10/06/2026
أبناؤنا والإجازة الصيفية: بين البناء والضياع
I nostri figli e le vacanze estive: tra crescita e smarrimento
بقلم د. عبدالعزيز رجب
الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان وكرمه، وجعل الأسرة موطن السكينة والتربية، وأودع في قلوب الآباء والأمهات رحمةً لا تشبهها رحمة، والصلاة والسلام على نبينا محمد - ﷺ - المربي الرحيم، والقدوة الحكيم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما إن تُغلق المدارس أبوابها، وتبدأ الإجازة الصيفية، حتى تدخل إلى البيوت أسئلة كثيرة لا يعلنها الجميع، لكنها تسكن قلوب الآباء والأمهات: أين يذهب أبناؤنا؟ ومع من يقضون أوقاتهم؟ وكيف ستمضي هذه الأسابيع الطويلة؟ وهل ستكون الإجازة موسمًا للبناء والنمو، أم منفذًا إلى الفراغ والضياع؟
فالإجازة ليست في حقيقتها مشكلة، كما أنها ليست مجرد أيام للراحة العابرة، وإنما هي امتحان تربوي تتجلى فيه يقظة الأسرة أو غفلتها، ويظهر فيه أثر الحضور أو الغياب، والتوجيه أو الإهمال. وقديمًا كان الناس ينتظرون المواسم ليستثمروا أبناءهم في العلم والعمل والرياضة والمروءة، أما اليوم فقد أصبحت الأسرة تواجه تحديات جديدة؛ شاشات لا تنام، وعوالم رقمية مفتوحة، ورفقة قد تُبنى خلف الأبواب المغلقة، ومؤثرات تتسلل إلى القلوب والعقول دون استئذان، ومن هنا لم يعد السؤال: كيف نمضي الإجازة؟ بل أصبح: كيف نحفظ أبناءنا، ونبنيهم، ونقترب منهم قبل أن يسبقنا الزمن؟
أبناؤنا… الأمانة التي بين أيدينا:
ما من نعمة يمنحها الله لعباده بعد نعمة الإيمان أعظم أثرًا في القلب من نعمة الأبناء؛ فهم زينة الحياة الدنيا، وامتداد العمر، ومحل الرجاء ،والخوف. قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الكهف: 46].
لكن هذه الزينة العظيمة ليست متاعًا يُستهلك أو مشهدًا للتفاخر، بل أمانة ومسؤولية يسأل الله عنها الآباء يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [سورة التحريم: 6].
عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - ﷺ - قال: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها». أخرجه: البخاري (170/9/2554)، ومسلم (1459/3/1829).
ولم يكن السلف يرون صلاح الأبناء أمرًا عشوائيًا أو ثمرة أمنيات، بل كانوا يدركون أن التربية صناعة طويلة، تبدأ من البيت وتمتد إلى تفاصيل الحياة كلها، يقول ابن القيم - رحمه الله -: "من أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من جهة إهمال الآباء لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه". (أحكام المولود/ ابن القيم: ص92).
إن الطفل لا يتربى بالكلمات وحدها، وإنما يتربى بما يراه ويعيشه ويشعر به؛ ولذلك كانت القدوة أبلغ من الموعظة، والحياة اليومية أعمق أثرًا من الوصايا العابرة، وما أكثر البيوت التي وفرت لأبنائها الطعام والراحة والأجهزة، لكنها قصرت في غذاء الروح والعقل، حتى نشأ الأبناء غرباء عن بيوتهم، يعرفون أسماء التطبيقات أكثر مما يعرفون معاني القيم.
