15/10/2022
يا لروعة النعمة!
مَنَايِنُ الَّذِي تَرَبَّى مَعَ هِيرُودُسَ رَئِيسِ الرُّبْعِ
بين الأنْبِيَاء وَالمُعَلِّمين في كنيسة أنطاكية!!
(أع13: 1-3)
أَوَ ليست هذه واحدة من معجزات "نعمة الله المُخلِّصة" أن «مَنَايِنُ الَّذِي تَرَبَّى مَعَ هِيرُودُسَ رَئِيسِ الرُّبْعِ»، نراه واحدًا من الأنْبِيَاء وَالمُعَلِّمين في كنيسة انطاكية.
وياله من أمر يكشف عن غنى النعمة التي تمتد إلى أشر الخطاة والفجار والأثمة؛ النعمة المتفاضلة التي تفتح الباب أمام الأحمق والمُلوث، والمستبيح والشرير، والدنس والخاطىء؛ النعمة التي تسمو فوق شر الإنسان، وتتجه إلى الشخص وهو في حالة النجاسة والهلاك، لا لكي يدخل إلى دائرة الإيمان المسيحي فحسب، بل وتعطيه أيضًا امتياز خدمة الرب، بل وتسبغ عليه المواهب التي تؤهله للخدمة. فيالغبطة أولئك الذين تمتعوا بنعمة الله!!
مَنَايِنُ الَّذِي تَرَبَّى مَعَ هِيرُودُسَ (أي كأخ له في الرضاعة والتربية، بحسب ترجمة داربيManaen, foster-brother of Herod ) نرى فيه الشخص الذي عاش في القصر الملكي حيث تكثر المفاسد إلى حد كبير، ومع هذا تتجه إليه النعمة لكي تجعله مؤمنًا مسيحيًا، بل خادمًا من خدام الرب في كنيسة أنطاكية.
بالأمس كان ”مَنَاينُ“ رفيقًا لهيرودس رئيس الربع، أو هيرودس أنتيباس كما يُسميه التاريخ؛ ذلك الخليع الماجن الذي كان يعيش عيشة دنسة مستهترة، وكان يحيا حياة خليعة فاجرة. وهو ابن هيرودس الكبير الذي أمر بقتل أطفال بيت لحم (متى2). وهيرودس أنتيباس هذا هو الذي أراد أن يقتل المسيح، والذي دعاه الرب «الثعلب» (لو13: 31، 32)، وهو الذي استحق توبيخ يوحنا المعمدان لِسَبَبِ علاقته الآثمة بهِيرُودِيَّا امْرَأَةِ فِيلُبُّسَ أَخِيهِ، «وَلِسَبَبِ جَمِيعِ الشُّرُورِ الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا» (لو3: 19). ومع أنه «كَانَ يَهَابُ يُوحَنَّا عَالِماً أَنَّهُ رَجُلٌ بَارٌّ وَقِدِّيسٌ وَكَانَ يَحْفَظُهُ. وَإِذْ سَمِعَهُ فَعَلَ كَثِيرًا وَسَمِعَهُ بِسُرُورٍ» (مر6: 20)، إلا أنه قطع رأسه ليُقدَّم هدية على طبق لامرأة لاهية فاجرة (مر6: 21-28). ولقد ظل ضميره يُبكّته بقسوة على هذه الجريمة الشنعاء، حتى أنه عندما سمع عن الرب يسوع وعن المعجزات التي يصنعها، خطر بباله أن صانع المعجزات هذا ليس سوى يوحنا الذي قطع هو رأسه، وإنه قام من الأموات (مت14: 1، 2؛ مر6: 14-16؛ لو9: 7-9).
لقد أُلقيت كلمة الله كبذار في قلب هيرودس، لكنها اختنقت بالشوك، وشهوات سائر الأشياء قتلت كل تأثير إلهي (مر4: 18). وما لبث ضميره أن مات، وانحدر هيرودس بخُطى سريعة إلى هاوية الفساد حتى أن البلاط الملكي في أيامه كان يُعتبر وكرًا من أوكار الرذيلة جاء إليه المغنون والمغنيات من كل ناحية، وضعفت شخصية هيرودس حتى أصبح ألعوبة في يد كل مَنْ أراد أن يلعب به.
وعندما مثل الرب يسوع أمام هيرودس ليُحاكم قبيل الصليب، لم يقف الرجل أمام المسيح باكيًا على شره وأثمه وخطيته، أو نائحًا على مقتل المعمدان، أو فزعًا من الحياة الممتلئة بالمنكر والضلال، لكنه «لَمَّا رَأَى يَسُوعَ فَرِحَ جِدًّا ... وَتَرَجَّى أَنْ يَرَى آيَة تُصْنَعُ مِنهُ» (لو23: 8).
