04/03/2020
قال الأستاذ رشيد الحمداوي:
دلائل وحدة النسق القرآني:
من خصائص القرآن الكريم أنه لم يُفرِد كل سورة من سوره لموضوع معين في الغالب، بل كان يجمع في السورة الواحدة مواضيع متنوّعة وأغراضاً مختلفة من عقائد وأحكام ومواعظ وقصص وأمثال وجدل وحِكَم ويتنقل بينها من غير فصل. وهو بذلك مباينٌ لمناهج التأليف البشرية التي تعتمد التبويب والترتيب، وهذا ما جعل المغرضين من المستشرقين كدوزي وبلاشير وغيرهم يطعنون في القرآن ويرون في آياته لا يجمعها سياقٌ وليس بينها وفاق! بل في سرده للموضوعات عشوائية واضطراب، وزعموا أن ذلك يُعزى إلى البدائية والبساطة في طريقة التأليف مما يدلُّ على أنه فكرٌ بشريٌ لا وحيٌ إلهي!.
ومن ثم أوصوا بإعادة الحياة للمصحف - في زعمهم - وذلك بترتيب القرآن وسوره وفق السياق التاريخي المعقول بناءً على أسباب النزول، تيسيراً للقارئ الغربي ومساعدة له على فهم القرآن، وسار على ذلك بعض مترجمي المصحف؛ وفي ذلك يقول بلاشير معلقاً على اقتراح نولدكه بإعادة ترتيب السورة: "ويتوصل القارئ الغربيّ إذ ذاك بمنطق لا تكلف فيه إلى الاقتناع بأن الحياة قد أعيدت للمصحف، فما عاد يظهر على شكل متتابع مصطنع وغير منتظم للنصوص، بل على شكل سلسلة من الموضوعات، عالجها محمد خلال عشرين سنة وفقاً لمقتضيات دعوته".
والحقيقة أن التاليَ لأي سورة من مطلعها إلى ختامها لا يشعر بنشازٍ أو اضطراب، ولا يرى انقطاعاً أو انفصالاً؛ بل يخلص من معنى إلى آخر خلوصاً طبيعياً لا عسر فيه ولا اقتسار، وتنطوي هذه الخصيصة في تمازج المعاني والأغراض في سور القرآن على عدة حِكَم.
راجع: وحدة النسق في السورة القرآنية: فوائدها وطرق دراستها، رشيد الحمداوي، مجلة معهد الإمام الشاطبي - جدة، س2 ع3 - 1428هـ (2007م)، 140 - 141.