دير سيدة المدائح

دير سيدة المدائح Contact information, map and directions, contact form, opening hours, services, ratings, photos, videos and announcements from دير سيدة المدائح, Religious Center, شارع مجمع نهاد نوفل الرياضي, Joünié.

17/05/2026
اليوم السبت 12 نيسانتذكار قيامة ألعازر «نوحك يا يسوع على صديقك هو خاصّة طبيعة مائتة بشرية، وإحياؤُك إياهُ بعد موتِه هو ف...
12/04/2025

اليوم السبت 12 نيسان

تذكار قيامة ألعازر

«نوحك يا يسوع على صديقك هو خاصّة طبيعة مائتة بشرية، وإحياؤُك إياهُ بعد موتِه هو فعل قدرة متسامية إلهية».

إن لعازر كان عبراني الجنس، فريسي البدعة، وابناً كما قيل لسيمون الفريسي. منشأه من قرية بيت عنيا. فلمّا كان ربنا يسوع المسيح مقيماً في الأرض لخلاص جنسنا، ارتبط معه بمحبة وصداقة، لأنه بحيث كان المسيح يتفاوض بتواترٍ مع سيمون الذي كان يعتقد بالقيامة من بين الأموات بالأكثر، وكان يتردّد إلى منزلٍه فأحبّ لعازر واتّخذه صديقاً له خصيصاً. وليس إياه فقط بل وأختَيْهِ مريم ومرتا. فلمّا اقتربت الآلام الخلاصية وكان يجب ان يحقق سر القيامة بأوفر تحقيق كان يسوع جائلاً في عبر الأردن بعد إنهاضِه من بين الأموات، أوّلاً ابنة يائيروس ثم ابن الأرملة. فوقع صديقهُ لعازر في مرض عضّال ومات فقال يسوع لتلاميذه مع إنه كان غائباً، إن لعازر صديقنا قد رقد، ثم بعد قليل قال إن لعازر قد مات. فترك الأردن ووافى إلى بيت عنيا. بما أن أختَيْ لعازر أرسلتا له خبراً بذلك وبُعْد بيت عنيا عن أورشليم نحو خمس عشرة غلوة. فلمّا قرُبَ استقبلتهُ أختا لعازر قائلتين: يا رب، لو كنت ههنا لما مات أخونا، لكن، والآن إن شئت فتقيمهُ لأنك قادر على ذلك. فسأل يسوع الجمع أين وضعتموهُ، فللحين تقدّم جميعهم إلى اللحد ورُفع الحجر. فقالت مرتا: يا رب، قد انتن لأن له أربعة أيام. فصلى يسوع وذرف عبرات على الطريح ميتاً، ونادى بصوت عظيم: يا لعازر هلمّ خارجاً، فخرج الميت للحين وأطلق. وتوّجه إلى منزله. فهذه المعجزة الغريبة حركت شعب العبرانيين إلى الحسد وجعلتهم أن يزأروا بجنون على المسيح. فأمّا يسوع فهرب ثانياًَ إلا أن رؤساء الكهنة ارتأوا أن يقتلوا لعازر أيضاً لأن كثيرين لما نظروهُ آمنوا بالمسيح. أمّا ذاك فلمّا عرف قصدهم هرب إلى جزيرة قبرص وأقام هناك، ثم أخيراً انتُخب من الرسل رئيس كهنة على مدينة الكيتيين. وبعد أن تصرّف بسيرة مرضية لله مات ثانياً بعد ثلاثين سنة من إعادة حياتِه ودُفن بعد أن اجترح عجائب غزيرة. ثم إنه على ما يقال بعد إعادة حياته، ما كان يأكل شيئاً بدون حلو، وأن الاموفوريون الذي كان يلبسهُ قد عملتهُ أم الإله الكلية الطهر بيديها وألبستهُ إياهُ. ثم إن جسدهُ المكرم والمقدس نقلهُ من هناك لاون الملك الكلي الحكمة وذلك بسبب رؤية إلهية وأحضرهُ بتوقير وإجلال إلى الهيكل الذي كان بناهُ على اسم القديس في القسطنطينية ووضعهُ في الجهة التي تصادف على يمين الداخل إلى الهيكل عند جدران الهيكل الشريف التي قدّام. ولم يزل جسمهُ الكريم باقياً للآن يفوح عرفاً ذكياً جداً. وقد رُتّب أن يعيّد لقيامتِه في هذا النهار لأن آباءَنا القديسين المتوشحين بالله وبالأحرى الرسل القديسين لما ازمعوا أن يضعوا بعد الصيام الأربعيني آلام ربنا يسوع المسيح لأجل التنقية فبحيث وجدوا أن هذه العجيبة كانت بدءاً وسبباً بالأكثر لهياج اليهود بجنون على المسيح لذلك وضعوا ههنا هذه المعجزة الباهرة. والسبب في أن يوحنا الإنجيلي فقط حرّر عن ذلك والبقية تركوه هو على ما يبدو أن لعازر لما حرّر أولئك أناجيلهم كان حياً ومنظوراً. ثم إنه يقال أن لهذا السبب أيضاً حرّر يوحنا إنجيلهُ كما حررهُ وذكر عن ولادة المسيح الأزلية مع أن الآخرين ما ذكروا عن ذلك هكذا صريحاً، لأن هذا كان يُطلب تصديقهُ والإقرار به وهو أن المسيح رغم طبيعته البشرية كان إلهاً وابن الله. وأنه قام. وأن ستحصل قيامة الأموات، الأمر الذي يُصدّق بالأكثر بواسطة لعازر. ثم إن لعازر لم يتفوّه بشيءٍ عمّا في الجحيم وذلك أمّا لكونِه لم يُسمَح له أن يرى ما هنالك وأمّا أنه نظر لكنه أومر أن يصمت عمّا نظره. فمنهُ أيضاً كل إنسان ميت يُسمى حتى الآن لعازر وأثواب التكفين تُدعى لعازريات رمزاً عن تذكار لعازر الأول، بحيث كما أن ذاك قام بكلمة المسيح وعاد إلى الحياة ثانياً هكذا والآن وإن مات الإنسان إلا أنه سيقوم في البوق الأخير كما نقرأ في سفر الرؤيا ويحيا إلى الدهر. ينتهي الصوم بمعناه الحصري, يوم الجمعة الذي يلي الأحد الخامس من الصوم, إذ تنتهي فترة الأربعين يوماً وتمتد فترة الآلام من نهاية الصوم هذه وحتى عيد القيامة, يوم السبت العظيم, وهكذا تشمل السبت الذي يلي الأحد الخامس من الصوم المدعو بـ"سبت لعازر" والأيام الستة الأولى من الأسبوع العظيم. يحتل سبت لعازر مكانة خاصة في السنة الليتورجية. إنه يقع خارج أيام الصوم الأربعيني, وكذلك خارج أيام الأسبوع العظيم الأليمة. يشكل هذا السبت مع أحد الشعانين الذي يليه مقدمة فرحة لأيام الآلام. ويجمعه هذا الموقع الجغرافي بأحد الشعانين, إذ أن بيت عنيا هو, في آن, مكان قيامة لعازر ونقطة انطلاق يسوع في صعوده إلى أورشليم. إنه مرتبط بصورة سرية بقيامة المسيح نفسه, ويلعب دور النبوءة المحققة. ويمكننا القول بأن لعازر يظهر لنا على عتبة أعياد الفصح كسابق ليسوع المسيح الغالب الموت, كما هو شأن يوحنا المعمدان, عشية عيد الظهور, بحيث ظهر كسابق للمسيح, وعلاوة على المدلول الأساسي لقيامة لعازر فإن مظاهر ثانوية يمكن التوقف عندها لتكون موضوعاً مفيداً للتأمل. لا تمت الرسالة التي تتلى في القداس الإلهي بصلة لقيامة لعازر ولكن إحدى آياتها تنطبق على رأفة يسوع على لعازر. وتشمل الرسالة وصايا أخلاقية مختلفة: الاستمرار على المحبة الأخوية, استضافة الغرباء, عدم تدنيس الزواج, طاعة الرؤساء "إلهنا نار آكلة", "لا أخذلك ولا أهملك", "إن يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد", لأن أسمى الحقائق الروحية لا تنفصل عن المقتضيات العملية البسيطة التي تنبثق عنها بالضرورة. يسرد الانجيل حادث قيامة لعازر. وتعطينا أناشيد السحر تفسير الكنيسة لهذه القيامة :" سبقت يا مخلصي فحقق قيامتك المجيدة لما اعتقت من الجحيم لعازر.....", إنها حسب قول النشيد "تحقيق" مسبق لقيامة المسيح, وامتحان أولي لقدرة المسيح على الموت. ثم تربط الكنيسة بين غلبة المسيح هذه على الموت ودخوله الاحتفالي إلى أورشليم الذي سنحييه غداً. تعلن أيضاً قيامة لعازر قيامة الموتى التي هي نتيجة لقيامة يسوع "لقد أقمته يا مانح الحياة مؤكداً بذلك قيامة العالم...". سبت لعازر هو بمعنى عيد لكل الأموات, إذ يعطينا المجال لنؤكد ونوضح إيماننا بالقيامة. وينبهنا السيد بكلامه الموجه إلى مرتا إلى تعليم مهم جداً متعلق بالأموات. فقال لها يسوع: "أنا هو القيامة". إن إيمان مرتا كان خاطئاً في ناحيتين: كانت تتكلم عن قيامة تتم في المستقبل فقط, ولم تدرك هذه القيامة إلا بالنسبة إلى نوع من القانون العام. لكن يسوع يؤكد أن القيامة هي حدث حاضر منذ الآن لأنه هو القيامة والحياة. يعيش الراقدون بالمسيح وفيه. وإذا أردنا الاتصال روحياً بأحد احبائنا الراقدين, فلا نسعين إلى أن نحييه في مخيلتنا, بل علينا أن نتصل مباشرة بيسوع, وهنالك ففي يسوع نجده. إن قيامة لعازر تكوّن أيضاً تصويراً رائعاً للعقيدة بشخص المسيح, إذ تبين كيف تتحد في شخص يسوع الطبيعتان الإلهية والإنسانية بدون اندماج. وهكذا نجد أن الإنسان في يسوع يتأثر ويبكي لموت صديقه, ولكنه من جهة أخرى نرى أن الله في يسوع يأمر الموت بسلطان. أخيراً تحث قيامة لعازر الخاطئ على الرجاء بأنه حتى لو مات روحياً, سيحيا من جديد. هذه القيامة الروحية كثيراً ما تبدو لنا كقيامة لعازر مستحيلة, لكن كل شيء ممكن بالنسبة ليسوع: إعادة الخاطئ, القاسي القلب, كما إقامة الموتى: "فقال يسوع: إرفعوا الحجر...."
نريد ملاقاة يسوع وأن نبدأ هذا الأسبوع العظيم برفقته. إنه يدعونا وينتظرنا. دعت مرتا أختها سراً قائلةً: "المعلم حضر وهو يدعوك" . المعلم يدعوني. يريد ألا افارقه في أيام آلامه. يريد أن يعلن ذاته في تلك الأيام إليَّ –وقد أكون أنتنت- بطريقة جديدة وسامية. هاءنذا يا معلم!

