21/11/2024
بسم الله الرحمن الرحيم
" هِدَايَةُ الحَيْرَانِ إِلَى تَخْرِيجِ ، وَبَيَانِ المُرَادِ مِنَ الأَثَرِ الوَارِدِ، فِي ثَوابِ قِرَاءَةِ حَرْفِ القُرْآنِ "
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
أما بعد: فقد أحببت أن أكتب بحثا مختصرا ، في بيان أثر ابن مسعود رضي الله عنه في ثواب قراءة القرآن الكريم ألا وهو "من قرأ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ والحسنةُ بعشرِ أمثالِها لا أقولُ { ألم } حرفٌ ولكن ألفٌ حرفٌ ولامٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ " أخرجه الترمذي وغيره .
وذلك للوقوف على درجة هذا الأثر ، أولا ، وأنه ليس من قول المصطفى صل الله عليه وآله وسلم، وأن المراد السائد المعروف في شرحه، ليس هو- في التحقيق والبحث العلمي، والمنطق العربي القديم - بصواب
وطبيعة هذا البحث يتطلب مني النهج على النحو التالي ، ذكر تخريج الأثر ، ثم بيان المراد في معنى الأثر ، ثم يكون آخر الكلام ، فأسأل الله تعالى أن يوفقني إلى ما قصدت بيانه، وأردت توضيحه، فإنه ولي ذلك والقادر عليه.
أولا : تخريج الأثر وما يتعلق به من ناحية الصنعة الحديثية
وهذا الأثر يروى عن ابن مسعود رضي الله عنه واختلف عنه في وجهين رفعا ووقفا
تخريج الوجه الأول : رواية الرفع
رواها عنه محمد بن كعب القرظي، أخرجها: الترمذي (2910) والبيهقي في شعب الإيمان 4/ 548 (1831) وابن مندة في (الرد على من يقول الم حرف) ص 54 رقم (14).
كلهم من طريق محمد بن كعب عن ابن مسعود مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
تخريج الوجه الثاني :رواية الوقف
رواها عن ابن مسعود جماعة منهم:
أ-أبو الأحوص.
أخرجها ابن المبارك في الزهد (808) والطبراني 9/ 140 وابن أبي شيبة 10/ 462 والدارمي2/ 308 والحاكم 1/ 566.
وأبو الأحوص ثقة، وهي أقوى الروايات ويعضدها مايأتي.
ب-قيس بن السكن.
أخرجها ابن أبي شيبة 10/ 461 وابن مندة رقم (15).
وقيس ثقة من رجال مسلم ثبت سماعه من ابن مسعود.
ج-أبو عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أبيه موقوفا.
أخرجها عبدالرزاق 3/ 367 والطبراني 9/ 139
وهو ثقة لكن لايصح سماعه من أبيه.
د- علقمة أو الأسود عن ابن مسعود موقوف
أخرجها ابن أبي شيبة 10/ 462 وفيه: (كان له بكل حرف عشر حسنات ومحو عشر سيئات)
وعلقمة والأسود كلاهما ثقة، لكن في الإسناد إليهما مقال.
هـ - أبو البختري الطائي عن ابن مسعود موقوفا.
أخرجها الآجري في (أخلاق حملة القرآن) ص 17
وهو ثقة ثبت لكن روايته عن ابن مسعود مرسلة
و-- القاسم بن عبدالرحمن عن ابن مسعود موقوفا
أخرجها ابن مندة في (الرد على من يقول الم حرف) ص 57 بلفظ:" أما إني لست ممن يزعم أن بكل آية عشر حسنات ولكن أزعم أن بكل حرف من حروف المعجم عشر حسنات "
والقاسم لم يدرك ابن مسعود.
ز- يسير أو أسير بن عمرو عن ابن مسعود موقوفا
أخرجها ابن مندة في (الرد على من يقول الم حرف) ص 58
ويسير صدوق، لكن في سندها السري بن عاصم متروك واتهمه بعضهم.
وهذ الروايات الخمس (ج – ز) لاتخلو من مقال وضعف في أفرادها لكنها تتقوى برواية أبي الأحوص الأولى.
أما رواية الرفع فسندها حسن إن ثبت سماع محمد بن كعب من ابن مسعود وهو مختلف فيه، فأثبته أبو داود وصححه العلائي في (جامع التحصيل) ص 268 ونفاه آخرون.
