوادث العظيمة – مثل ما يقع من الصراع بين إيران واليهود – ليست مجرد تحليلات سياسية، بل ترتبط بموازين شرعية دقيقة، فيها مصالح عظيمة، ومفاسد كبيرة، وحكم فقهية وعقدية دقيقة، ولا يجوز التسرع في إصدار الأحكام أو اتخاذ مواقف دون الرجوع إلى العلماء الراسخين في العلم، فهم أهل البصيرة والتأصيل والتقدير.
وإن من علامات الفتن أن يتصدر لها الجهال، قال النبي ﷺ: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جُهّالًا، فسُئِلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" [رواه البخاري ومسلم].
يا أمة محمد ﷺ، إن من العقل والدين أن نسكت عند النوازل حتى يتكلم العلماء، وأن ننتظر فتاواهم وتوجيهاتهم، فهم أعلم بالواقع، وأعرف بالنصوص، وأقدر على تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
فليحذر الدعاة والوعاظ وطلاب العلم من التسرع والتكلم في أمر الأمة، وليعلموا أن السلامة في السكوت حتى يبيّن العلماء، وليتّقوا الله في كلامهم، فإن الكلمة قد تُهلك صاحبها وتُضلّ أمة.
اللهم ارزقنا البصيرة في ديننا، والثبات على الحق في فتن دنيانا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه،
اللهم احفظ علماءنا، وبارك في أعمارهم، وانفعنا بعلمهم،
اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان، واجعل بأسك على الكافرين والظالمين المعتدين.
وصلِّ اللهم وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.