09/04/2026
*الفصح في البيت: تربية على القيامة*
(الاب بسّام ناصيف)
في زمنٍ تتكاثر فيه التحدّيات، تبقى العائلة المكان الأوّل حيث ينمو الإيمان. كنسيًّا، انتهى زمن الصوم الكبير وبدأت أزمنة القيامة. غير أنّ مجتمعنا ما يزال يتخبّط في زمنٍ يسوده اضطرابٌ في القيم وجفافٌ روحيٌّ مؤلم. ونشهد، مع الأسف، تزايدًا مقلقًا لتجارب متنوّعة تُحيط بأولادنا، كالعنف والإباحيّة والإدمان بمختلف أشكاله، ما يترك أثرًا عميقًا في نفوسهم، وقد يتحوّل تدريجيًّا إلى سلوكٍ «مُطبَّع» في شخصيّاتهم.
يُشير الاختصاصيّون إلى أسباب عديدة، لكن الجذر الأعمق يبقى ابتعاد الإنسان عن المسيح، لأنّه هو قيامتنا وسلامنا، وهو المحبّة التي تعطي للحياة معناها. فعندما ينشأ الأولاد من دون صلاة، ومن دون كنيسة، ومن دون حضورٍ حيٍّ للمسيح في البيت، تبقى قلوبهم فارغة من سكن النعمة، وهذا الفراغ سرعان ما يمتلئ بالاضطراب واللامبالاة.
الفصح الحقيقيّ لا يظهر بأمور خارجيّة كالزينة والبيض والموائد، بل حين تُعيد العائلة المسيح إلى مركز حياتها.
فعندما يصلّي الوالدان ويتوبان، يتعلّم الأبناء السير في طريق الكنيسة. فالمسيح المصلوب والقائم هو المربّي الحقيقيّ. وإن لم نعرفه ولم نقدّمه لأولادنا، نخسرهم، ونخسر معهم مستقبل المجتمع والرجاء.
إذًا، البداية لا تكون عند أولادنا، بل عندنا نحن، كأهل. يبقى السؤال: كيف نقود أبناءنا إلى الكنيسة؟ هذا سؤال يسكن قلب كلّ أبٍ وأمّ يتوقان إلى رؤية أولادهما يسيرون في طريق الحياة الروحيّة، سؤال ينبع من المحبّة والقلق معًا. غير أنّ الطريق إلى الكنيسة لا يُفرَض بالقوّة، بل يُمهَّد بالمحبّة، ويُفتح بالقدوة، ويُثمر بالنعمة.
1.كن أنت الطريق الذي يسيرون فيه
أوّل ما يتعلّمه الطفل عن الله هو ما يراه في وجه والديه.
فالأطفال لا يسمعون العظات بقدر ما يقرؤون الحياة. عندما يرون أهلهم يذهبون إلى الكنيسة بفرح، ويعودون بسلام، أكثر وداعة وصبرًا ومحبّة، تتكوّن في داخلهم صورة حيّة وجذّابة عن الإيمان. وكما قال القدّيس بورفيريوس: "إذا أردتَ أن تُصلِح أولادك، فاسعَ أولًا إلى أن تصير أنت قدّيسًا". أولادنا مرآتنا. فالولد الذي يختبر المحبّة والاحترام بين أمّه وأبيه، يكتشف الإيمان كحياة، لا كواجب. أمّا إذا قُدّم له كقانونٍ جامد أو تقليدٍ شكليّ، يفقد قدرته على التغيير. في عالمٍ يتّسم بالسطحيّة، يصبح التوافق بين القول والفعل أقوى تربية روحيّة.
2. اجعل الكنيسة بيت فرح لا عبئًا ثقيلًا
لنحذر من تحويل الكنيسة إلى واجبٍ مُرهق أو عقوبة غير معلنة. طاقة الأطفال محدودة، ولا يُطلب منهم ما يفوق قدرتهم. يكفي حضورهم التدريجيّ، على أن تبقى الكنيسة مرتبطة في ذاكرتهم بالراحة والطمأنينة. ومن الجميل أن تتبع الصلاة لحظات فرح عائليّ: نزهة بسيطة، لقاء دافئ، أو كلمة حنان، ليشعر الطفل أنّ يوم الربّ هو يوم فرح.
3. الفهم يولِّد المحبّة
الملل غالبًا ثمرة الجهل. عندما نشرح للأطفال ببساطة ما يحدث في الكنيسة، نفتح أمامهم باب المشاركة. لماذا نشعل شمعة؟ لماذا نكرّم الأيقونات؟ إشراكهم، ولو بشكل بسيط، يجعلهم يشعرون أنّ الكنيسة بيتهم، وأنّهم جزء حيّ منها.
4. الأب الروحيّ: صورة الأب الحنون
من نعمة الله أن يلتقي الطفل أبًا روحيًا يستقبله بمحبة، يسمعه دون خوف، ويرشده بلغة تناسب عمره. عندما يشعر أنّ سرّ الاعتراف هو حضن رحمة لا محكمة، ينمو في داخله السلام والثقة بالله.
5. بالصلاة نصنع ما لا تصنعه الكلمات
الضغط يولّد العناد، أمّا الصلاة فتليّن القلوب. عندما يرفض الطفل أو يتعب، فلنحمله في صلاتنا بصمتٍ ومحبّة. صلاة الأهل الخفيّة أقوى من ألف توبيخ. وكما قال القدّيس بورفيريوس: "لا تُكثروا الكلام مع الأولاد عن الله، بل كَلِّموا الله عن الأولاد". وعندما يمتلئ البيت سلامًا ومغفرة، سيبحث الطفل يومًا عن مصدر هذا السلام، وسيجده في الكنيسة.
أخيرًا، لا نقود أبناءنا إلى المسيح بالكلام، بل بنور حياتنا. فحين يشعّ المسيح القائم في قلوبنا، ينجذب أولادنا إليه طبيعيًّا، كما ينجذب العطشان إلى النبع. فالنعمة تعمل بهدوء، لكنّها لا تُخطئ طريقها إلى القلب، فتجعله نابضًا برجاء القيامة.