والحديث رواه البخاري في (التاريخ الكبير) 1/ 216 بسنده إلى محمد بن كعب قال: سمعت عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. قال البخاري:لاأدري حفظه أم لا؟
وبالرجوع إلى ترجمة محمد بن كعب نجد أن ولادته في سنة 40 هـ أي بعد وفاة ابن مسعود بثمان سنين , واختلف في سنة وفاته على خمسة أقوال تنحصر بين 108 – 129 هـ وعمره 78 سنة، وعلى أقل الأقوال نجعل وفاته سنة 108 هـ فيكون مولده سنة 30 هـ أي كان عمره حين وفاة ابن مسعود سنتين فيبعد أن يتحمل عنه في هذا السن.
وقول الشيخ الجديع في تحقيقه لكتاب ابن مندة:"جميع ماقيل في وفاته وعمره أقوال متقاربة وأي ذلك كان الصواب فإنه ولد قطعا بعد موت عبدالله بن مسعود " متعقب بأن أبا نعيم وابن أبي شيبة والترمذي وغيرهم نصوا على أن وفاته كانت سنة 108 هـ فيكون ولد قبل موت ابن مسعود لكن بحيث لايمكنه التحمل منه.
وعليه تكون روايته عنه مرسلة، ويترجح رواية الوقف ومن مرجحاتها الكثرة كما سبق. فاجتمع في رواية الرفع: الانقطاع ومخالفة الأكثر.
والحديث ساقه الألباني رحمه الله في الصحيحة 2/ 267 بالرفع قال: وإسناده جيد وقد خرجته في تعليقي على الطحاوية ص 201 ط الرابعة.
والطبعة التي عندي هي الثامنة وليس فيها فهرس للأحاديث، ولم أجد الحديث في فهرس طبعة التركي والأرناؤوط.
وصححه في التعليق على المشكاة 1/ 659.
وصححه مرفوعا من المتأخرين أيضا الشيخ:عبدالقادر الأرناؤوط في تعليقه على جامع الأصول 8/ 498.
بينما رجح الوقف الشيخ: عبدالله الجديع في بحث مسهب في تحقيقه لكتاب (الرد على من يقول الم حرف) لابن مندة،وهو أوسع من تكلم على الحديث فيما أعلم.
وأنبه أخيرا أنه حتى على القول بترجيح الوقف فإن هذا مما لا مجال للرأي فيه فيكون من المرفوع الحكمي.
والله أعلم
قلت ( استفدت هذا التخريج من أرشيف ملتقى أهل التفسير ) في المكتبة الشاملة. " بتصرف يسير "
وهناك ملاحظتان على تخريج الأخ الكاتب وإليك بيانه والله ولي التوفيق
الأولى : كيف يعلق الحكم بالحسن في رواية الرفع بقوله " إن ثبت سماعه " أي سماع محمد بن كعب من ابن مسعود ، والحال قد تعقب على الشيخ الجديع بما لا يمكن تحمله للحديث وقتئذ ؟ فإذن لا معنى لهذا التعليق . وكذلك لا معنى لتصحيح من صحح من المتأخرين أيضا أو حسنه.
الثانية: قوله " وأنبه أخيرا... " القاعدة بأن مالامجال للرأي فيه إذا رواه الصحابي يأخذ حكم الرفع ، ليس بقاعدة مستقيمة، ولكن يستيغ ذكرها كثير من أهل العلم من غير أن يبرهنوا عليها ومثل ذلك لا يقبل . وذلك عجب فإن القائل نفسه لم ينسب القول إلى النبي صل الله عليه وآله وسلم ، ثم يأتي من بعده ويقول حتى لو لم ينسبه إليه يأخذ حكم قوله لأنه أمر غيبي لا يمكن أن يعرف ذلك إلا بالوحي ، فإذن ماوجه اقتصاره على نفسه ، وعدم رفعه إلى جنابه ( عليه الصلاة والسلام ) إذا كان حقا أن يكون من قول النبي صل الله عليه وآله وسلم حكما ؟ ومن قال لا يستطيع الصحابي أن يذكر قولا لا مجال للرأي فيه إذا كان من أمرغيبي ، فقد أبعد النجعة ، وهناك شرط ثاني يذكرونه ، في حكم الرفع للصحابي وهو " ألا يكون معروفا بالأخذ عن أهل الكتاب" وهذا ليس بلازم أن كل من عرف عنه الأخذ من أهل الكتاب أن مايذكره من أمر غيبي أخذه عنهم ، فبطل أن تكون هذه القاعدة مستقيمة وسليمة .
