02/09/2026
"خدمة لتفتح عيونهم"
تأمُّل روحي أسبوعي 02 سبتمبر 2026
اِطْمَئِنَّ... الرَّبُّ لَا يَزَالُ عَلَى الْعَرْشِ وَسَيَبْقَى!!
«إذا انقلبت الأعمدة، فالصدّيق ماذا يفعل؟ الرب في هيكل قدسه. الرب في السماء كرسيه. عيناه تنظران...» (مزمور 11: 3-4).
هناك أوقات لا تكون المشكلة فيها أنّ الطريق صعب،
بل أنّ الاتجاهات نفسها تختلط أمامك، فلا تعود تعرف:
أتمضي أم تنتظر؟
أتُجاهد أم تهدأ؟
أتطرق الباب مرة أخرى، أم أقبل أنّه لن يفتح الآن؟
قد تشعر أحيانًا أنَّ الرب يقول لك:
اهدأ.
لا تستعجل.
انتظرني.
أنا أعمل في أمور لا تراها الآن.
فتنتظر.
ويمرّ الوقت.
وما كنت تظنّ أنه سيتغيّر، لا يتغيّر.
وأمورٌ تعرف في داخلك أنّها لا ينبغي أن تبقى في حياتك، ما زالت قائمة.
والنتائج لا تُشجّع.
والباب يبقى مُغلقًا.
فتبدأ تشك، لا في الظروف فقط، بل حتى فيما كنت تظنّه واضحًا:
هل كان هذا فعلًا الرب؟
هل فهمت صوته كما ينبغي؟
هل هو يعمل فعلًا حيث لا أرى؟
ثم يأتيك اتجاه آخر:
قُمْ.
جاهد.
قاوم.
«أستطيع كل شيء في المسيح الذي يُقوّيني» (فيلبي 4: 13).
فتقوم.
وتُحاول.
وقد تفشل.
فتعود الحيرة:
هل أحتاج إلى مزيد من الجهاد، أم إلى مزيد من التسليم؟
هل أستمر، أم أتوقّف؟
صراع لا ينتهي داخل الرأس.
هذا يقول: تحرّك.
وذاك يقول: انتظر.
وهنا نفهم شيئًا من معنى أن «تنقلب الأعمدة».
ما كنت تقف عليه لتفهم الطريق وتختار اتجاهك لم يعد واضحًا أمامك،
وما كنت تظنه ثابتًا صار مُضطربًا في نظرك.
وهنا يصبح السؤال: «إذا انقلبت الأعمدة، فالصدّيق ماذا يفعل؟».
داود لم يبدأ بإصلاح الأعمدة، بل رفع عينيه أولًا إلى ما لم ولن ينقلب:
«الرب في هيكل قدسه. الرب في السماء كرسيه. عيناه تنظران... الرب يمتحن الصدّيق».
وهنا يبدأ الحل.
الرب في السماء كرسيه.
قد تكون أنت قد ضعت.
أمّا هو فلم يَضِعْ.
قد تختلط عليك الاتجاهات.
أمّا عليه فلا تختلط.
قد لا تعرف ماذا تفعل الآن.
أمّا هو فيعرف أين أنت، وما أمامك، وما وراءك، وما لا تستطيع أنت أن تراه.
أمانك ليس في أن تعرف دائمًا ماذا تفعل، بل في أن تعرف مَن يقودك.
ولهذا يقول الرب:
«أعلّمك وأرشدك الطريق التي تسلكها. أنصحك. عيني عليك» (مزمور 32: 8).
يا لها من إجابة.
عندما تضيع الطرق، ليست شطارتك هي المُنقذ.
ولا كثرة تحليلك.
بل أن تبقى أمام الرب بقلب خاضع وتقول:
يا رب، لا أريد الطريق الذي يُناسبني ثم أطلب منك أن تُباركه.
لا أريد أن أسمّي رغبتي صوتك، ولا عنادي إيمانًا، ولا تهاوني انتظارًا.
أنت أرشدني إلى الطريق التي أسلكها.
ولهذا تأتي الكلمة التالية كأمان عظيم: «عيناه تنظران».
ذات ليلة كان التلاميذ في وسط البحر.
الريح ضدهم.
والكتاب يقول إنهم كانوا: «مُعذّبين في الجذف».
هم لا يرون يسوع.
أما هو فكان على الجبل.
لكن مرقس يقول: «ورآهم...» (مرقس 6: 48).
