24/08/2023
بطانتان، بقلم الفقير إلى الله د. طارق أبو نور.
قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فيما صح عنه :
"ما بعثَ اللهُ من نَبِيٍّ ، ولا استخلَفَ مِنْ خليفَةٍ إلَّا كانتْ لَهُ بطانتانِ : بطانةٌ تأمرُهُ بالمعروفِ ، وتحضُّهُ عليْهِ ، وبطانَةٌ تأمرُهُ بالشَّرِّ ، وتحضُّهُ ، فالمعصومُ مَنْ عصمَهُ اللهُ"
البطانة في اللغة ما يُبَطَّن به الثوب، وهي خلافُ ظِهارته. و البِطانَةُ السريرةُ. وهي جمع الأصحاب الذين يثق فيهم و يسر إليهم و يسرون إليه، فهم أهل شورى المرء و خاصة من ينصحه.
إن من أعظم البلاء قي أرض الاستخلاف، الأمانة ، أمانة الرجل في أهله و أمانة الاستاذ أو المعلم في تلاميذه و أمانة العالم في طلبته و الآخذين عنه، و أمانة الأمير في رعيته و أمانة الشيخ في مريديه...
فكلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته...
و هته الأمانة تقتضي حسن الاستماع و العدل و حسن التلقين و الصبر على ذلك و عدم السآمة.
و مما يعين على هته الأمانة أو يفسدها على صاحبها، البطانة.
فكل مستخلف ممن ذكرنا يبتلى بالآخر ابتلاء تمحيص و تأثر و تأثير، قال تعالى : "و جعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون"
و البطانة من ذلك...فقد تكون من قبيل الإعانة على الخير و الدلالة عليه ، فتكون كالنور في الظلام و الغيث بعد القحط و الرجاء بعد الخوف و الرحمة بعد القبض....فتنعش صاحبها و تمده بالحلم في الغضب و الأمل بعد انقطاع الأسباب و الإحسان مع من أحسن و من أساء....
فيصير بفضلها المسيء و المقتصد وليا مصلحا و نورا ساطعا و بلسما شافيا يقتدى و يهتدى به في ظلمات ليل الشاك الداج.
أما ان كانت هته البطانة سيئة تزين له الشر و تنهش في لحوم الناس و توغر صدر المنصوح، فإنها سم قاتل يسري في صاحبه فيعطل حواسه و إدراكه، فيريه الحق باطلا و الباطل حقا، و الظالم عادلا و المظلوم ظالما...
فتضيع الحقوق و تنطفئ الأنوار و تعطل المصالح و يطغى أهل الجور....
فإذا أراد الله بعبد خيرا فيما قلده من أمانة و مسؤولية ، رزقه بطانة صالحة تمنعه من الطغيان و تهديه إلى الخير و الإحسان ، و لو كان مسيئا في نفسه و بينه و بين ربه.
و إذا أراد الله بعبد سوءا سلط عليه بطانة سيئة تهديه إلى الشر و توسوس له من السوء ما يضله و يطغيه و لو كان وليا صالحا !
فاحرص مريد الله على التماس بطانة الخير لا سيما ان ابتلاك الله بأمور عباده و لا تغتر بمادحيك و من يسول لك أنك خير الناس و يعين نفسك و الشيطان عليك و لو أعجبك لسانهم. و كن أقرب ممن ينصحك صدقا دون مراء و يهدي إليك عيوبك و لو ضاقت نفسك بصريح مقالهم و لم يكن لهم بين الناس حظوة و جاه.
فكم من مشهور في الأرض منكر في السماء....و كم من أشعت أغبر لو أقسم على الله لأبره.