10/09/2026
🔴 بعنوان : بَيَانُ مَكَانَةِ الإِمَامِ فِي العَالَمِ وَالمُجْتَمَعِ الجَزَائِرِيِّ.
🔸 #الخُطْبَةُ_الأُولَى :
الحَمْدُ للهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، الخَالِقِ البَارِئِ المُصَوِّرِ الحَكِيمِ، أَمَرَ بِاتِّبَاعِ الهُدَى، وَحَذَّرَ مِنَ السُّبُلِ المُعْوَجَّةِ وَالرَّدَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَنْجِي قَائِلَهَا يَوْمَ العَرْضِ العَظِيمِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، المَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا لِلسَّالِكِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ طَاعَتَهُ هِيَ فَوزُ المُتَّقِينَ، وَأَنَّ اجْتِنَابَ مَعَاصِيهِ هِيَ نَجَاةُ العَامِلِينَ.
مَعَاشِرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ العُظْمَى عَلَى عِبَادِهِ أَنْ جَعَلَ فِيهِمْ عُلَمَاءَ وُرَاثَةً لِلأَنْبِيَاءِ، يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، وَيُرْشِدُونَ الضَّالَّ، وَيُعَلِّمُونَ الجَاهِلَ. وَإِنَّ مِمَّا يَتْلُو هَذِهِ المَنْزِلَةَ وَيَتَصَدَّرُهَا: مَقَامَ الإِمَامَةِ الدِّينِيَّةِ، الَّذِي يُمَثِّلُ صِمَامَ أَمَانٍ لِلأُمَّةِ، وَمَنَارَ هِدَايَةٍ فِي المُجْتَمَعِ.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ لِلْإِمَامِ بَيْنَ النَّاسِ مَكَانَةً عَلِيَّةً، وَمَنْزِلَةً سَنِيَّةً؛ فَهُوَ الوَارِثُ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَقِيَادَةِ القُلُوبِ إِلَى خَالِقِهَا. قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْلَمُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11]. وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18].
وَروَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». وَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ: «إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلَا دِرْهَماً، إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤْمِنُونَ، لَقَدْ عَرَفَ المُجْتَمَعُ الجَزَائِرِيُّ الأصِيلُ قَدْرَ هَذِهِ المَكَانَةِ، فَكَانَ الإِمَامُ فِي القَرْيَةِ وَالمَدِينَةِ وَالدَّشْرَةِ رَمْزاً لِلْوَحْدَةِ، وَمَرْجِعاً لِلْفَتْوَى، وَطَبِيباً لِلْقُلُوبِ، وَصِلَةَ رَحِمٍ بَيْنَ أَفْرَادِ المُجْتَمَعِ. فَالْأَئِمَّةُ فِي الجَزَائِرِ العَزِيزَةِ هُمْ حُمْلَةُ اللِّوَاءِ الدِّينِيِّ، الحَافِظُونَ لِلْمَرْجِعِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ الدِّينِيَّةِ القَائِمَةِ عَلَى العَقِيدَةِ الأَشْعَرِيَّةِ، وَالفِقْهِ المَالِكِيِّ، وَالسُّلوكِ الجُنَيْدِيِّ الرَّوَّاحِيِّ، الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ صَفَاءِ الشَّرِيعَةِ وَسَمَاحَةِ الأُخُوَّةِ.