وَإِنَّمَا أَوْلَادُنَا بَيْنَنَا *** أَكْبَادُنَا تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ
لَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ عَلَى بَعْضِهِمْ *** لَامْتَنَعَتْ عَيْنِي مِنَ الْغَمْضِ
ومن هنا كان السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن الإجازة: أي أبناء نريد؟ وأي إنسان نرجو أن يخرج من بين أيدينا بعد أعوام؟
حين يدخل الأبناء الإجازة
تأتي الإجازة الصيفية كل عام فتدخل معها إلى البيوت تحديات جديدة؛ فالأيام تطول، والالتزامات المدرسية تتراجع، وتتسع مساحة الوقت أمام الأبناء، وهنا تظهر يقظة الأسرة أو غفلتها. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - ﷺ - قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». أخرجه: البخاري (175/8/6412)، والترمذي (552/4/2304)، وهو حديثٌ صحيح.
فالفراغ نعمة عظيمة، لكن أكثر الناس لا يحسنون استثمارها، خاصة حين تطول ساعات اليوم وتتراجع الرقابة وتنخفض الهمم. قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "إني لأكره أن أرى الرجل سبهللاً لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة". (المصنف/ ابن أبي شيبة: 6. 348).
إن بعض الأبناء يدخلون الإجازة فيدخل معهم الفراغ إلى بيوتهم، ثم لا يلبث الفراغ أن يتحول إلى سهر طويل، ونوم مضطرب، وشاشات لا تنطفئ، حتى تنتهي الأسابيع ولا يبقى منها إلا إرهاق الجسد وفراغ القلب، يروى عن أبي حازم - رحمه الله - أنه قال: "إذا رأيت الشاب في أول النهار فارغًا وفي آخره فارغًا فاعلم أنه ضائع". (تاريخ دمشق/ ابن عساكر: 30. 421).
وليس المقصود أن يعيش الأبناء صيفًا عسكريًا صارمًا، ولا أن تتحول البيوت إلى قاعات دراسة، وإنما المقصود ألا يضيع العمر في اللاشيء.
الترويح الذي يبني لا الذي يهدم:
ومن الظلم أن يُفهم الحديث عن تربية الأبناء على أنه مصادرة للفرح أو تضييق على النفوس؛ فالإسلام دين الفطرة والاعتدال، لا يعرف التشدد الذي يرهق الإنسان، ولا الانفلات الذي يفسده.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [سورة الأعراف: 32]، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة المائدة: 87]، وقال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [سورة القصص: 77].
وجاءت السنة النبوية مؤكدة لهذا المعنى العظيم؛ إذ لم يكن النبي - ﷺ - يدعو إلى حياة جافة تخلو من الرحمة والفسحة، بل كان يربي النفوس على التوازن، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن نفرًا من أصحاب النبي - ﷺ - عزموا على التشدد في العبادة، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». أخرجه: البخاري (1/9/5063)، ومسلم (1020/2/1401)، وعن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أن النبي - ﷺ - قال: «إن لربك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه». أخرجه: البخاري (51/3/1968)، وأبو داود (341/2/1369)، وهو حديثٌ صحيح، ولم يكن رسول الله - ﷺ - بعيدًا عن عالم الصغار أو حاجاتهم النفسية، بل كان مربّيًا رحيمًا يفهم الفطرة ويهذبها، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان النبي - ﷺ - يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟». أخرجه: البخاري (116/8/6129)، ومسلم (1760/4/2150)، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث… فقال: دعهما». أخرجه: البخاري (151/5/3931)، ومسلم (607/2/892)، وعن حنظلة الأسيدي - رضي الله عنه - قال: كنا عند رسول الله - ﷺ - فذكرنا الجنة والنار حتى كأنا رأي عين، ثم رجعت إلى أهلي فضحكت ولعبت، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فقال: «يا حنظلة، ساعة وساعة». أخرجه: مسلم (2106/4/2750)، وأحمد (266/4/17630)، وهو حديثٌ صحيح. ما أعظم هذا الميزان النبوي! فلا قسوة تحرم النفس حاجتها، ولا ترفيه يقتل المعنى أو يهدم الشخصية، فأبناءنا يحتاجون إلى الفرح كما يحتاجون إلى التربية، وإلى اللعب كما يحتاجون إلى التوجيه؛ لأن النفس إذا أُرهقت نفرت، وإذا أُطلقت بلا ضابط فسدت، غير أن الفارق كبير بين ترويح يبني، وترويح يهدم؛ بين لعبة تنمي العقل والجسد، ولهو يسرق الساعات ويطفئ الهمة، وبين رحلة تقرب الأسرة من بعضها، وانشغال يعزل كل فرد داخل عالمه الخاص، فالترويحُ عن النفسِ مطلوب؛ لأنَّ القلوبَ إذا كلَّت عَمِيَت، وليس المراد إغراق الأبناء في اللهو، وإنما تجديد نشاطهم ليعودوا أصلب على الطاعة والعمل.