فبشفاعة لعازر صديقك أيها المسيح الإله ارحمنا آمين.

صلاة الأكاثستوس Άκάθιστσς(مديح والدة الإله) صلاة المدائح الأكاثستوس المديح هو قصيدة طويلة من القصائد الكنسية. المرجّح أن...
07/03/2025

صلاة الأكاثستوس Άκάθιστσς
(مديح والدة الإله)

صلاة المدائح الأكاثستوس المديح هو قصيدة طويلة من القصائد الكنسية. المرجّح أن ناظمه هو القديس رومانوس المرنم. المدائح مؤلفة من صلاة النوم الصغرى ثم تسع تسبحات للعذراء ثم المديح. للمديح مقدمة صغيرة تعرف اليوم بالقنداق (ترنيمة مختصرة) وتبدأ "نحن عبيدك يا والدة الإله..." ثم أربع أقسام أو أدوار، كل دور مؤلف من ستة مقطوعات وتسمى أيضا أبيات. المصدر الذي استقى منه الشاعر هذا المديح الرائع هو إنجيل لوقا، حيث الكلام عن بشارة رئيس الملائكة جبرائيل للعذراء مريم (لوقا ١: ٢٦-٥٦).
وأكاثستوس كلمة يونانية وقد أطلق هذا الاسم على مدائح العذراء لأن الاكليروس وجمهور الشعب القسطنطيني ترنّموا بها علنًا ولأول مرّة، في أيام الملك هرقل سنة ٦٢٦، وهم واقفون إجلالاً للسيدة الطاهرة وطلبًا لنصرتها وحمايتها واستعدادًا لحما السلاح بأسرع ما يمكن، عند أول إشارة، لصدّ هجمات الاعداء المحيطين بالمدينة المالكة، على نحو العبرانيين لدى بنائهم أسوار أورشليم في ايام النبي نحميا. وبما أن لغتنا العربية تفتقر الى كلمة واحدة تعبّر عن اللفظة اليونانيّة، فقد لجأ مترجمو كتبنا الطقسية الى هذه العبارة: نشيد لوالدة الاله "لا يجلس فيه".

تضاربت الآراء حول واضع هذا النشيد المريمي الرائع. فالعالم اليوناني بابادوبولوس كيراميفس ١٩٠٤ نسبه الى البطريرك فوتيوس (القرن التاسع)، وهذا زعم لا يسلّم به أحد اليوم. ونسبه اخرون الى بطريرك القسطنطينية سرجيوس الاول (٦١٠-٦٣٨) واخرون الى جورج بيزيدس أمين مخطوطات كنيسة آجيا صوفيا في عهد الملك هلرقل (كورسيوس). على أن النقد العلمي الحديث يرجّح انتسابه الى القديس رومانس الحمصي المنشأ إمام الشعراء والمنشدين الكنسيين. ولد هذا القديس في اواخر القرن الخامس في حمص عاصمة سوريا الوسطى من عائلة يهوديّة الاصل وكان شماسَا انجيليًا، خدم في كنيسة القيامة في بيروت، وانتقل بعد ذلك الى القسطنطينية في اواخر عهد الملك انسطاسيوس الاول (٤٩١-٥١٨) على الارجح. وقد ظهرت له العذراء في الحلم في كنيسة منطقة كيروس المشيّدة علة اسمها ودفعته الى نظم الشعر والكتابة. توفي حول سنة ٥٥٦ تاركًا ما يربو على ألف نشيد ديني لم يبق من هذه الاناشيد اليوم سوى مئتين، بعضها مبعثر في رتب الفرض الالهي.

عدد الابيات الذي يتألف منه نشيد المدائح ٢٤، على عدد الاحرف الابجدية اليونانية. فيبتدئ كل بيت بحرف من هذه الاحرف الهجائية. وتتناول كل اسرار حياة العذراء واعيادها بدءاً من بشارة الملاك جبرائيل. وفي القرن الثامن وضع الشاعر الكنسي "يوسف المنشئ" قانونًا حذا في تأليفه حذو القديس يوحنا الدمشقي، يرنّم به على اللحن الرابع قبل بيوت المدائح التي نظّمها القديس رومانس.

أمّا قنداق "نحن عبيدك يا والدة الاله" الذي يُرنّم به قبل بيوت المديح فقد وضعه البطريرك المسكوني سرجيوس الأول (٦١٠-٦٣٨) عقب إنقاذ القسطنطينية بأعجوبة من يد الفرس والأفاريّين، وفيه تلميح صريح الى تدخّل البتول العجيب يوم ٧ آب من سنة ٦٢٦. ونختم صلاة الأكاثستوس بتقبيل أيقونة السيدة العذراء ونشيد "إن جبرائيل" من تأليف القديس العبقري يوحنا الدمشقي المتعبّد الكبير للبتول الطاهرة.
صلاة المدائح الأكاثستوسوُضع نشيد الأكاثستوس في الأصل لعيد البشارة بحسب رأي النقّاد العصريين. إن محور الكلام فيه عن التجسّد الالهي، سبب امتيازات والدة الاله كلها وسبب مجدها. أمَّا عيد الأكاثستوس (أو عيد تدخّل العذراء ونجاة المملكة في عهد هرقل) فلم يحتفل به أصلاً في سبت ثابت أي السبت الخامس من الصوم كما هي الحال اليوم، بل كان لبطريرك القسطنطينية الحرية أن يحتفل به في السبت الرابع او الخامس من الصوم بحسب التقويم الطقسي القديم يعود الى القرن التاسع. وعندما أصبح عيد البشارة عيدًا ثابتًا في ٢٥ آذار، فصل عنه الاحتفال بعيد الأكاثستوس، وجعل في سبت من أيام الصوم، وهو السبت الخامس في أيامنا الحاضرة "إن رتبة الأكاثستوس أو المدائح عزيزة على قلب المؤمنين التابعين للطقس البيزنطي، فيتسابقون كثيرين الى حضور هذه الصلاة التي تذكّرهم بسر المحبة العظيم، سرّ تجسّد الكلمة يوم عيد البشارة، وتعلن على مسامعهم الألقاب المجيدة التي خصّ بها الكتاب الكريم الأم السماوية، وكل رموز العهد القديم التي أشارت اليها".
أما ارتباطها بتاريخ الحماية المسيحية، فكانت المملكة البيزنطية المسيحية مهددة من كل جهة، واذا بالحضارة المسيحية التي كانت تلك المملكة تمثّلها وتحميها، اصبحت معرضة لغزوات الامم الغربية من فرس وآبار وعرب وغوط وصقالبة ومجر. وفي سنة ٦١٤ اجتاح الفرس بلاد المشرق، فدمّروا انطاكية ودمشق، واستولوا على اورشليم وقتلوا فيها في يوم واحد أكثر من مئة ألف مسيحي، وهدموا مزاراتها المقدسة، وسبوا رهبانها وكهنتها واساقفتها وبطريركها، وانتزعوا عود الصليب المكرَّم من على هيكل الجلجلة، وعادوا به الى بلادهم غانمين. فثار عليهم هرقل ملك الروم وكسرهم، واسترجع الاسرى وعود الصليب. ولكن الفرس ما لبثوا ان اعادوا الكرّة في سنة ٦٢٦، فهاجموا البلاد المسيحية وبلغوا اسوار القسطنطينية، وشدّدوا في حصارها، حتى قنط الشعب المسيحي فيها. وبالجهد استطاع الملك هرقل ان يخرج من المدينة ويجتاز صفوف المحاصرين لكي يذهب الى الاقاليم ويجمع الجيوش ويقودها لفكّ الحصار عن العاصمة.
كان في اثناء غيابه قد سلّم القيادة والحكم للبطريرك المسكوني سرجيوس، الذي توكل على الله ولم يهمل وسائل الدفاع الحربي. وكانت ليلة السابع من آب سنة ٦٢٦ الموعد الذي حدّده الفرس للهجوم على المدينة. فأمر البطريرك، وإذا بالجيش والشعب كله يجتمع فوق اسوار العاصمة يقضون الليل ساهرين، وقوفاً، شاكي السلاح. وعلت من صفوف المؤمنين ابيات "نشيد المدائح لوالدة الاله" الذي كان وضعه رومانوس الشاعر الحمصي، وإذا بالشعب كله يردد بعد كل بيت تلك اللازمة الرائعة: "افرحي يا عروسة لا عروس لها"، او اللازمة الأخرى "هللويا".

صلاة المدائح الأكاثستوس إذَا لم يكن هذا نشيد حرب، ولم تكن فيه اصلاً أي اشارة لجهاد او معركة او حصار. لكن تلك الابيات الملهمة، التي تضمنت أجمل ما ابتكره الشعور المسيحي من مديح للعذراء والدة الاله، كانت في ساعات الخطر تندفع طوعاً على شفاه المؤمنين وتصعد الى السماء متوسلة خاشعة.

