24/10/2023
وقفه اليوم تحت عنوان (مولد الرسول عقيدة ومحبة واتباع)
تعيش أمة الإسلام هذه الأيام ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فميلاده ميلاد أمة وميلاد فجر جديد سطع على البشرية ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، نعم تعيش أمتنا هذه الذكرى وهي تعيش هذه الأيام ظروفًا صعبة في ظاهرها، ولكنها تحمل في طياتها الخير الكثير لمستقبل الإسلام والمسلمين وللبشرية جمعاء ..
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومَن يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العلي العظيم وطاعته.
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).
عباد الله: تعيش أمة الإسلام هذه الأيام ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فميلاده ميلاد أمة وميلاد فجر جديد سطع على البشرية ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، نعم تعيش أمتنا هذه الذكرى وهي تعيش هذه الأيام ظروفًا صعبة في ظاهرها، ولكنها تحمل في طياتها الخير الكثير لمستقبل الإسلام والمسلمين وللبشرية جمعاء.
نعم عباد الله: تعيش أمتنا هذه الذكرى وهي تعيش حالة مخاض عسير لتلد لنا عن قريب فجرًا وجيلاً جديدًا يحمل هذه الرسالة الخالدة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم للبشرية، فنسأل الله عز وجل أن يكون هذا المولود هم رجال محمد صلى الله عليه وسلم، يعيدون لهذه الأمة مجدها ويحررون لها مقدساتها ويردون لها كرامتها التي سُلبت على يدي أعدائها وعملائهم من المسلمين.ما شَهْرُ مَوْلِدِهِ فَهُوَ شَهْرُ رَبِيعِ الأَوَّلِ، وَأَمَّا يَوْمُ مَوْلِدِهِ مِنَ الشَّهْرِ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ كانَ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنَ الشَّهْرِ المذكورِ.
أما يَوْمُ مَوْلِدِه فَهُوَ يَوْمُ الاثنَيْنِ بِلا خِلافٍ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَن أبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ رضيَ اللهُ عنهُ أنهُ قالَ: سُئِلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن صَومِ يومِ الاثنَينِ فقالَ: "ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ".
أما عَامُ مَوْلِدِهِ فَهُوَ عَامُ الفِيلِ، قالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ:."وُلِدَ بَعْدَ قُدومِ الفِيلِ بِشَهْرٍ، وَقِيلَ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ بِخَمْسِينَ يَوْمًا".
وأما مَكَانُ مَوْلِدِهِ فالصَّحيحُ المحفُوظُ أنهُ كانَ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ، وَالأَكْثَرُ أنهُ كانَ في المحلِّ المشهورِ بِسُوقِ الليل. وَيُعْرَفُ المكانُ اليَوْمَ بِمَحَلَّةِ المولِدِ.
وقد رُوِيَ أَنَّ ءامِنَةَ لَمَّا حَمَلَتْ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانَتْ تَقُولُ: "ما شَعَرْتُ أَنِّي حَمَلْتُ وَلا وَجَدْتُ لَهُ ثِقلاً كَمَا تَجِدُ النساءُ إِلاَّ أَنِّي أَنْكَرْتُ رَفْعَ حَيْضِي، وَأَتَانِي ءَاتٍ وَأَنَا بَيْنَ النَّوْمِ وَاليَقَظَةِ فَقَالَ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكِ حَمَلْتِ؟ فَكَأَنِّي أَقُولُ: مَا أَدْرِي فَقَالَ: إِنَّكِ حَمَلْتِ بِسَيِّدِ هذهِ الأُمَّةِ وَنَبِيِّهَا، قَالَتْ: فَكَانَ ذلِكَ مِمَّا يَقَّنَ عندِي الحَمْلَ. فَلَمَّا دَنَتْ وِلادَتِي أَتَانِي ذَلكَ فَقَالَ: قُولِي أُعِيذُهُ بِالوَاحِدِ الصَّمَدِ مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ".