قبل أن نطلب منهم… ماذا يرون فينا؟
ومن أعظم أبواب التربية التي يغفل عنها كثير من الآباء أن الأبناء لا يسمعون فقط، بل يراقبون، فالطفل لا يقرأ شخصية والديه من الخطب الطويلة، وإنما من التفاصيل الصغيرة؛ من طريقة الحديث، وأسلوب التعامل، والصدق في المواقف، واحترام الوقت، ونبرة الصلاة، وعلاقة الأب والأم بالله ثم بالناس، ولهذا كانت القدوة أبلغ من ألف موعظة.
فكيف نطلب من أبنائنا حب الصلاة ونحن نتثاقل عنها؟ وكيف نلومهم على التعلق بالشاشات ونحن أسرى لها؟ وكيف نحثهم على القراءة ولا يرون في البيت كتابًا يُقرأ؟
وقد كان رسول الله - ﷺ - قدوةً عملية في التربية والرحمة والتعليم، عن معاوية بن الحكم السلمي - رضي الله عنه - قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - فعطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله… فلما قضى الصلاة دعاني، فوالله ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه. أخرجه: مسلم (381/1/537)، وأبو داود (247/1/930)، وهو حديثٌ صحيح، هذه هي التربية التي تصنع القلوب؛ لا الصراخ الدائم، ولا التوبيخ الذي يهدم الثقة، ولا المقارنة التي تقتل الشخصية.
إن الابن الذي يجد في بيته احترامًا وحوارًا واحتواءً، يقل بحثه عن التعويض في الخارج، بينما قد يدفع الجفاف العاطفي بعض الأبناء إلى صحبة أو منصات تبحث عن قلوبهم قبل عقولهم، ومن المؤلم أن بعض الآباء لا يكتشفون أبناءهم إلا عند وقوع المشكلة؛ أما قبل ذلك فثمة غياب طويل تُترك فيه المسافات تكبر شيئًا فشيئًا، إن أبناءنا لا يحتاجون إلى آباء مثاليين، بقدر حاجتهم إلى آباء حاضرين.
حين يكبر الأبناء… لا يكفي الأمر والنهي:
ومن القضايا التي تحتاج إلى وعيٍ عميق في الإجازة خاصة، وفي التربية عامة، أن الأبناء لا يبقون صغارًا إلى الأبد؛ فالطفل الذي كان يطيع بسهولة يكبر، وتتغير نفسيته، وتتسع أسئلته، ويبدأ في تكوين شخصيته واستقلاله، وهنا تدخل الأسرة مرحلة جديدة تحتاج إلى حكمة أكثر من حاجتها إلى الأوامر، فالمراهقة ليست مرضًا ولا تمردًا دائمًا، كما يتصور بعض الناس، وإنما مرحلة انتقالية تموج بالمشاعر والأسئلة والرغبة في إثبات الذات، ولهذا فإن كثيرًا من الأخطاء التربوية لا تأتي من سوء النية، بل من سوء الفهم؛ حين يظن بعض الآباء أن الشدة وحدها تصنع الاحترام، أو أن رفع الصوت يحفظ الهيبة، أو أن كثرة الأوامر تبني الطاعة، والحقيقة أن الابن حين يكبر يحتاج إلى أن يُسمع قبل أن يُؤمر، وأن يُفهم قبل أن يُحاسب، وأن يجد في بيته من يصغي إليه لا من يكتفي بمحاكمته، وقد كان النبي - ﷺ - أعظم الناس فهمًا لهذه الطبيعة الإنسانية، فلم يكن يربي بالقسوة، وإنما بالحكمة والرفق وبناء القلب، فعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: كنت خلف النبي - ﷺ - يومًا فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله…». أخرجه: أحمد (293/1/2669)، والترمذي (490/4/2516)، وقال: حسن صحيح.
