04/08/2026
في دارٍ واسعةٍ تعجُّ بالخيرِ والبركةِ، عاش التاجرُ إدريسُ مع ابنتهِ ياسمينَ وابنهِ رامي، وكان قلبُه ممتلئاً بحبِّهما، رافضاً أنْ يُدخلَ على عشِّه الدافئِ غريبَةً، بعدَ أنْ رحلَتْ أمُّهما إلى دارِ البقاءِ. رأت ياسمينُ في عينيْ أبيها وحدةً عميقةً، رغم كلِّ ما يحيطُ به من خيرٍ ومال، فلمَّا ألحَّتْ عليهِ يوماً بعد يومٍ، قالَ إدريسُ وقد دمعتْ عيناهُ: «إني أخافُ أنْ لا تسعدي معَ زوجةِ أبٍ يا ابنتي.» فأجابتْ بثقة: «أبي، حبُّك لي هو ما يهمُّني.» وفي أحد الأيام، بينما كان إدريس يعرض بضاعته في دكانه، وقعت عيناه على سعاد، فخفق لها قلبه خفقاناً شديداً، وظن أنها الوحيدة التي طالما انتظرها، فطلب يدها دون تردد، ودخلت داره كزوجةٍ، ما إن استقرت قدم سعاد في الدار، حتى سقط قناعها الوضّاء، وبدأت تُذيق ياسمين ورامي ألوان العذاب، فصارت حياتهم جحيماً لا يطاق، من فجرٍ إلى فجر، وصبراً مراً لا ينتهي. لم تكتفِ سعادُ بتعذيبِ ياسمين، بل مدّتْ يدَها إلى رامي، فأخرجتْه من متجرِ والدهِ الذي كانَ يتعلمُ فيهِ أصولَ التجارةِ، وجعلتْه خادماً في البيتِ، ينظفُ ويكنسُ ويحملُ الماءَ، وكأنما ولدَ للخدمةِ لا للسيادةِ. وحوّلت سعادُ ياسمينَ إلى جاريةٍ منهكةٍ، لا تهدأُ من طحنِ القمحِ وعجنِ العجينِ، ولا تفترُ من تنظيفِ البيتِ وغسلِ الثيابِ، حتى إذا جاءَ المساءُ، حملتِ الجرارَ الثقيلةَ إلى البئرِ البعيدِ، ولا راحَةَ بعدَ ذلكَ إلا ألمٌ يملأُ الجسدَ. تأخرت ياسمين قليلاً في العودة من البئر، فكان عقابها من سعاد صفعةً قاسيةً على وجهها، وصرخةً تهزُّ أركانَ الدارِ: «أتهذرين وقتِي؟!» وسقطت الجرّةُ من يدِ ياسمينَ وتكسّرت، وكأنما تكسّرَ معها آخرُ أملٍ في رحمةٍ. وفي لحظةِ ضعفٍ، همَّ رامي بأنْ يبوحَ لأبيهِ بما يحدثُ، لكنَّ ياسمينَ وضعتْ يدَها على فمِه وقالتْ بدموعٍ مكتومةٍ: «لا يا رامي، لا تكسرْ قلبَ أبي، ففرحتُه بزوجتِه أغلى مِنْ صبرِنا المؤقتِ.» فصمتا معاً، وحملَا جراحَهما في قلوبِهما. وفي ليلةٍ حالكةٍ، بعدَ يومٍ شاقٍ، أمرتْ سعادُ ياسمينَ بالذهابِ إلى البئرِ البعيدِ، ولمَّا خافتِ الفتاةُ من عتمةِ الطريقِ، صحبَها أخوها الصغيرُ رامي، ومضيا معاً في ظلامِ الليلِ الموحشِ، لا يَؤُوسانِهما سوى صوتِ أنفاسِهما المتلاحقةِ. وما إن وصلا إلى البئرِ، حتى سمعا صوتَ استغاثةٍ مكتومٍ ينبعثُ من أعماقِ الظلامِ. ألقتْ ياسمينُ الحبلَ دون ترددٍ، وتشبثَ به رامي بكلِّ قوتهِ، ليسحبا معاً شيئاً عجيباً: قزماً غريبَ الهيئةِ، يلمعُ في عينيهِ نورٌ لا يشبهُ نورَ البشرِ، فاندهشا