وَلَقَدْ كَانَ لِلْعُلَمَاءِ وَالأَئِمَّةِ فِي البِلَادِ الجَزَائِرِيَّةِ تَبَرُّزٌ عَظِيمٌ فِي الحِفَاظِ عَلَى الهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ وَالأَمْنِ الرُّوحِيِّ، حَيْثُ حَمَلَ الإِمَامُ فِي قَلْبِهِ هَمَّ الوَطَنِ وَالدِّينِ مَعاً، فكَانَ الأَئِمَّةُ هُمُ الحِصْنَ الحَصِينَ ضِدَّ كُلِّ مُحَاوَلَاتِ الطَّمْسِ وَالتَّغْرِيبِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، اسْمَعُوا مَا قَالَهُ سَلَفُنَا الصَّالِحُ فِي فَضْلِ الأَئِمَّةِ وَالعُلَمَاءِ؛ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ". وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "إِنْ لَمْ يَكُنِ العُلَمَاءُ أَوْلِيَاءَ اللهِ فِي الأَرْضِ، فَمَا لِلَّهِ وَلِيٌّ". وَقَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: "عَالِمٌ مُعَلِّمٌ يُدْعَى كَبِيراً فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ".
فَمَا أَجْدَرَنَا اليَوْمَ، فِي عَالَمٍ تَتَلاطَمُ فِيهِ أَمْوَاجُ الفِتَنِ وَالتَّيَارَاتِ الفِكْرِيَّةِ المُنْحَرِفَةِ، أَنْ نَحْتَرِمَ مَكَانَةَ الإِمَامِ، وَأَنْ نَعْرِفَ لَهُ قَدْرَهُ، وَأَنْ نَكُونَ عَوْناً لَهُ عَلَى الخَيْرِ وَالبِرِّ وَالتَّقْوَى. فَإِنَّ تَوْقِيرَ الإِمَامِ مِنْ تَوْقِيرِ الدِّينِ، كَمَا جَاءَ فِي الأَثَرِ عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🔹 #الخُطْبَةُ_الثَّانِيَةُ :
الحَمْدُ للهِ حَمْداً كَثِيراً كَمَا أَمَرَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونبينا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الشَّافِعُ المُشَفَّعُ فِي المَحْشَرِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الأَخْيَارِ المَحْشُورِينَ تَحْتَ لِوَائِهِ الأَطْهَرِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، واعلَمُوا أَنَّ مِنْ وَاجِبِ المُجْتَمَعِ نَحْوَ مَنَاطِرِ الهُدَى وَالمَسَاجِدِ، وَخُصُوصاً إِمَامَ المَسْجِدِ: الحِرْصَ عَلَى تَوْطِيدِ أُوَصِرِ الأُخُوَّةِ، وَدَعْمِ دَوْرِهِ الإِرْشَادِيِّ، وَحِمَايَةِ المَسَاجِدِ مِنْ كُلِّ مَنْ يُرِيدُ بِهَا شَقَّ العَصَا أَوْ تَفْرِيقَ كَلِمَةِ المُسْلِمِينَ.
فَالأَئِمَّةُ -رَحِمَهُمُ اللهُ وَسَدَّدَ خُطَاهُمْ- يَقُومُونَ بِمَهَمَّةٍ جَلِيلَةٍ فِي نَشْرِ الوَسَطِيَّةِ وَالاعْتِدَالِ، وَمُوَاجَهَةِ التَّرَفُّعِ الفِكْرِيِّ، وَغَرْسِ حُبِّ الوَطَنِ وَالإِخْلَاصِ لَهُ فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ وَالشَّبَابِ؛ إِذْ حُبُّ الوَطَنِ مِنَ الإِيمَانِ، وَالحِفَاظُ عَلَى أَمْنِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِ الجَمِيعِ.
اللَّهُمَّ احْفَظِ الجَزَائِرَ حُرَّةً أَبِيَّةً آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً، وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَئِمَّتَنَا، وَاحْفَظْ عُلَمَاءَنَا، وَاجْعَلْهُمْ مَصَابِيحَ لِلْهُدَى وَأَعْلَاماً لِلتُّقَى. اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الغَلَا وَالوَبَا وَالرِّبَا وَالزِّلَازِلَ وَالمِحَنَ وَسُوءَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، عَنْ بِلَادِنَا هَذِهِ خَاصَّةً وَعَنْ سَائِرِ بِلَادِ المُسْلِمِينَ عَامَّةً يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
#منقول