01/05/2026
. العمل بين شرف التكليف وميزان العدل
"قراءة راشدة في يوم العمال”
الحمد لله الذي امتنّ على عباده بالسعي، وربط المعاش بالعمل، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 15]، وجعل التفاضل في الأخذ بالأسباب مع التقوى، لا في البطالة والاتكال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده»، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره في إتقان العمل وصدق التوكل.
أما بعد…، فإن ذكرى يوم العمال، التي تحلّ في الأول من مايو من كل عام، ليست عند أهل البصيرة مجرد مناسبة تُستدعى فيها العبارات، وتُمنح فيها العطلات، بل هي مقام محاسبةٍ ومراجعة؛ تُعرض فيه أحوال الناس على ميزان الشرع والعدل، وتُقاس فيه قيمة الإنسان العامل بقدر ما يُصان له من حق، وما يُؤدّى عليه من واجب.
وإننا إذ نُشير إلى ما صدر من قرار رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بمنح عطلة يوم الجمعة بمناسبة يوم العمال، فإننا لا نقف عند حدّ الإشارة الشكلية، بل نجعله مدخلًا للنظر في جوهر القضية: أهو تكريمٌ يُتبع بإصلاح، أم عادةٌ إدارية تنقضي بانقضاء يومها؟
ذلك أن الشريعة الغراء قد قرّرت من أصول العدل في العمل ما لو أُقيم لانتفت مظالم كثيرة؛ فجعلت السعي عبادة، وربطت الأجر بالاستحقاق، ونهت عن الظلم والتطفيف، فقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 85]، وجعلت الاعتداء على حقوق العمال من جنس أكل أموال الناس بالباطل.
وفي الحديث القدسي: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة… ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره»، وهو وعيدٌ تقشعر له الجلود، إذ يجعل خصومة الله يوم القيامة جزاءً لمن أكل حق العامل أو ماطله فيه.
ولم يكن هذا مجرد توجيه وعظي، بل سلوكًا عمليًا سار عليه السلف؛ فقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “أعطِ الأجير أجره إذا عرق جبينه”، وهو أثرٌ يشي بعمق استيعابهم لمعنى المبادرة بالحقوق. وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله: “العدل أساس الملك”، وهو في باب المعاملات آكد، إذ به تقوم الأسواق وتستقيم العلاقات.
كما قرر الإمام الغزالي أن “الظلم مؤذن بخراب العمران”، ولا ريب أن ظلم العامل من أعظم وجوه الظلم الاجتماعي؛ إذ يجتمع فيه ضعف الحال مع قلة الحيلة، فتكون المسؤولية فيه أشد، والإثم أعظم.
وعليه…، فإننا في هذا اليوم نُوجّه جملة من الرشد المؤسس على الشرع والعقل:
أولًا/ إلى صانع القرار، فإن الواجب يتجاوز إعلان العطلات إلى إقامة السياسات؛ فليكن هذا اليوم منطلقًا لمراجعة منظومة الأجور، وضبط علاقات العمل، وتفعيل الرقابة على بيئات التشغيل، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، ولا عدل مع اختلال الميزان بين الجهد والعطاء.
ثانيًا/ إلى أرباب العمل، فاتقوا الله فيمن استرعاكم، واعلموا أن المال لا يُبارك فيه مع الظلم، وأن الربح القائم على البخس إنما هو وبالٌ في عاجله أو آجله، وقد قال النبي ﷺ: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء»، فجعل الأمانة في المعاملة طريقًا إلى أشرف المنازل.
ثالثًا/ إلى العامل، فإن له حقًا لا يسقط، وواجبًا لا يُهمل؛ فليتق الله في عمله، وليتقنه، فإن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه، وليعلم أن التفريط خيانة، كما أن الظلم الواقع عليه لا يبيح له الإخلال بما اؤتمن عليه.
رابعًا/ إلى المجتمع عامة، فإن بناء الوعي بقيمة العمل فرض حضاري؛ فلا تنهض أمة تُحقّر المهن، ولا تستقيم أجيال تُربّى على انتظار الوظيفة دون سعي، وقد قال تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39].
إن يوم العمال، في ميزان الرشد، ليس عيدًا للعطلة، بل موسمٌ لتقويم الميزان؛ تُوزن فيه السياسات بميزان العدل، وتُقاس فيه المجتمعات بمدى حفظها لكرامة العامل، فإن الكرامة ليست منحة تُعطى، بل حقٌّ يُستوفى.
خامساً/ نُؤكد أن إقامة العدل في شؤون العمل ليست ترفًا إداريًا، بل فريضة شرعية، وضرورة عمرانية؛ بها تُحفظ الحقوق، وتستقيم المعايش، وتُبنى الأوطان على أساسٍ متين، لا على زخرف الشعارات.
✍️ مكتب التوجيه والإرشاد
بمجمع القرآن الكريم بليبيا.