دوحة الصفاء الاحمدي الادريسي

  • Home
  • Egypt
  • Aswan
  • دوحة الصفاء الاحمدي الادريسي

دوحة الصفاء الاحمدي الادريسي صفحة يديرها بعض المحبين تهتم بالتذكير بأقوال وأفعال

جمعة مباركة علينا وعليكم وعلى جميع المسلمين :- بركة قراءة سورة الكهف - وبركة الإكثار من الصلاة والسلام على خير الأنام ، ...
28/08/2026

جمعة مباركة علينا وعليكم وعلى جميع المسلمين :

- بركة قراءة سورة الكهف
- وبركة الإكثار من الصلاة والسلام على خير الأنام ، وآله وصحبه الكرام ، ( اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، النبي الأمي ، الحبيب المحبوب ، العالي القدر ، العظيم الجاه ، وعلى آله وصحبه أجمعين )
- وبركة الدعاء لإخواننا المسلمين :
اللَّهمَّ إنَّا نسألك أن تصطفيَ بواطننا لشرف معرفتك ، وأن تزيِّنَها بأنوار محبتك وتوقيرك وخشيتك وتعظيم شعائرك ، وأن تجعلها معمورة بأنوار معرفتك الباهرة ، موصولة بالملأ الأعلىٰ ، اللَّهمَّ اجعل باطننا خيرًا من ظاهرنا ، واجعل ظاهرنا حسَنًا. وأن تجعل النور في أبصارنا، والبصيرة في ديننا ، واليقين في قلوبنا ، والإخلاص في أعمالنا ، والسلامة في أنفسينا ، والسيعة في أرزاقنا ، والقناعة بما أعطيتنا ، وذكرك بالنهار والليل على ألسنتنا ، وشكرنا لك على مدار ما أبقيتنا ، وأجعل لنا في كل خطوة سلامة وعافيه ، وأصلح لنا النية والذرية والطوية ، ويسر أمورنا ، وأنير دربنا ، وأشرح صدورنا ، وأجعلنا لنا من كل ضيق مخرجا وفرجا ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار ، وأدخلنا الجنة مع الأبرار ، ياعزيز ياغفار ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وآله ، صَلَاةً تُنَجِّينَا بِهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَهْوَالِ وَالْآفَاتِ ، وَتَقْضِي لَنَا بِهَا جَمِيعَ الْحَاجَاتِ ، وَتُطَهِّرُنَا بِهَا مِنْ جَمِيعِ السَّيِّئَاتِ ، وَتَرْفَعُنَا بِهَا أَعْلَى الدَّرَجَاتِ ، وَتُبَلِّغُنَا بِهَا أَقْصَى الْغَايَاتِ ، مِن جَمِيعِ الْخَيْرَاتِ ، فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ.
دعواتكم

*إِتحَافُ الأَنَامِ بِأَدِلَّةِ مَولِدِ خَيرِ الأَنَامِ ﷺ (8)**رَدُّ شُبَهَاتٍ حَولَ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَومِ مَو...
27/08/2026

*إِتحَافُ الأَنَامِ بِأَدِلَّةِ مَولِدِ خَيرِ الأَنَامِ ﷺ (8)*

*رَدُّ شُبَهَاتٍ حَولَ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَومِ مَولِدِهِ وَوَفَاتِهِ، وَالِاختِلَافِ فِي تَارِيخِ مَولِدِهِ*

❁ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ العَرَبِيِّ الهَاشِمِيِّ الأَمِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
❁ وَبَعدُ؛ فَقَد أَثَارَ بَعضُ المُنكِرِينَ لِلِاحتِفَالِ بِالمَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ جُملَةً مِنَ الشُّبَهِ، وَجَعَلُوهَا أَدِلَّةً عَلَى المَنعِ وَالتَّحرِيمِ، مَعَ أَنَّها لَا تنهَضُ عِندَ التَّحقِيقِ دَلِيلًا، وَلَا تقُومُ عَلَى أَصلٍ صَحِيحٍ فِي الِاستِدلَالِ؛ فَكَانَ مِنَ المُنَاسِبِ بَيَانُهَا وَالجَوَابُ عَنهَا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّ الحُكمَ عَلَى المَولِدِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالنَّظَرِ إِلَى حَقِيقَةِ مَا يُفعَلُ فِيهِ، وَمَدَى مُوَافَقَتِهِ لِقَوَاعِدِ الشَّرعِ وَأُصُولِهِ.

