22/05/2026
خطيب جامع القدس: تعّظيم شعائر الحج.. دعوة لوحدة الأمة ونبذ الفرقة من قلب العاصمة بغداد
٥ ذي الحجة ١٤٤٧ هـ
٢٢ آيـــار ٢٠٢٦ م
🔹️ شهد جامع القدس الكائن في شارع فلسطين وسط العاصمة بغداد، إقامة صلاة الجمعة المباركة المصادفة للخامس من ذي الحجة لعام 1447 من الهجرة النبوية الشريفة، الموافق للثاني والعشرين من أيار لعام 2026 ميلادية، وقد اعتلى المنبر فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد النوري، عضو مجلس الأوقاف الأعلى في ديوان الوقف السني، ونائب رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي، ملقياً خطبةً إيمانيةً واسعة الأصداء، ركزت في جوهرها على الأبعاد الروحية والتربوية لتعظيم شعائر الله تعالى، تزامناً مع توافد ضيوف الرحمن نحو الديار المقدسة لأداء مناسك الحج.
🔹️ واستهل الدكتور النوري خطبته بالثناء والحمد لله ذي المنن الزاخرة، الحي القيوم الذي لا يغفل عن عباده، مبيناً أن كل ما في الوجود ينطق بأدلة ظاهرة على وحدانيته سبحانه، وثنّى بالصلاة والسلام على الرسول الأكرم، سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، الذي بلّغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، مذكراً المصلين بالمصير والمآب في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، كما جاء في محكم التنزيل من سورة الشعراء في الآيتين 88 و89: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).
🔹️ واختار الخطيب أن يطوف بقلوب الحاضرين حول العبر المستوحاة من قوله تعالى في سورة الحج، الآية 32: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، مؤكداً أن تعظيم أي شعيرة وردت في الكتاب أو السنة يُعد من الأعمال القلبية الجليلة والقربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، لافتاً إلى أن التقوى الحقيقية تنبع من توقير وحرمة ما عظّمه الخالق سبحانه جل في علاه.
🔹️ وسلّط فضيلته الضوء على الجذور التاريخية لبناء البيت الحرام على يد الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، مستشهداً بقوله تعالى في سورة البقرة، الآية 127: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَواعدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، موضحاً أن هذا البيت أقيم ليكون مثابةً للناس وقِبلةً للموحدين، مشيراً إلى أن بناء "البيت الإيماني" في الأرض لا يكتمل إلا بتكامل أركانه الثلاثة التي تجسدت في تلك الحادثة التاريخية: زوج مجاهد ومكافح (إبراهيم)، وزوجة مساندة صابرة (هاجر)، وابن بار مطيع (إسماعيل) عليهم وعلى رسول الله محمد الصلاة والسلام جميعا.
🔹️ وفي معرض حديثه عن مناسك الطواف والسعي، أوضح الشيخ النوري أن الطواف بالبيت سبعة أشواط يمثل انسجاماً تاماً لحركة المؤمن مع جنود السماء والأرض في التسبيح والتهليل. وأشار إلى المأثور في السنة النبوية عند رؤية الكعبة، حيث يُستحب للمؤمن تعظيم هذا البنيان والدعاء بـ (اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتكريماً وتشييداً ومهابة)، مؤكداً أن مقام إبراهيم -وهو أثر قدمه في الصخر حُفظ بعناية إلهية ليكون مصلى، امتثالاً للأمر الإلهي في سورة البقرة، الآية 125: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمُ مُصَلًّى)، وأن تعظيمه هو تعظيم لأمر الله وليس حجراً أو بشراً.
🔹️ واسترسل الدكتور النوري في وصف رحلة الحجيج، بدءاً من التضلع بماء زمزم إكراماً لضيافة الله، وصولاً إلى السعي بين الصفا والمروة اللذين جعلهما الله من شعائره كما في سورة البقرة، الآية 158: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)، مستحضراً فضيلته الموقف التاريخي للسيدة هاجر حين نفد الماء والطعام ولسان حالها يقول بيقين مطلق: "إذن لا يضيعنا"، لافتاً إلى أن ركض الرجال في موضع "الهرولة" بين العلمين الأخضرين هو تخليد لخطوات هذه المرأة المؤمنة، في حين أُعفيت النساء من ذلك كرامةً لها ولأنهن قد كُفين بها.
🔹️ ووصَف فضيلة الدكتور النوري الوقوف بعرفة بأنه "الركن الأعظم" مستنداً إلى الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام عبد الرحمن بن يعمر الديلي رضي الله عنه، وصححه الترمذي والنسائي، أن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال: «الحجُّ عرفةُ، فمَن أدركَ ليلةَ عرفةَ قبلَ طلوعِ الفجرِ فقد أدركَ الحجَّ». وصوّر المشهد المهيب للحجيج بزيّهم الأبيض كأنهم في يوم القيامة، تتنزل عليهم الرحمات عند الزوال، مستشهداً بالحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يومٍ أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟»، مبيناً أن هذا المشهد يُغيظ إبليس ويدحره، تالياً قوله تعالى في سورة البقرة، الآية 198: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ).
🔹️ وفي الخطبة الثانية، وجه الدكتور محمد النوري رسائل عاجلة ومؤثرة، بدأت بالتأكيد على أن الحج يذيب المسميات والقوميات، فلا عراقي ولا سوداني ولا عربي ولا أعجمي، بل الجميع يذوب في تلبية واحدة: (لبيك اللهم لبيك)، مما يجسد حقيقة وحدة الأمة المحمدية التي نص عليها القرآن الكريم في سورة الأنبياء، الآية 92: (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، وفي سورة المؤمنون، الآية 52: (وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)، داعياً إلى تدريب النفوس على تحقيق هذه الوحدة ورص الصفوف بمختلف المذاهب والمدارس الإسلامية.
🔹️ واختتم فضيلته جولته الروحية بذكر المدينة المنورة ومسجد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله سلم والروضة الشريفة التي تعد قطعة من الجنة، مستنكراً القنوط واليأس في قلوب بعض المسلمين اليوم، حيث ألقى قصيدة شعرية حماسية تفيض بالقيم الإيمانية والأصالة الأحمدية، تعبر عن عزة المسلم وحريته ورفضه للظلم والركام والجاهلية الحديثة، ليختم بعد ذلك بالدعاء الخاشع لجمهور المصلين والأمة الإسلامية بالقبول والغفران، وأن يرزق الله الجميع حج بيته الحرام وزيارة الروضة النبوية الشريفة، والانتصار على الشياطين ونصرة الحق في كل بقاع الأرض.
٥ ذي الحجة ١٤٤٧ هـ
٢٢ آيـــار ٢٠٢٦ م
المكتب الإعلامي