30/05/2026
قبل أشهر قلائل، انشغل كثير من الناس بموضوع هو في حقيقته من فضول المسائل لا من أصولها، ولكنه مع ذٰلك كشف عن خلل ظاهر في طريقة النظر إلـىٰ العلم وطلبه في الأجواء العلمية الغانية.
كان الحديث يومها حول المقارنة بين الطلاب الذين خرجوا في طلب العلم إلـىٰ الجامعات الإسلامية والعربية، وبين الذين لم يجدوا هذه الفرصة، أو وجدوها فآثروا الدراسة في بلادهم، وطلب العلم في بيئتهم، خارج تلك المؤسسات.
وليست المشكلة في أصل المقارنة؛ فإنَّ المقارنات قد تكون نافعة إذا ضبطها العلم والعدل. ولكنَّ المشكلة كانت في طريقة تناول المسألة، وفي ما ظهر أثناء الكلام عنها من اختزالٍ لحقيقة العلم في صور محدودة: هذا يجعل الخروج إلـىٰ الجامعة كافيًا في إثبات الفضل، وهذا يجعل البقاء في البلد دليلًا علـىٰ النقص، وهذا يردّ علـىٰ الأول بمبالغات أخرىٰ، حتى ضاع أصل الباب بين العصبية، والانطباع، والتجربة الشخصية، والاعتزاز بصورةٍ من صور الطلب علـىٰ حساب صورة أخرىٰ.
والحق أنَّ العلم أوسع من ذٰلك كلِّه.
فليس العلم سفرًا فقط، ولا شهادة فقط، ولا جامعة فقط، ولا ملازمة شيخ فقط، ولا كثرة حضور فقط، ولا قراءة منفردة فقط، ولا انتسابًا إلـىٰ مدرسة أو بلد أو مؤسسة. هذه كلُّها وسائل وأسباب وبيئات، قد تنفع صاحبها إذا أحسن استعمالها، وقد لا تنفعه إذا فقد الصدق والجدّ والفهم والصبر وطول الممارسة.
وكم من خارجٍ في طلب العلم لم يحمل من خروجه إلا الاسم، وكم من باقٍ في بلده فُتح له من أبواب الفهم والبحث والقراءة ما لم يُفتح لغيره. وكم من طالبٍ نفعته الجامعة؛ لأنها ضبطت له الطريق، وعرّفته بالكتب، وربطته بأهل العلم، وكم من طالبٍ لم تزده الجامعة إلا شهادةً يحملها، ولسانًا يتكلَّم به، من غير رسوخ ولا ملكة. وكذلك كم من طالبٍ بقي في بلده فحبسه الكسل وضيق الأفق، وكم من آخر بقي فيها فصنع لنفسه طريقًا جادًّا بالقراءة، والسؤال، والمباحثة، ومجالسة من تيسر له من أهل العلم.
فالقضية ليست: من خرج ومن لم يخرج؟
وإنما القضية: من تعلَّم؟ ومن فهم؟ ومن صبر؟ ومن قرأ؟ ومن بحث؟ ومن تدرَّج؟ ومن عرف قدر نفسه؟ ومن صنعت فيه المعرفة عقلًا جديدًا، وخلقًا جديدًا، ونظرًا جديدًا؟
وكعادتي، لم أستطع أن أمرَّ علـىٰ ذٰلك النقاش مرورًا عابرًا. فانخرطت فيه متأملًا وباحثًا، وكتبت أول الأمر خطة، أو شيئًا يشبه الخطة، أردت بها أن أتناول المسألة من أصلها، لا من طرفها، وأن أبيّن أن الخلل الذي ظهر في ذٰلك النقاش ليس خللًا في تلك المسألة وحدها، بل هو أثر من آثار خلل أوسع في تصور طبيعة العلم نفسه.
ثم شغلتني أعمال أخر، فلم أجد وقتًا كافيًا للكتابة فيه.
غير أنَّ المسألة لم تتركني. كانت تعود إلـيَّ في أوقات متفرقة، وتلحُّ عليَّ بين حين وآخر، حتى رأيت أن أكتب فيها كتابة مستقلة، لا تعالج حادثة بعينها، ولا تقف عند جدل عابر، بل تتناول أصل الباب: ما العلم؟ وكيف يُطلب؟ وما الذي يصنع الـمَلَكَة؟ وما حدود دور المشايخ والمدارس والجامعات والمجالس والكتب؟ ومتى تكون الوسائل نافعة، ومتى تتحول إلـىٰ حجبٍ عن المقصود؟
ومن هنا بدأت أجمع ما سبق لي كتابته في موضوع العلم وطلبه؛ مما نشرته من قبل، ومما بقي حبيس الملفات والخواطر، ثم أعدت صياغة أكثره، ورتبت مسائله، وزدت عليه، حتى صار رسالة موجزة في طبيعة العلم، وما ينبغي أن يستقر في نفس طالب العلم من حقائق هٰذا الباب.
وكان ابتداء هٰذا الجمع والترتيب في يوم العيد وأيام التشريق.
وقد قصدت في هذه الرسالة ألَّا تكون مجرد موعظة عامة في فضل العلم، ولا تكرارًا لما يقال عادة في آداب طالب العلم، وإنما أردتها كلامًا في حقيقة العلم نفسه: في الفرق بين العلم ووسائله، وبين المنهج ورموزه، وبين الانتفاع بالمشايخ والذوبان في شخصياتهم، وبين حضور المجالس وصناعة الملكات، وبين قراءة الكتب ومباشرة المسائل، وبين الثقافة العامة والرسوخ العلمي، وبين الشهادة التي تُنال والملكة التي تُبنىٰ.
فإنَّ كثيرًا من الخلل الذي نراه اليوم في الأجواء العلمية لا يرجع فقط إلـىٰ قلة المعلومات، بل يرجع إلـىٰ ضعف التصور عن العلم: ما هو، وكيف ينمو، وكيف يهيمن علـىٰ صاحبه، وكيف يربِّي طبعه، وكيف يعلِّمه العدل، وكيف يخرجه من أسر الأشخاص، والرموز، والمدارس، والانتماءات الضيقة.
ولذلك كان من أهم ما أردت تقريره أن العلم لا يُختصر في الأشخاص، ولا في المدارس، ولا في الجامعات، ولا في الشهادات، ولا في الحضور، ولا في كثرة الكلام، ولا في متابعة الخلافات. وإنما العلم إمَّا نقلٌ صحيح عن صاحب الشرع، وإمَّا نظرٌ سليم، وما سوىٰ ذٰلك فإنما هو وسيلة أو خادم أو علامة، وليس هو حقيقة العلم.
والرسالة سنوفرها بعد أيام للجميع مجانًا إن شاء الله.