*❖ الرَّدُّ عَلَى مَن يَقُولُ: إِنَّكُم تُحِبُّونَ النَّبِيَّ ﷺ فِي شَهرٍ وَاحِدٍ، وَتَفرَحُونَ فِي يَومٍ وَافَقَ يَومَ وَفَاتِهِ*
❁ إِنَّ إِقَامَةَ المَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ فِي شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ لَا تَعنِي بِحَالٍ اختِزَالَ مَحَبَّتِنَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي يَومٍ وَاحِدٍ، وَلَا حَصرَهَا فِي شَهرٍ وَاحِدٍ؛ فَمَحَبَّتُهُ ﷺ وَاجِبَةٌ عَلَى المُؤمِنِ فِي كُلِّ وَقتٍ وَحِينٍ، وَاتِّبَاعُهُ وَتَعظِيمُهُ وَتَوقِيرُهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيهِ مَطلُوبٌ مِنَ المُسلِمِ طُولَ عُمرِهِ، وَلَيسَ ذٰلِكَ خَاصًّا بِرَبِيعٍ الأَوَّلِ وَلَا بِغَيرِهِ مِنَ الشُّهُورِ.
❁ وَإِنَّمَا يَكُونُ شَهرُ مَولِدِهِ ﷺ مُنَاسَبَةً لِمَزِيدٍ مِنَ التَّذكِيرِ بِسِيرَتِهِ العَطِرَةِ، وَشَمَائِلِهِ الكَرِيمَةِ، وَفَضَائِلِهِ وَخَصَائِصِهِ، وَالحَثِّ عَلَى الِاقتِدَاءِ بِهِ، وَإِظهَارِ الفَرَحِ بِنِعمَةِ بُرُوزِهِ إِلَى هٰذِهِ الدُّنيَا؛ كَمَا أَنَّ تَخصِيصَ بَعضِ الأَوقَاتِ بِمَزِيدٍ مِنَ العِبَادَةِ أَوِ الذِّكرِ أَوِ الشُّكرِ لَا يَعنِي تَركَ العِبَادَةِ وَالذِّكرِ وَالشُّكرِ فِي سَائِرِ الأَوقَاتِ.
❁ فَالمُسلِمُ يَقرَأُ القُرآنَ فِي كُلِّ وَقتٍ، وَمَعَ ذٰلِكَ يَخُصُّ رَمَضَانَ بِمَزِيدٍ مِنَ التِّلَاوَةِ، وَيَذكُرُ اللهَ تَعَالَى فِي كُلِّ حِينٍ، وَمَعَ ذٰلِكَ تُوجَدُ أَوقَاتٌ تُخَصُّ بِمَزِيدٍ مِنَ الذِّكرِ وَالدُّعَاءِ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّ ذٰلِكَ يَعنِي أَنَّ القُرآنَ أَوِ الذِّكرَ قَدِ اختُزِلَ فِي تِلكَ الأَوقَاتِ. فَكَذٰلِكَ مَحَبَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، هِيَ مُستَمِرَّةٌ فِي جَمِيعِ الأَيَّامِ، وَإِنَّمَا يُخَصُّ زَمَنُ مَولِدِهِ بِمَزِيدٍ مِنَ التَّذكِيرِ بِهٰذِهِ النِّعمَةِ العَظِيمَةِ.
❁ وَمِمَّا يُبطِلُ دَعوَى أَنَّ تَخصِيصَ يَومٍ بِإِظهَارِ الفَرَحِ أَوِ الشُّكرِ يَعنِي حَصرَ المَحَبَّةِ فِيهِ: مَا ثَبَتَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ؛ فَقَد وَجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَهُ شُكرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نَجَاةِ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَبَنِي إِسرَائِيلَ مِن فِرعَونَ، فَقَالَ ﷺ: «نَحنُ أَولَى بِمُوسَى مِنكُم»، وَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.
❁ فَهَل يَفهَمُ عَاقِلٌ مِن ذٰلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اختَزَلَ مَحَبَّتَهُ لِسَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فِي يَومٍ وَاحِدٍ مِنَ السَّنَةِ؟ كَلَّا. وَإِنَّمَا خُصَّ ذٰلِكَ اليَومُ بِمَزِيدٍ مِنَ الشُّكرِ لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِن نِعمَةٍ عَظِيمَةٍ، مَعَ بَقَاءِ مَحَبَّةِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَتَعظِيمِهِ فِي سَائِرِ الأَيَّامِ.
❁ فَكَذٰلِكَ إِظهَارُنَا الفَرَحَ وَالسُّرُورَ بِمَولِدِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فِي شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ لَا يَعنِي أَنَّنَا لَا نُحِبُّهُ فِي غَيرِهِ، وَلَا أَنَّ مَحَبَّتَهُ تَنقَطِعُ بِانقِضَاءِ هٰذَا الشَّهرِ، بَل هُوَ تَخصِيصٌ لِمُنَاسَبَةٍ بِمَزِيدٍ مِنَ الشُّكرِ وَالذِّكرِ وَالتَّعظِيمِ، مَعَ بَقَاءِ المَحَبَّةِ وَالِاتِّبَاعِ وَالتَّوقِيرِ فِي القُلُوبِ وَالأَعمَالِ فِي سَائِرِ الأَوقَاتِ.
❁ وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ بَعضُ المَانِعِينَ مِن أَنَّ يَومَ مَولِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَافَقَ يَومَ وَفَاتِهِ، فَكَيفَ يُظهَرُ الفَرَحُ فِي يَومٍ وَقَعَت فِيهِ وَفَاتُهُ؟ فَهٰذَا الِاعتِرَاضُ لَا يَستَقِيمُ لَا مِن جِهَةِ العَقلِ وَلَا مِن جِهَةِ النَّقلِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ وُقُوعِ حَادِثَةٍ مُؤلِمَةٍ فِي يَومٍ لَا يُلغِي مَا وَقَعَ فِيهِ مِن فَضلٍ وَنِعمَةٍ، وَلَا يَمنَعُ مِن شُكرِ اللهِ تَعَالَى عَلَى تِلكَ النِّعمَةِ.
❁ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذٰلِكَ مَا رَوَاهُ مُسلِمٌ فِي [صَحِيحِهِ] مِن قَولِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «خَيرُ يَومٍ طَلَعَت عَلَيهِ الشَّمسُ يَومُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخرِجَ مِنهَا».
❁ فَتَأَمَّل كَيفَ أَثبَتَ النَّبِيُّ ﷺ الخَيرِيَّةَ لِيَومِ الجُمُعَةِ، مَعَ أَنَّهُ اليَومُ الَّذِي أُخرِجَ فِيهِ سَيِّدُنَا آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ مِنَ الجَنَّةِ. فَلَم يَكُن وُقُوعُ الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ فِيهِ سَبَبًا فِي سَلبِهِ فَضلَهُ، وَلَا فِي مَنعِ تَفضِيلِهِ عَلَى سَائِرِ أَيَّامِ الأُسبُوعِ.
❁ فَإِذَا كَانَ اجتِمَاعُ أَمرٍ مَحمُودٍ وَأَمرٍ مُؤلِمٍ فِي يَومٍ وَاحِدٍ لَا يَمنَعُ مِن تَفضِيلِ ذٰلِكَ اليَومِ بِاعتِبَارِ مَا وَقَعَ فِيهِ مِن خَيرٍ، فَكَذٰلِكَ لَا يَمنَعُ وُقُوعُ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي نَظِيرِ يَومِ مَولِدِهِ ـ عَلَى القَولِ بِذٰلِكَ ـ مِن إِظهَارِ الفَرَحِ وَالشُّكرِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعمَةِ وِلَادَتِهِ وَبُرُوزِهِ إِلَى هٰذِهِ الدُّنيَا.
❁ وَمِثلُ ذٰلِكَ يَومُ عَاشُورَاءَ؛ فَقَد شَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ صِيَامَهُ شُكرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نَجَاةِ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، ثُمَّ وَافَقَ هٰذَا اليَومُ فِي زَمَنٍ مُتَأَخِّرٍ اليَومَ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ سَيِّدُنَا الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، وَهُوَ سَيِّدٌ مِن سَادَاتِ أَهلِ بَيتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمَعَ ذٰلِكَ لَم يَقُل أَحَدٌ مِن أَهلِ العِلمِ: إِنَّ قَتلَ الحُسَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَلغَى فَضلَ عَاشُورَاءَ، أَو أَبطَلَ مَشرُوعِيَّةَ صِيَامِهِ.