وإذا بصفوف الاعداء تتحرك تحت جناح الظلام. وعبثاً انتقلت ابصار المؤمنين المحاصَرين الى مياه البوسفور لعلّها تبصر في ظلام الليل سفن الملك هرقل تحمل النجدة للعاصمة. وعبثاً نظر البطريرك الى ما تبقى من الجيوش المسيحية، وقارنها بجيوش الفرس الوثنيين... ولم يبقَ له من ملجأ إلا السماء...
وإذا بالأعجوبة المرتقبة تتم. فتظهر في السماء سيدة عظيمة جميلة ترفع يدها وتدفع الجيوش البربرية الى الوراء. وإذا بجحافل الفرس تتخاذل وتتراجع، وإذا بها تتخبط في الظلام وتتحارب، وإذا بغوغائها يملأ الفضاء.
وما تطلع الشمس حتى تبيد الرؤيا، ويبيد معها الاعداء المحاصرون. فهرع الشعب الى الكنائس، وملأ الساحات والشوارع. وارتفعت اصوات المرنمين تنشد من جديد "نشيد مدائح والدة الاله". ولهذه المناسبة وضع البطريرك لهذا النشيد التقليدي مقدمة جديدة تشير الى اعجوبة انقاذ العاصمة، وتعلن العذراء الطاهرة "قائدة لا تغلب" وسلطانة المدينة المالكة، فكان القنداق الشهير: "نحن عبيدك يا والدة الاله..."، وقد جاء في أصله اليوناني: "انا مدينتك يا والدة الاله..."
هذا المديح عبارة عن تاريخ حياة السيد المسيح مع الإشارة إلى بعض الحوادث التي رافقتها.
القسم الأول: يحتوي على إعلان الملاك لمريم حَبلها من الروح القدس وحَيرة العذراء من هذا الكلام الغريب. ثم ذهابها إلى نسيبتها أليصابات وأخيرا تعجّب يوسف من هذا الحبل.
القسم الثاني: يشتمل قصة ولادة المخلص وسجود الرعاة وتقديم المجوس للهدايا ثم عودتهم إلى بلدهم. وهرب مريم ويوسف بالطفل إلى مصر ورجوعهم منها ثم على تسليم الطفل إلى سمعان الشيخ.
القسم الثالث: يصف بصورة شعرية ممتازة تجديد الطبيعة البشرية من جرّاء ولادة المسيح الفادي وينصح الشاعر المؤمنين بأن يرفعوا عقولهم من الأرض إلى السماء، من حيث نزل الإله وصار على الأرض إنساناً مثلنا ليخلص الإنسان.
القسم الرابع: والأخير فكله مديح لائق بالعذراء مريم التي استحقت أن تكون أما لخالق الكل ثم يختتمه الشاعر بالدعاء إليها لتتشفع فينا لدى ابنها كي يبعد عنا كل الضيقات والمصائب.
وهناك كلمة تتردد كثيرا في هذا التسبيح هي كلمة "افرحي" أو "السلام عليك" وهي مأخوذة من قول الملاك جبرائيل ساعة بادر بالتحية المعروفة للسيدة العذراء لوقا ١: ٢٨.
علاقة المديح بالصوم
صلاة المدائح الأكاثستوس يسهر المؤمن، كالعذارى الحكيمات، في الأيّام الأولى من الأسبوع في التوبة والصلاة والصوم، ليؤهل ذاته للاتحاد بالعريس الربّ يسوع في المناولة، يومي السبت والأحد. لذلك فإن ليلة الجمعة – السبت هي ليلة الزفاف الليتورجي، والزيانة لاستقبال الرب.
يقوم المديح ليتورجيًا بالدور الذي أدته العذراء في التجسّد. فالعذراء هي الصلة بين الله والإنسان في التجسّد، هنا المديح يصير أداة الوصل الليتورجية بين أيّام الصوم، أيام الحزن البهيّ، ويوم الزفاف الإلهيّ للمؤمن.
نرتل في المدائح للبتول قائلين "افرحي يا مزيّنة النفوس بزينة العرس"، وهذا ما يحقّقه المديح. إنّه يوشّحنا برداء العرس حين ينظر المؤمن في العذراء وحين ينشد مرنّماً للعروس الأمّ، تقوده ترانيم المديح إلى طهارة النفس وتنقله من الحزن البهي إلى فرح الخدر البتوليّ.
إنّنا في المديح نتأمل في محبّة، وتواضع، وطهارة العذراء. ونعاين في ترانيمه صورة العروس الحقيقيّة المدعوين جميعنا إلى الاقتداء بمثلها. في المديح تتمّ أيضاً شفاعة العذراء، وما فينا من غير استحقاق تطهّره شفاعة العروس التي لا عروس لها.

مريم العذراء في صلاة المدائح
في هذا النشيد، نتوجّه إلى مريم العذراء بمدائح وابتهالات تبرز من خلالها علاقاتها بابنها الإلهي مخلّص العالم. فنحيّيها قائلين "السلام عليك…". فكل ما ورد في العهد القديم عن علاقة الله بالإنسان، تؤمن الكنيسة أنّه قد تحقّق على أكمل وجه في تجسّد ابن الله في أحشاء مريم العذراء، لذلك تدعو مريم بالألقاب التالية:
سلّم يعقوب (تك ٢٨: ١٢-١٣)، لأنّها وصلت السماء بالأرض بولادتها يسوع مخلّص العالم، الذي هو إله وإنسان. وبالمعنى عينه تدعوها “جسرًا ناقلاً بالحقيقة من الموت إلى الحياة” (المدائح، الأوذية الرابعة، ٢).
العلّيقة الملتهبة (خر ٣: ١-١٦)، والأتّون المتّقد (د ٣١: ٢٦-٩٠) لأنّ الألوهة سكنت فيها ولم تحرقها، والملقط الذي حمل الجمرة الإلهيّة المطهّرة من الخطايا (أش ١: ٦–٧).
ندعوها أيضاً في صلواتنا بألقاب متنوّعة، تظهر علاقتها بابنها الإلهي: فهي الفردوس الذي يحوي في وسطه الربّ عود الحياة (تك ٢: ٩)، وهي المسكن المقدّس (خر ٢٥: ٨)، وتابوت العهد الذي كان يحوي وصايا الله لأنّها حوت كلمة الله (خر ٢٦)، وهي المائدة (خر ٢٥: ٢٨-٣٠)، ومائدة الحكمة (أم ٩: ١-١١)، والجرّة الذهبيّة الحاوية المنّ، الغذاء النازل من السماء (خر ١٦: ٣٢-٣٤)، وهي المنارة (خر ٢٥: ٣١)، وعمود النار الذي يهدي السائرين نحو أرض الميعاد (خر ١٣: ٢١) لأنّها ولدت المسيح نور العالم.
هي جزّة جدعون المندّاة (قض ٣: ٣٦-٤٠) لأنّ كلمة الله نزل عليها كالندى وحلّ فيها.
هي جبل الله المقدّس (أش ٢: ٢؛ ٣٠: ٩؛ مي ٤: ٨؛ حب ٣: ١– ٤).
هي أورشليم الجديدة. ففي العهد القديم، كان الناس يصعدون إلى جبل أورشليم للاستماع إلى شريعة الله، أمّا في العهد الجديد

فمريم هي الجبل المقدّس الذي يحوي كلمة الله.
وهي أيضاً الجبل الذي، حسب نبوءة دانيال، "انفصل عنه حجر، لا بقوّة اليدين، فسحق الممالك الأرضيّة، وأنشأ مملكة لا تنقض إلى الأبد" (راجع دا ٢: ٣١–٤٥).
وهي الكرمة التي زرعها الله لتعطي عنقودًا إلهيًّا ثمرة الحياة (مز ٨٠: ١٦)، وهي الأرض المباركة التي تعطي غلّة وافرة (مز ٦٧: ٧).

اليوم 24 شباطتذكار الوجود الأول والثاني لهامة النبي والسابق المجيد يوحنا ‏المعمدان: بعدما قطع هيرودس الرابع، رأس يوحنا ا...
24/02/2025

اليوم 24 شباط

تذكار الوجود الأول والثاني لهامة النبي والسابق المجيد يوحنا ‏المعمدان:

بعدما قطع هيرودس الرابع، رأس يوحنا المعمدان "تقدم تلاميذه ورفعوا الجسد ودفنوه" (متى 12:14). أما رأسه فأخذته هيروديا على طبق ودفنته في مكان غير لائق بالقرب من قصر هيرودس .
ويستفاد من التقليد أن قبر يوحنا المعمدان كان في القرن الرابع في السامرة موضع إكرام المؤمنين ثم دكه يوليانوس الجاحد وبعثر عظامه، لكن بعض المسيحيين تمكنوا من إنقاذ ما أمكن وأتوا به إلى أورشليم ودفعوه إلى رئيس أحد الديورة واسمه فيليبوس الذي نقل الرفات إلى القديس أثناسيوس الإسكندري، غير أن الحج إلى المدفن في سبسطيا استمر بضعة قرون وثمة تقليد وصل إلى السلافيين يفيد أن حنة، إمرأة خوزي، وكيل هيرودس التي أمست إحدى حاملات الطيب (لو 10:24) لم تطق أن يكون رأس السابق المجيد في مثل الموضع غير اللائق الذي كان فيه فقامت وأخذته سراً إلى أورشليم إلى جبل الزيتون حيث وجده فيما بعد رجل من النبلاء صار راهباً . بعد ذلك بزمن وصل إلى فلسطين رهبان من المشرق بقصد السجود للأماكن المقدسة فظهر لهما السابق في حلم الليل، كلاً على حدة، وقال: "توجها إلى قصر هيرودس فتجدان هامتي تحت الأرض". وإذ قادتهما النعمة الإلهية سهل عليهما نبش الرأس فشكرا الله وعادا بالهامة أدراجها من حيث أتيا، في الطريق التقيا فخارياً من أصل حمصي كان بائساً وترك موطنه سعياً وراء الرزق. هذا، يبدو أن السابق ظهر له في الحلم وعلى الأثر خطف الهامة وعاد إلى حمص. هناك تيسرت أموره ببركة السابق. ولما كان مشرفاً على الموت، جعل الرأس في صندوق وسلمه إلى شقيقة له، طالباً منها ألا تفتحه إلا بأمر المودع فيه وأن تسلمه، متى أتت الساعة، إلى رجل تقي يخاف الله. على هذا النحو انتقلت هامة السابق من شخص لآخر إلى ان وصلت ليد كاهن راهب أسمه أفسطاتيوس، اتخذ لنفسه منسكاً في مغارة غير بعيدة عن المدينة حمص، عيب هذا الراهب كان إنه اعتنق الآريوسية، فلما حضه الغرور على إثبات نفسه ادعى أن الأشفية التي كانت تجري بوفرة بواسطة هامة السابق هي منه هو، ولم يمضِ وقت طويل على أفسطاتيوس حتى بانت هرطقته وسيئاته فطرد من ذلك الموضع. أما رأس السابق فبقى مواراً في مغارة إلى زمن لاحق حدث فيه أن كان مركلوس وهو راهب تقي، رئيساً لدير بقرب تلك المغارة، في زمن الأمبراطور مرقيانوس (450-457 م ), وأسقفية أورانيوس على كنيسة حمص. في ذلك الزمان ظهر السابق المجيد لمركلوس عدة مرات وأحبه وقدم له إناء من العسل، ثم بعد ذلك قاده إلى زاوية في المغارة. هناك بخر مركلوس وباشر بالحفر فبان له الرأس تحت بلاطة من المرمر، في جرة، وان أسقف المحلة نقله إلى الكنيسة الأساسية في حمص فأضحى للمدينة برمتها نبع بركات وخيرات فياضة، هذا دام إلى زمان الأمبراطور ميخائيل الثالث (842-867 م) وبطريرك القسطنطينية القديس أغناطيوس حين تم نقله إلى المدينة المتكلمة، نقل الهامة الذي جرى يومذاك كان في أساس العيد الذي نحتفل به اليوم . هذا ما جرى للهامة وفق ما ورد عند القديس سمعان المترجم، غير أن تقليداً آخر يتردد صداه لدى بعض المؤرخين الروم كسوزمينوس يفيد أن الرأس جرى اكتشافه في فلسطين بهمة راهبين نقلاه إلى سيليسيا، فلما علم الأمبراطور البيزنطي والنس (364-375م) بذلك أمر بنقله إلى القسطنطينية، وفي الطريق توقفت العربة التي كانت تنقله بصورة غير عادية في بنتيخيون ( بيثينيا ) ولم تعد تتحرك، فأودع لدى راهبة كانت تدين بهرطقة مقدونيوس اسمها مطرونا، رئيسة لدير رهباني رجلي. فلما توفيت مطرونا انتقل الرأس إلى كاهن وبقى لديه إلى أن جاء الأمبراطور ثيودوسيوس الكبير وأخذه في جبته، يوم الثامن من آذار 392 م ليجعله في كنيسة بهية في حي أبدومون بناها خصيصاً لتحتضن الهامة.