فها هو الآن رجل خاوي القلب، يطلب أن يجد في ابن الله الذي صار جسدًا غرضًا يُشبع نهمه للترفيه واللهو الذي لا ينتهي؛ يترجى أن يرى معجزة يتسلَّى بها يوم الصليب، كما يرى الناس عرافًا أو حاويًا يُلهيهم ويُضحكهم بعض الوقت، وأقل مشاركة في هذه النوازع الفاسدة لا تتفق مطلقًا مع كرامة وعظمة ذاك المجيد الذي في اتضاعه ظل هو هو الله. وبقي الرب صامتًا «فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْء» (لو23: 9) «فَاحْتَقَرَهُ هِيرُودُسُ مَعَ عَسْكَرِهِ وَاسْتَهْزَأَ بِهِ وَأَلْبَسَهُ لِبَاسًا لاَمِعًا وَرَدَّهُ إِلَى بِيلاَطُس» (لو23: 11). لقد مات ضمير هيرودس، ويكفي أنه وصل في موته إلى حد احتقار المسيح، والإمعان في السخرية به، والتقى مع بيلاطس في الحكم عليه، وهو لم يدرِ أنه بذلك أضاع الفرصة الوحيدة التي كانت أمامه!!
وكان «مَنَايِنُ» رفيقًا لهيرودس أنتيباس هذا ومُتربيًا معه «وَلَكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا» (رو5: 20). فمن الواضح أن نعمة الله قد ظهرت في ذلك التحول العجيب في حياة «مَنَايِنُ» الذي قَبِِلَ دعوة النعمة إلى حياة جديدة ظهر برهانها في قطع كل علاقة بالماضي القديم الآثم.
أيها الأحباء: إننا لا نريد أن تمر علينا هذه الحادثة دون أن نقف متأملين فيما تضمنته من شهادة لامعة لنعمة الله. حقًا ليس من حدود لدعوة المخلِّص: «مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا» (يو6: 37). ومهما تأخر مجىء الخاطىء أو مهما ضاقت الفرصة التي فيها يجيء، فليأتِ وليُقبِّل إلى الفادي، وليثق أنه لن يُطرّح خارجًا. وإن كان الخلاص للخاطىء الأثيم يأتي نتيجة لبرنامج تهذيبي وأدبي، فماذا كان يُعمَّل «لمَنَايِنُ الَّذِي تَرَبَّى مَعَ هِيرُودُسَ رَئِيسِ الرُّبْعِ». وإننا إن لم نستطع أن نقدم لخاطىء أوغل في الشر والإثم والنجاسة، خلاصًا كاملاً ومُفرحًا ومُبهجًا، فنحن إذن لا نعرف على الإطلاق خلاص الله الحقيقي. وما أكمل هذا الخلاص الذي حصل عليه ”مَنَايِنُ“.
ولكن دعونا – أيها الأحباء – نتساءل: كيف أُنتُزِّعَ ”مَنَايِنُ“ من ذلك الماضي؟ ... وكيف أفرز نفسه من تلك الآثام والشرور؟ ... كيف تغيَّر اتجاه حياته واتجاه فكره؟ ... وكيف انفصل عن رفيقه الذي شاركه الضلال والآثام؟ ... وكيف فتح الرب قلبه ليُغيِّره؟ ... نحن لا نعرف على وجه التحديد ما الذي أثرَّ في ”مَنَايِنُ“ وأحدث فيه التغيير العجيب، ولكننا نعرف أن الخلاص ليس هو عمل الإنسان الذي يمكن لنا أن نفهمه وأن نتتبعه، بل هو عمل روح الله الذي يفوق العقل والتصوُّر، ومَنْ بوسعه أن يُخلِّص خاطىء من خطاياه سوى الرب لأن «لِلرَّبِّ الْخَلاَصُ» (مز3: 8؛ يون2: 9).
ربما سمع ”مَنَايِنُ“ تحذيرات يوحنا المعمدان من الخطية، وتحريضاته على التوبة، وربما فزع وارتعب من توبيخه لهيرودس أنتيباس. وربما كان ”مَنَايِنُ“ موجودًا في تلك الحفلة الماجنة التي انتهت نهاية مأساوية عندما أتى السياف برأس المعمدان - تنزف منها الدماء – على طبق، وأعطاه للصبية، والصبية أعطته لأمها (مر6: 27, 28). وربما رأى ”مَنَايِنُ“ جلال العظمة والقداسة التي تشع من طلعة الرب يسوع في مشهد محاكمته أمام هيرودس، ورأى كيف كان الرب وديعًا وقورًا جليلاً، صامتًا وصبورًا. وربما رأى قسمات النبل تشع من وجهه بينما صيحات هيرودس وعسكره تقذفه بتقريعات الاستهزاء والسخرية (لو23: 8-11). ربما كانت كل هذه وخزات لضمير ”مَنَايِنُ“ ومناخس كان صعب عليه أن يرفسها (أع9: 5). ولكن من المؤكد أنه في النهاية وصلته الأخبار السارة عن موت وقيامة المسيح (1كو15: 1-4)، وأطاع ”مَنَايِنُ“ الإنجيل «إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ» (رو10: 17)، فلا يوجد سوى شيء واحد يمكنه تغيير القلوب الخاطئة؛ إنه قوة الإنجيل «لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ» (رو1: 16)، وهذه القوة أُستُعلنت وتُستعلن الآن في كل رجل وامرأة وطفل ينحني أمام الرب يسوع مُتخذًا إياه ربًا ومُخلِّصًا شخصيًا.