علاوة على ذلك قد يمكن لقائل أن يقول إن هذا القول من ابن مسعود رضي الله عنه يمكن أن يقال بالرأي لأن الله تعالى يقول في محكم تنزيله ( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) الأنعام آية (160) فلا يبعد أن يستنبط من هذه الآية أن من قرأ حرفًا من كتاب الله له من الأجر كذا ، لا سيما في ما يأتي بيانه أن المراد بالحرف ( الكلمة أو الجملة المفيدة ) .
إذن لم يتحقق في هذا الأثر شرطية ماادّعاه الكاتب أي ( من نقلت عنه تخريج الأثر ) ، في رفع حكمية هذا الأثر إلى النبي صل الله عليه وآله وسلم، فبطل بهذا الإحتمال الوارد القوي دعواه والحمد لله رب العالمين كثيرا.
هذا وقد تبين لك من تخريج الأثر أن الراجح فيه، هو أنه ليس بمرفوع ولا هو كلام للنبي صل الله عليه وآله وسلم، بل هو موقوف على هذا الصحابي الجليل ( عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ) ، ويمكن أيضا أن يقال مثله بالرأي لما قدمنا لك آنفا من الدليل ، وبعد هذا فإليك العنصر الثاني في البحث وهو بيان المراد من هذا الأثر
أقول وبالله التوفيق: لقد اختلف شراح هذا الأثر في بيان المراد من قوله ( من قرأ حرفا ) بالمعنى المراد للحرف في هذا الأثر ؟ وذلك أنَّ الحرفَ قد يُطلَقُ ويُرادُ به الكلمةُ والجملةُ المفيدةُ وطرف الشيء عندَ العربِ ، وكذلك على حروف التهجّي في اصطلاح النحويين
قال شيخ الاسلام ابن تيمية_ رحمه الله تعالى_:
في الاختيارات ص: 53 - ط العلمية ( .. فله بكل حرف عشر حسنات .. فالمراد بالحرف الكلمة).
وقال الترمذي في جامعه، بعد ذكر هذا الأثر : حديث صحيح غريب ، والمراد بالحرف عند أصحابنا حرف التهجي الذي هو جزء من الكلمة صرح بهذا المعنى القاضي في الكلام على قراءة حمزة وذكر جماعة فيمن لم يحسن الفاتحة هل يقرأ من غيرها بعدد الحروف أو بعدد الآيات ؟ انتهى
وقد اقتصرت على هذين النقلين فقط ، ومن أراد الإطلاع والتوسع فعليه الرجوع إلى شروح كتب الحديث .
والذي يترجح عندي- إن شاء الله- ما ذهب إليه شيخ الاسلام ابن تيمية_ رحمه الله تعالى_ ومن معه إلى أن المراد بالحرف هو الكلمة ، لأمور منها :
أولا: إطلاق الحرف على حروف التهجي إنما هو اصطلاح اللغويين والنحويين.، والصحابة إذا تكلموا إنما يتكلمون بما تعرفه العرب ، وليس بما تعارف عليها أهل الإصطلاح .
ثانيا : إطلاق الحرف في أحاديث المصطفى صل الله عليه وآله وسلم أكثرها تأتي بمعنى الكلمة ، واللهجة مثل حديث " أنزل القرآن على سبعة أحرف " وفي حديث الأذان رواه أبو داود وغيره عن أبي محذورة ألقى النبي صل الله عليه وآله وسلم علي الأذان حرفا حرفا ..." فذكر الحديث
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى
"… وهذه الأحاديث تقوِّي أن المراد بالأحرف: اللغات أو القراءات، أي: أُنزل القرآن على سبع لغات أو قراءات، والأحرف: جمع حرف، مثل: فلس وأفلس، فعلى الأول يكون المعنى على سبعة أوجه من اللغات؛ لأن أحد معاني الحرف في اللغة الوجه، كقوله تعالى {ومن الناس من يعبد الله على حرف}، وعلى الثاني يكون المراد من إطلاق الحرف على الكلمة مجازا لكونه بعضها. " فتح الباري " (9/ 24)
ثالثا : لوكان المقصود بالحرف حروف التهجي ، لم يكن لاستدراك ابن مسعود في قوله " لا أقول ( ألم ) حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف " معنى، لأنه - والله أعلم- يريد الكلمة لا الحرف ، لأنك إذا ذهبت تعد هذه الحروف تكون تسعة ، وليس ثلاثة . وبيان ذلك ( ألف ، لام ، ميم ) فهذه تسعة أحرف .