+++++++++

فبشفاعة قدّيسك , ايها الرب يسوع المسيح , الهنا , ارحمنا وخلّصنا آمين .

18/02/2025

زار رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك المطران إبراهيم مخايل إبراهيم دير مار الياس الطوق في زحلة، على رأس وفد من كهنة الأبرشية، مهنئًا الرئيس العام الجديد للرهبانية الباسيلية الشويرية الأرشمندريت جورج النجار و الهيئة العامة الجديدة.
وقال:"فرحة كبيرة حضرة الأب العام أن نراكم على رأس الهرم في هذه الرهبانية العظيمة، الرهبانية الباسيلية الشويرية التي قدّمت للكنيسة الملكية رجالا عظماء وكتبت تاريخاً عظيماً.
لمعرفة المزيد عن كلمة المطران إبراهيم يرجى الدخول على الرابط: https://charityradiotv.org/NewEventAR.aspx?neweventid=108914

عمرًا مديدًا ليولِ الرُّب الاله. حبيبنا والمختار من الله. رئيس الرُّهبانية الباسيلية الشويرية. الأرشمندريت جورج. ألا فٱح...
18/02/2025

عمرًا مديدًا ليولِ الرُّب الاله. حبيبنا والمختار من الله. رئيس الرُّهبانية الباسيلية الشويرية. الأرشمندريت جورج. ألا فٱحفظه يا رب. لسنين كثيرة. لسنين كثيرة. لسنين كثيرة.

اليوم 13 شباطتذكار القدّيس البار مرتنيانوس الفلسطينيلا نعرف تماماً متى عاش القدّيس مرتنيانوس ولا أين ولو غلب القرن الراب...
13/02/2025

اليوم 13 شباط

تذكار القدّيس البار مرتنيانوس الفلسطيني

لا نعرف تماماً متى عاش القدّيس مرتنيانوس ولا أين ولو غلب القرن الرابع تاريخياً وقيصرية فلسطين مكاناً. بعض التواريخ يمتد حتى إلى القرن التاسع الميلادي، وبعض الأمكنة إلى بلاد الكبّادوك. أنّى يكن الأمر فإن كتبة سيرة القدّيس المميّز يتّفقون في الخطوط العريضة لسيرته.

اقتبل مرتنيانوس الحياة النسكية في سن الثامنة عشرة في مكان يقال له "محّلة القوس" انتشر فيه النسّاك. وعلى مدى خمس وعشرين سنة سلك في الفضيلة بهمّة وجدّ كبيرين حتى قيل أن الرب منّ عليه بموهبة صنع العجائب. بعد ذلك سمح الرب لعبده بتجربة مرّة. التجربة كانت تجربة الجسد. هل كانت من باب حسد الشياطين، على غرار ما فعله إبليس بأيوب الصدّيق؟ ربما! هل كان في قلب الرجل هوى للمرأة مربوطاً برباط الجهاد لم يسمح الرب إلى ذلك الحين بتزكيته، ثم فجأة انكشف ليكون لعبد الله مرتنيانوس أن يتّضع بإزائه؟ هذا أيضاً ممكن.

دونك ما جرى لقدّيسنا العزيز.

كانت في قيصرية امرأة هوى مغتّرة بنفسها. فلما بلغها خبر مرتنيانوس أنه طاهر نقيّ بار مجدّ تحرّك في نفسها شعور بالتحدّي. مرتنيانوس كما ورد، كان وسيم الطلعة ترغب به النساء وكان يستقبل الناس ويصلّي عليهم. فخطر ببال المرأة أن تغامر فاتشحت بثياب رثّة وحملت تحت إبطها صرّة جعلت فيها ثوباً وشالاً ناعمين وبعض الحليّ وخرجت إلى محلّة القدّيس. هناك أخذ المطر يتساقط. وبان كأن عدو الخير رتّب منظراً يثير شفقة القدّيس فيستقبل المرأة ويقع في المحظور. كل ذلك بسماح من الله. قرعت المرأة الباب ففتح. وإذا به أمام مخلوق رثّ الثياب والمطر يسحّ منها، في فاها الويل والترجّي أن يستقبلها لئلا تفترسها الوحوش والوقت أمسى. ماذا عساه يفعل؟ لم يخطر بباله أن هذا ربما كان فخّاً إبليسياً، والنسّاك، عادة، ذوو حذر شديد. ولعل الله حجب عنه البصيرة تدبيراً ليضيء ظلمته فيما بعد.

قبل القدّيس المرأة لديه. أعدّ لها ناراً لتستدفئ وقدّم لها بعض ما عنده من المأكل، خبزاً أو تمراً. ثم تركها إلى قلاية داخلية كانت له واستغرق في صلاته وتلاوة مزاميره. ماذا حدث بعد ذلك ليس واضحاً. قيل أن المرأة غيّرت حلّتها. لبست الغوى بعدما لبست المسكنة. وقيل اقتحمت قلايته الجوانية. كذلك قيل أنه جاء إليها مفتقداً فألفاها على مظهر أسر قلبه. أنّى يكن الأمر فإن مرتنيانوس اجتاحته التجربة وتحرّكت لها أحشاؤه حتى قبلها ومال إليها، لاسيما للكلام المخدّر الذي سمعه منها عن عرس قانا الجليل وزواج بعض الأنبياء والقدّيسين وإنه ليس في الحب ما يضير. الإطار المسرحي من وجهة بشريّة وشيطانية كان مبكّلاً. وبالنتيجة أذعن القدّيس للأمر المعروض عليه. أمر واحد بقي أمامه أن يتأكد من أن أحداً ليس في الخارج، وليس تحت عين إنسان. وإذ خطر ذلك بباله قفز إلى خارج القلاية ليتأكّد من خلو الساحة لديه. في تلك اللحظات القليلة اخترقت قلبه رأفة الله بهيئة صورة للهاوية التي هو مزمع أن يلقي بنفسه فيها فانصدم وارتدّ تائباً. لمح مرارة المرّ مذاقاً فثاب إلى رشده. للحال جمع حطباً وأشعل ناراً ووطئها حافي القدمين ولسان حاله: انظر قبل أن تباشر النجاسة إن كنت قادراً على احتمال نار جهنم عقاباً! وإذ احترقت قدماه وعظم ألمه واشتدّ نخس قلبه حرقة فوق حرقة، أخذ يعول بدموع سخيّة فبلغ صوته أذني المرأة فخرجت تستطلع أمره فألفته في أسوأ حال. وقد ذكروا أن المرأة هربت لتوّها. وذكروا أيضاً أن رهبة المشهد زلزلتها فبان ما فعلته في منتهى العبث والوحشية. وإذ اضطربت أعماقها تابت إلى ربّها وأخذت تتوسّل للقدّيس أن يسامحها ويعينها إن كان لها خلاص. كذلك رووا أن القدّيس بعث بها إلى دير القدّيسة باولا في بيت لحم حيث سلكت في توبة صدوق اثنتي عشرة سنة إلى أن تكمّلت بالقداسة. وللمرأة في التراث اسم هو زويي.

أما رجل الله فاحتاج إلى سبعة أشهر ليسترد عافيته ثم غادر مكانه.

هام على وجهه في البرية يبحث عن مكان لا وصول لأحد إليه. كان يظن أن البعاد كاف ليحول بينه وبين الناس، لاسيما النساء، وليقيه شرّ تجارب إبليس. أخيراً، دون أن يعرف كيف، بلغ شاطئ البحر. هناك التقى رجلاً تقياً، صاحب مركب، يعرف دواخل البحر جيداً. فسأله عن مكان مقطوع بالتمام عن الأنس. فدلّه على صخرة كبيرة في عرض البحر، يتعذّر على أحد الوصول إليها. وإذ حرّك الرب الإله قلب الرجل رضي أن يأخذ مرتنيانوس إليها وأن يأتيه كل بضعة أشهر ببعض الماء والطعام والخوص لشغل السلال.

قبع مرتنيانوس على تلك الصخرة عشر سنوات لم يُقلق هدوءه خلالها أحد. ثم حلّت ساعة التجربة من جديد.