❁ فَتَعظِيمُنَا لِيَومِ عَاشُورَاءَ وَصِيَامُنَا لَهُ لَا يَقدَحُ فِي مَحَبَّتِنَا لِسَيِّدِنَا الحُسَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مَعَ أَنَّهُ قُتِلَ فِي هٰذَا اليَومِ؛ وَكَذٰلِكَ فَرَحُنَا بِمَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا يَقدَحُ فِي حُزنِنَا عَلَى وَفَاتِهِ وَمَحَبَّتِنَا لَهُ، وَلَا يَتَنَاقَضُ مَعَهُ.
❁ وَعَلَى هٰذَا، فَإِنَّ قَولَ بَعضِ المَانِعِينَ: إِنَّ الفَرَحَ بِالمَولِدِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ وَفَاةَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَعَت فِي نَظِيرِ ذٰلِكَ اليَومِ، لَا يَقُومُ عَلَى أَصلٍ صَحِيحٍ؛ إِذ لَا يَخلُو يَومٌ مِن أَيَّامِ الأُسبُوعِ وَالسَّنَةِ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ مِن أَن تَكُونَ قَد وَقَعَت فِي مِثلِهِ حَادِثَةٌ مُفرِحَةٌ أَو مُؤلِمَةٌ، وَنِعمَةٌ أَو مُصِيبَةٌ، وَفَتحٌ أَو فَقدٌ، وَفَرَحٌ أَو حُزنٌ.
❁ وَلَو جُعِلَ مُجَرَّدُ وُقُوعِ مُصِيبَةٍ فِي يَومٍ مَانِعًا مِن إِظهَارِ الفَرَحِ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِن نِعمَةٍ، لَلَزِمَ مِن ذٰلِكَ أَلَّا يَفرَحَ المُسلِمُونَ بِعِيدٍ، وَلَا بِزَوَاجٍ، وَلَا بِمَولُودٍ، وَلَا بِنَجَاحٍ، وَلَا بِفَتحٍ، وَلَا بِقُدُومِ غَائِبٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ يَومٍ مِن أَيَّامِ السَّنَةِ قَد يُوَافِقُ يَومًا وَقَعَت فِيهِ مِن قَبلُ مُصِيبَةٌ مِن مَصَائِبِ المُسلِمِينَ، وَهٰذَا لَازِمٌ بَاطِلٌ لَا يَقبَلُهُ عَقلٌ وَلَا يَدُلُّ عَلَيهِ نَقلٌ.
❁ فَقَد يُوَافِقُ يَومُ عُرسِ إِنسَانٍ أَو وِلَادَةِ وَلَدِهِ يَومًا تُوُفِّيَ فِي مِثلِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَو يَومًا وَقَعَت فِي مِثلِهِ غَزوَةُ أُحُدٍ، الَّتِي كُسِرَت فِيهَا رَبَاعِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَشُجَّ وَجهُهُ الشَّرِيفُ، وَأُصِيبَ المُسلِمُونَ بِمَا أَصَابَهُم؛ فَهَل يُقَالُ لِهٰذَا المُسلِمِ: يَحرُمُ عَلَيكَ أَن تَفرَحَ بِنِعمَةِ اللهِ عَلَيكَ لِأَنَّ هٰذَا اليَومَ وَافَقَ فِي التَّارِيخِ مُصِيبَةً سَابِقَةً؟ لَا يَقُولُ بِذٰلِكَ أَحَدٌ.
❁ وَالحَاصِلُ أَنَّ الأَيَّامَ لَا تُذَمُّ وَلَا تُمدَحُ لِمُجَرَّدِ حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَعَت فِيهَا، بَل يُنظَرُ إِلَى كُلِّ حَادِثَةٍ بِحَسَبِهَا؛ فَالنِّعمَةُ يُشكَرُ اللهُ تَعَالَى عَلَيهَا، وَالمُصِيبَةُ يُصبَرُ عَلَيهَا وَيُحتَسَبُ فِيهَا، وَلَا تَعَارُضَ بَينَ المَقَامَينِ.
❁ وَوِلَادَةُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ مِن أَعظَمِ النِّعَمِ الَّتِي أَنعَمَ اللهُ تَعَالَى بِهَا عَلَى هٰذِهِ الأُمَّةِ، بَل عَلَى العَالَمِينَ؛ إِذ بَعَثَهُ اللهُ رَحمَةً وَهُدًى وَنُورًا، وَأَخرَجَ بِهِ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. وَوَفَاتُهُ ﷺ مِن أَعظَمِ المَصَائِبِ الَّتِي أَصَابَتِ المُسلِمِينَ.
❁ وَلٰكِنَّ الشَّرِيعَةَ فَرَّقَت بَينَ مَقَامِ النِّعمَةِ وَمَقَامِ المُصِيبَةِ؛ فَحَثَّت عِندَ حُصُولِ النِّعَمِ عَلَى الشُّكرِ وَإِظهَارِ آثَارِ النِّعمَةِ بِمَا أَبَاحَهُ اللهُ وَشَرَعَهُ، وَحَثَّت عِندَ نُزُولِ المَصَائِبِ عَلَى الصَّبرِ وَالِاحتِسَابِ وَالتَّسلِيمِ، وَنَهَت عَنِ النِّيَاحَةِ وَالجَزَعِ وَتَجدِيدِ المَآتِمِ.
❁ وَمِن أَوضَحِ الأَمثِلَةِ عَلَى ذٰلِكَ أَنَّ الشَّرعَ شَرَعَ العَقِيقَةَ عِندَ وِلَادَةِ المَولُودِ، وَفِيهَا إِظهَارُ الشُّكرِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعمَةِ المَولُودِ، وَإِدخَالُ السُّرُورِ، وَإِطعَامُ الطَّعَامِ؛ وَلَم يَشرَع عِندَ المَوتِ مَا يُقَابِلُ ذٰلِكَ مِن تَجدِيدِ الحُزنِ وَالمَأتَمِ فِي كُلِّ عَامٍ، بَل شَرَعَ الصَّبرَ وَالِاستِرجَاعَ وَالِاحتِسَابَ.
❁ فَدَلَّت قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ المُنَاسِبَ عِندَ ذِكرِ وِلَادَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ هُوَ شُكرُ اللهِ تَعَالَى عَلَى هٰذِهِ النِّعمَةِ العُظمَى، وَإِظهَارُ الفَرَحِ المَشرُوعِ بِهَا، وَالِازدِيَادُ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالقُرُبَاتِ، لَا تَجدِيدُ الحُزنِ وَإِقَامَةُ المَآتِمِ بِسَبَبِ وَفَاتِهِ ﷺ.
❁ وَقَد ذَكَرَ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَلِيُّ فِي [لَطَائِفُ المَعَارِفِ]، فِي سِيَاقِ إِنكَارِ اتِّخَاذِ يَومِ عَاشُورَاءَ مَأتَمًا لِأَجلِ مَقتَلِ سَيِّدِنَا الحُسَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مَا مَعنَاهُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ ﷺ لَم يَأمُرنا بِاتِّخَاذِ أَيَّامِ مَصَائِبِ الأَنبِيَاءِ وَمَوتِهِم مَآتِمَ، فَكَيفَ بِمَن هُوَ دُونَهُم؟
❁ وَفِي هٰذَا بَيَانٌ وَاضِحٌ لِأَنَّ الشَّرعَ لَا يَدعُو إِلَى تَجدِيدِ الحُزنِ فِي كُلِّ عَامٍ لِمُجَرَّدِ مُوَافَقَةِ تَارِيخِ المُصِيبَةِ، وَإِنَّمَا يَدعُو إِلَى الصَّبرِ وَالِاحتِسَابِ، كَمَا يَدعُو فِي مُقَابِلِ ذٰلِكَ إِلَى شُكرِ اللهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ.
❁ فَإِذَا كَانَ مَولِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ نِعمَةً عُظمَى، وَوَفَاتُهُ مُصِيبَةً عُظمَى، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا حُكمُهُ وَمَقَامُهُ: فَنَشكُرُ اللهَ تَعَالَى عَلَى نِعمَةِ مَولِدِهِ وَبَعثِهِ، وَنُظهِرُ الفَرَحَ المَشرُوعَ بِهِ، وَنَصبِرُ وَنَحتَسِبُ عَلَى مُصِيبَةِ وَفَاتِهِ، مِن غَيرِ أَن نَجعَلَ المُصِيبَةَ سَبَبًا فِي إِلغَاءِ شُكرِ النِّعمَةِ.
❁ وَبِهٰذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ إِظهَارَ الفَرَحِ بِمَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا يَقدَحُ فِي مَحَبَّتِنَا لَهُ، وَلَا يَعنِي أَنَّ مَحَبَّتَهُ مَحصُورَةٌ فِي يَومٍ أَو شَهرٍ، وَلَا يُنَافِي حُزنَنَا عَلَى وَفَاتِهِ؛ بَل مَحَبَّتُهُ ﷺ مُستَمِرَّةٌ فِي كُلِّ وَقتٍ، وَالفَرَحُ بِمَولِدِهِ فِي مَوضِعِهِ، وَالصَّبرُ عَلَى مُصِيبَةِ وَفَاتِهِ فِي مَوضِعِهِ، وَلَا تَنَاقُضَ بَينَ الأَمرَينِ.
❁ فَمَا استَنَدَ إِلَيهِ المَانِعُونَ مِن أَنَّ إِظهَارَ الفَرَحِ فِي شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ يَدُلُّ عَلَى حَصرِ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، أَو أَنَّ مُوَافَقَةَ وَفَاتِهِ لِيَومِ مَولِدِهِ تَمنَعُ مِنَ الفَرَحِ بِمَولِدِهِ، دَعوَى لَا يَقُومُ عَلَيهَا دَلِيلٌ صَحِيحٌ، وَلَا يَستَقِيمُ لَهَا وَجهٌ فِي العَقلِ أَوِ النَّقلِ.

