20/01/2026
هناك أوقات في العمر لا تُلفت النظر، تمر هادئة بين محطتين عظيمتين، فلا ينتبه لها أحد، ولا يُعطونها وزنها الحقيقي. وشهر شعبان واحد من هذه الأوقات؛ شهر لا يُضجّ له كما يُضجّ لرمضان، ولا تُعلّق عليه القلوب كما تعلّق برجب، ومع ذلك فهو عند الله عظيم، وعند أهل اليقظة محطة فاصلة.
قال النبي ﷺ عن شعبان: «ذاك شهرٌ يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وفيه تُرفع الأعمال إلى الله، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم».
كلمة يغفل الناس عنه ليست وصفًا عابرًا، بل مفتاح فهم الشهر كله. لأن الله لا ينظر فقط إلى كمّ العمل، بل ينظر إلى وقت العمل، وإلى حال الناس من حولك، وهل اخترت الطاعة حين انصرف غيرك عنها أم لا.
العبادة في زمن الغفلة لها طعم آخر؛ لأنها خفيّة، لا يراك فيها أحد، ولا يصفّق لك أحد، ولا تشاركك الجموع. أنت وحدك… مع الله.
وهنا يُختبر الصدق. لذلك كان السلف يحرصون على ما يسمونه الخبيئة؛ عبادة لا يعلم بها زوج، ولا صديق، ولا حتى ملكان إن استطاعوا. لأنهم فهموا أن ما خفي عن أعين الناس، كان أقرب للقبول.
فشعبان ليس فقط شهر غفلة، بل هو شهر العرض السنوي لأعمالك طوال العام، أعمال عام كامل تُرفع، وتُختم، ويُنظر فيها, لذلك أحب النبي ﷺ أن يُرفع عمله وهو صائم؛ لأن الصيام يكسر النفس، ويورث انكسارًا لا تصنعه العبادات الظاهرة. وكأنك تُغلق ملف عامك وأنت في أصدق حالاتك مع الله.
ومن هنا لابد لك أن تغيّر زاوية النظر إلى شعبان فهو ليس شهرًا عاديًا نمرّ به في انتظار رمضان، بل هو ختام سنة وبداية استعداد لشهر أعظم, فمن دخل رمضان بلا تمهيد، تعب في أوله، وتأخر قلبه عن جسده, أما من روّض نفسه في شعبان، دخل رمضان وهو مستعد، حاضر القلب، نشيط البدن لا يفاجأ بكثرة الطاعات.
فكان بعض السلف إذا دخل شعبان أغلقوا حوانيتهم، وتفرغوا للمصحف. واليوم حوانيتنا ليست محالّ تجارة، بل تطبيقات، وإشعارات، وضجيج لا ينتهي.
وإغلاق حانوتك اليوم يعني أن تُغلق ما يسرق قلبك، لا ما يملأ يدك.
ومن معاني اليقظة في شعبان أن تدرك أن الغفلة ليست دائمًا معصية صريحة؛ أحيانًا هي انشغال مباح طال حتى أطفأ القلب.
وأن الله قد يكتب اسم عبد فيمن تُرفع أعمالهم هذا العام، بينما هو ما زال يخطط ويؤجل ويتوسع في الأماني.
لذلك كان الإكثار من الصيام في شعبان تربية قبل أن يكون عبادة، وكان الإكثار من القرآن استعدادًا لا سباقًا، وكان قيام الليل فيه تدريبًا لا استعراضًا.
كل شيء فيه هادئ، خفي، صادق.
هذه المعاني وغيرها مما يوقظ القلب، ويعيد ترتيب النظر إلى شهر شعبان، استقيتها من درسٍ نفيس بعنوان:
«شعبان اليقظة» – الدرس الثالث من سلسلة الاستعداد لرمضان للشيخ أمجد سمير.
شعبان لا يريد منك أن تُرهق نفسك، بل أن تنتبه. أن تستيقظ قبل الزحام، وأن تدخل رمضان وقد سبقك قلبك لا خطواتك.
ذلك هو شعبان:
شهر اليقظة…
لمن أراد أن لا يمرّ العام وهو نائم...