سفينة انكسرت بقرب المكان وهلك من كانوا على متنها إلا صبية فتّانة تمسّكت بخشبة بين حطام السفينة بقرب صخرة القدّيس رأته الصبية فاستغاثت ونادته. وإذ لاحظها خطر بباله أن تكون تلك تجربة أخرى شطّطها له إبليس بقرب مأواه ليوقع به. حدّق جيداً. كيف يترك الصبية عرضة للهلاك! فأتى إليها وأعانها حتى أخرجها إلى الصخرة. وما أن استردّت أنفاسها قليلاً حتى قال لها أنه لا يستطيع أن يبقى في مكانه معها. عليه أن يذهب. أما هي فلتبق إلى أن يأتي صديقه، صاحب المركب، وهو يعينها إلى بلدها. وإذ أسلمها ما لديه من طعام وشراب استودعها الله وألقى بنفسه في المياه كبين يدي الله الحي، فإذا بدُلفين ينقله على ظهره إلى الشاطئ.

أما الفتاة فلكي تؤدي الشكر لله فإنها آثرت قضاء بقية أيام حياتها ناسكة على الصخرة. وقد ورد أنها استمرت كذلك سنين إلى أن رقدت بالرب واسمها فوتين. وإن صاحب المركب وزوجته هما اللذان أخذاها، بعدما رقدت، ووارياها الثرى.

أما مرتنيانوس فشكر الله جزيلاً على حسن رعايته وقرّر، مذ ذاك، أن يسوح ولا يقيم في مكان إلا عبوراً. وقد ورد أنه مرّ بما يزيد على المائة مدينة في غضون سنتين إلى أن وصل إلى أثينا حيث رقد.

هذا ويبدو أنه كان لقدّيسنا إكرام جزيل في الشرق، لاسيما في القسطنطينية، في كنيسة بقرب آجيا صوفيا.

++++++++++++++++

فبشفاعة قدّيسك , ايها الرب يسوع المسيح , الهنا , ارحمنا وخلّصنا آمين

الأحد 26 كانون الثاني(  أحد توبة زكا   )تبرز صورة زكا العشار في إنجيل اليوم لتعلّمنا أنّ الإنسان الملتهب بالشوق الإلهي و...
26/01/2025

الأحد 26 كانون الثاني

( أحد توبة زكا )

تبرز صورة زكا العشار في إنجيل اليوم لتعلّمنا أنّ الإنسان الملتهب بالشوق الإلهي والساعي إلى خلاص نفسه يعمل بكل قدرته لكي يحطّم كل حاجز يقف بينه وبين هذا الخلاص. لقد كان يسوع على تواصل دائم مع العشارين والخطأة لأنّه "لم يأتِ ليدعوَ صدّيقين بل خطأةً إلى التوبة".

كان زكّا رئيسًا للعشارين لأجل ذلك كان غنيًّا جدًّا إلَّا أنّه لم يستعمل غناه ليفخر وليتكبّر هو الذاهب إلى يسوع بل أراد بتواضع هائل أن يرى يسوع ملتمسًا رؤيته عن قرب هو القصير القامة فدفعه عشقه الإلهي أن يصعد إلى جميزة، وكأننا بزكا يرتفع عن الأرضيات إلى السماويات، يرتفع عن أمور الأرض والبشر ليلاقي خيرات السماء. يقول القديس كيرلس الإسكندري تعليقًا على إنجيل زكا: لا يمكن للإنسان أن يرى المسيح ويؤمن به إلَّا بالصعود إلى الجميزة، إذ يشبّه شجرة الجميز بالشريعة وثمار الجميز بتطبيق الشريعة، وبالأفكار ونوايا القلب: مثل الإنقطاع عن الرذيلة والإبتعاد عن ممارسة الشر. زكا تحوّل من الرذيلة إلى الفضيلة لأجل ذلك دعاه الرب لينزل بسرعة، إستجاب زكا بفرح كبير ليكسب من هو أعظم من الشريعة الرب يسوع المسيح. علم الرب شوق زكا المقدس وهو لا يستريح إلَّا حيث يوجد قلب مؤمن مستعد أن يفتح له أبوابه فدعاه ودخل إلى بيته. تذمّر الجميع من الوضع قائلين: كيف يدخل الرب إلى بيت رجل خاطىء؟ لكنّه إنسانٌ تائب.
هذه هي صورتنا نحن الذين نريد أن نحتكر الرب لأنفسنا ولا نريد الخلاص لغيرنا، وقد يكون هذا الغير أفضل منّا بكثير. هكذا ظهر زكا أفضل من كل المدّعين أنهم أتقياء الله. وقف وقال ليسوع: "هاءنذا أعطي المساكين نصف أموالي وإن كنتُ قد غبنتُ أحدًا في شيء أردّ أربعة أضعاف". رمى زكا نفسه بين يدي الرب فقال له يسوع: "اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت لأنّ ابن البشر إنّما أتى ليطلب ما قد هلك". حقًا إنّ الله وبحسب قول الرسول بولس إلى تلميذه تيموثاوس: "يريد أنّ جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يبلغون". بالتالي لقد وعى زكا أنّ ماله الذي جمعه لا يستطيع أن يجلب له أثمن ما نبتغيه في الحياة أعني الخلاص، وحدهما الإيمان والأعمال يؤمّنان ذلك، والرب بالمقابل لم يبخل عليه بهذا الخلاص. إقتحم زكا باب الخلاص إقتحامًا ففتحه له الرب على مصراعيه. هل نسينا قول الرب يسوع في الإنجيل: "إنّ ملكوت الله يُغصب والغاصبون ينالونه؟"
أحبتي، يُعتبر إنجيل هذا الأحد من الأناجيل المهيّئة للدخول في مرحلة الصوم الأربعيني المقدّس إذ يعلّمنا كيفية العودة إلى أحضان الله. لقد علّق أحد اللاهوتيين المعاصرين على إنجيل زكا بقوله: كلّنا مثل زكا والعشارين بحاجة لأن نرفع أنفسنا فوق أهوائنا ونصل إلى المسيح. إبتعدنا قديمًا عن الله وتضعضعنا لكنّ المخلص مازال يسعى وراءنا، يدعو نفسه إلى منازلنا اليوم رغم أنّنا خطأة فلا نتلهّى بأمور الدنيا وهمومها، فلنفرح بالرب ولنستقبله بذراعين ممدودتين ونعوّض عما اجترمناه ليفرح بنا هو الذي يفرح بإنسان يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارّ في السماء – آمين.

شاركونا فرحتَنا بنذورِ أختنا سالي، وصلوا معنا لثباتِها بدعوتها وقداستِها 🙏🏼🙏🏼🙏🏼
26/01/2025

شاركونا فرحتَنا بنذورِ أختنا سالي، وصلوا معنا لثباتِها بدعوتها وقداستِها 🙏🏼🙏🏼🙏🏼

اليوم 17 كانون الثانيتذكار  القديس البار انطونيوس الكبير أبو الرهبان( 356م)ميلاده ونشأته‏‏ولد القديس أنطونيوس في قرية صغ...
17/01/2025

اليوم 17 كانون الثاني

تذكار القديس البار انطونيوس الكبير أبو الرهبان

( 356م)

