11/01/2026
💠 وراثة الخطية الأصلية عند فيلاريت ميتروبوليت موسكو
✍️ يُعد فيلاريت ميتروبوليت موسكو Philaret of Moscow (1782-1867)، أحد أعمدة اللاهوت الأرثوذكسي في القرن التاسع عشر في الكنيسة الروسية الأرثوذكسية والتي تعترف به قديساً لديها. عُرف فيلاريت بلقب "فم الذهب الروسي" لقوة عظاته ودقتها العقائدية. وعند الكنيسة الروسية الأرثوذكسية لم يكن فيلاريت ميتروبوليت موسكو مجرد إداري كنسي، بل كان لاهوتياً استمد فكره من آباء الكنيسة والمنهج الكتابي المستقيم.
في النص الذي نحن بصدده، يتناول الميتروبوليت فيلاريت عقيدة "الخطية الأصلية" (Original Sin)، ليس كمجرد بحث نظري، بل كواقع اختباري يمس طبيعة الإنسان ومصيره. يمهد فيلاريت لنصه بالاستناد إلى كلمات الكتاب المقدس ليؤكد أن السقوط لم يكن حادثاً عابراً في حياة آدم، بل صار "شرخاً" في الطبيعة البشرية انتقل بالتبعية كميراث إلى كل نسله، إذ يقول في عظته رقم ٣٠ :
☦️ ["يقول القديس بولس: «إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله». (رو٣: ٢٣) ويسأل أيوب: «من يخرج الطاهر من النجس؟» ويجيب: «لا أحد، ولو عاش يوماً واحداً على الأرض». (أي ١٤: ٤-٥) ويعترف داود قائلاً: «هأنذا بالإثم صُوِّرتُ، وبالخطية حبلت بي أمي» (مز ٥١: ٥)، غير خاشع بهذا التصريح من أن يتعدى قانون إكرام الوالدين. فماذا يعني هذا إذاً؟ ✅ يعني أن جميع البشر قد أخطأوا بالفعل في آدم؛ فبما أنه أنجب أبناءً بعدما أخطأ، لم يكن بمقدوره أن يورثهم —دون معجزة— ما لم يعد يمتلكه، أي البراءة وعدم الفساد؛ ✅ بل أورثهم بطبيعة الحال ما كان يحمله في نفسه: الخطية والفساد.
وإذا تجرأ أحدنا على السؤال: ✅ «كيف نكون مذنبين ونحن قد ورثنا الخطية والفساد عن آدم بغير إرادتنا؟»، فإن الضمير —إذا كان المرء منتبهاً لنفسه أدنى انتباه— كفيلٌ بأن يجيبه بدلاً مني ويغلق شفتيه المتململتين؛ إذ يمكن للضمير أن يشير في حياة كل فرد منا إلى مواقف لم نكن فيها مخلصين لدوافعنا الخيرة، التي ظلت قوية حتى بعد انحطاطنا الوراثي. «إن الله أعظم من قلوبنا، ويعلم كل شيء» (١يو٣: ٢٠)؛ ولذلك فهو يدرك فينا حتى تلك الشوائب الأخلاقية الدقيقة التي قد لا يعيها الضمير الذي أصابه القساوة بدرجة أو بأخرى. «إن كنت تراقب الآثام يا رب، يا سيد، فمن يقف؟» (مز١٣٠: ٣).
وبهذا التأمل، لا يجد السؤال: «لماذا يتألم حتى الأبرياء؟» إجابةً فحسب، بل يُلغى تماماً؛ لأنه بالنظر والتدقيق العادل، لا يوجد بريء واحد على الأرض، وبناءً عليه، فإن كل الذين يتألمون، إنما يتألمون —بدرجة أو بأخرى— لكونهم مذنبين، باستثناء واحد فقط «الذي لم يفعل خطية».]
☦️ ["All have sinned and come short of the glory of God,' saith S. Paul. Who can bring a clean thing out of an unclean? asks Job. and answers: 'not one, if he had even lived but one day upon earth; Behold, I was shapen in iniquity, and in sin did my mother conceive me, confesses David, not afraid by this declaration to transgress the law of honor to parents. What does this then mean? This, that all men had already sinned in Adam, who as he begot children after having sinned, could not transmit to them, without a miracle, that which he no more possessed, innocence and incorruptibility; but did naturally transmit unto them what he had in himself, sin and corruption. If any one of us should venture to ask, 'How are we then guilty, having unwillingly inherited from Adam sin and corruption?" to such a one, if he be but at all attentive to himself, instead of me. his own conscience might answer and shut his murmuring lips, for conscience may point out in the life of every one, instances in which we were not faithful to our good impulses, which were still powerful even after our hereditary degradation. 'God is greater than our heart, and knoweth all things; and therefore He perceives in us even those subtle moral impurities, of which the conscience, more or less hardened, is not even aware. 'If Thou, Lord, shouldst mark iniquities, O Lord, who shall stand?' By this reflection, the question, "Why even the innocent suffer?" is not only answered, but even annulled; because, judging justly, there are none innocent upon earth, and consequently all those who suffer, suffer more or less for being guilty, save One, 'Who did no sin."]
♦️ Select sermons : By the late metropolitan of Moscow Philaret. Translated from the Russian / - London : Joseph Masters, 1873. Sermon ###, On the Causes and Uses of Affliction, pp. 359-360.
✍️ يؤكد فيلاريت أن جميع البشر ورثوا الخطية الأصلية وفقدوا البراءة الأصلية إذ أخطأوا في آدم، فلا يوجد إنسان بريء تمامًا سوى المسيح وحده الذي بلا خطية. إن كلمات متروبوليت موسكو هي صدى لأصوات الآباء القديسين الأوائل، وتؤكد أن الأرثوذكسية، شرقاً وغرباً، تحمل ذات الرؤية الأنثروبولوجية: أن الإنسان يحتاج إلى فداء لا من أجل أفعاله الشخصية فقط، بل أيضاً من أجل "طبيعته" التي تلوثت بالخطية الأصلية منذ السقوط الأول، وما تبعها من حُكم موت وأيضاً فساد الطبيعة البشرية.