*❖ الرَّدُّ عَلَى مَن يَقُولُ: إِنَّ يَومَ مَولِدِ الرَّسُولِ ﷺ هُوَ يَومُ وَفَاتِهِ، فَلَيسَ الفَرَحُ فِيهِ بِأَولَى مِنَ الحُزنِ*
❁ يَقُولُ بَعضُ المُعتَرِضِينَ عَلَى الِاحتِفَالِ بِالمَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وُلِدَ فِي الثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَتُوُفِّيَ فِي التَّارِيخِ نَفسِهِ، فَلَيسَ إِظهَارُ الفَرَحِ فِي هٰذَا اليَومِ بِأَولَى مِن إِظهَارِ الحُزنِ عَلَى وَفَاتِهِ ﷺ.
❁ وَالجَوَابُ عَن هٰذِهِ الشُّبهَةِ مِن وَجهَينِ: أَوَّلُهُمَا: أَنَّ اجتِمَاعَ ذِكرَى الوِلَادَةِ وَالوَفَاةِ فِي يَومٍ وَاحِدٍ ـ عَلَى فَرضِ ثُبُوتِ ذٰلِكَ ـ لَا يُبطِلُ فَضلَ مَا وَقَعَ فِيهِ مِن نِعمَةِ الوِلَادَةِ، وَلَا يَمنَعُ مِن شُكرِ اللهِ تَعَالَى عَلَيهَا؛ فَالنِّعمَةُ لَهَا حُكمُهَا، وَالمُصِيبَةُ لَهَا حُكمُهَا، وَلَا يَلزَمُ مِن وُقُوعِهِمَا فِي يَومٍ وَاحِدٍ أَن تُلغِيَ إِحدَاهُمَا الأُخرَى.
❁ وَقَد أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِالفَرَحِ بِفَضلِهِ وَرَحمَتِهِ، فَقَالَ: ﴿قُل بِفَضلِ اللهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَليَفرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجمَعُونَ (58)﴾ [سُورَةُ يُونُسَ].
❁ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَولِدَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَبُرُوزَهُ إِلَى هٰذِهِ الدُّنيَا، مِن أَعظَمِ النِّعَمِ الَّتِي أَنعَمَ اللهُ تَعَالَى بِهَا عَلَى عِبَادِهِ؛ فَبِهِ أَرسَلَ اللهُ الرَّحمَةَ وَالهُدَى وَالنُّورَ إِلَى العَالَمِينَ، وَأَخرَجَ بِرِسَالَتِهِ النَّاسَ مِن ظُلُمَاتِ الكُفرِ وَالجَهلِ إِلَى نُورِ الإِيمَانِ وَالهُدَى.
❁ فَإِذَا كَانَ الشَّرعُ قَد حَثَّ عَلَى شُكرِ اللهِ عِندَ حُصُولِ النِّعَمِ، وَعَلَى إِظهَارِ الفَرَحِ المَشرُوعِ بِهَا، فَلَا وَجهَ لِجَعلِ وُقُوعِ مُصِيبَةٍ فِي اليَومِ نَفسِهِ مَانِعًا مِن شُكرِ اللهِ عَلَى مَا وَقَعَ فِيهِ مِن نِعمَةٍ.
❁ وَقَد سَبَقَ بَيَانُ أَنَّ اجتِمَاعَ النِّعمَةِ وَالمُصِيبَةِ فِي يَومٍ وَاحِدٍ لَا يَمنَعُ مِن شُكرِ اللهِ تَعَالَى عَلَى النِّعمَةِ؛ كَمَا أَنَّ يَومَ الجُمُعَةِ بَقِيَ خَيرَ الأَيَّامِ مَعَ وُقُوعِ خُرُوجِ سَيِّدِنَا آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ مِنَ الجَنَّةِ فِيهِ، وَبَقِيَ لِيَومِ عَاشُورَاءَ فَضلُهُ وَمَشرُوعِيَّةُ صِيَامِهِ، مَعَ وُقُوعِ مَقتَلِ سَيِّدِنَا الحُسَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِيهِ. وَعَلَى هٰذَا، فَوِلَادَةُ النَّبِيِّ ﷺ نِعمَةٌ عُظمَى يُشرَعُ شُكرُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهَا، وَوَفَاتُهُ مُصِيبَةٌ عُظمَى يُشرَعُ فِيهَا الصَّبرُ وَالِاحتِسَابُ؛ فَلَا تَنَاقُضَ بَينَ الفَرَحِ المَشرُوعِ بِمَولِدِهِ ﷺ وَالحُزنِ عَلَى وَفَاتِهِ.
❁ وَأَمَّا الوَجهُ الثَّانِي فِي الجَوَابِ: فَهُوَ أَنَّ دَعوَى اتِّفَاقِ يَومِ مَولِدِهِ ﷺ وَيَومِ وَفَاتِهِ فِي الثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ لَيسَت أَمرًا مُجمَعًا عَلَيهِ، بَلِ الثَّابِتُ عِندَ أَهلِ السِّيَرِ أَنَّ وَفَاتَهُ ﷺ كَانَت يَومَ الِاثنَينِ، أَمَّا تَعيِينُ تَارِيخِ ذٰلِكَ اليَومِ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ فَقَد وَقَعَ فِيهِ الخِلَافُ.
❁ وَمِنَ المَعلُومِ أَنَّ وَقفَةَ عَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ كَانَت يَومَ الجُمُعَةِ، وَهُوَ اليَومُ التَّاسِعُ مِن ذِي الحِجَّةِ، وَأَنَّ وَفَاةَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَت يَومَ الِاثنَينِ، وَقَد وَقَعَت وَفَاتُهُ ﷺ بَعدَ وَقفَةِ عَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِنَحوِ ثَمَانِينَ يَومًا؛ وَعَلَى هٰذِهِ الأُصُولِ الزَّمَنِيَّةِ بَنَى بَعضُ أَهلِ السِّيَرِ حِسَابَهُم فِي نَقدِ القَولِ بِأَنَّ وَفَاتَهُ ﷺ كَانَت فِي الثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ.
❁ وَقَد تَنَبَّهَ إِلَى هٰذَا الإِشكَالِ أَبُو القَاسِمِ عَبدُ الرَّحمَنِ السُّهَيلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، المُتَوَفَّى سَنَةَ 581هـ، فَقَالَ فِي [الرَّوضُ الأُنُفُ فِي شَرحِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِابنِ هِشَامٍ]: «وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ تُوُفِّيَ ﷺ يَومَ الِاثنَينِ، إِلَّا شَيئًا ذَكَرَهُ ابنُ قُتَيبَةَ فِي [المَعَارِفِ]: الأَربِعَاءَ. قَالُوا كُلُّهُم: وَفِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ، غَيرَ أَنَّهُم قَالُوا، أَو قَالَ أَكثَرُهُم: فِي الثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ. وَلَا يَصِحُّ أَن يَكُونَ تُوُفِّيَ ﷺ إِلَّا فِي الثَّانِي مِنَ الشَّهرِ، أَوِ الثَّالِثَ عَشَرَ، أَوِ الرَّابِعَ عَشَرَ، أَوِ الخَامِسَ عَشَرَ؛ لِإِجمَاعِ المُسلِمِينَ عَلَى أَنَّ وَقفَةَ عَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ كَانَت يَومَ الجُمُعَةِ، وَهُوَ التَّاسِعُ مِن ذِي الحِجَّةِ، فَدَخَلَ ذُو الحِجَّةِ يَومَ الخَمِيسِ، فَكَانَ المُحَرَّمُ إِمَّا الجُمُعَةَ وَإِمَّا السَّبتَ، فَإِن كَانَ الجُمُعَةَ فَقَد كَانَ صَفَرٌ إِمَّا السَّبتَ وَإِمَّا الأَحَدَ، فَإِن كَانَ السَّبتَ فَقَد كَانَ رَبِيعٌ الأَحَدَ أَوِ الِاثنَينِ، وَكَيفَمَا دَارَتِ الحَالُ عَلَى هٰذَا الحِسَابِ فَلَم يَكُنِ الثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ يَومَ الِاثنَينِ بِوَجهٍ، وَلَا الأَربِعَاءَ أَيضًا كَمَا قَالَ القُتَبِيُّ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابنِ الكَلبِيِّ وَأَبِي مِخنَفٍ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي الثَّانِي مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَهٰذَا القَولُ وَإِن كَانَ خِلَافَ أَهلِ الجُمهُورِ، فَإِنَّهُ لَا يَبعُدُ أَن كَانَتِ الثَّلَاثَةُ الأَشهُرُ الَّتِي قَبلَهُ كُلُّهَا مِن تِسعَةٍ وَعِشرِينَ، فَتَدَبَّرهُ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ، وَلَم أَرَ أَحَدًا تَفَطَّنَ لَهُ. وَقَد رَأَيتُ لِلخَوَارِزمِيِّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي أَوَّلِ يَومٍ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَهٰذَا أَقرَبُ فِي القِيَاسِ بِمَا ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابنِ الكَلبِيِّ وَأَبِي مِخنَفٍ».
❁ فَهٰذَا النَّصُّ مِنَ السُّهَيلِيِّ رَحِمَهُ اللهُ يَدُلُّ بِوُضُوحٍ عَلَى أَنَّ تَعيِينَ الثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ يَومًا لِوَفَاتِهِ ﷺ لَيسَ مَوضِعَ إِجمَاعٍ، بَل وَقَعَ فِيهِ الخِلَافُ بَينَ أَهلِ السِّيَرِ وَالتَّارِيخِ، وَإِنَّمَا اشتُهِرَ ذٰلِكَ عِندَ كَثِيرٍ مِنهُم.
❁ بَل إِنَّ السُّهَيلِيَّ نَاقَشَ هٰذَا التَّعيِينَ مِن جِهَةِ الحِسَابِ، وَرَأَى أَنَّ جَعلَ الثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ يَومَ الِاثنَينِ لَا يَستَقِيمُ مَعَ مَا هُوَ ثَابِتٌ مِن أَنَّ يَومَ عَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ كَانَ يَومَ الجُمُعَةِ.
❁ وَذَكَرَ أَيضًا أَقوَالًا أُخرَى فِي تَارِيخِ وَفَاتِهِ ﷺ؛ فَنَقَلَ عَنِ الطَّبَرِيِّ، عَنِ ابنِ الكَلبِيِّ وَأَبِي مِخنَفٍ، أَنَّهُ ﷺ تُوُفِّيَ فِي الثَّانِي مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَنَقَلَ عَنِ الخَوَارِزمِيِّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ.
❁ وَعَلَى هٰذَا، فَمَن زَعَمَ أَنَّهُ قَد ثَبَتَ بِالإِجمَاعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تُوُفِّيَ فِي الثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ، ثُمَّ بَنَى عَلَى هٰذَا الزَّعمِ مَنعَ الِاحتِفَالِ بِمَولِدِهِ، فَقَد بَنَى حُجَّتَهُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ غَيرِ مُسَلَّمَةٍ.
❁ فَالثَّابِتُ أَنَّ وَفَاتَهُ ﷺ كَانَت يَومَ الِاثنَينِ، وَأَنَّهَا كَانَت فِي شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، أَمَّا تَعيِينُ التَّارِيخِ مِنَ الشَّهرِ فَقَدِ اختَلَفَ فِيهِ أَهلُ العِلمِ، فَلَا يَصِحُّ جَعلُ الثَّانِي عَشَرَ مِنهُ أَمرًا مُجمَعًا عَلَيهِ.
❁ وَبِهٰذَا تَسقُطُ هٰذِهِ الشُّبهَةُ مِن جِهَتَينِ: فَإِن قِيلَ: إِنَّ مَولِدَهُ وَوَفَاتَهُ ﷺ وَافَقَا يَومًا وَاحِدًا، قُلنَا: إِنَّ وُقُوعَ المُصِيبَةِ لَا يُلغِي فَضلَ النِّعمَةِ، وَالشَّرعُ يَأمُرُ بِشُكرِ النِّعَمِ وَالصَّبرِ عَلَى المَصَائِبِ. وَإِن قِيلَ: إِنَّ الثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ هُوَ يَومُ وَفَاتِهِ ﷺ قَطعًا، قُلنَا: إِنَّ هٰذَا التَّعيِينَ نَفسَهُ مَحَلُّ خِلَافٍ بَينَ أَهلِ السِّيَرِ وَالتَّارِيخِ.
❁ فَلَا يَصِحُّ أَن تُجعَلَ هٰذِهِ الدَّعوَى دَلِيلًا عَلَى تَحرِيمِ الفَرَحِ بِمَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِأَنَّهَا لَا تَستَقِيمُ لَا مِن جِهَةِ التَّأصِيلِ الشَّرعِيِّ، وَلَا مِن جِهَةِ التَّحقِيقِ التَّارِيخِيِّ.
❁ فَالحَاصِلُ أَنَّ الجَزمَ بِأَنَّ مَولِدَهُ وَوَفَاتَهُ ﷺ وَقَعَا فِي التَّارِيخِ نَفسِهِ لَا يَسلَمُ مِنَ الخِلَافِ، وَأَنَّ بِنَاءَ المَنعِ مِنَ الِاحتِفَالِ عَلَى هٰذِهِ الدَّعوَى لَا يَستَقِيمُ.