قالت ءامِنَةُ فَلَمَّا دَخَلَ شَهْرُ ربيعِ الأَولِ في اثنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خلَتْ مِنْهُ وَهِيَ ليلةُ الاثنينِ مِنَ الليَالِي البِيضِ اللاتِي ليسَ فِيهِنَّ ظَلامٌ، وَكانَ عبدُ الْمُطَّلِبِ قد خَرَجَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ هُوَ وَأَوْلادُه وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَ ءَامِنَةَ ذَكَرٌ وَلا أُنْثَى وَقَدْ أَغْلَقَ عَبْدُ المطَّلِبِ عليهَا البابَ خَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ طَارِقٍ يطرقُها، قالَتْ ءَامِنَةُ: وبقِيتُ في المنْزِلِ وحيدةً إِذْ سَمِعْتُ حرَكَةً بينَ السماءِ وَالأَرضِ ورأيتُ مَلَكًا بِيَدِِهِ ثلاثَةُ أَعْلام، فَنَشَرَ الأَوَّلَ علَى مَشْرِقِ الأرضِ، والثَّانِي على مَغْرِبِها، وَالثالِثَ علَى البيتِ الحرامِ.
قالت ءامنةُ: ولَمْ يَأْخُذْنِي مَا يأخُذُ النساءَ منَ الطَّلقِ إلاَّ أنِّي أَعْرَقُ عَرَقًا شَدِيدًا كالمِسْكِ الأَذْفَرِ لَمْ أَعْهَدْهُ قبلَ ذلكَ مِنْ نَفْسِي فَشَكَوْتُ العَطَشَ فإذَا بِمَلَكٍ نَاوَلَنِي شَرْبَةً مِنَ الفِضَّةِ البَيضَاءِ فيهَا شَرَابٌ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ وأَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَزْكَى رَائِحَةً مِنَ المِسْكِ الأذفَرِ فتناولتُهَا فَشَرِبْتُهَا فأضَاءَ علَيَّ منها نُورٌ عظِيمٌ فَحِرْتُ لذلكَ، وَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمالاً وَقَدِ اشْتَدَّ بيَ الطَّلْقُ، فَبَيْنَمَا أنَا كَذَلِكَ فَإِذَا أنَا بِطَائِرٍ عظِيمٍ أبيضَ قد دخلَ علَيَّ وأَمَرَّ بِجَانِبَةِ جَنَاحَيْهِ عَلَى بَطْنِي وَقَالَ: انزِلْ يا نَبِيَّ اللهِ. فأعانَنِي عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ عَلَى تَسْهِيلِ الوِلادَةِ فوَضَعْتُ الحبيبَ محمدًا.
ولما وَضَعَتْ ءامِنَةُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سارَعَتْ إِلَى طَلْعَتِه ثَلاثَةٌ مِنَ الملائكَةِ الأعلامِ مَعَ أحدِهم طَسْتٌ مِنَ الذَّهَبِ ومَعَ الثانِي إبريقٌ مِنَ الذَّهَبِ ومَعَ الثالِثِ مِنْدِيلٌ مِنَ السُّنْدُسِ الأَخْضَرِ وَغَسَّلُوهُ بِمَاءِ الرَّحِيقِ.
يا سَيِّدِي يا حَبِيبَ اللهِ:
يـا أَكْمَلَ الخَلْقِ يا مَنْ لا مُضَاهِيَ لَهُ ......يا كَامِلَ الحُسْنِ أنتَ السُّؤْلُ وَالأَرَبُ
جمَعْتَ في الحُسْنِ أَوْصَافًا كَمَا جُمِعت.......لَكَ الْمَلاحَةُ يـَا مَنْ عِشْـقُه يَجِبُ
أنتَ المـرادُ وَأَنْتَ القَصْـُد أَجْمَعُهُ......... يـَا مَنْ لَهُ كَـرَمٌ يَا مَنْ لَـهُ رُتَبُ
صـلَّى علَيْكَ إِلَهُ العَرشِ مَا طَلَعَتْ...........شَـمْسُ النَّهارِ وَمَالَ الظِّلُّ يَغْتَرِبُ
وَقدْ وُلِدَ صلى الله عليه وسلم مَكْحُولاً مَدْهُونًا مَسْرُورًا مَخْتُونًا.