تأمل هذا المشهد التربوي العظيم؛ نبي الأمة يغرس العقيدة في قلب غلام صغير، لا بصوت مرتفع، ولا بتوبيخ، وإنما بحوار قريب وكلمات صنعت إنسانًا بقي أثره في الأمة كلها، ومن الأخطاء الشائعة في التعامل مع الأبناء – خاصة في سن المراهقة – السخرية من مشاعرهم، أو الاستهانة باهتماماتهم، أو مقارنتهم بإخوانهم والآخرين؛ لأن المقارنة لا تصنع نجاحًا، بل قد تزرع في القلب شعورًا بالنقص أو العناد، وكم من شاب ابتعد عن أسرته لا لأنه يكرههم، ولكن لأنه لم يجد بينهم مساحة آمنة للكلام.
ولهذا فإن الإجازة قد تكون فرصة ذهبية لاستعادة الجسور المفقودة؛ جلسة هادئة، أو رحلة قصيرة، أو مشاركة في نشاط، أو حديث صادق بعيد عن لغة التحقيق والاتهام، فالأبناء لا يحتاجون دائمًا إلى حلول جاهزة، بقدر حاجتهم إلى قلوب تسمعهم.
أبناؤنا في زمن الشاشات:
ولعل من أبرز ما يميز زماننا أن التربية لم تعد محصورة داخل البيت أو المدرسة، بل دخلت إلى غرف الأبناء عبر الهواتف والأجهزة والمنصات التي لا تنام، لقد أصبح كثير من الأطفال والمراهقين يعيشون جزءًا كبيرًا من يومهم داخل عالم رقمي واسع؛ يسمعون فيه، ويشاهدون، ويتأثرون، ويصنعون صداقات واهتمامات وقناعات قد لا تعرف الأسرة عنها شيئًا، وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ فالمشكلة ليست في التقنية ذاتها، فهي نعمة من نعم الله إذا أُحسن استخدامها، وإنما في غياب التوجيه والرقابة والوعي، فالهاتف الذي يحمله الابن بين يديه قد يكون بابًا للعلم والقرآن والمعرفة وتنمية المهارات، وقد يكون – إذا غاب الرقيب – نافذة إلى محتوى يفسد الفطرة أو يستهلك العمر أو يبدل القيم.
ولذلك فإن التربية في زمن الشاشات لا تعني المنع المطلق، كما لا تعني التسليم الكامل، وإنما تعني الحضور الواعي؛ أن يعرف الأبوان ماذا يشاهد أبناؤهم، ومع من يتواصلون، وما الذي يملأ أوقاتهم وأفكارهم، يقول ابن القيم - رحمه الله -: "إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها". (الفوائد/ ابن القيم: ص120).
ومن المؤلم أن بعض الأسر تطمئن إلى هدوء أبنائها وانشغالهم بالأجهزة، بينما الحقيقة أن هذا الهدوء قد يخفي عزلة نفسية أو فراغًا عاطفيًا أو تعلقًا مفرطًا بعالم افتراضي لا يمنح دفئًا حقيقيًا ولا بناءً متوازنًا، فالطفل لا يحتاج فقط إلى جهاز آمن، بل إلى قلب يسمعه، وأسرة تحتويه، وبيت يشعر فيه بالانتماء، ولهذا فإن الحكمة لا تكون في مصادرة العالم من حول الأبناء، بل في تعليمهم كيف يعيشون فيه دون أن يضيعوا أنفسهم أو قيمهم.