*❖ الرَّدُّ عَلَى مَن يَقُولُ: إِنَّ يَومَ مَولِدِ النَّبِيِّ ﷺ غَيرُ ثَابِتٍ*
❁ يَقُولُ بَعضُ المُنكِرِينَ لِمَشرُوعِيَّةِ عَمَلِ المَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ: إِنَّ يَومَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ مَعرُوفٌ، أَمَّا يَومُ مَولِدِهِ فَغَيرُ ثَابِتٍ، وَقَدِ اختَلَفَ النَّاسُ فِي تَارِيخِهِ، بَل ذَكَرَ بَعضُهُم أَنَّهُ كَانَ فِي غَيرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ؛ فَكَيفَ يُجعَلُ لَهُ وَقتٌ يُحتَفَلُ فِيهِ بِمَولِدِهِ ﷺ؟
❁ وَالجَوَابُ: أَنَّ هٰذِهِ الشُّبهَةَ مَبنِيَّةٌ عَلَى الخَلطِ بَينَ أَصلِ ثُبُوتِ زَمَنِ المَولِدِ، وَبَينَ الِاختِلَافِ فِي تَعيِينِ اليَومِ مِنَ الشَّهرِ؛ فَلَيسَ كُلُّ اختِلَافٍ فِي تَعيِينِ يَومِ حَادِثَةٍ تَارِيخِيَّةٍ يَعنِي أَنَّ أَصلَ زَمَنِهَا مَجهُولٌ، وَلَا أَنَّ الحَادِثَةَ نَفسَهَا غَيرُ ثَابِتَةٍ.
❁ وَقَد أَخرَجَ الإِمَامُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ يَومَ الِاثنَينِ، وَاستُنبِئَ يَومَ الِاثنَينِ، وَخَرَجَ مُهَاجِرًا يَومَ الِاثنَينِ، وَقَدِمَ المَدِينَةَ يَومَ الِاثنَينِ، وَتُوُفِّيَ ﷺ يَومَ الِاثنَينِ».
❁ فَثُبُوتُ أَنَّ مَولِدَهُ ﷺ كَانَ يَومَ الِاثنَينِ أَمرٌ مَشهُورٌ عِندَ أَهلِ السِّيَرِ وَالنَّقلِ، كَمَا أَنَّ جُمهُورَ النَّقَلَةِ عَلَى أَنَّ وِلَادَتَهُ ﷺ كَانَت عَامَ الفِيلِ، وَأَنَّ شَهرَ مَولِدِهِ هُوَ شَهرُ رَبِيعٍ الأَوَّلِ.
❁ وَقَد قَرَّرَ الشَّيخُ مُحَمَّدٌ زَاهِدٌ الكَوثَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ هٰذَا المَعنَى، فَقَالَ: «وَأَنَّ شَهرَ مَولِدِهِ هُوَ شَهرُ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَذِكرُ شَهرٍ سِوَاهُ لِمَولِدِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ لَيسَ إِلَّا مِن قَبِيلِ سَبقِ القَلَمِ عِندَ النُّقَّادِ، فَيَدُورُ الخِلَافُ المُعتَدُّ بِهِ فِي تَعيِينِ اليَومِ مِن شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ: أَهُوَ عِندَ انقِضَاءِ اليَومِ الثَّامِنِ، أَمِ العَاشِرِ، أَمِ الثَّانِي عَشَرَ؟ فَلَا يَعتَدُّونَ بِرِوَايَةِ تَقَدُّمِ مَولِدِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى تِلكَ الأَيَّامِ، وَلَا بِرِوَايَةِ تَأَخُّرِهِ عَنهَا؛ لِعَدَمِ استِنَادِهِمَا عَلَى شَيءٍ يُلتَفَتُ إِلَيهِ» اهـ.
❁ فَالخِلَافُ المُعتَدُّ بِهِ ـ عَلَى هٰذَا التَّحقِيقِ ـ لَيسَ فِي أَصلِ شَهرِ المَولِدِ، وَلَا فِي كَونِهِ يَومَ الِاثنَينِ، وَلَا فِي كَونِهِ عَامَ الفِيلِ، وَإِنَّمَا يَدُورُ فِي تَعيِينِ اليَومِ مِن شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ: أَهُوَ الثَّامِنُ، أَمِ العَاشِرُ، أَمِ الثَّانِي عَشَرَ؟
❁ وَهُنَا يَظهَرُ الفَرقُ بَينَ القول: «إِنَّ زَمَنَ مَولِدِهِ ﷺ غَيرُ مَعرُوفٍ»، وَبَينَ قَولِنَا: «إِنَّ مَولِدَهُ ثَابِتٌ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَاختُلِفَ فِي تَعيِينِ اليَومِ مِنهُ». فَالأَوَّلُ يَعنِي الجَهلَ بِأَصلِ الزَّمَنِ، وَالثَّانِي لَا يَعدُو أَن يَكُونَ اختِلَافًا فِي تَعيِينِ جُزءٍ مِن زَمَنٍ مَعلُومٍ، وَبَينَ الأَمرَينِ فَرقٌ ظَاهِرٌ.
❁ وَمِن ثَمَّ دَارَ البَحثُ عِندَ أَهلِ السِّيَرِ وَالتَّحقِيقِ فِي تَرجِيحِ أَقوَى هٰذِهِ الأَقوَالِ، لَا فِي أَصلِ ثُبُوتِ المَولِدِ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ.
❁ فَأَمَّا القَولُ بِأَنَّ وِلَادَتَهُ ﷺ كَانَت عِندَ انقِضَاءِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهرِ، فَقَد قَدَّمَهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ فِي [الِاستِيعَابِ] عِندَ سَردِهِ أَوجُهَ الخِلَافِ فِي مَولِدِهِ ﷺ، وَاقتَصَرَ عَلَيهِ قَبلَهُ أَبُو بَكرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُوسَى الخَوَارِزمِيُّ، خَازِنُ دَارِ الحِكمَةِ المَأمُونِيَّةِ.
❁ وَقَالَ الحَافِظُ عُمَرُ بنُ دِحيَةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ [التَّنوِيرُ فِي مَولِدِ السِّرَاجِ المُنِيرِ] عَن هٰذَا القَولِ: «هُوَ الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيرُهُ، وَعَلَيهِ أَجمَعَ أَهلُ التَّارِيخِ».
❁ وَعَلَى هٰذَا القَولِ تَكُونُ وِلَادَتُهُ ﷺ قَد وَقَعَت عَقِبَ انقِضَاءِ اليَومِ الثَّامِنِ، أَي: فِي اليَومِ التَّاسِعِ مِن شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ.
❁ وَقَد ذَهَبَ مَحمُودُ بَاشَا الفَلَكِيُّ المِصرِيُّ إِلَى تَرجِيحِ هٰذَا التَّارِيخِ بِالحِسَابِ الفَلَكِيِّ، وَخَصَّصَ لِذٰلِكَ بَحثًا فِي رِسَالَتِهِ فِي تَقوِيمِ العَرَبِ قَبلَ الإِسلَامِ.
❁ وَبَنَى تَحقِيقَهُ عَلَى الرُّجُوعِ فِي الحِسَابِ مِن حَادِثَةِ كُسُوفِ الشَّمسِ الَّذِي وَقَعَ عِندَ وَفَاةِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ ابنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّنَةِ العَاشِرَةِ مِنَ الهِجرَةِ، وَرَجَعَ بِالحِسَابِ حَتَّى انتَهَى إِلَى أَنَّ يَومَ الِاثنَينِ فِي عَامِ الفِيلِ وَافَقَ التَّاسِعَ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَذَكَرَ مُوَافَقَتَهُ لِلعِشرِينَ مِن إِبرِيلَ سَنَةَ 571م.
❁ وَقَد تَرجَمَ أَحمَدُ زَكِي بَاشَا هٰذِهِ الرِّسَالَةَ إِلَى العَرَبِيَّةِ بِاسمِ [نَتَائِجُ الأَفهَامِ فِي تَقوِيمِ العَرَبِ قَبلَ الإِسلَامِ وَفِي تَحقِيقِ مَولِدِ النَّبِيِّ وَعُمرِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ]، وَطُبِعَت بِمِصرَ فِي أَوَاخِرِ القَرنِ الثَّالِثَ عَشَرَ الهِجرِيِّ.
❁ فَاجتَمَعَ لِلقَولِ بِالتَّاسِعِ ـ عِندَ مَن رَجَّحَهُ ـ مَا رَآهُ مِن قُوَّةِ الرِّوَايَةِ، وَمَا استَأنَسَ بِهِ مِنَ الحِسَابِ الفَلَكِيِّ، فَكَانَ ذٰلِكَ سَبَبًا فِي تَرجِيحِهِ عِندَ جَمَاعَةٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ.
❁ وَأَمَّا القَولُ بِأَنَّ مَولِدَهُ ﷺ كَانَ فِي اليَومِ العَاشِرِ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ، فَقَد عَزَاهُ ابنُ سَعدٍ فِي [الطَّبَقَاتِ] إِلَى مُحَمَّدِ البَاقِرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَتَكَلَّمَ أَهلُ النَّقدِ فِي بَعضِ رِجَالِ سَنَدِهِ.