وهناك ترجيحات أخرى يذكرها من ذهب مذهب شيخ الاسلام رحمه الله تعالى فارجع إليها إن شئت .
ثالثا : آخر الكلام
وفي هذا العنصر الأخير أريد أن أنبه إلى أن كثيرا من الإخوة يتعجلون الإنكار والرد من غير تروّ أو تأنّ على الآخرين ، وذلك لقلة اطّلاعهم على أقوال أهل العلم، وأخذهم برأي واحد ثم لا يلتفتون إلى غيره ، ولوكان أرجح من ما ذهبوا إليه ، واطمئنوا له ، فهذا منقصة عظمية لا يليق - بطالب علم فضلا عن عالم - أن يرتضيها ويقتنع بها ،
فالسائد المعروف ، والمعتاد المشهور عندنا - إن لم يكن إجماع العصر - أن هذا الأثر حديث مرفوع إلى النبي صل الله عليه وآله وسلم، وأن المراد بمعناه أيضا هو حروف التهجي ، مع أن التحقيق والبحث يدلان على خلاف هذا كله ، والله المستعان.
وأمر آخر يستحسن ذكره وهو إذ لم يثبت الحديث عن النبي صل الله عليه وآله وسلم، فلا يدّعي بعد هذا أحد ، أنه يمكن أن يذكر لنا بالتّحديد ثواب من قرأ القرآن الكريم، فلا يعلم ذلك أحد ، والله أعلم بما يُجزي به عبده، إذا قرأ كتابه وتدبّره وتأمله، والعجب أنك تجد بعض العلماء يتكلفون تعداد هذه الأجور والثواب ، إن كان على مذهب الذي يرى أنه حروف الهجاء فثوابه كذا ، وإن كان المذهب الآخر فأجره كذا ، يأخي إن الله لغني وكريم عن أن يكون مثل هذه الإحصائيات والتعدادات بينه وبين عبده ، وقد صح عن النبي صل الله عليه وآله وسلم أن " ( قل هو الله أحد ) تعدل ثلث القرآن " رواه البخاري ومسلم وغيرهما ، فمن يقدر أن يعرف ثواب تالي القرآن كله !!
فهذا بحث متواضع يقبل النقد والمناقشة بالدليل والبرهان ، وليس بالنقض والطّعان، فمن رأى فيه غير صواب فليُدْل ببحثه، وليبرز دليله وليقم برهانه، حتى نصير إلى أيهما أقوى نقلا وأرجح عقلا.
هذا وقد ترددت كثيرا في إبراز هذا البحث ونشره بين أهل العلم وطلاب الحق ، ولكن تأبى علي نفسي إلا أن أبوح بما أظنه صوابا ليُرى ويناقش ، فإن يكن صوابا فمن الله وحده وإن يكن غير ذلك فالله ورسوله بريئان منه ، على أنه ليس برأي تبنَيْته بل سبقني إليه كبار من أهل العلم ، _ اللهم إلا ما قلته من أنه لا يعلم أجر من قرأ القرآن الكريم غير الله جل جلاله، _ فإني لم أر قائلا بذلك في حدود اطّلاعي.
وقد أنكر مثل هذا شيخي ( محمود دوكورى ) يعني مثل هذه الإحصائيات في ثواب أعمال العبد، وقال : في معرض قول له عندما كنا نناقش في مثل هذه الأمور "لماذا تعدون أعمالكم مع الله كأنكم تتعاملون مع شركات أمريكية " !! والعلم عند الله.
وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
بقلم / عبد القادر حولى المعروف ب " شيخنا حولى دوكورى "
المالي الجافوني الغوري.
بتاريخ/ الأربعاء : ٢٠ - ١١ - ٢٠٢٤م