الصحبة… الطريق الذي يسير فيه الأبناء:
ولا يقل خطر الصحبة عن خطر الفراغ؛ فإن الابن ابن بيئته، وكثير من الانحرافات لم تبدأ بقناعة فكرية، بل بصديق جرَّ صديقًا، أو رفقة بدت بريئة ثم قادت إلى ما لا يُحمد، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - ﷺ - قال: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». أخرجه: أبو داود (248/4/4833)، والترمذي (589/4/2378)، وقال: حسن غريب.
ولهذا كان الآباء الصالحون شديدي العناية بمن يصاحب أبناؤهم؛ لا تجسسًا ولا سوء ظن، ولكن فهمًا لطبيعة التأثير الإنساني، فالإجازة زمن تتسع فيه دوائر العلاقات والخروج والاختلاط، وهنا تظهر الحاجة إلى التوجيه الهادئ والرقابة الحكيمة، والمنع وحده لا يكفي، كما أن الإهمال خطر؛ وإنما المطلوب أن نساعد أبناءنا على اختيار الصحبة التي تعين على الخير وتحفظ الأخلاق وتصون الهوية، وكم من شاب تغيرت حياته لأن أباه قربه من صحبة صالحة، أو ربطه بحلقة قرآن، أو مركز نشاط، أو بيئة خير يشعر فيها بالانتماء، فالصحبة ليست تفصيلًا صغيرًا في حياة الأبناء، بل طريقًا قد يقود إلى الصلاح أو إلى غيره؛ ولذلك كان من الحكمة أن نفتح لأبنائنا أبواب البدائل النافعة قبل أن تفتح الحياة أمامهم أبوابًا لا نرضاها لهم.
كيف نغرس في أبنائنا المعنى؟
إن التربية الحقيقية لا تقف عند حدود منع الخطأ أو مراقبة السلوك، بل تتجاوز ذلك إلى بناء المعنى داخل النفس؛ لأن الابن إذا عرف لماذا يفعل، أصبح أثبت من الذي يُقاد بالأوامر وحدها.
ولهذا فإن الإجازة ليست مجرد وقت نبحث فيه عن وسيلة لشغل الأبناء، بل فرصة لنغرس فيهم ما قد لا تسمح به أيام الدراسة المزدحمة.
وأول ما ينبغي أن يُغرس في قلوب الأبناء علاقتهم بالله - عز وجل -؛ فالقلب إذا عمر بالإيمان استقام كثير من السلوك من داخله، ولم تعد الطاعة مجرد رقابة خارجية، قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [سورة طه: 132].
فأبناءنا يحتاجون في الإجازة إلى أن يقتربوا من القرآن لا باعتباره واجبًا ثقيلًا، بل نورًا ورفيقًا ومصدر هداية وطمأنينة، يقول ابن الجوزي - رحمه الله -: "كان السلف إذا نشأ لأحدهم ولد، شغلوه بحفظ القرآن وسماع الحديث؛ فيثبت الإيمان في قلبه". (صيد الخاطر/ ابن الجوزي: ص491).
وما أجمل أن يكون في البيت مجلس قرآن، أو ورد يومي، أو لحظة إيمانية يشعر فيها الأبناء أن الدين حياة ورحمة وقرب من الله، لا مجرد تعليمات تؤدى على عجل، وليس المقصود أن يصبح كل الأبناء طلاب علم شرعي، ولكن أن يتربوا على أن العلم قيمة، وأن المعرفة شرف، وأن الإنسان لا يكبر بما يملك فقط، بل بما يفهم ويعرف، ومن هنا كانت المطالعة بابًا عظيمًا من أبواب التربية؛ فالكتاب لا يملأ الوقت فحسب، بل يوسع الخيال، ويقوي اللغة، ويهذب الفكر، ويمنح الابن قدرة على النظر العميق إلى الحياة.