❁ وَأَمَّا القَولُ بِأَنَّ وِلَادَتَهُ ﷺ كَانَت فِي الثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ، فَهُوَ القَولُ المَشهُورُ عَنِ ابنِ إِسحَاقَ، وَاشتَهَرَ فِي كُتُبِ السِّيَرِ، وَجَرَى عَلَيهِ عَمَلُ كَثِيرٍ مِنَ المُسلِمِينَ فِي بِلَادٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
❁ وَمَعَ وُجُودِ هٰذَا الِاختِلَافِ فِي تَرجِيحِ اليَومِ، فَإِنَّ الأَقوَالَ المَشهُورَةَ تَتَقَارَبُ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ مِن شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَهٰذَا فِي نَفسِهِ يُبَيِّنُ أَنَّ الخِلَافَ لَيسَ فِي أَصلِ المَولِدِ، وَإِنَّمَا فِي التَّعيِينِ الدَّقِيقِ لِيَومِهِ.
❁ وَمِن هُنَا يُفهَمُ سَبَبُ غَلَبَةِ الِاحتِفَالِ فِي كَثِيرٍ مِنَ البِلَادِ فِي الثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ؛ إِذ جَعَلَهُ المُسلِمُونَ وَقتًا يَكُونُ فِيهِ بُرُوزُهُ ﷺ إِلَى هٰذَا العَالَمِ قَد حَصَلَ عَلَى الأَقوَالِ المَشهُورَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَصَارَ ذٰلِكَ مِن أَسبَابِ اشتِهَارِ هٰذَا التَّارِيخِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَقطَارِ.
❁ وَلَا يَعنِي ذٰلِكَ أَنَّ مَشرُوعِيَّةَ الِاحتِفَالِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الجَزمِ بِأَنَّ الوِلَادَةَ وَقَعَت فِي الثَّانِي عَشَرَ بِعَينِهِ؛ فَالمَقصُودُ لَيسَ إِيقاع عِبَادَةٍ مُقَيَّدَةٍ بِسَاعَةٍ أَو يَومٍ لَا تَصِحُّ إِلَّا فِيهِ، وَإِنَّمَا المَقصُودُ التَّذكِيرُ بِنِعمَةِ المَولِدِ، وَإِحيَاءُ مَعَانِي المَحَبَّةِ وَالشُّكرِ وَالِاقتِدَاءِ.
❁ وَمِنَ اللَّطِيفِ فِي هٰذَا البَابِ مَا نُقِلَ عَنِ المَلِكِ المُعَظَّمِ المُظَفَّرِ الدِّينِ كُوكبُرِي صَاحِبِ إِربِلَ، الَّذِي اشتَهَرَ بِإِقَامَةِ الِاحتِفَالِ بِالمَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، أَنَّهُ كَانَ يَحتَفِلُ بِهِ فِي بَعضِ الأَعوَامِ فِي اللَّيلَةِ الثَّامِنَةِ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَفِي بَعضِهَا فِي اللَّيلَةِ الثَّانِيَةَ عَشرَةَ، عَمَلًا بِالرِّوَايَاتِ الوَارِدَةِ فِي تَعيِينِ يَومِ المَولِدِ.
❁ وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهلَ العِلمِ وَمَن عُنِيَ بِالمَولِدِ لَم يَبنُوا أَصلَ مَشرُوعِيَّتِهِ عَلَى دَعوَى القَطعِ بِيَومٍ وَاحِدٍ، بَل كَانُوا يَعرِفُونَ وُجُودَ الخِلَافِ فِي تَعيِينِ اليَومِ، وَمَعَ ذٰلِكَ لَم يَرَوا هٰذَا الخِلَافَ مَانِعًا مِنَ التَّذكِيرِ بِالمَولِدِ الشَّرِيفِ وَإِظهَارِ الفَرَحِ بِهِ.
❁ وَإِذَا كَانَ الأَمرُ كَذٰلِكَ، فَلَا وَجهَ لِجَعلِ الِاختِلَافِ فِي تَعيِينِ اليَومِ سَبَبًا لِإِبطَالِ أَصلِ التَّذكِيرِ بِمَولِدِهِ ﷺ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ أَصلِ الحَادِثَةِ فِي شَهرٍ مُعَيَّنٍ شَيءٌ، وَتَعيِينُ اليَومِ الَّذِي وَقَعَت فِيهِ بِالدِّقَّةِ شَيءٌ آخَرُ.
❁ وَقَد أَلَّفَ أَهلُ العِلمِ مُؤَلَّفَاتٍ كَثِيرَةً فِي الآثَارِ الوَارِدَةِ فِي مَولِدِهِ ﷺ، وَجَمَعُوا مَا وَرَدَ فِي زَمَنِ وِلَادَتِهِ وَأَحوَالِهَا وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ.
❁ وَمِن أَجمَعِ مَا أُلِّفَ فِي ذٰلِكَ كِتَابُ [جَامِعُ الآثَارِ فِي مَولِدِ النَّبِيِّ المُختَارِ] لِلحَافِظِ ابنِ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمَشقِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، وَهُوَ مِنَ المُؤَلَّفَاتِ الوَاسِعَةِ فِي هٰذَا البَابِ.
❁ وَلَا عَجَبَ فِي أَن يَقَعَ بَعضُ الِاختِلَافِ بَينَ الرُّوَاةِ فِي تَعيِينِ تَارِيخِ وِلَادَتِهِ ﷺ؛ فَقَد وُلِدَ فِي أُمَّةٍ لَم يَكُنِ التَّدوِينُ وَالتَّأرِيخُ بِالتَّوَارِيخِ المُنضَبِطَةِ عَلَى النَّحوِ الَّذِي عُرِفَ فِيمَا بَعدُ شَائِعًا فِيهَا، وَكَانُوا يُؤَرِّخُونَ بِالحَوَادِثِ المَشهُورَةِ، فَمِن هُنَا وَقَعَ بَعضُ الِاختِلَافِ فِي تَعيِينِ اليَومِ، مَعَ اتِّفَاقِ جُمهُورِهِم عَلَى أَصلِ الزَّمَنِ.
❁ وَمُجَرَّدُ وُجُودِ مِثلِ هٰذَا الِاختِلَافِ التَّارِيخِيِّ لَا يَصلُحُ مَطعَنًا فِي ثُبُوتِ أَصلِ الحَادِثَةِ؛ فَكَم مِن حَدَثٍ تَارِيخِيٍّ عَظِيمٍ ثَبَتَ أَصلُهُ وَاختُلِفَ فِي بَعضِ تَفَاصِيلِ زَمَنِهِ، وَلَم يَقُل أَحَدٌ إِنَّ الِاختِلَافَ فِي التَّفَاصِيلِ يُبطِلُ أَصلَ الثُّبُوتِ.
❁ وَمِن ثَمَّ، فَلَا وَجهَ لِجَعلِ الِاختِلَافِ فِي تَعيِينِ يَومِ مَولِدِهِ ﷺ حُجَّةً عَلَى مَنعِ الِاحتِفَالِ بِهِ؛ لِأَنَّ المَولِدَ لَيسَ عِبَادَةً مُستَقِلَّةً مُقَيَّدَةً بِيَومٍ لَا تَصِحُّ فِي غَيرِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ اجتِمَاعٌ عَلَى أَعمَالٍ مَشرُوعَةٍ فِي أَصلِهَا: مِن تِلَاوَةِ القُرآنِ، وَذِكرِ اللهِ تَعَالَى، وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَدِرَاسَةِ سِيرَتِهِ وَشَمَائِلِهِ، وَإِطعَامِ الطَّعَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالدَّعوَةِ إِلَى الِاقتِدَاءِ بِهِ.
❁ وَهٰذِهِ الأَعمَالُ مَشرُوعَةٌ فِي أَصلِهَا فِي جَمِيعِ الأَوقَاتِ، فَلَا تَنقَلِبُ مِنَ الجَوَازِ وَالمَشرُوعِيَّةِ إِلَى التَّحرِيمِ لِمُجَرَّدِ وُجُودِ خِلَافٍ تَارِيخِيٍّ فِي تَعيِينِ يَومِ المَولِدِ.
❁ وَعَلَى هٰذَا، فَإِنَّ وِلَادَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ هِيَ المَقصُودَةُ بِالتَّذكِيرِ وَإِظهَارِ الفَرَحِ وَالشُّكرِ، وَلَيسَت مَشرُوعِيَّةُ مَا يُفعَلُ مِنَ الطَّاعَاتِ فِي هٰذِهِ المُنَاسَبَةِ مُتَوَقِّفَةً عَلَى القَطعِ بِيَومٍ وَاحِدٍ مِنَ الشَّهرِ.
❁ وَمِن هُنَا جَرَى عَمَلُ كَثِيرٍ مِنَ المُسلِمِينَ عَلَى إِظهَارِ العِنَايَةِ بِشَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَالإِكثَارِ فِيهِ مِن ذِكرِ سِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَشَمَائِلِهِ، وَفَضَائِلِهِ، وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ، وَإِطعَامِ الطَّعَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَسَائِرِ أَعمَالِ الخَيرِ.
❁ وَغَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ المُسلِمِينَ الِاجتِمَاعُ فِي لَيلَةِ الثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَلَا يَلزَمُ مِن ذٰلِكَ أَنَّ مَشرُوعِيَّةَ عَمَلِ المَولِدِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الجَزمِ بِأَنَّ وِلَادَتَهُ ﷺ وَقَعَت فِي هٰذَا اليَومِ بِعَينِهِ؛ بَلِ المَقصُودُ هُوَ إِحيَاءُ مَعَانِي المَحَبَّةِ وَالشُّكرِ، وَالتَّذكِيرُ بِسِيرَتِهِ وَهَديِهِ وَشَمَائِلِهِ ﷺ.