ميلاده ونشأته
‏‏ولد القديس أنطونيوس في قرية صغيرة في صعيد مصر تدعى كوما قرابة العام 250م. كان أهله من أعيان البلد، ذوي ثروة يعتدّ بها، مسيحيّين فنشأ على التقوى. وكانت له أخت أصغر منه سنّاً. اعتاد ملازمة البيت إلا للضرورة أو للخروج إلى الكنيسة. ولمّا يشأ أن يحصّل العلم الدنيوي تجنّباً للخلطة بالناس. لكنه كان يصفي جيِّداً لما يُقرأ عليه ويحفظه في قلبه. سلك في بساطة وامتاز بكونه رضيّاً وعفّ عن الملذات.
‏لما توفّي والده تأمّل فيه وقال: تبارك الله! أليست هذه الجثّة كاملة ولم ‏يتغيّر منها شيء البتة سوى توقّف هذا النفس الضعيف؟! فأين هي همّتك وعزيمتك وسطوتك العظيمة وجمعك للمال؟! ثم أردف: إن كنت أنت قد خرجت بغير اختيارك فلا أعجبنّ من ذلك بل أعجب أنا من نفسي إن عملتُ مثل ما عملت أنت. وقد ذكر القدّيس أثناسيوس الكبير أنه ترك العالم بعد وفاة أبيه بستّة أشهر. فيما ذكرت مصادر أخرى أنه ترك والده بغير دفن وخرج يهيم على وجهه مخلّفاً وراءه ما كان له من مال وأراضٍ وخدم. لسان حاله كان: ها أنا أخرج من الدنيا بإرادتي كيلا يخرجوني مثل أبي رغماً عنّي. عمره، يومذاك، كان ثمانية عشر أو ربما عشرين ربيعاً.
رهبنته
ا‏نصرف أنطونيوس إلى النسك متأمّلاً في ذاته، متدرِّباً على الصبر. لم يكن في بلاد مصر يومذاك أديار. فقط بعض الشيوخ كان يتنسّك، هنا وثمّة، في مكان قريب من بيته أو قريته. فتّش أنطونيوس عن مثل هؤلاء في جواره فوجد بعضاً. كان منهم، على حد تعبير القدّيس أثناسيوس، "كالنحلة الحكيمة" لا يرجع إلى مكانه إلا بعدما يراهم ويتزوّد لديهم بما ينفعه في طريق الفضيلة. يتعلّم من الواحد الفرح ومن الآخر الصلوات الطويلة. من هذا التحرّر من الغضب ومن ذاك الإحسان. يأخذ عن فلان السهر وعن فلان الصبر وعن فلان النوم على الأرض. لاحظ وداعة هذا وطول أناة ذاك، وتشدّد بإيمان هذا ومحبة ذاك.
ملاك يزوره
‏كان أنطونيوس جالساً في قلايته، يوماً، فاستبدّ به روح ملل وصغر نفس وحيرة فضاق صدره وأخذ يشكو إلى الله حاله قائلاً: أحبّ يا رب أن أخلص، لكن الأفكار لا تتركني، فماذا أعمل؟ فجأة رأى إنساناً جالساً أمامه يلبس رداء طويلاً، وهو متّشح بزنّار صليب كالإسكيم الرهباني، وعلى رأسه قلنسوة. وأخذ الرجل يضفر الخوص. ثم قام للصلاة. ثم جلس من جديد وأخذ يعمل في ضفر الخوص وهكذا دواليك. كان هذا ملاكاً من عند الله جاء يعزّي القدّيس ويقوّيه ويعلّمه. لذلك قال له: "اعمل هكذا تسترح!".
‏من ذلك الوقت، اتخذ أنطونيوس الزيّ الذي رأى الملاك متّشحاً به وصار يصلّي ويعمل على الوتيرة التي رآه يعمل بها، فاستراح بقوة الرب يسوع.
صلاة وعمل وسماع
كان أنطونيوس يصلّي باستمرار ويعمل بيديه. أما عمله فكان يبيعه ويستعين بالمحصلة لتأمين حاجة نفسه إتماماً لما قيل "بعرق جبينك تأكل خبزك". أما الباقي فكان يوزّعه على الفقراء.
‏إلى ذلك كان يصغي إلى تلاوات الكتاب المقدّس ما وسعه إلى ذلك سبيلاً ويجهد حتى لا يسقط شيء مما يتلى على الأرض. همّه كان أن يحفظه ليكون في ذاكرته بديلاً عن الكتاب المقدّس.
هجمات شيطانية
‏لم ترق غيرة أنطونيوس لعدو الخير فأخذ يتصدّى له بقوة متزايدة. أخذ يذكّره بالممتلكات التي خلّفها وراءه ليبثّ فيه الأسى، وبأخته التي أهملها ليشعره بالذنب. عظّم لديه حلاوات مودّة الأقرباء وأطايب العيش. لو بقي في قومه لنفعهم وكان فيهم سيِّداً. نفخ فيه الشرّير روح المجد الباطل. ذكّره، بالمقابل، بصعوبات الفضيلة وجهاداتها. لفته إلى ضعف جسده وطول المدة التي ينبغي عليه تمضيتها في أتعاب قد لا تتمخّض في النهاية عن شيء. وشوش له أن جهده هذا مضيعة للوقت فيما الشباب يعبر ولا يعود. أثار في ذهنه الأفكار القبيحة ودغدغه في جسده وظهر له في الليل بهيئة امرأة لعوب. كل هذا وغيره قاومه أنطونيوس بالثبات والعزم والإيمان بالله والصلاة المستمرة والصوم وذكر الموت والنار والدود. وبنعمة الله غلب.
‏لم يطق عدو الخير غلبة الشاب عليه. أخذ يصرّ بأسنانه وكأنه خرج من طوره. أخذ يظهر له في الخيال كعبد أسود. كفّ عن مهاجمته بالأفكار واتخذ صوتاً بشرياً. سأله أنطونيوس من أنت؟ فقال: أنا صديق الزنى. أنا من ينصب فخاخ الزنى ويثير الدغدغة في الشباب. أنا روح الزنى. فاعتصم أنطونيوس بالله وواجه الشيطان بشجاعة قائلاً: أنت تستحق كل احتقار! أنت مظلم العقل وعديم القوة! مثلك مثل ولد صغير! لن أهتمّ لك بعد اليوم لأن معيني الرب. فلم يعد الشيطان يجسر على الدنو منه. غادره بأصوات مخنوقة من الخوف.
تحصينه لنفسه:
‏لم يظهر أنطونيوس أي تكاسل أو تراخ لانتصاره على الشيطان. كان يعرف أن الشيطان لا بدّ أن يعيد الكرّة وبطرق أخرى "لأن الشيطان ربيب الخطيئة". لهذا السبب زاد أنطونيوس من قسوته على نفسه. فكثيراً ما كان يمضي الليل ساهراً في الصلاة. لا يأكل سوى مرة واحدة في اليوم، بعد غروب الشمس، أحياناً كل يومين وأحياناً كل أربعة أيام. طعامه كان الخبز والملح والماء. لا ينام إلا قليلاً على الأرض، ولا يمتّع نفسه بأية لذّة جسدية. يبدأ حياته النسكية من جديد كل يوم وكأنه أول يوم له في النسك. همّه كان أن يظهر أمام الله طاهر القلب، مستعداً للسلوك في مشيئته بكل قواه.
بين القبور
‏ولكي يضيِّق أنطونيوس على نفسه طلب السكنى في قبر، بعيداً عن القرية. طلب من أحد معارفه أن يأتيه بالخبز. أغلق عليه صاحبه الباب وانصرف. فاهتاج الشيطان وأبالسته وكأن أنطونيوس جاء يهاجمه في عقر داره، في مقر الموت. فانقضّ عليه، ذات ليلة، وجرّحه كثيراً حتى سقط على الأرض. كان الألم عليه شديداً، أشدّ من ضربات الإنسان بمقادير، ولم تعد فيه قوة على الكلام. لكن، بعناية الله، أتى صاحبه في اليوم التالي يحمل الخبز. فلما فتح الباب رآه مطروحاً على الأرض كالميت فحمله إلى كنيسة القرية حيث تحلّق حوله الناس تحلّقهم حول رجل ميت. لكنه استردّ وعيه في نصف الليل. وإذ وجد الجميع نياماً إلا صاحبه أشار إليه بأن يعود به إلى القبر.
‏لم يقوّ أنطونيوس في القبر على الوقوف. استلقى على الأرض وأخذ يصلّي. ثم صرخ بقوة: أنا هو أنطونيوس! أنا هنا! لن أهرب من جراحاتكم! لا شيء يفصلني عن محبة المسيح. إني ولو اصطفّ عليّ عسكر فإن قلبي لا يخاف (مزمور26‏). فجمع الشيطان كلابه وهاجمه من جديد. بدا المكان كما في زلزلة وبدت الجدران مفتوحة والأبالسة تدخل وتخرج منها بشكل حيوانات متوحّشة وزحّافات. ثم أخذت تصوّر له وكأنها تنقضّ عليه لكنها لم تقترب منه ولا مسّته بأذى. غير أن ضجيج الأشباح كان مخيفاً وغضبهم عنيفاً. الضغطة عليه قوية كانت. ألمه الجسدي كان شديداً. بدا كأنه يُجلد ويُنخس. لكنه كان صاحياً، ساهراً، ساكن القلب. قال وهو يهزأ بالشياطين: لو كنتم تملكون القوة لكفاكم أن يأتي عليّ حيوان واحد منكم، لكن الرب جعلكم عديمي القوة!
‏وإذ رفع أنطونيوس نظره إلى سقف المقبرة رآه ينفتح شيئاً فشيئاً. وإذا بشعاع من النور ينزل عليه. فجأة اختفت الشياطين وزال ألم جسده وعاد البناء كما كان. فتنفّس أنطونيوس الصعداء وأدرك أنّه ربّه في النور فسأله: أين كنت؟‏! لماذا لم تظهر قبل الآن لتريحني من العذاب؟ فأتاه صوت يقول له: كنت هنا يا أنطونيوس. كنت انتظر جهادك. وبما أنك صبرت ولم تُهزم فسأكون لك عوناً على الدوام وسأعمل ليكون اسمك معروفاً في كل مكان. فلما بلغه الصوت تقوّى فنهض وصلّى وأحسّ بجسده أكثر قوة من ذي قبل. عمره، يومذاك، كان خمسة وثلاثين عاماً.
إلى الصحراء
‏بعد ذلك خرج أنطونيوس إلى الصحراء. لم يتخلّ الشيطان عن ألاعيبه. جعل له في سبيله قرصاً فضياً كبيراً وذهباً كثيراً فجاز بالكل وهو عالم أنه من الشرّير لإعاقته وإلهائه. ولما وجد عبر النهر حصناً مهجوراً مليئاً بالزحّافات عبر إليه وسكن فيه فهربت الزحّافات. أقفل على نفسه عشرين سنة لا يقبل الخبز إلا مرتين في السنة من السقف. فلما رغب قوم في الاقتداء به في نسكه أتوا وفتحوا الباب عنوة فخرج إليهم كمن هيكل الله، فتعجّبوا لأنهم رأوه في حالته المعتادة. لا ترهّل ولا ضعف. كان عقله راجحاً وحالته طبيعية. لم يكن عابساً ولا ضاحكاً. وقد أعطى الرب الإله بواسطته الشفاء لعدد كبير من المرضى الحاضرين وطهر آخرون من الشياطين. كما أعطاه الرب نعمة كبيرة في الكلام فعزّى الحزانى وصالح المتخاصمين. قال لهم: ينبغي ألا نصنع في العالم شيئاً أرفع من محبة المسيح. حثّهم على تذكّر الخيرات الآتية ومحبة الله للإنسان، وأقنع الكثيرين باختيار حياة التوحّد. هكذا نشأت الأديار على الجبال واستحالت الصحراء مدينة.