أبناؤنا والعمل وتحمل المسؤولية:
ومن الأخطاء الشائعة أن يظن بعض الناس أن الإجازة لا تصلح إلا للراحة الخالصة، مع أن الراحة لا تعني البطالة، ولا تعني أن يعيش الابن مستهلكًا لكل شيء دون أن يتعلم معنى المسؤولية.
وقد ضرب الأنبياء والصلحاء أروع الأمثلة في قيمة العمل والكسب الشريف، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - ﷺ - قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده». أخرجه: البخاري (9/3/2072)، وأحمد (296/2/8431)، وهو حديثٌ صحيح. وكان زكريا - عليه السلام - نجارًا، وكان داود - عليه السلام - حدادًا، ولم يكن العمل في التصور الإسلامي عبئًا مهينًا، بل مدرسة تصنع الخبرة والصبر وتحمل المسؤولية. وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "علموا أبناءكم السباحة والرماية وركوب الخيل". (البر والصلة/ ابن المبارك: ص141). ولهذا فإن تعليم الأبناء المهارات والحرف والأعمال النافعة من أعظم ما يمكن أن تقدمه الأسرة لهم.
إن الابن الذي يتعلم مهارة في الحاسوب، أو لغة جديدة، أو تصميمًا، أو تجارة صغيرة، لا يكتسب معرفة فحسب، بل يبني داخله شعورًا بالكفاءة والثقة والاعتماد على النفس، وقد رأينا في واقع الناس من جعل ابنه يعمل في متجر صغير خلال الإجازة فتعلم الحساب، ومعاملة الناس، وأمانة البيع والشراء، وعاد إلى بيته أكثر نضجًا وتحملًا للمسؤولية، وليس المقصود تحميل الأبناء ما لا يطيقون، وإنما إشعارهم بأن لهم دورًا في الحياة، وأن النجاح لا يولد مع الإنسان، بل يُبنى بالصبر والمحاولة والتعلم.
ومن التجارب النافعة أن يُكلف الابن في الإجازة بمهمة أو مشروع يناسب عمره؛ إدارة مصروفه، أو تنظيم جزء من شؤون البيت، أو المشاركة في عمل تطوعي، أو تعلم مهارة محددة، حتى يشعر أن الصيف ليس زمن استهلاك فقط، بل موسم اكتشاف للذات.
صلة الرحم… التربية التي تمتد خارج البيت:
ومن الجوانب التي يغفل عنها كثير من الناس أن التربية لا تصنعها المدرسة وحدها، ولا يكتمل أثرها داخل حدود المنزل فحسب، بل تحتاج إلى مجتمع صغير يتعلم فيه الأبناء معنى الرحمة والبر والانتماء. ولهذا كانت صلة الرحم من القيم العظيمة التي حث عليها الإسلام وربطها بالإيمان. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - ﷺ - قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه». أخرجه: البخاري (118/8/6138)، ومسلم (68/1/47)، وهو حديثٌ صحيح.
إن زيارة الأقارب، والجلوس إلى الأجداد، والتواصل مع العمات والأخوال وسائر الأرحام، ليست مجرد عادات اجتماعية أو مجاملات موسمية، بل مدرسة خفية تتربى فيها النفوس على الوفاء والاحترام والانتماء. وفي زمن أصبحت فيه العلاقات تختصر في الرسائل السريعة أو الرموز العابرة، صار كثير من الأبناء يعرفون وجوه المشاهير أكثر من معرفتهم بتاريخ أسرهم أو أسماء أقاربهم. وهنا تتجلى أهمية الإجازة؛ فهي فرصة لإحياء الروابط التي أضعفتها مشاغل الحياة، وتعليم الأبناء أن الإنسان لا يعيش منفصلًا عن جذوره، وأن الأسرة الممتدة مصدر أمان وخبرة وذاكرة وهوية.