❁ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيخُ الكَوثَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، فَإِنَّ الخِلَافَ المُعتَدَّ بِهِ فِي المَولِدِ يَدُورُ بَينَ الثَّامِنِ وَالعَاشِرِ وَالثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ؛ فَيَكُونُ الِاجتِمَاعُ بَعدَ مُضِيِّ هٰذِهِ الأَيَّامِ تَذكِيرًا بِنِعمَةٍ قَد حَصَلَت فِي هٰذَا الشَّهرِ عَلَى كُلِّ قَولٍ مِن هٰذِهِ الأَقوَالِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ شُكرُ اللهِ عَلَيهَا عَلَى مَعرِفَةِ السَّاعَةِ وَاليَومِ عَلَى وَجهِ القَطعِ.
❁ وَقَد قَالَ ابنُ الحَاجِّ المَالِكِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي [المَدخَلِ]: «فَعَلَى هٰذَا يَنبَغِي إِذَا دَخَلَ هٰذَا الشَّهرُ الكَرِيمُ أَن يُكَرَّمَ وَيُعَظَّمَ وَيُحتَرَمَ الِاحتِرَامَ اللَّائِقَ بِهِ، وَذٰلِكَ بِالِاتِّبَاعِ لَهُ ﷺ فِي كَونِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَخُصُّ الأَوقَاتَ الفَاضِلَةَ بِزِيَادَةِ فِعلِ البِرِّ فِيهَا وَكَثرَةِ الخَيرَاتِ» اهـ.
❁ وَتَأَمَّل قَولَهُ: «إِذَا دَخَلَ هٰذَا الشَّهرُ الكَرِيمُ»؛ فَلَم يَحصُرِ العِنَايَةَ فِي يَومٍ وَاحِدٍ، بَل جَعَلَ شَهرَ رَبِيعٍ الأَوَّلِ كُلَّهُ مَوسِمًا لِمَزِيدٍ مِنَ البِرِّ وَالخَيرِ وَالِاقتِدَاءِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
❁ وَقَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بنُ أَحمَدَ عَلِيشٍ المَالِكِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي [القَولُ المُنجِي عَلَى مَولِدِ البَرزَنجِيِّ]: «وَلَا زَالَ أَهلُ الإِسلَامِ يَحتَفِلُونَ وَيَهتَمُّونَ بِشَهرِ مَولِدِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَيَعمَلُونَ الوَلَائِمَ، وَيَتَصَدَّقُونَ فِي لَيَالِيهِ بِأَنوَاعِ الصَّدَقَاتِ، وَيُظهِرُونَ السُّرُورَ، وَيَظهَرُ عَلَيهِم مِن بَرَكَاتِهِ كُلُّ فَضلٍ عَمِيمٍ، وَأَوَّلُ مَن أَحدَثَ فِعلَ المَولِدِ المَلِكُ المُظَفَّرُ أَبُو سَعِيدٍ صَاحِبُ إِربِلَ، فَكَانَ يَعمَلُهُ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ وَيَحتَفِلُ احتِفَالًا هَائِلًا» اهـ.
❁ وَهٰذَا أَيضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ العِنَايَةَ عِندَ جَمَاعَةٍ مِنَ المُسلِمِينَ كَانَت مُتَعَلِّقَةً بِشَهرِ المَولِدِ، لَا بِمُجَرَّدِ حَصرِ المَقصُودِ فِي سَاعَاتِ يَومٍ وَاحِدٍ.
❁ فَكَلَامُ هٰؤُلَاءِ العُلَمَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِـ«شَهرِ المَولِدِ»، وَبِمَا يُفعَلُ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنَ الخَيرَاتِ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ المَقصُودَ لَيسَ تَعَبُّدَ النَّاسِ بِتَارِيخٍ مُعَيَّنٍ عَلَى وَجهِ لَا يَحتَمِلُ الخِلَافَ، بَلِ التَّذكِيرُ بِالنِّعمَةِ وَشُكرُ المُنعِمِ سُبحَانَهُ عَلَيهَا.
❁ وَحَتَّى عَلَى فَرضِ وُجُودِ خِلَافٍ أَوسَعَ فِي بَعضِ النُّقُولِ التَّارِيخِيَّةِ، فَإِنَّ ذٰلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي أَصلِ مَشرُوعِيَّةِ الأَعمَالِ الَّتِي يُقَامُ عَلَيهَا المَولِدُ؛ لِأَنَّ الحُكمَ الشَّرعِيَّ لِلتِّلَاوَةِ وَالذِّكرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّدَقَةِ وَإِطعَامِ الطَّعَامِ وَدِرَاسَةِ السِّيرَةِ لَا يَنقَلِبُ مِنَ الجَوَازِ وَالمَشرُوعِيَّةِ إِلَى التَّحرِيمِ لِمُجَرَّدِ وُجُودِ خِلَافٍ تَارِيخِيٍّ فِي تَعيِينِ يَومِ الوِلَادَةِ.
❁ فَالعِبرَةُ إِذًا لَيسَت فِي القَطعِ بِيَومٍ وَاحِدٍ مِنَ الشَّهرِ، بَل فِي ثُبُوتِ أَصلِ مَولِدِهِ ﷺ فِي هٰذَا الزَّمَنِ، وَفِي مَشرُوعِيَّةِ الأَعمَالِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا المُسلِمُونَ شُكرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعمَةِ إِرسَالِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَتَذكِيرًا بِسِيرَتِهِ وَشَمَائِلِهِ وَهَديِهِ.
❁ ثُمَّ إِنَّ الِاحتِفَالَ بِالمَولِدِ ـ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ـ لَيسَ عِبَادَةً مُستَقِلَّةً مُقَيَّدَةً بِيَومٍ لَا تَصِحُّ فِي غَيرِهِ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ الشَّكَّ فِي تَعيِينِ اليَومِ يُبطِلُهَا؛ وَإِنَّمَا هُوَ اجتِمَاعٌ عَلَى أَعمَالٍ مَشرُوعَةٍ فِي أَصلِهَا: مِن تِلَاوَةِ القُرآنِ، وَذِكرِ اللهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ، وَدِرَاسَةِ سِيرَتِهِ، وَإِطعَامِ الطَّعَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالحَثِّ عَلَى الِاقتِدَاءِ بِهِ.
❁ فَهٰذِهِ الأَعمَالُ لَا تَتَوَقَّفُ مَشرُوعِيَّتُهَا عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ يَومًا مُعَيَّنًا هُوَ يَومُ المَولِدِ عَلَى وَجهِ القَطعِ، بَل هِيَ مَشرُوعَةٌ فِي ذَاتِهَا فِي جَمِيعِ الأَوقَاتِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ شَهرُ رَبِيعٍ الأَوَّلِ مُنَاسَبَةً لِمَزِيدٍ مِنَ العِنَايَةِ بِهَا لِمَا ارتَبَطَ بِهِ مِن ذِكرَى المَولِدِ الشَّرِيفِ.
❁ وَبِهٰذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ قَولَ بَعضِهِم: «إِنَّ يَومَ المَولِدِ غَيرُ ثَابِتٍ، فَلَا يَجُوزُ الِاحتِفَالُ بِهِ» لَا يَستَقِيمُ؛ لِأَنَّ الِاختِلَافَ فِي تَعيِينِ اليَومِ لَا يُبطِلُ أَصلَ ثُبُوتِ المَولِدِ، وَلَا يُحَوِّلُ الأَعمَالَ المَشرُوعَةَ مِنَ الحِلِّ إِلَى الحُرمَةِ، وَلَا يَمنَعُ مِن أَن يَكُونَ شَهرُ رَبِيعٍ الأَوَّلِ مُنَاسَبَةً لِمَزِيدٍ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَدِرَاسَةِ سِيرَتِهِ، وَإِحيَاءِ مَعَانِي مَحَبَّتِهِ وَالِاقتِدَاءِ بِهِ.
❁ فَمَن أَرَادَ الحُكمَ عَلَى عَمَلِ المَولِدِ، فَليَزِن مَا يُفعَلُ فِيهِ بِمِيزَانِ الشَّرعِ: فَمَا كَانَ مِن ذِكرٍ وَتِلَاوَةٍ وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَصَدَقَةٍ وَإِطعَامٍ وَتَعلِيمٍ لِلسِّيرَةِ وَدَعوَةٍ إِلَى الِاقتِدَاءِ بِهِ، فَهٰذَا يُحكَمُ عَلَيهِ بِحُكمِهِ الشَّرعِيِّ، وَلَا يَصِحُّ أَن يُجعَلَ مُجَرَّدُ الِاختِلَافِ فِي تَارِيخِ الوِلَادَةِ ذَرِيعَةً إِلَى تَحرِيمِهِ.