ورَوَى أحْمَدُ والبيهَقِيُّ وَالطَّيَالِسِيُّ بإِسنادِهِم عن أبِي أُمَامَةَ قالَ: قيلَ يَا رَسُولَ اللهِ ما كانَ بَدْءُ أمرِكَ؟ قالَ: "دَعْوَةُ أبِي إِبْراهِيمَ، وَبُشْرَى عيسَى ابنِ مريمَ، ورَأَتْ أمِّي أنهُ خَرَجَ منهَا نُورٌ أضاءَتْ لَهُ قُصورُ الشَّامِ".
أما قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: "دعوَةُ أبِي إِبْراهِيمَ"فهوَ أنَّ إبراهيمَ عليهِ السلامُ لما بَنَى البَيْتَ دَعَا رَبَّه فقالَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عليهِمْ ءاياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ سورةُ البقرةِ / 129، فاستجابَ اللهُ تعالَى دعاءَهُ في نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم وجعَلَهُ الرَّسُولَ الذي سألَهُ إبراهِيمُ عليهِ السَّلامُ.
وأمّا قولُه عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: "وبُشْرَى عيسَى ابنِ مريَمَ"فهو أن سيدَنا عيسَى عليهِ السلامُ بَشَّرَ قومَهُ بسيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم كما أخبرَ القرءانُ الكريمُ حِكايَةً عن عيسى عليهِ السلامُ: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يأتِي مِنْ بَعْدِي اسمُهُ أَحْمَدُ﴾ سورة الصف / 6.
وقد خرجَ معَهُ نورٌ أضاءَ لَهُ المشرِقُ وَالْمَغْرِبُ، يقولُ عليهِ الصلاةُ وَالسَّلامُ: "رَأَتْ أُمِّي حينَ وَضَعَتْنِي سَطَعَ مِنْهَا نورٌ أَضَاءَتْ قُصورُ بُصْرَى"وَبُصْرَى هذه من مُدُنِ الشامِ القديمَةِ هي تُعَدُّ مِنْ أَرْضِ حَوْران مِمَّا يَلِي الأُرْدُنّ. أمُّهُ عليه السلامُ رأَتْ بِهذَا النُّورِ الذي خَرَجَ منهَا قُصُورَ بُصْرَى بعينِها لولا أَنَّها مُؤْمِنَةٌ مَا أُعطِيَتْ هذهِ القُوَّةَ بعينِها حتَّى تَرَى قُصُورَ بُصْرَى. وهذا الحديثُ ثابِتٌ رواهُ الحافِظُ ابنُ حجَرٍ في الأَمَالِيِّ وحسَّنَهُ فنقولُ كَمَا قالَ أبو حنيفَةَ رضِيَ اللهُ عنهُ والِدَا الرَّسولِ مَا مَاتَا كَافِرَيْنِ، مَا المانِعُ أَنْ يكونَا أُلْهِمَا الإِيمانَ بِاللهِ فَعَاشَا مُؤْمِنَيْنِ لا يَعبُدَانِ الوَثَنَ، لا مانِعَ.
والمقصُودُ أَنَّ ليلَةَ مَوْلِدِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم ليلةٌ شريفَةٌ عَظِيمَةٌ مُبَارَكَةٌ، ظاهِرَةُ الأَنْوارِ، جَلِيلَةُ الْمِقْدَارِ، أَبْرَزَ اللهُ تعالَى فيهَا سَيِّدَنا مُحَمَّدَّا إلى الوُجُودِ، فولَدَتْهُ ءامِنَةُ في هذهِ الليلَةِ الشريفَةِ مِنْ نِكَاحٍ لا مِنْ سِفَاحٍ، فظَهَرَ لَهُ مِنَ الفَضْلِ وَالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ مَا بَهَرَ العُقُولَ وَالأَبْصَارَ، كمَا شَهِدَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ والأخبار
ونسأل الله عز وجل أن يكون هذا المولود كاملاً لا معاقًا, وحصيفًا لا جاهلاً، يعود بالأمة إلى المدنية الغربية المنحلة أخلاقيًّا وسلوكيًّا، ويدعو إلى الحرية والديمقراطية التي يريدها الغرب ويدعو إليها وهي الانحلال من الأخلاق والقيم الإسلامية والإنسانية.
