05/10/2026
بسم الله الرحمن الرحيم
فضل حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب
✍️ أ. د. صلاح الدين محمد النعيمي
الحمد لله الذي أنزل القرآن هدى ورحمة، وجعله محفوظًا في السطور والصدور، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إنَّ حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب من أجلِّ القربات وأعظم خصائص هذه الأمة؛ فقد جعل الله تعالى كتابه محفوظًا في الصدور، كما هو محفوظ في السطور، قال سبحانه:
﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49].
وهذه الخصيصة ظاهرة في كثرة حفاظ القرآن في كل زمان ومكان، من العرب والعجم، والصغار والكبار، حتى بقي كتاب الله تعالى محفوظًا في صدور المسلمين جيلاً بعد جيل.
تيسير القرآن للحفظ
ومن أعظم نعم الله على هذه الأمة أن يسَّر لها حفظ كتابه، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17].
وقد فسَّر أهل العلم هذا التيسير بأنه تيسير للحفظ، فقيل:
«أي: سهَّلناه للحفظ، وأعنَّا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه فيُعان عليه؟»
وهذا التيسير من خصائص القرآن الباهرة؛ إذ لم يقتصر على العرب، بل حفظه الأعجمي الذي لا يعرف العربية، وحفظه الصغير قبل الكبير، وأتقنه أناس لا يكادون يخطئون في حرف منه.
ولهذا عدَّ الإمام أبو الحسن الماوردي رحمه الله تيسير حفظ القرآن وجهًا من وجوه إعجازه، فقال:
«من إعجازه تيسيره على جميع الألسنة، حتى حفظه الأعجمي الأبكم، ولا يُحفظ غيره من الكتب كحفظه... وما ذاك إلا بخصائص إلهية فضَّله بها على سائر كتبه».
فحفظ القرآن في الصدور ليس أمرًا عارضًا في تاريخ الأمة، بل هو من وجوه حفظ الله لكتابه، ومن أبرز خصائصه التي تميَّز بها.
الحفظ أصل في تلقي القرآن وطلب العلم
ولأهمية الحفظ، كان حفظ القرآن أصلًا في تلقيه، ومنهجًا راسخًا عند السلف؛ فلم يكن القرآن عندهم مجرد كتاب يُقرأ، وإنما كتاب يُستظهر ويُحفظ ويُلازم.
قال الإمام النووي رحمه الله:
«كان السلف لا يعلِّمون الحديث والفقه إلا لمن يحفظ القرآن».
وقال ابن جماعة رحمه الله، معدًّا ذلك من أول آداب طالب العلم:
«أن يبتدئ بكتاب الله العزيز، فيتقنه حفظًا، ويجتهد على إتقان تفسيره وسائر علومه، فإنه أصل العلم وأمُّها وأهمُّها».
وهذا يبين أن الحفظ لم يكن غاية منفصلة عن العلم والعمل، بل كان أساسًا لهما؛ فالقرآن إذا استقر في صدر المسلم صحبه في سفره وحضره، وفي صلاته وقيامه، وفي تعليمه وتذكيره.
كما أن وجود القرآن في صدور الحفاظ مع وجوده مكتوبًا في المصاحف من أعظم أسباب صيانته من التحريف؛ فإذا وقع خطأ في المكتوب، ردَّه الحفاظ بما استقر في صدورهم.
ومن شواهد عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالحفظ
وقد جاءت السنة النبوية بأحاديث متعددة تبين مكانة حفظ القرآن وأثره، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ما يحفظه الرجل من القرآن سببًا في تزوجه، كما في حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه:
أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: «إني وهبت نفسي لك»، فقامت طويلًا، فقال رجل: يا رسول الله، زوِّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال صلى الله عليه وسلم: «هل عندك من شيء تصدقها؟» فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال صلى الله عليه وسلم: «إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك، فالتمس غير هذا». فقال: ما أجد. فقال: «فالتمس ولو خاتمًا من حديد». فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل معك شيء من القرآن؟» قال: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم: «زوَّجتكها بما معك من القرآن».
متفق عليه.
وهذا الحديث يدل على أن ما يحفظه المسلم من كتاب الله ليس أمرًا يسيرًا، بل هو علم وفضل ومنقبة، حتى جعل النبي صلى الله عليه وسلم ما معه من القرآن سببًا في إتمام الزواج عند عدم وجود المال.
وفي هذا دلالة ظاهرة على أن القرآن المحفوظ في الصدر له قيمة وفضل يتجاوز مجرد التلاوة؛ لأنه علمٌ يحمله صاحبه، وينتفع به وينفع غيره.
ومن شواهد تقديم أهل القرآن وتعظيم شأن الحفظ أيضًا ما وقع في شهداء أُحد، فقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:
«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيُّهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أُشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلِّ عليهم ولم يغسلهم».
فكان مقدار الأخذ من القرآن سببًا في تقديم أحد الشهداء على غيره في اللحد، وهو شاهد آخر على عظيم منزلة القرآن في نفوس الصحابة، وعلى أن كثرة الحفظ والأخذ من كتاب الله كانت من أسباب التقديم والتفضيل.
وهكذا تتضافر النصوص في بيان أن القرآن المحفوظ في الصدر له منزلة خاصة، وأن حمله ليس مجرد جمع للألفاظ، وإنما هو حمل لكتاب الله علمًا وعبادةً ومسؤولية.