*❖ الخَاتِمَةُ*
❁ وَخُلَاصَةُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ هٰذِهِ الشُّبَهَ الَّتِي يُرَدِّدُهَا المُنكِرُونَ لِلمَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ لَا تَنهَضُ ـ عِندَ التَّحقِيقِ ـ دَلِيلًا عَلَى المَنعِ وَالتَّحرِيمِ؛ فَمَحَبَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا تُحصَرُ فِي يَومٍ وَلَا فِي شَهرٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ شَهرُ مَولِدِهِ مُنَاسَبَةً لِمَزِيدٍ مِنَ التَّذكِيرِ بِسِيرَتِهِ وَشَمَائِلِهِ، وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ، وَالحَثِّ عَلَى الِاقتِدَاءِ بِهِ، وَشُكرِ اللهِ تَعَالَى عَلَى نِعمَةِ إِرسَالِهِ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ.
❁ كَمَا أَنَّ دَعوَى مُوَافَقَةِ يَومِ مَولِدِهِ ﷺ لِيَومِ وَفَاتِهِ لَا تَصلُحُ مَانِعًا مِنَ الفَرَحِ المَشرُوعِ بِنِعمَةِ مَولِدِهِ؛ فَالنِّعمَةُ يُشكَرُ اللهُ تَعَالَى عَلَيهَا، وَالمُصِيبَةُ يُصبَرُ عَلَيهَا وَيُحتَسَبُ فِيهَا، وَلَا يَلزَمُ مِنِ اجتِمَاعِهِمَا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ أَن تُبطِلَ إِحدَاهُمَا حُكمَ الأُخرَى. ثُمَّ إِنَّ تَعيِينَ الثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ يَومًا لِوَفَاتِهِ ﷺ لَيسَ مَحلَّ اتِّفَاقٍ بَينَ أَهلِ السِّيَرِ وَالتَّارِيخِ، فَلَا يَصِحُّ بِنَاءُ حُكمِ التَّحرِيمِ عَلَى مُقَدِّمَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مُختَلَفٍ فِيهَا.
❁ وَكَذٰلِكَ فَإِنَّ الِاختِلَافَ فِي تَعيِينِ اليَومِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مِن شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ لَا يُبطِلُ أَصلَ ثُبُوتِ مَولِدِهِ، وَلَا يَجعَلُ زَمَنَ وِلَادَتِهِ مَجهُولًا، وَلَا يُحَوِّلُ مَا يُفعَلُ فِي هٰذِهِ المُنَاسَبَةِ مِن تِلَاوَةٍ وَذِكرٍ وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَصَدَقَةٍ وَإِطعَامٍ وَتَعلِيمٍ لِلسِّيرَةِ مِنَ المَشرُوعِيَّةِ إِلَى التَّحرِيمِ؛ فَالخِلَافُ فِي تَعيِينِ التَّارِيخِ شَيءٌ، وَالحُكمُ الشَّرعِيُّ عَلَى هٰذِهِ الأَعمَالِ شَيءٌ آخَرُ.
❁ وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ المِيزَانَ الصَّحِيحَ فِي الحُكمِ عَلَى عَمَلِ المَولِدِ لَيسَ مُجَرَّدَ الِاسمِ، وَلَا الخِلَافَ فِي التَّارِيخِ، وَلَا دَعوَى أَنَّ تَخصِيصَ مُنَاسَبَةٍ بِمَزِيدٍ مِنَ الخَيرِ يَعنِي حَصرَ المَحَبَّةِ فِيهَا؛ وَإِنَّمَا المِيزَانُ هُوَ الشَّرعُ نَفسُهُ: فَمَا كَانَ مِنَ الأَعمَالِ مَشرُوعًا فِي أَصلِهِ، مِن ذِكرٍ وَتِلَاوَةٍ وَصَلَاةٍ وَسَلَامٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَتَعلِيمٍ لِسِيرَتِهِ وَشَمَائِلِهِ، وَصَدَقَةٍ وَإِطعَامٍ وَدَعوَةٍ إِلَى الِاقتِدَاءِ بِهِ، فَلَا يَنقَلِبُ مُحَرَّمًا لِمُجَرَّدِ اجتِمَاعِهِ فِي مُنَاسَبَةِ ذِكرَى مَولِدِهِ ﷺ.
❁ وَإِنَّمَا الوَاجِبُ أَن تُوزَنَ الأَعمَالُ بِأَدِلَّتِهَا وَحَقَائِقِهَا، وَأَلَّا يُجعَلَ مُجَرَّدُ الدَّعوَى دَلِيلًا عَلَى التَّحرِيمِ، وَلَا أَن تُحمَلَ النُّصُوصُ وَالوَقَائِعُ التَّارِيخِيَّةُ مَا لَا تَحتَمِلُهُ؛ فَإِنَّ أَحكَامَ الشَّرعِ لَا تُبنَى عَلَى الشُّبَهِ وَالِاحتِمَالَاتِ، بَل عَلَى الدَّلِيلِ وَالتَّحقِيقِ وَالفَهمِ الصَّحِيحِ.
❁ وَسَيَأتِي ـ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى ـ فِي مَا يَلي مِن هٰذِهِ السِّلسِلَةِ جَوَابُ مَا بَقِيَ مِن شُبَهَاتِ المُنكِرِينَ، وَمُنَاقَشَتُهَا فِي ضَوءِ الأَدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ وَأَقوَالِ أَهلِ العِلمِ؛ لِيَتَبَيَّنَ الحَقُّ بِدَلِيلِهِ، وَيَتَمَيَّزَ التَّحقِيقُ العِلمِيُّ مِنَ الدَّعوَى المُجرَّدَةِ.

Address

Aswan

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when دوحة الصفاء الاحمدي الادريسي posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share