نعم عباد الله: إذا أردنا النهوض بأنفسنا وبهذه الأمة علينا أن نتبع سنة رسول الله صلى الله علية وسلم وأن نحيي ذكرى مولد رسول صلى الله عليه وسلم بمعرفة ما له من حقوق علينا وأن نؤدي ونتبع ونتتبع هذه الحقوق ونطبقها كما أرادها الله ورسوله العظيم، وأن نقرأ سيرة السلف كيف طبقوا محبته صلى الله علية وسلم قولاً وعملاً وعقيدة.
عباد الله.. رسول الله صلى الله علية وسلم له علينا حقوق وواجبات كثيرة منها:
أولا: أن نحبه أكثر من أنفسنا وأهلينا والناس أجمعين قال عليه السلام: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"، أي لا يكتمل ولا يصح إيمان الإنسان إلا بهذا القدر من الحب.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: "لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي"، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من كل شيء حتى من نفسك"، ففكر عمر مليًّا ثم جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي" فقال له الرسول عليه السلام: "الآن يا عمر"، أي الآن كمل إيمانك.
كيف لا والله عز وجل يقول: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) أي النبي أولى بالمحبة من نفسك التي بين جنبيك النبي يدعوك إلى الجنة والنجاة من النار ونفسك تدعوك إلى النار (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى إن ربى غفور رحيم)، وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار".
والله حذر عباده من أن يقدموا حب الآباء والأبناء على حب الله ورسوله: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
نعم عباد الله: نحن قدمنا حب الدنيا على حب الله ورسوله حب الأموال والأولاد والعشيرة والتجارة على حب الله والرسول والجهاد في سبيل الله، فتعالوا معنا عباد الله إلى صور حية عاشها الصحابة فطبقوا من خلالها هذه المحبة عملاً وإيمانًا وعقيدة وسلوكًا وأخلاقًا.
فها هو أبو بكر رضي الله عنه عندما سمع النبي عليه السلام يودع أمته على المنبر يقول لهم: "إن الله عز وجل خيَّر عبدًا ما بين أن يُخلّد في الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله"، فبكى أبو بكر بكاء شديدًا فقال: "نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله"، فعرف أن رسول الله سيغادر هذه الدنيا.
عروه بن مسعود ممثل الكفار في صلح الحديبية حاول أن يلمس لحية النبي عليه السلام وهو يتكلم معه، فضرب الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة يده بنصل السيف، وقال له: "أخِّر يدك عن رسول الله وإلا لا ترجع إليك".
فلما رجع عروة بن مسعود إلى الكفار قال لهم: "والله يا قوم لقد وفدت على الملوك والأمراء وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكًا قط يعظّمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله ما يتنخم النخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك وجهه وجلده، وإن أمرهم نفذوا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على فضل وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدّون النظر إليه؛ تعظيمًا له", نعم إنها شهادة من أعداء الله وأعدائه لصحابته على حبهم لنبيهم.
أحد الصحابة أخذه كفار مكة وعذبوه عذابًا شديدًا، وقالوا له وهو تحت التعذيب: أتحب أن محمدًا مكانك وأنت سالم معافى في أهلك ومالك، فصاح فيهم وقال: "والله ما أحب أني في أهلي ومالي وولدي معافى ويصاب رسول الله بشوكة"، وراح ينشد الشاعر فيه:
سألوه هل يرضيك أنك سالم *** ولك النبي فدى من الإتلاف
فأجاب كلا لا سلمت من الردى *** ويصاب أنف محمد برعاف
يقول أبو سفيان عندما سمع ذلك: "والله ما رأيت أحدًا يحب أحدًا كما يحب أصحاب محمد محمدًا".