خصوصية فضل الحافظ عن ظهر قلب
وإذا كان القرآن كله مباركًا، فإن لمن حفظه عن ظهر قلب منزلة خاصة دلَّت عليها النصوص.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارقَ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها».
وهنا ينبغي التنبيه إلى أمر مهم، وهو أن المقصود بـ«صاحب القرآن» في هذا الحديث هو حافظه عن ظهر قلب، وليس مجرد من يقرأه من المصحف.
قال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله:
«الخبر المذكور خاص بمن يحفظه عن ظهر قلب، لا بمن يقرأ بالمصحف؛ لأن مجرد القراءة في الخط لا يختلف الناس فيها ولا يتفاوتون قلة وكثرة، وإنما الذي يتفاوتون فيه هو الحفظ عن ظهر قلب، فلهذا تفاوتت منازلهم في الجنة بحسب تفاوت حفظهم».
وأكد الإمام الألباني رحمه الله هذا المعنى فقال:
«المراد بقوله: صاحب القرآن حافظه عن ظهر قلب، فالتفاضل في درجات الجنة إنما هو على حسب الحفظ في الدنيا، وليس على حسب قراءته يومئذ واستكثاره منها».
فهذا النص يوضح بجلاء أن الفضيلة التي يقع فيها التفاضل هنا مرتبطة بمقدار الحفظ والاستظهار، لا بمجرد كثرة القراءة من المصحف.
وهذه فضيلة عظيمة لحافظ القرآن، لكنها ليست فضيلة مجردة عن الإخلاص والعمل؛ فالحفظ إنما يعظم قدره إذا كان لله تعالى، وكان صاحبه قائمًا بحق القرآن.
الحفظ سبب للرفعة في الدنيا
وليس أثر القرآن مقصورًا على الآخرة؛ فإن من أعظم آثاره أن يرفع الله به صاحبه في الدنيا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين» رواه مسلم.
ومن صور هذه الرفعة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم الأقرأ لكتاب الله في الإمامة، وكان يقدم أكثر أصحابه أخذًا للقرآن في بعض المواطن.
وقد ظهر ذلك عمليًا في حياة الصحابة رضي الله عنهم، ومن ذلك قصة عبد الرحمن بن أبزى رضي الله عنه، فقد ولاه عمر رضي الله عنه، وكان من الموالي، فلما استُشكل تقديمه، بيَّن أن سبب ذلك علمه بالقرآن والفرائض، ثم قال:
«إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين».
فكان القرآن سببًا في رفع صاحبه فوق مقاييس الدنيا من مال ونسب وجاه، لأن ميزان القرآن يرفع من عظَّم كتاب الله وحمله علمًا وعملاً.
ورفعة الحافظ تمتد إلى الآخرة
وكما يرفع الله بالقرآن أقوامًا في الدنيا، فإن أثره يمتد إلى الآخرة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:
«مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة» متفق عليه.
ويظهر فضل الحفظ هنا من كون القرآن ملازمًا لصاحبه؛ فهو يحمله في صدره، ويراجعه في ليله ونهاره، ويقوم به في صلاته، فيبقى أثر القرآن متصلًا بحياته لا بمجرد لحظة القراءة.
الحفظ الذي يصنع صاحبه
ومع ذلك، فإن المقصود من حفظ القرآن ليس أن يجمع المسلم ألفاظه في صدره فحسب، وإنما أن يتحول القرآن من محفوظ في الصدر إلى منهج في الحياة.
فالحافظ الحقيقي هو من جمع بين حفظ كتاب الله، وتعاهده ومراجعته، وفهمه وتدبره، والعمل به والتحلي بأخلاقه.
ومن هنا كان فضل الحفظ عظيمًا؛ لأنه يجعل القرآن حاضرًا في القلب واللسان والعمل، وييسر لصاحبه تلاوته وقيامه ومراجعته وتعليمه.
فليس المقصود أن يكون المسلم حافظًا للقرآن فقط، وإنما أن يكون القرآن حافظًا له من الانحراف، وقائدًا له إلى الخير.
خاتمة
إن حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب نعمة عظيمة، وعبادة جليلة، وخصيصة ظاهرة لهذه الأمة، وقد يسَّر الله حفظه، وجعل في حمله شرفًا ورفعة في الدنيا والآخرة.
وقد جاءت السنة النبوية بشواهد متعددة على مكانة الحفظ وأثره؛ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ما يحفظه الرجل من القرآن سببًا في تزوجه، وجعل كثرة الأخذ من القرآن سببًا في تقديم بعض شهداء أُحد في اللحد، كما دلت النصوص الأخرى على رفعة أهل القرآن في الدنيا وعلو منازلهم في الآخرة.
كما دلَّت أقوال العلماء والنصوص على أن الحفظ عن ظهر قلب له فضل خاص، وأن التفاضل في المنازل بحسب مقدار الحفظ، لا بمجرد كثرة القراءة من المصحف.
فحريٌّ بالمسلم أن يجعل حفظ كتاب الله من أعظم أهدافه، وأن يصبر عليه، ويتعاهده، ويخلص فيه لله، ثم يجعل حفظه طريقًا إلى فهم القرآن والعمل به.
فطوبى لمن جمع الله له بين حفظ القرآن في صدره، والعمل به في حياته، والإخلاص فيه لربه.
قال تعالى:
﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾............................
انظر: فضائل حفظ القرآن الكريم
د. محمود بن أحمد الدوسري، فقد أفدت من المقال ............................
وصلى الله على تاج رؤوسنا سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم