18/08/2026
اهلا وسهلا يا ربيعا قد أتى... شرفت قدرا بميلاد المصطفى
**أهلًا وسهلًا يا ربيعًا قد أتى... شرُفتَ قدرًا بميلاد المصطفى ﷺ**
ما إن يُقبل ربيع الأول حتى يتهيأ القلب لفرحةٍ لا تشبه سواها؛ فرحة مولد سيدنا رسول الله ﷺ، الذي أشرقت بذكره المجالس، وتعطرت بمدحه الليالي، واجتمعت القلوب على الصلاة والسلام عليه. وفي هذه الأيام يصدق أهل المحبة حين يمدحون: «أهلًا وسهلًا يا ربيعًا قد أتى، شرُفتَ قدرًا بميلاد المصطفى، ولد الحبيب كاملًا ومكمّلًا، في ليلة الاثنين بها نلنا الهنا، يا سعدنا بمحمد يا فرحنا، بمجيئه الكون أضحى منوّرا». وكما نظم قمر الدين في فرحة المولد: «وأهل علينا أهل، المولد جاء وهل، والنور علينا طل، من نور جمال الهادي». إنها فرحةٌ بسيد ولد أدم ﷺ، وفرحةٌ بنعمة الله على هذه الأمة، وفرحةٌ بسيرةٍ كلما اقتربنا منها ازددنا يقينًا بجمال ما جاء به الحبيب من هدى ورحمة وأخلاق. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. ولهذا فإن استقبال المولد ليس مجرد استقبال لشهر، وإنما استقبال لذكرى أعظم نعمةٍ عرفتها هذه الأمة؛ ذكرى ميلاد الحبيب الذي بقي اسمه في الدنيا، وبقيت سنته، وبقيت الصلاة والسلام عليه، وبقيت محبته عامرةً في قلوب المؤمنين.
وإذا كان المولد فرحةً، فكيف يفرح المحب؟ يفرح بكثرة الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وقراءة سيرته وشمائله، وتعظيم سنته، وإكرام أهله، وصلة رحمه، وإطعام الطعام، والصدقة، وإدخال السرور على الناس، والإكثار من ذكر الله. ويكون أجمل ما يقدمه المحب للحبيب ﷺ أن يحاول أن يحمل شيئًا من أخلاقه إلى حياته؛ فإذا غضب تذكر حلم النبي، وإذا قدر تذكر عفوه، وإذا رأى محتاجًا تذكر رحمته، وإذا خاصم أحدًا تذكر أدبه. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. وهنا يكون المولد مدرسةً للمحبة والاتباع معًا؛ فليست المحبة أن تملأ المجالس مدحًا ثم تخرج منها كما دخلت، وإنما أن يترك ذكر الحبيب أثرًا فيك. وأن تجعل هذه الأيام فرصةً لتصفية القلب، وإصلاح ما فسد من العلاقات، ورد الحقوق، وصلة الأرحام، وكثرة الصلاة عليه ﷺ. وقال ﷺ: «من صلى عليّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا» رواه مسلم. وهكذا يصبح للمولد معنى يتجاوز الليلة والمجلس؛ يتحول من فرحةٍ في القلب إلى عبادة، ومن مدحةٍ على اللسان إلى خُلق، ومن ذكرى إلى عهد.
وهنا تأتي قيمة ما حفظه أهل المحبة من تراث المديح والسيرة، وما كان يوصي به الإمام أبو المواهب من الإكثار من مدح النبي ﷺ والصلاة والسلام عليه في كل وقت وحين؛ لأن مدح الحبيب عند أهل المعرفة ليس غايةً منفصلةً عن السيرة، وإنما هو بابٌ يفتح القلب على المحبة، ويُعيد إلى الناس ذكر شمائله وفضائله. وقد حمل هذه الأمانة من بعده السيد السند يس السعيد، وحملها أبناء الإمام وأحفاده، وأبناء الزعامة المحمدية، فبقي المديح حاضرًا، وبقيت مجالس المحبة عامرةً بذكر المصطفى ﷺ. وما أجمل أن يكون هذا الحمل اليوم أمانةً لا مجرد تراث؛ أن تصل المدائح إلى الأبناء، وتصل معها السيرة، ويصل معها الأدب، ويصل معها معنى المحبة والاتباع. فمولد النبي ﷺ ليس موسمًا ينتهي بانتهاء لياليه؛ إنما هو موعدٌ نجدد فيه عهدنا بالحبيب، نكثر فيه من الصلاة عليه، ونقرأ سيرته، ونعلّم أبناءنا حبه، ونُصلح من أنفسنا ما استطعنا. ثم تنقضي أيام ربيع الأول، وتبقى أجمل ثماره في شيءٍ واحد: أن يكون الحبيب ﷺ حاضرًا في أخلاقنا كما هو حاضرٌ على ألسنتنا. فهنيئًا لمن فرح بمولده، وهنيئًا لمن أكثر من الصلاة عليه، وهنيئًا لمن مدحه بأدب، وهنيئًا لمن اتبع سنته، وهنيئًا لمن حمل محبته إلى أهله وأبنائه ومن حوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعل لنا من مولده فرحةً، ومن سيرته هدايةً، ومن محبته حياةً، ومن سنته طريقًا، واحفظ أهل المديح والمحبة، وبارك في أبناء الإمام أبي المواهب، والسيد السند يس السعيد، وأبناء الزعامة المحمدية، واجعلهم من حملة راية محبة المصطفى ﷺ ومدحه في كل وقت وحين....