عباد الله: محبة النبي تكون باتباعه ومحبته توجب الجنة ورفقته فيها، ولكن كما أسلفنا محبته العملية والعقدية والحقيقية هي التي توجب ذلك، لا كما قالت اليهود والنصارى في إبراهيم: قالت اليهود إبراهيم عليه السلام منا، وقالت النصارى إبراهيم منا فكذّبهم الله فقال الله: (ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا) ثم قال إبراهيم: (فمن تبعني فإنه مني).
عباد الله: إن أولى الناس بمحمد عليه السلام هم الذين اتبعوه وتمسكوا بسنته، أما الذين يدّعون محبة النبي ويخالفون سنته ومنهجه، فهؤلاء على بعد من الصدق، إن أولى الناس بشفاعة الرسول هم أهل سنته، إن أولى الناس بحوض النبي أكثرهم عليه صلاة، وإن أولى الناس بصحبته في الجنة هم محبوه.
قال أبو ذر رضي الله عنه: "يا رسول الله! الرجل يحب القوم، ولا يستطيع أن يعمل بعملهم" فقال عليه السلام: "فإنك مع من أحببت يا أبا ذر"، فقال أبو ذر: فإني أحب الله ورسوله، فقال عليه السلام: "فإنك مع من أحببت"، فأعادها أبو ذر ثلاثًا، وأعادها الرسول عليه السلام كذلك, نعم دخلت محبة أشخاص مكان محبة رسول الله فعظمناهم، وأصبحوا شغلنا الشاغل من مطربين ولاعبين وممثلين وهواه للباطل وقادة وطواغيت لا يحكمون بما أنزل الله فالمرء مع من أحب يوم القيامة.
ثانيا: ومن حق النبي عليه السلام وواجبه علينا عباد الله: أن نتأدب معه عليه السلام في حياته ومع سنته بعد وفاته (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، أي لا تعترضوا على الله ورسوله لا في أنفسكم ولا في أمور دينكم ودنياكم، ولا تقولوا في قضية حتى يقول فيها الرسول عليه السلام فكان أناس يقولون لو أنزل في كذا وكذا – فكره – الله ورسوله هذا الكلام ولقد تأدب أصحاب النبي بهذا الأدب مع الله ورسوله، فما عاد أحد منهم يقترح على الله ورسوله فما عاد قائل يقول قبل أن يقول الله ورسوله، بل إنهم من شدة تأدبهم مع الله ورسوله أمسكوا عن الإجابة وهم يعلمونها خشية أن يكون في الإجابة تقديم بين يدي الله ورسوله.
فعندما خطب النبي عليه السلام خطبة الوداع في حجة الوداع فكان من خطبته: "أي يوم هذا"؟ وهم يعلمون أنه يوم النحر ورسول الله يعلم، ثم قال: "أي شهر هذا"؟ وهم يعلمون أنه شهر ذي الحجة ثم قال: "أي بلد هذا"، وهم يعلمون أنه البلد الحرام ومع هذا قالوا: الله ورسوله أعلم؛ تأدبًا مع رسول الله.
فأين نحن من هذا التأدب وهذه المحبة وهذا الوقار لرسول الله، أصبحنا نعظم كلام الناس وكلام القادة والشعراء والعلماء أكثر من تعظيمنا لكلام رسول ونقف عند كلامهم بالتفسير والتحليل والوقار والهيبة فإن دل على شيء دل على ضعف إيماننا وعقولنا فلم نعد نفرق بين كلام الوحي وكلام البشر، وأصبحنا نتجرأ على سنة الرسول بالرد والإنكار والتضعيف والاستغراب.
ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استأذن امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها" فقال بلال بن عبد الله: "والله لنمنعهن منه" فنهره عبد الله بن عمر نهرًا شديدًا، وقال: "أخبرك عن رسول الله وتقول والله لنمنعهن".