لقد تجاوب ”مَنَايِنُ“ مع جهاد الروح القدس مع نفسه، ورجع إلى عقله، وقَبلَ دعوة النعمة، ووضع كل حياته السابقة خلف ظهره، وقام وأتى إلى الرب ، والتجأ إلى نعمته، ونال الخلاص والتبرير بالنعمة بالإيمان، وانطلق من قيود الخطية إلى رحاب حياة جديدة مباركة مقدسة ... وتغيَّر الحال وتبدَّل المشهد ... لقد خلَّصه الرب يسوع، وأعطاه رجاءً وهدفًا راقيًا ساميًا يستحق أن يحيا لأجله «إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا» (2كو5: 17)، وها هو ”مَنَايِنُ“ وقد صار واحدًا من عطايا الرب لكنيسته!!
صار ”مَنَايِنُ“ واحدًا من «الأنبياء» في الكنيسة، الذين يُكلمون جماعة المؤمنين «بِبُنْيَانٍ وَوَعْظٍ وَتَسْلِيَةٍ»، «مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ» (1كو14: 3؛ 2بط1: 21)، ليستحضروا الضمائر إلى حضرة الله، سواء بكشف أعواز النفس أو بإماطة اللثام عن حقائق المستقبل (2كو14: 24، 25).
وصار ”مَنَايِنُ“ أيضًا واحدًا من "المُعلِّمين" في الكنيسة. والمُعلِّم، بوجه خاص، هو تلميذ للمكتوب، موهوب في فهم ومعرفة حقائق كلمة الله، وإدراك الحق ومعاني الظلال «مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاِسْتِقَامَةِ» (2تي2: 15)، ويُحب دائمًا أن يقود أولاد الله إلى أعماق كلمة الله، حتى تظهر صفات الله فيهم. والمُعلِّم هو الذي يواجه التعاليم الخاطئة، ويُحذر من التعاليم الكاذبة والشريرة. والمُعلِّم، المُتعلِّم من الله، يُعظِّم المسيح ويُعلن أمجاد شخصه وكفاية عمله، وهذا هو الطابع المميّز لخدمة المُعلِّم.
وهكذا صار ”مَنَايِنُ“ - الذي تربى مع هيرودس رئيس الربع - واحدًا من الأنبياء والمُعلِّمين في كنيسة الله في أنطاكية ... فيا لنعمة إلهنا! يا لغناها! يا لسموها!
والنعمة وحدها هي التي ترُّد للاسم معناه، كأنسيمس الذي يُشير اسمه إلى النفع، ولم يكن نافعًا حتى جاء إلى الرب يسوع وأضحى نافعًا (فل17). و”مَنَايِنُ“ في اليونانية هو الاسم "منحيم" في العبرية ومعناه ”مُعزٍِّ“ أو ”تعزية“ أو ”تسلية“ (كو4: 11). فبالإضافة إلى كون ”مَنَايِنُ“ نبيًا ومُعلّمًا في كنيسة الله، كانت له هذه الصفة الرقيقة التي تُشير إلى كونه ملطِّفًا كالمرهم الذي يُضع لكي يخفِّف الالتهابات ويهدئها. ويالها من صفة أدبية رائعة. إن الكثير من القديسين لهم أحزان وأوجاع كثيرة، ونفعل حسنًا أن نستخدم ماء الكلمة بلطف للتطهير والتسكين، والتعزية ولشفاء الجروح. ربما نكون أكثر اعتيادًا على استخدام الكلمة لتخترق كالسيف، أو كنور نُسلّطه مباشرة، لكننا نحتاج أن نستخدمها كذلك كالماء للتشجيع والإنعاش والتعزية (يو13: 12-14).
أيتها النفوس الشاعرة بالخطية، أسرعي إلى حضرة الرب يسوع المقدسة، أسرعي إلى هناك، إنه المكان الوحيد في الكون بأسره حيث تجدين السلام، حيث تُغفَّر لك خطاياكِ على أساس كفارته الكافية، ومن هناك يُرسلك لتُخبري الآخرين عن قصة حُبّ لن يعجز ولن يضعف في صراعه مع خطية الإنسان، بل يستبدل مُلك الخطية بمُلك النعمة، لأنه «كَمَا مَلَكَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْمَوْتِ، هَكَذَا تَمْلِكُ النِّعْمَةُ بِالْبِرِّ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا» (رو5: 21).
فايز فؤاد