الليل يطول، فرآهم.
الريح تُعاكسهم، فرآهم.
والمجاديف لا توصلهم، فرآهم.
ولم يكن عدم وصوله إليهم بعد دليلًا على أنَّه لم يرهم.
وهنا نرتكب خطأً قاسيًا على أنفسنا:
نُحوّل تأخُّر النتيجة إلى شك في حضور الله.
نقول: لو كان هو الذي قال لي: انتظر، لظهرَ شيء الآن.
لو كان يعمل فعلًا، لما بقيت الأمور كما هي.
لكن التلاميذ ظلّوا مُعذّبين في الجذف، والرب كان يراهم طوال الوقت.
ثمّ: «ونحو الهزيع الرابع من الليل أتاهم ماشيًا على البحر».
ربّما أرادوه منذ الهزيع الأول.
ومرّ الثاني، ثم الثالث.
لكنّه جاء نحو الهزيع الرابع.
ولم ينتظر حتى يهزموا البحر.
جاء ماشيًا فوق الشيء الذي عجزوا أمامه.
لكن انتبه: كان الرب يراهم، ومع ذلك كانوا يُجدّفون.
لم يرموا المجاديف ويقولوا: ما دام الرب يعرف أين نحن، فليفعل هو كل شيء.
جدّفوا.
وهذه أيضًا من حلول السماء: افعل ما تستطيع.
لكن هنا قد تسأل: ومن يؤكّد لي أنّني أفعل فعلًا ما أستطيع؟
من يؤكّد لي أنّني لا أتهاون ثم أسمّي تهاوني انتظارًا؟
ومن يؤكّد لي أنّني لا أستغلّ طول أناة الرب ونعمته معي،
فأحوّل رحمته إلى ذريعة للتراخي؟
وهنا نعود إلى الآية نفسها: «عيناه تنظران… يمتحن الصدّيق».
أنت لست متروكًا لتُحاكم نفسك وحدك.
قل له: «اختبرني يا الله واعرف قلبي. امتحنّي واعرف أفكاري. وانظر إن كان فيَّ طريق باطل، واهدني طريقًا أبديًّا» (مزمور 139: 23–24).
يا رب، أنت قُلْ لي.
إن كنت أتهاون، اكشفه.
إن كنت أختبئ خلف كلمة «انتظار»، أخرجني من مخبئي.
إن كنت أجاهد بعناد، أوقفني.
وإن كنت فعلًا أجدّف بما أستطيع وقد أنهكني البحر، فأنت تعرف ذلك أيضًا.
فالذي يرى البحر، يرى يدك على المجداف.
ويرى أيضًا اللحظة التي لم يعد مطلوبًا منك فيها المزيد من الجذف.
فلا ترمِ مجدافك لأن البحر أقوى منك،
افعل ما تستطيع.
لكن لا تنتظر النجاة ممّا تستطيع.
هناك موضع تنتهي عنده قدرتك، ولا ينتهي عنده الله.
ومع كل هذا، قد نُخطئ.
قد نتحرّك حين كان الأفضل أن ننتظر.
وقد ننتظر حين كان ينبغي أن نتحرّك.
لكن حتى هنا، يبقى أماننا في الراعي.
صديقي، اتكل على:
أمانة الراعي، لا على كمال الخروف.
حكمة الراعي، لا على فهم الخروف.
معرفة الراعي بالطريق، لا على معرفة الخروف.
وقدرة الراعي أن يردّه، لا على استحالة أن يضلّ الخروف.
فإن استعجل الخروف، أوقفه.
وإن تراخى، أيقظه.
وإن انحرف، ردّه.
لأن سلام الخروف ليس في أنه لا يضلّ،
بل في أن له راعيًا لا يتركه.
وهنا نعود إلى السؤال الأول:
فماذا يفعل الصديق إذا انقلبت الأعمدة؟
يرفع عينيه: «الرب في السماء كُرسيه».
ويطمئن: «عيناه تنظران».
ويستسلم لإرشاده: «أعلِّمك وأرشِدكَ الطريق التي تَسلُكُهَا».
فالعرش لم ولن ينقلب.
وعيناه لم تغفلا عنك.
والراعي الذي يراك، ويفحص قلبك، ويعرف الطريق الذي لا تراه، أمين أن يُعلّمك ويرشدك الطريق التي تسلكها.
طمأنينة الخروف مصدرها واحد: أمانة الراعي!!
✍️ جورج النوّار