02/04/2026
💠 لماذا نصوم الصوم الأربعيني ؟ ولماذا نصوم ونحزن في أسبوع البصخة ؟
✍️ يتناول هذا النص من عظات القديس يوحنا ذهبي الفم فهمًا عميقًا لمعنى الصوم الأربعيني وغايته الروحية، حيث يوضح أن الصوم لم يُوضع كطقس شكلي أو كحزن مرتبط بالصليب، بل كوسيلة لتطهير النفس والاستعداد اللائق للاقتراب من الأسرار المقدسة. ويبرز النص حكمة الآباء الرسل في تحديد هذا الزمن الروحي المكثف، الذي يدعو المؤمنين إلى التوبة واليقظة الروحية من خلال الصلاة والصدقة وسائر أعمال التقوى، مؤكدًا أن الصليب ليس سببًا للحزن بل للفرح والافتخار، لأنه يحمل خلاص الإنسان ومحبّة الله العظمى.
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم:
☦️ [(5) فلماذا إذًا نصوم أربعين يومًا؟ في الماضي، ولا سيما في الزمن الذي فيه سلّمنا المسيح هذه الأسرار المقدسة، كان كثيرون يقتربون إلى مائدة الذبيحة بلا تفكير ولا استعداد. ولما أدرك الآباء أن اقتراب الإنسان إلى الأسرار بهذه اللامبالاة أمرٌ ضار، اجتمعوا وحددوا أربعين يومًا لكي يصوم الناس ويصلّوا ويجتمعوا لسماع كلمة الله. وكان قصدهم أن نُطهّر أنفسنا جميعًا بكل تدقيق خلال هذا الزمن بصلواتنا، والصدقات، والصوم، والسهر، والدموع، والاعترافات، وسائر أعمال التقوى، لكي نقترب إلى الأسرار وضمائرنا نقية بقدر ما نستطيع.
(6) وقد أحسنوا صنعًا حين عضدونا وأقاموا لنا ممارسة هذا الصوم الأربعيني. ويتضح ذلك من أنه لو ظللنا ننادي بالصوم طوال السنة كلها، لما أصغى أحد إلى ما نقول. أما حين يقترب زمن الصوم الكبير، فإن حتى أكثر الناس كسلًا ينهض، وإن لم يُرشده أحد أو ينصحه. ولماذا؟ لأنه يتلقى الإرشاد والنصيحة من زمن الصوم ذاته.
(7) فإذا سألك يهودي أو وثني: لماذا تصومون؟ فلا تقل له إن السبب هو الفصح أو سرّ الصليب، لأنك إن قلت ذلك تعطيه حجة عليك. بل قل له: نحن نصوم بسبب خطايانا، ولأننا مزمعون أن نقترب إلى الأسرار. فالفصح ليس سببًا للصوم أو الحزن، بل هو سبب للفرح والبهجة. والصليب قد نزع الخطية؛ إذ كان كفارةً عن العالم ومصالحةً للعداوة القديمة. لقد فتح أبواب السماء، وحوّل المبغضين إلى أصدقاء، وأخذ طبيعتنا البشرية وصعد بها إلى السماء، وأجلسها عن يمين عرش الله، وجلب لنا ربوات من البركات الأخرى.
(8) فلا حاجة إذًا للحزن أو الاكتئاب، بل ينبغي أن نفرح ونفتخر بكل هذه الأمور. ولهذا قال بولس: «حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح». وقال أيضًا: «ولكن الله بيّن محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا». أما يوحنا فعبّر هكذا: «هكذا أحب الله العالم». قل لي: كيف أحب الله العالم؟ لقد تجاوز يوحنا سائر علامات محبة الله ووضع الصليب في المقام الأول. لأنه بعدما قال: «هكذا أحب الله العالم»، أضاف: «حتى بذل ابنه الوحيد»، أي ليُصلب، «لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية». فإذا كان الصليب هو أساس المحبة وموضع الافتخار بها، فلا نقل إنه سبب للحزن. حاشا لنا أن نحزن بسبب الصليب! بل نحزن على خطايانا، ومن أجل هذا نصوم.]
♦️ St. John Chrysostom, Against the Je_ws, Homily III: 4: 5- 8.
✅ يؤكد القديس يوحنا ذهبي الفم أن الصوم الأربعيني ليس مجرد تقليد ديني، بل هو زمن مقدس يهدف إلى تهيئة الإنسان روحيًا من خلال التوبة الصادقة وتنقية القلب، استعدادًا للاشتراك في الأسرار المقدسة بضمير نقي. فالصوم في جوهره دعوة لمراجعة النفس والرجوع إلى الله.
كما يبرز النص حكمة الآباء في تحديد فترة الأربعين يومًا، إذ تساعد هذه المدة المؤمنين على الانتظام في الحياة الروحية، وتوقظ فيهم روح الجهاد الروحي والتقوى، خاصة لأولئك الذين قد يتكاسلون في باقي أيام السنة، فيصير الزمن نفسه وسيلة إرشاد وتجديد.
✅ ويوضح أيضًا أن الصوم وخصوصاً صوم البصخة لا يرتبط بالحزن على صلب المسيح، بل بالحزن على خطايانا التي سببت لفادينا الحنون هذه الآلام، لأن الصليب في الفكر المسيحي هو مصدر فرح وخلاص، وعلامة محبة الله العظيمة للبشر، به تمت المصالحة كفارةً عن خطايا كل العالم، وانفتحت أبواب السماء أمام الإنسان.
✅ وفي النهاية، يدعو النص إلى فهم الصوم كطريق يقود إلى الفرح الحقيقي، من خلال التوبة الصادقة والحياة النقية، حتى يقترب الإنسان من الله بقلب طاهر وإيمان حي، ونعيد الفصح بفرح قيامته المقدسة التي من خلالها أقامنا معه.