‏من خبرته
‏كلّم القديس أنطونيوس جماعة من الرهبان، مرة، قال: الكتاب المقدّس كاف للتعليم؛ لكن، حسناً أن يشدّد الواحد الآخر في الإيمان وأن نطيِّب النفس بالكلام الروحي. لا نفكِّرن في الرجوع إلى الحياة الدنيا بعد أن خرجنا منها. لا نقل إننا عتقنا في الحياة النسكية بل ليزد حماسنا وكأننا نبدأ كل يوم. كل ما في العالم نقايضه بشيء يساويه، أما وعد الحياة الأبدية فيُشرى بسعر بخس. إذا ما تركتم بيتاً أو ذهباً فلا تفتخروا ولا تكتئبوا. ما لم نكفر بكل شيء من أجل الفضيلة فسنتركه حتماً ساعة يأتي الموت، وعلى الأرجح لأناس لا نريدهم. لنثبت في نسكنا كل يوم عالمين أننا إن تهاونّا يوماً واحداً فلن يسامحنا الله بسبب ماضينا الحسن بل سيغضب علينا لتهاوننا.
‏إذا ما عشنا وكأننا نموت كل يوم فلن نخطأ. لنجاهد ناظرين دائماً إلى يوم الدينونة لأن الخوف والصراع ضد التجارب يحبطان سهولة اللذّة وينهضان النفس الساقطة. لا تخافوا عندما تسمعون عن الفضيلة لأنها ليست ببعيدة عنا وليست خارج أنفسنا بل فينا. الفضيلة أمر سهل يكفي أن نريده. روحانية النفس من طبيعتها، أي أن تكون مستقيمة كما خُلقت. اكتساب الفضيلة صعب عندما نضطر للبحث عنها خارج أنفسنا. أما إذا كانت فينا فلنحفظ أنفسنا من الأفكار الدنسة. لنجاهد كي لا يطغى علينا الغضب ولا تتسلّط علينا الشهوة. أعداؤنا مرعبون وخدّاعون وصراعنا هو ضدّهم. جمهرتهم كثيرة في الجو وهي ليست بعيدة عنا وأنواعها متعدّدة. يريدون إعاقتنا عن الارتفاع إلى السماوات حسداً لأنهم من هناك سقطوا. نحتاج إلى الصلاة الكثيرة والنسك لنحصل من الروح القدس على موهبة تمييز الأرواح. يجب على كل واحد منا أن يصلح سواه وفق خبرته مع الشياطين. لا تخافوا من هجماتهم لأنهم يُهزمون حالاً بالصلوات والأصوام والإيمان بالرب. لكنهم لا يتوقّفون عن الهجوم. يقتربون بغش وخبث، بالشهوة الدنسة، بالخيالات. لا نرتعب من الخيالات. ليست هي بشيء وتختفي بسرعة. يكفي الإنسان أن يحمي نفسه بالإيمان وإشارة الصليب. الشياطين وقحون جداً. هكذا يظهر رئيس الشياطين: "عيناه كهدب الصباح. من فمه تخرج مصابيح مشتعلة. شرار نار يتطاير منه. من منخاريه يخرج دخاناً كما من قدر منفوخ أو من مرجل. نَفَسُه يشعل كالجمر واللهيب يخرج من فمه" (أيوب4‏). يرعب ويتكلم بفخر واعتزاز. علينا ألاّ نخاف من ظهوراته ولا نأبه لكلماته لأنه كاذب ولا يتكلّم بالصدق أبداً. والمخلّص قبض عليه بصنّارة ووضع الرسن في فكّه كالدابة وكهارب أوثق منخره وثقب شفتيه. أوثقه الرب حتى نسخر منه.
‏والشياطين قادرة على أن تأخذ الشكل الذي تريده. فكثيراً ما تتظاهر، ‏وهي مختفية، بأنها ترتّل أو تتلو أقوالاً من الكتاب المقدّس. أحياناً تردّد ما نقرأه وكأنها صدى. تارة تنهضنا للصلاة كي لا ننام. تفعل هذا باستمرار لتمنع عنا النوم. تتخذ أحياناً شكل الرهبان وتتكلّم بتقوى لتخدعنا. تجرّ الذين خدعتهم إلى حيث تريد. لذلك لا نصغينّ إليها حين تنهضنا للصلاة وحين تنصحنا بألا نأكل أبداً وتتهمنا وتوبُخنا في أمور وافقتنا فيها سابقاً. والشياطين تسعى لتقود المستقيمين إلى اليأس، مظهرة لهم إن الحياة النسكية غير نافعة. تثير فيهم الاشمئزاز وتجعلهم يظنون أن الحياة ‏الرهبانية حمل ثقيل.
‏ومع أن الشياطين اعترفت بالحقيقة للرب: "إنك أنت ابن الله" (لوقا4‏) ‏فقد أغلق أفواهها وأعاقها عن الكلام خوفاً من أن تزرع الشر مع الحق، ومن أن نألفها ونصغي إليها، حتى ولو نطقت بالحق. فمن غير اللائق أن نتعلّم من الشيطان الذي لم يحافظ على مركزه.
‏وبما أن الشياطين لا تقدر على شيء فإنها تلجأ إلى التهديد، إذ لو كانت ذات قوة لما تردّدت في ارتكاب الشر حالاً ولما تركت مسيحياًَ واحداً على قيد ‏الحياة.
‏السلاح الكبير ضد الشياطين هو حياة مستقيمة وإيمان بالله. فهي تخاف ‏صوم النسّاك وسهرهم وصلواتهم ووداعتهم وسكينتهم وعدم محبّتهم للفضّة وكرههم للمجد الباطل واتضاعهم ومحبّتهم للفقراء وإحساناتهم وعدم غضبهم، وقبل كل شيء إيمانهم بالمسيح.
‏وإذا ما تظاهرت الشياطين بالنبوءة فلا تبالوا بها. إنها لا تعرف الأمور التي لم تحدث. وحده الله يعرف كل شيء قبل حدوثه. للشياطين أجساد أكثر خفّة من أجساد الناس لذلك تسرع وتخبر بأشياء حدثت بالفعل. وهي لا تفعل هذا حباً بالناس بل لتقنعهم بأنها قادرة فيثقوا بها؛ ومتى ملكتهم انقضّت عليهم وأهلكتهم. وهي تقوى على التخمين ولا تقوى على المعرفة المسبقة. فلا نعجبنّ بها ولو تكلّمت بالصدق أحياناً. ثم ماذا ينتفع الذين يصغون إلى الشياطين إذا ما عرفوا المستقبل قبل أيام؟ المعرفة لا تصنع الفضيلة ولا هي علامة الخُلق الصالح. لا يدان أحد لأنه يجهل المستقبل ولا يُطوَّب لأنه يعرفه. بل سيحاكم المرء على صونه الإيمان وحفظه الوصايا.
‏لا نتعبنّ للحصول على معرفة المستقبلات بل لإرضاء الله بسيرتنا. وأنا أؤمن أن النفس المتطهِّرة من الأفكار الشرّيرة والمحافظة على الطبيعة التي خلقها الرب فيها تقدر أن تكون رائية أكثر مما يرى الشيطان، لأنها تملك الرب الذي سيعلن لها كل شيء.
‏أما كيف نفرِّق الأرواح الشرّيرة عن الأرواح الصالحة فالرب يعطينا قوة التمييز بينها. لا يكون ظهور الأرواح الصالحة مرعباً بل هادئاً. تخلق فرحاً في النفس وشجاعة. والأفكار التي تولّدها تبقي النفس غير متزعزعة إلى أن تنيرها من هذا الفرح فتعرف. والأرواح الصالحة تطرح الخوف بالمحبة التي تظهرها كما فعل الملاك الذي ظهر للنسوة عند قبر الرب وعندما ظهر للرعاة. أما هجوم الأرواح الشرّيرة وظهورها الخيالي فترافقه جلبة وضربات وأصوات وصراخ كهجوم الأولاد الأشرار واللصوص. ومتى ظهرت ساد الرعب واضطراب النفس وتشويش الفكر والتهجّم والتهامل والحزن وتذكّر الأقرباء وخوف الموت. وفوق ذلك نتجت رغبة في الشر وكسل في اكتساب الفضيلة واضطراب في الخُلق. إذا رأيتم روحاً واعتراكم الخوف أولاً ثم حلّ محل الخوف فرح لا يُعبّر عنه وحماس وشجاعة وإقدام ومحبّة لله فتشجّعوا وصلّوا للرب. أما إذا رأيتم أرواحاً أثارت فيكم اضطراباً وضربات خارجية وتخيّلات دنيوية وتهديداً بالموت فاعلموا أن هذا هجوم من الأرواح الشرّيرة.
‏وتكلّم القديس أنطونيوس عن نفسه، قال: كم من مرة طوّبتني الشياطين وباسم الرب أبدتها! أتت مرّة في الظلام حاملة نوراً خيالياً وقالت: أتينا لننيرك يا أنطونيوس فأغلقت عينيّ وصلّيت فانطفأ نور الأشرار للحين. أتتني ترتّل وتتفوّه بآيات كتابية فكنت كأصمّ لا يسمع! ظهر لي مرة شيطان متعظّم طويل القامة جداً وتجرّأ على القول: أنا هو قوّة الله، أنا هو العناية الإلهية، ماذا تريد أن أعطيك!؟ أما أنا فذكرت اسم المسيح وبصقت عليه وأعتقد بأني لطمته. وحالما سمع اسم المسيح اختفى ومن معه. مرة كنت صائماً فأتاني الشيطان كراهب وفي يده خبز خيالي وقال لي: كلْ وكفّ عن العذابات الكثيرة. أنت إنسان وسوف تمرض! فأدركت حيلته ونهضت للصلاة فاختفى للحين.
‏عندما تأتي الشياطين إلينا فإنها تعاملنا بحسب حالتنا النفسية مكيِّفة ‏التخيلات التي تثيرها وفق أفكارنا وتفعل بمغالاة ما تجدنا مفكّرين فيه. فإذا وجدتنا خائفين أكثرت التخيّلات والتهديدات لتعذِّب النفس الشقيّة. وإذا وجدتنا فرحين بالرب، مفكِّرين في الصالحات ابتعدت عنا خازية. فلكي نزدري العدو علينا أن نتذكّر الإلهيات دائماً وأن تكون نفسنا فرحة.
اضطهاد وبطولة
‏وساد الكنيسة اضطهاد في زمن الإمبراطور الروماني مكسيميانوس. فترك القديس أنطونيوس منسكه وتبع الشهداء القدّيسين إلى الإسكندرية. حرّكه الشوق إلى موت الشهادة. لم يسلم نفسه بل خدم المعترفين بالإيمان في السجون والمناجم وشدّدهم أمام المحاكم. كان يقبِّل الشهداء ويرافقهم حتى يقضوا نحبهم. وقد عرّض نفسه للموت مراراً. كان يصلّي لكي يستشهد لكن الرب حفظه من أجل منفعتنا ومنفعة الآخرين. وعندما رأى الكثيرون أسلوب ‏حياته رغبوا في الاقتداء به.
إلى الصحراء الداخلية