وما أجمل أن يرى الطفل جده يحكي قصة من الماضي، أو يسمع من جدته تجربة من تجارب العمر، أو يشارك في مناسبة عائلية يشعر فيها أنه جزء من كيان أكبر من ذاته؛ فهذه المشاهد الصغيرة تترك في النفس آثارًا لا تصنعها الشاشات ولا الألعاب. ومن هنا فإن الإجازة ليست مجرد وقت للترفيه، بل فرصة لإحياء معانٍ تربوية ربما لا نجد لها متسعًا في زحام الأيام المعتادة.
سلاح يغفل عنه كثير من الآباء:
ومن أعظم ما يحتاجه الآباء في رحلة التربية أن يدركوا أن الأبناء ليسوا مشروعًا يصنعه الذكاء البشري وحده، ولا نتيجةً تتحقق بكثرة التعليمات والبرامج، بل هم قبل ذلك وبعده توفيق من الله - عز وجل - ورحمة يهبها لمن يشاء، ولهذا كان الأنبياء - عليهم السلام - على جلالة قدرهم وكمال حكمتهم لا يستغنون عن الدعاء لذرياتهم، يعلمون أن القلوب بين أصابع الرحمن، وأن الهداية فضل من الله يؤتيه من يشاء. قال الله تعالى حكاية عن زكريا - عليه السلام -: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [سورة آل عمران: 38]. وقال الله تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [سورة الفرقان: 74].
وما أبلغ أن يبدأ الوالدان تربية أبنائهما بالدعاء قبل التوجيه، وبالافتقار إلى الله قبل الاعتماد على الخبرات والأساليب، فبعض الآباء يبذل كل جهده في تعليم ابنه، ويهتم بطعامه ولباسه ومستقبله، لكنه يغفل عن باب عظيم من أبواب التربية؛ باب الدعاء الصادق في جوف الليل، وفي السجود، وفي مواطن الإجابة.
وقد كان السلف يكثرون الدعاء لأولادهم، ويعدونه من تمام المسؤولية والشفقةـ قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: "إن الله ليصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده". (تفسير الطبري/ الطبري: 15. 261).
ومن المؤلم أن بعض الآباء لا يُسمع منه لولده إلا كلمات السخط أو الدعاء عليه عند الغضب، مع أن الكلمة قد توافق ساعة إجابة، وقد نهى الشرع عن ذلك. عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم». أخرجه: مسلم (2294/4/3009)، وأبو داود (36/2/1532)، وهو حديثٌ صحيح. وروي أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن المبارك - رحمه الله - يشكو عقوق ولده، فقال له ابن المبارك: "أدعوت عليه؟" قال: نعم. قال: "أنت أفسدته". (البر والصلة/ ابن أبي الدنيا: ص44).
إن الأبناء يسمعون دعواتنا قبل أن يسمعوا نصائحنا، وتصل إليهم حرارة القلوب قبل حرارة الكلمات، فما أجمل أن يسمع الابن من أبيه وأمه دعاءً صادقًا بالهداية والتوفيق، وما أعظم أثر ذلك في النفس وإن لم يره الناس.
قبل أن ينتهي الصيف
تمضي الأعوام أسرع مما نظن، ويكبر الأبناء في صمت، وتتحول الأيام التي كنا نؤجل فيها التربية إلى ذكريات لا تعود، وما أكثر الآباء الذين يقولون بعد سنوات: ليتنا اقتربنا أكثر، ليتنا تحدثنا أكثر، ليتنا فهمنا أبناءنا قبل أن يبتعدوا عنا.
إن الطفولة لا تنتظر، والمراهقة لا تتكرر، والسنوات التي بين أيدينا اليوم قد تصبح غدًا بابًا للحسرة أو الحمد، ولهذا فإن القضية ليست في صيف ينتهي أو إجازة تمضي، بل في أثر يبقى بعد انقضاء المواسم.
