17/11/2021
إنها لحظات عجيبة شدت أنظار الواقفين، سواء التلاميذ أوالجموع أو بعض الفريسيين، فقد سجد الأعمى عند قدمي ربنا يسوع يعلن إيمانه به أنه ابن الله. أقول أنه مشهد سحب أنظار السمائيين وهم يرون إيمان هذا الإنسان الصادق مع نفسه ومع مقاومة أعلى درجات القيادة الدينية للحق. إنه منظر يفرح قلب السيد المسيح، ليس لاحتياجه إلى من يشهد له، ولكن لأنه يود أن يتمتع الكل بالنور السماوي.
لقد سبق فأعلن السيد أنه ما جاء إلى العالم ليدينه بل ليخلصه (يو 3: 17). لكنه إذ يشرق بنوره على الجالسين في الظلمة بنوره يصير المستنيرون علة دينونة للذين أحبوا الظلمة أكثر من النور (يو 3: 19). إنهم يدينون أنفسهم بأنفسهم، لأنهم حتى يتعثرون ويسقطون في الحفرة، إذ هم "عميان قادة عميان" (مت 15: 14).
نال الأمم الذين جلسوا في الظلمة زمانًا نور المعرفة والبصيرة الحقيقية. أما اليهود الذين تظاهروا أنهم أبناء النور وأصحاب المعرفة الروحية، وأساءوا استخدام طول أناة الله ورحمته، ففقدوا خلاصهم الذي رذلوه، وأصابهم عمى روحي. استطاع الأعمى الأمي أن يتعرف على أسرار إلهية، بينما الفريسيون أصحاب المعرفة جهلوا هذه الأسرار. لم يقرأ الأعمى الكتاب المقدس، ربما سمع في بساطة وإخلاص بعض العبارات الكتابية والقصص الخاصة بتاريخ الخلاص. أما هم ففحصوا الكتب وحفظوا عبارات عن ظهر قلب وتمسكوا ببعض التفاسير، لكن عملهم هذا لم يكن عن إخلاص في معرفة الحق، لذا لم يتأهلوا لإدراك الأمور الواضحة عن المسيا.
سرّ عماهم أنهم يظنون في أنفسهم أنهم مبصرون: يعرفون موسى وأنهم تلاميذ له، يعرفون السبت ويحفظون شريعته، كما يعرفون أن الأعمى قد وَلد بجملته في الخطية.
* تحذير خطير!ذين لا يبصرون
حسنًا! إنه عمل المسيح، إعلان قوة الشفاء!
ولكن ماهذا الذي تضيفه يا رب؟ "يعمى الذين يبصرون" ؟ إنهم اليهود. هل يرون؟ حسب كلماتهم إنهم يبصرون؟ وبحسب الحق لا يبصرون.
ماذا إذن "يبصرون"؛ إنهم يظنون أنهم يبصرون، يعتقدون هذا. إذ ظنوا أنهم يصونون الناموس ضد المسيح... هؤلاء الذين لا يعترفون بعماهم تقسوا بالأكثر... بالحقيقة قد تم القول "يعمى الذين يبصرون"، فإن المدافعين عن الناموس، الأساتذة في الناموس، معلمي الناموس، فاهمي الناموس، صلبوا واضع الناموس.
يا للعمى الذي حصل جزئيا لإسرائيل (رو 11: 25). ماذا يعني "يبصر الذين لا يبصرون"؟ "إلى أن يدخل ملء الأمم" (رو 11: 25). كل العالم قد سقط في العمى، لكن جاء لكي "يبصر الذين لا يبصرون، ويعمى الذين يبصرون"...
يا للعمى الخطير؟ لقد قتلوا النور، لكن النور المصلوب أنار العميان(1075)
* الآن إنه اليوم الذي يميز بين النور والظلمة!(1076)
* لقد تسلمتم الناموس، وأنتم تريدون أن تحفظوه، لكنكم عاجزون عن ذلك؛ لقد سقطتم من الكبرياء فتروا ضعفكم. اشتاقوا إلى المسيح. اعترفوا له، آمنوا به. لقد أضيف الروح إلى الحرف فتخلصون. فإنك إن نزعت الروح عن الحرف "الحرف يقتل". وإن قتل، فأين الرجاء؟ "أما الروح فيحيي" (2 كو 3: 6)(1077).
القديس أغسطينوس