‏‏لما رأى القدّيس أنطونيوس أن الناس يقمعونه ولا يتركون له فرصة للخلود إلى النسك على هواه فكّر في الصعود إلى ثيبة العليا حيث لا يعرفه أحد، لكن صوتاً جاءه وقال له أن يدخل إلى الصحراء الداخلية. ولكي يتبيّن الطريق إلى هناك مرّت به جماعة من البدو رضيت أن يصحبها. فبعدما سار ثلاثة أيام وثلاث ليال أتى إلى جبل عال فيه مياه عذبة باردة وسهل يضمّ أشجاراً من النخيل.
‏عاش أنطونيوس هناك وحيداً أوّل الأمر وكان البدو يمرّون به ويقدّمون له بعض الخبز. اكتفى بالخبز والبلح. ثم عرف تلامذته مكان وجوده فأخذوا يرسلون إليه الطعام. كما أتوه بمعول وفأس وبعض القمح فأخذ يفلح الأرض ويزرعها. قصده كان أن يأكل من تعبه ويخفّف عن الإخوة مشقة تزويده بما يحتاج إليه. كما زرع بض الخضار لأن قوماً كانوا يزورونه، فأحب أن تكون لهم الخضار عزاء. وكانت الوحوش تأتي وتشرب من الماء في بقعته، وكثيراً ما أتلفت مزروعاته. فأمسك وحشاً بلطف مرة وقال له: لماذا تسبّبون لي الأذى وأنا لا أصنع بكم شرّاً؟ ‏باسم الرب يسوع ابتعدوا عن المكان! من ذلك الحين لم تعد الوحوش تقترب.
خارج نفسه
‏نهض أنطونيوس، مرة، للصلاة في الساعة التاسعة فشعر بأنه يُخطف عقلياً. كان ينظر إلى نفسه وكأنه واقف خارجها، كما أحسّ بأن هناك من يقوده في الفضاء. غير أن جماعة من الأرواح الشرّيرة اعترضت سبيلهم وطلبت أن تعرف ما إذا كان أنطونيوس مسؤولاً أمامها أم لا. ولما رغبوا في محاسبته على أعماله منذ يوم ولادته لم يسمح لهم الذين كانوا يصطحبونه قائلين: كل شرّ فعله من يوم ولادته محاه الرب. ولكن مسموح لكم التحدّث عما فعله من اليوم الذي صار فيه ناسكاً وأعطى الرب وعداً. وإذ كانت التهمة من دون إثبات خلت طريقه من العوائق. فلما عاد أنطونيوس إلى نفسه رأى أنه واقف أمام ذاته، فاندهش لأنه عرف كم علينا أن نحارب من الأعداء وبأية أتعاب سيعبر المرء الفضاء.
خُلقه
‏كان أنطونيوس يحترم قوانين الكنيسة ويجلّ الإكليروس ويحني رأسه للأساقفة والكهنة. لم يكن يخجل من أن يتعلّم من أحد. كما كان يطرح الأسئلة ويرجو أن يسمع آراء الإخوة. وإذا ما اتفق أن وُجد وسط جمهرة من الرهبان وأراد أحدهم التعرّف إليه، كان يدنو منه على الفور ويوجّه كلامه إليه. لم يكن مختلفاً عن باقي الرهبان في طول قامته وعرضها بل خُلُقه وطهارة نفسه. نفسه هادئة وحواسه مستكينة ووجهه وضّاء لفرحه بالرب. كل حركات جسده كانت تعكس حالة روحه. ولم يكن عابساً أبداً.
دحضه للهرطقات والمنشقين
‏وكان للقدّيس دوره في دحض عدد من الهرطقات التي شاعت في زمانه. لم يكن في شركة وأتباع مليتيوس، أسقف ليكوبوليس المصرية، الذي سام أشخاصاً من خارج أبرشيته فأحدث شقاقاً دام سنوات. كما علّم أن مصادقة المانويين، القائلين بإلهي الخير والشر، دمار للنفس. وأوصى بعدم الاقتراب من الآريوسيين أو مشاركتهم معتقدهم الوخيم. وقد طرد الآريوسيّين الذين أتوا إليه في الجبل ليكلّموه. قال إن كلامهم أخطر من سمّ الأفاعي.
‏يذكر أن أنطونيوس نزل من الجبل وأتى إلى الإسكندرية ليشهد للإيمان القويم ويشجب الآريوسية. قال: هذه الهرطقة سابقة للمسيح الدجّال ولا يختلف أتباعها عن الوثنيّين في شيء. وقد أخرج الرب الإله على يديه، هناك، شياطين كثيرة. كما أثّر في نفوس العديد من الوثنيّين حتى قيل إن الذين اعتنقوا المسيحية بفضله، في أيام قليلة، فاق الذين يعتنقونها في سنة كاملة. ولما أراد قوم إبعاد الجموع عنه لئلا يزحموه ويزعجوه أجاب: ليست الجموع أكثر عدداً من الشياطين التي نصارعها في الجبل!
مع الفلاسفة
‏لم يتعلّم القديس أنطونيوس القراءة والكتابة، لكنه كان رجلاً ذكياً حكيماً. جاءه مرة فيلسوفان فعرفهما من وجهيهما وقال لهما من خلال مترجم: لماذا أتعبتما نفسيكما في المجيء للقاء رجل أحمق. ولما قالا له إنه ليس أحمق بل حكيماً، أجابهما: إذا ابتغيتما رجلاً أحمق فباطلاً تعبتما وإذا حسبتماني فطناً فكونا مثلي لأن المرء يحبّ أن يقتدي بالخير. فتعجبّا منه وتركا المكان.
‏وظنّ فلاسفة آخرون، أتوا إليه، أن بإمكانهم أن يسخروا منه، فسألوه: هل العقل سبب العلم أم العلم سبب العقل؟ ‏أجاب: ذو العقل الصحيح لا يحتاج إلى العلم! فاندهشوا وذهبوا متحيّرين.
‏هذا ولم يكن أنطونيوس فظّ الخُلق بسبب عيشه في الجبل بل كان فرحاً واجتماعياً، وكان القادمون إليه يُسرُّون به.
‏مرة، حاول بعض الفلاسفة استعمال القياس المنطقي في كلامهم على الصليب الإلهي، فحدّثهم طويلاً ثم ختم حديثه بالقول: أنتم لا تؤمنون بالله لأنكم تطلبون مقاييس منطقية. نحن لا نعتمد أساليب الحكمة الهلينية في الإقناع بل نُقنع بالإيمان الذي يسبق الصناعة المنطقية. وكان هناك، قريباً منه، مرضى بهم شياطين فأقامهم في الوسط قائلاً: أبرئوا هؤلاء بقياسكم المنطقي أو بأي فن آخر أو بالسحر وادعوا أصنامكم! فإذا كنتم لا تقدرون على إخراج الشياطين فأوقفوا حربكم ضدّنا فتروا قوة صليب المسيح. ولما قال هذا دعا باسم يسوع ورسم إشارة الصليب ثلاث مرّات على المرضى فنهضوا للحين كاملي العقل يسبّحون الله. فتعجّبوا وانصرفوا بعدما قبّلوه واعترفوا بالفائدة التي نالوها منه.
‏يذكر أن آخر الدراسات بشأن رسائل القدّيس أنطونيوس السبعة بيّن أن قدّيسنا لم يكن أميّاً وكان يعرف اليونانية بعضاً وكان عارفاً ببعض التيّارات الفلسفية، أقله في المستوى الشعبي، كما كان متأثّراً بفكر المعلمين اللاهوتيين ‏المصريّين، أمثال أوريجنيس وكليمنضوس الإسكندري.
الرهبان كالسمك
‏جاء إلى أنطونيوس، مرة، قائد عسكري ورجاه أن ينزل من الجبل لمقابلته فنزل وكلّمه وطلب العودة سريعاً، فتمنى القائد عليه أن يبقى معه مدّة أطول فأجابه: إذا بقي السمك على اليابسة طويلاً مات، وإذا أقام الرهبان بين الناس طويلاً أصيبوا بالتراخي.
توديعه ورقاده
‏وكان جبل القديس أنطونيوس جبلين، واحد خارجي وواحد داخلي. وقد اعتاد زيارة الرهبان في الجبل الخارجي. فلما أتاهم مرة عرّفته العناية ‏الإلهية أنه على وشك المغادرة إلى ربه فكلّمهم قائلاً: هذه هي زيارتي الأخيرة لكم. لا أدري إذا كنا سنلتقي في هذه الحياة بعد اليوم. حان وقت رحيلي وقد بلغت مائة عام وخمسة. فبكوا وعانقوه. فكلّمهم وكأنه يترك مدينة غريبة ليعود إلى مقرِّه. أوصاهم ألا يتهاملوا في الأتعاب ولا يكلّوا في النسك بل أن يعيشوا وكأنهم يموتون كل يوم. كما أوصاهم بحفظ أنفسهم من الأفكار الدنسة، والسلوك في غيرة القدّيسين وحفظ تقليدات الآباء. ثم غادرهم.
‏بعد أشهر قليلة مرض فدعا الناسكين اللذين كانا معه خمسة عشر عاماً وخدماه في شيخوخته. قال لهما: ها أنا أسير على طريق الآباء والرب يدعوني. فكونا صاحيين. اهتما بالحفاظ على غيرتكما كما لو كنتما في البداءة. تنفّسا المسيح دائماً و آمنا به. تذكّرا نصائحي. اتحدا أولاً بالمسيح ثم بالقدّيسين الذين ستلتقيانهم بعد الموت في المساكن الأبدية. لا تفسحا في المجال للآخرين بنقل جسدي إلى مصر كي لا يضعوه في بيوتهم. ادفنا جسدي تحت التراب ولا يعرف أحد غيركما المكان لأني سأحصل عليه بلا فساد في قيامة الأموات. وزّعا ثيابي. أعطيا أثناسيوس ثوبي الذي كان كفراش لي والأسقف سرابيون ثوبي المفرّى الآخر، واحتفظا أنتما بكسائي المكسو بالشعر.
‏وحالما قال هذا عانقاه فمدّ رجليه ونظر إليهما كصديقين قادمين إليه، ‏وفرح جداً والتمع وجهه بهاءً. ثم مات وانضمّ إلى الآباء.
تعليق القديس اثناسيوس
‏وقد ختم القديس أثناسيوس سيرة القديس أنطونيوس بالقول إنه لم يُعرف بسبب مؤلفاته ولا بسبب حكمة خارجية أو فن ما بل بسبب اتّقائه لله. فلا أحد ينكر إنها موهبة من الله، إذ كيف وصلت شهرته إلى إسبانيا وفرنسا وروما وإفريقيا وهو قابع في الجبل لو لم يكن من أخصّاء الله؟ ‏فحتى لو عمل أخصّاؤه في الخفاء وسعوا إلى تجنّب انتباه الناس فإنهم يعرفون.
‏ثم خاطب القديس أثناسيوس الرهبان الذين وجّه إليهم كتابه فحثّهم على قراءته على بقية الإخوة ليعرف الجميع كيف يجب أن تكون حياة الرهبان ويقتنعوا بأن الرب يسوع يمجِّد الذين يمجِّدونه ويقود الذين يخدمونه إلى النهاية.

+++++++++++++

فبشفاعة قدّيسك , أيها الرب يسوع المسيح , إلهنا , ارحمنا وخلّصنا آمين .

Address

شارع مجمع نهاد نوفل الرياضي
Joünié

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when دير سيدة المدائح posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share