ابن عباس أفتى بجواز التمتع بالعمرة إلى الحج عن رسول الله قالوا: لكن أبو بكر وعمر يقولان خلاف ذلك، فغضب غضبًا شديدًا، وقال: "يوشك أن ترجموا بحجارة من السماء، أقول قال رسول الله وتقولون أبو بكر وعمر يقولان خلاف ذلك"، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
عباد الله: نحن تركنا سنة رسول الله وتمسكنا بالبدع وبما تمليه علينا أهواؤنا وشهواتنا ورغباتنا وقدمنا رضا الناس على رضا الله ورسوله فلا عزة للفرد ولا للأسرة ولا للأمة إلا باتباع نهج وسنة رسول الله، وتقديم ذلك على كل هوى أو نزعة, فمثلاً في صلح الحديبية فلما التئم الأمر ولم يبق إلا الكتاب غضب عمر رضي الله عنه عندما أحس بأن الصلح فيه إجحاف لحق المسلمين فوثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى؛ قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى؛ قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه، فأني أشهد أنه رسول الله؛ قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله،
ثالثا: ومن حقه عليه السلام أن نكثر من الصلاة عليه انسجامًا مع قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقوله عليه السلام: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا" رواه مسلم وقوله: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة"، وقوله: "البخيل من ذُكرت عنده ولم يصل عليّ".
الخطبة الثانية:
(يَا أيهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي) نـزلت في ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنه وقر، وكان جهوريّ الصوت، وكان إذا كلم إنسانًا جهر بصوته، فربما كان يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتأذى بصوته، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
فعن أنس: لما نـزلت هذه الآية: (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبِي) قال ثابت بن قيس: "أنا الذي كنت أرفع صوتي فوق صوت النبيّ وأنا من أهل النار"، فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "هو من أهل الجنة" رواه مسلم عن قطن بن نسير. وقال ابن أبي مليكة: كاد الخيران أن يهلِكا: أبو بكر وعمر رفعا أصواتهما عند النبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب من بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس، وأشار الآخر برجل آخر، فقال أبو بكر لعمر: "ما أردت إلا خلافي. وقال عمر: ما أردت خلافك" وارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنـزل الله تعالى في ذلك: (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ) الآية. وقال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه..
عباد الله: أصبحنا نستحي بسنة رسول الله ونقدم الهوى عليها ولا نستحي بما نرتكبه من معاصي ولا نخجل من الله ولا من رسوله ونقدم كلامنا وكلام الناس على سنته صلى الله عليه وسلم (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا)
نعم من الناس من تعود أن يكون صالحا أمام الناس فإذا خلا بمحارم الله انتهكها كالمنافقين تعود ألا يخلص العمل لله عز وجل يتظاهر بالصلاح وقلبه قد ملئ فجورًا وفسادًا, عن ثوبان رضي الله عنه:عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لأعلمنّ أقوام من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً فيجعلها الله عز وجل هباء منثورًا". قال ثوبان رضي الله عنه: يا رسول الله صفهم لنا، جلّهم لنا؛ أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم , فقال عليه الصلاة والسلام: "أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلو بمحارم الله انتهكوها", ومن كلام ابن الجوزي في صيد الخاطر: "رأيت أقوام من المنتسبين للعلم أهملوا نظر الحق في الخلوات فمحا الله محاسن ذكرهم في الجلوات، فكانوا موجودين كالمعدومين لا حلاوة لرؤيتهم ولا قلب يحن إلى لقائهم".قال محمد بن ناصر الدمشقي لما تكلم عن أبي لهب قال إنه يخفف عن العذاب يوم الاثنين بسب فرحه بميلاد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم
إذا كـان هــذا كافـرًا جــاء ذمّـه وتبت يـداه في الجحـيم مخـلدًا
أتى أنّــه في يــوم الاثنين دائــمًا يخفف عنه للســرور بأحــمدا
فما الظنّ بالعبدِ الذي طول عمره بأحمدَ مسرورًا ومات موحـــدًا