أيها الآباء والأمهات… إن أبناءكم لا يحتاجون إلى بيوت فاخرة بقدر حاجتهم إلى بيوت حاضرة، ولا إلى أموال كثيرة بقدر حاجتهم إلى قلوب قريبة، ولا إلى مراقبة مرهقة بقدر حاجتهم إلى حب واعٍ واحتواء حكيم. إن الطفل الذي يُسمَع، ويُحتَرم، ويُربَّى على الإيمان والصدق والمسؤولية، أقرب إلى الثبات حين تتكاثر الفتن من حوله. والشاب الذي تعلّم منذ صغره قيمة الوقت، وحلاوة الإنجاز، ومعنى القرب من الله، لن يكون فريسة سهلة لكل تيار أو فراغ أو صحبة عابرة، يقول ابن القيم - رحمه الله -: "إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها". (الفوائد/ ابن القيم: ص120).
ولذلك فإن الإجازة الصيفية ليست زمنًا ضائعًا كما يظن بعض الناس، ولا مجرد محطة للراحة العابرة، وإنما نافذة تربوية واسعة، قد نبني فيها أبناءنا بناءً يبقى أثره أعوامًا، وقد نفرط فيها فتضيع فرص لا تعود.
وقبل أن تنقضي أيام الصيف، وقبل أن يعود الأبناء إلى مقاعد الدراسة، فلنسأل أنفسنا بصدق: ماذا زرعنا في قلوبهم؟ وما الذي سيبقى معهم بعد انتهاء الإجازة؟ هل سيخرجون وقد ازدادوا قربًا من الله؟ أو قوة في الشخصية؟ أو اتساعًا في المعرفة؟ أو برًّا بأهلهم؟ أو مهارة تنفعهم؟ أم سيمضي الصيف كما مضت مواسم كثيرة دون أثر يذكر؟
زَهْرَةُ الْعُمْرِ فِي الْتِمَاسِ الْمَعَالِي *** وَبُلُوغُ الْآمَالِ أَسْمَى النَّجَاحِ
وَالْتِزَامُ الشَّرْعِ الْمُطَهَّرِ ذُخْرٌ *** وَالْهُدَى وَالتَّقْوَى سَبِيلُ الْفَلَاحِ
فاللهم أصلح أبناءنا، واحفظهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعلهم قرة أعين لآبائهم وأمهاتهم، وبارك في أعمارهم وأوقاتهم، واجعل الإجازات مواسم خير وبناء وصلاح، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
I nostri figli e le vacanze estive: tra crescita e smarrimento
Le vacanze estive non sono semplicemente un periodo di riposo, ma una vera opportunità educativa che può contribuire alla crescita dei figli oppure esporli al rischio della dispersione e della perdita di valori. Con la chiusura delle scuole, aumenta il tempo libero e si pone una domanda fondamentale: come possiamo investire questo tempo nel modo migliore?
I figli sono un dono e una responsabilità affidati ai genitori. Per questo, l'estate dovrebbe essere un'occasione per rafforzare il loro rapporto con Dio, sviluppare competenze utili, coltivare la lettura, praticare attività sportive, assumersi responsabilità adeguate alla loro età e consolidare i legami familiari.
Nell'era degli schermi digitali, il ruolo dei genitori non consiste nel divieto assoluto né nell'abbandono totale, ma in una presenza consapevole, capace di guidare, dialogare e accompagnare i figli nelle loro scelte. Anche le amicizie e l'ambiente sociale esercitano un'influenza decisiva sulla formazione della loro personalità.
L'educazione più efficace non si basa soltanto su ordini e divieti, ma sull'esempio concreto, sull'ascolto, sul dialogo e sulla costruzione di valori profondi. I figli hanno bisogno di genitori presenti, affettuosi e attenti più di quanto abbiano bisogno di beni materiali.
Prima che l'estate finisca, è importante chiedersi: cosa abbiamo seminato nel cuore dei nostri figli? Hanno acquisito nuove conoscenze, valori più solidi, maggiore responsabilità e una relazione più forte con la famiglia e con Dio? Le vacanze estive possono diventare un investimento duraturo nel loro futuro, se vissute con consapevolezza, equilibrio e amore.
Che Dio protegga i nostri figli, li guidi verso il bene e faccia di loro motivo di gioia e orgoglio per le loro famiglie.