10/08/2024
تأمّل من وحي قراءات الأحد الثالث عشر من زمن العنصرة بعنوان "الغارس والساقي"
في الرِّسالة المختارة لهذا الأحد (1 قور 3: 1-13)، قال بولس الرَّسول: "أنا غرستُ، وأبُلُّوس سقى، ولكنَّ الله هو -الَّذي كان ينمي. فلا الغارس بشي ولا السَّاقي، بل اللَّه الَّذي ينمي" (1 قور 3: 6-7). يلزم أن تُغرَس البذور وأن تُروَى بالماء، لكنَّ النموَّ لا يتحقَّق بالغَرس في ذاته ولا بالماء، إنَّما بالله الَّذي يهب البذرة الحياة ويُقدِّم لها الماء لنموِّها. الله هو الَّذي يدبِّر أمر الغارسِين والسُّقاة، ولكنَّه يبقى هو واهبُ الحياة.
هذا ما نُنشده في الشِّحيمة المارونيَّة إذ نقول: "الأرض أعطَت نبتًا عُشبًا مُبزِرًا وشجرًا مُثمِرًا خصبَا، هَا إنَّ كلَّ صِنفٍ من نَبتِ الأرضِ يشدو الحَمدَ المُبدِعَ الرَّبَّ" (اللَّحن الأوَّل في صلاة صباح الثُّلاثاء من الزَّمن العادي). فإن أعطت الأرض الثَّمر في أوانه، فما ذلك إلَّا لأنَّ "الرَّبَّ الإله" هو الَّذي "غرس جنَّةً في عدنٍ" (تك 2: 8)، وهو نفسه الَّذي "يُنبتُ من الأرضِ كلَّ شجرةٍ حسنة المنظَر وطيِّبة المأكل... وكان نهرٌ يخرجُ من عَدنٍ فيَسقِي الجنَّة" (تك 2: 9، 10).
كذلك، يدلُّ الغارس، في إنجيل هذا الأحد (لو 8: 1-15)، على يسوع نفسه. إذ "يدعو يسوع تعاليمه هنا بِذَارًا، ونفوس البشر حقلًا مُفلَحًا، ويدعو نفسه الزَّارِع" (القدِّيس يوحنَّا فم الذَّهب، العظات، العظة 44، 3). يُشير فعل "خرجَ" (لو 8: 5) في الأصل اليونانيّ (exêlthen) إلى الزَّارع الَّذي يخرج من البيت. أمَّا فعل "ليزرع"، فيشير إلى الفلَّاح الَّذي ينثر في أرضه البذار، وهو يمشي في الحقل، وهكذا ينتشر ملكوت الله على الطَّريق ببذر "كلمة الله" (لو 8: 11).
يُنهي يسوع شرحه لمَثل الزَّارع قائلًا: "أمَّا الَّذي وقع في الأرض الجيِّدة فهُم الَّذين يسمعون الكلمة بقلبٍ جيِّد" (لو 8: 15). كلماتُ يسوع هذه دعوةٌ لتُخصِب كلمة الله فينا، تمامًا كما في مريم الَّتي "كانت تحفظ كلَّ تلك الأمور وتتأمَّلها في قلبها" (لو 2: 19). لذلك، بُغيَة "سماع الكلمة بقلبٍ جيِّد" (لو 8: 15)، على مثال مريم، وتجسيدها في الحياة، ينبغي التأمُّل بمريم "التِّلميذة"، الَّتي لم تكن فقط إلى جانب يسوع، بل عاشت سرَّ تجديد القلب، بفضل بذرة الكلمة "الَّتي وُلدَت (فيها) ولادةً جديدة، لا من زرعٍ فاسد، بل من زرعٍ غير فاسد، بكلمة الله الحيَّة الباقية" (1 بط 1: 23). هذه «الفرح الآتي من الكلمة يمتدُّ إلى كلِّ الَّذين بالإيمان يُفسحون المجال لكلمة الله أن تحوِّلهم. يُقدَّم لنا إنجيل لوقا... سرَّ الإصغاء والفرح هذا. فيسوع يؤكِّد: "إنَّ أمِّي وإخوتي هم الَّذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" (لو 8: 21)» (البابا بنديكتوس السَّادس عشر، الإرشاد الرَّسوليّ "كلمة الرَّبّ"، العدد 124).
الأمّ دولِّي شعيا ر.ل.م.
#تأمل