لكنَّ القزمَ طمأنهما بلطفٍ، فقال: «اسمي ميمون، ولا تخافا منّي». جلس ميمون القزم على حافة البئر، وأخرج نايَهُ الخشبيَّ الصغيرَ، وبدأ يعزفُ لحناً ساحراً لم تسمع الأذنانِ مثلهُ من قبلُ. انسابت الألحانُ كالنسيمِ العليلِ، فذابت قسوةُ الأيامِ من قلبي ياسمينَ ورامي، وانسابت دموعُهما كالسيلِ، وعلت الابتسامةُ وجوهَهما البائسةِ للمرةِ الأولى منذ سنينَ. سأل ميمون ياسمين ورامي عن سرهما، وما الذي يجر خطاهما إلى البئر في هذا الوقت الموحش. فانهارت حصون الصمت، وبكى الأخوان باكيين، وقصّاً عليه حكاية عذابهما مع سعاد، وكيف أصبحت حياتهما جحيماً لا يطاق، منذ أن دخلت تلك المرأة دارهما. ضحك ميمون ضحكةً عميقةً لا تتناسبُ مع حجمه الصغير، وقفزَ قائلاً: «أنتما أنقذتما حياتي، وهذا النايُ هديتي لكما. لا تنفخا فيه إلا حين تغلقُ في وجوهكما الأبوابُ، وتشتدُّ بكما المحنُ.» ناولَ النايَ لياسمين، ثم تلاشى في الهواءِ كأن لم يكن. عادَ الأخوانِ إلى الدارِ وقلباهما يرتجفانِ من فرطِ الدهشةِ، فإذا بموقفٍ أغربَ ينتظرهما: سعادُ قد أعدّتْ مائدةً عامرةً بأشهى الماكولاتِ، وتستقبلهما بحنانٍ مفتعلٍ وكلماتٍ معسلةٍ. أدركتْ ياسمينُ بفراستِها أنَّ تحتَ هذا الرمادِ ديناراً، وأنَّ سعادَ تنسجُ خيطاً مسمومًا. لم تمضِ لحظاتٌ حتى كشفت سعادُ عن نواياها، وقالت لإدريس: «لقد جاءَ أخي صخرٌ يطلبُ يدَ ياسمينَ، وما أجملَ أنْ تصيرَ زوجةً لأخي!» فتجمّدت ياسمينُ في مكانِها، وشلَّ الصدمةُ لسانَها، وبدا أن إدريس سيُوافقُ، لكنّهُ أبى أن يُقرّرَ دونَ رأيِ ابنتهِ، فقال: «دعونا نمنحُها وقتاً لتُفكّرَ.» فأغمضت سعادُ عينيها بغضبٍ مكتومٍ. وفي هدوء الليل، تسللت سعاد إلى غرفة إدريس، وأخذت تُلقي في أذنيه كلماتِها المعسولةَ، تصفُ له زواجَ ياسمينَ من أخيها صخرٍ وكأنهُ نعيمٌ مقيمٌ. لم يكد إدريس يرفضُ، حتى كانت هي تُعيدُ الكرةَ، حتى أوشكَ قلبهُ الطيبُ أن يلينَ لضغطِها وإلحاحِها. وفي الصباحِ الباكرِ، حينَ اختلتْ ياسمينُ بسعادَ، واجهتْها بجرأةٍ قائلةً: «لنْ أتزوجَ أخاكِ أبداً، يا سعادُ، فإنْ تماديتِ في ظلمِكِ، سأكشفُ لأبي كلَّ ما تفعلينَه بنا.» فاشتعلتْ عينا سعادَ بالشرِّ، وقررتْ أنْ تقضيَ على صوتِ الحقيقةِ إلى الأبدِ. اشتعلت عينا سعادِ غضباً، فأمسكتْ بياسمينَ ورامي وقادتهما بقوةٍ إلى قبو الدارِ المظلمِ، وأحكمتْ إغلاقَ البابِ خلفهما. كانت خطتُها شيطانيةً: ستُبقي ياسمينَ حبيسةً حتى ترضخَ لزواجِ صخر، ثم تُقنعُ إدريسَ بالموافقةِ بالقوةِ والتهديدِ.
انتظروا الجزء الثاني والأخير ❤️❤️