27/10/2017
خطبة الجمعة ليوم 6 صفر 1439هـ
الموافق لـ 27 أكتوبر 2017 مـ
حقائق تاريخية من وحي الثورة الجزائرية
الحمد لله القوي المتين، الناصر المعين ، المؤيد لمن حمل راية نصر الدين ، نحمده سبحانه على لطفه وإحسانه ، ونشكره تعالى على تفضله وإنعامه ، ونسأله المزيد من أفضاله ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يعز من يشاء ويذل من يشاء , وما النصر إلا من عنده جل وعلا ، وهو الله العزيز الحكيم . وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله ، وصفيه من خلقه وخليله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
يقول الله عز وجل: "واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس، فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون"
إن هذا النص المبارك لينطبق - بعموم لفظه - علينا في هذه البقعة المباركة من أرض الله تعالى ، التي تسمى بالجزائر ، فقد أتت علينا مرحلة من الزمن استضعفنا فيها الغزاة الفرنسيون ، فلم نكن نأمن فيها على أنفسنا وأعراضنا وأموالنا ... ثم – وبعد تضحيات جسام - أتت بشائر النصر ، وبدلنا الله بعد خوفنا أمنا ، وبعد استعمارنا حرية وسيادة : " وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ". فاذكروا هذا - أيها المؤمنون – واشكروا الله على نعمة النصر والتمكين .
أيها الإخوة : سنكشف في خطاب اليوم عن بعض الحقائق التاريخية الهامة ، من خلال ثورة نوفمبر المجيدة .
1 ما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة
فاستقلالنا واسترجاع سيادتنا الوطنية ما كان ليقدم لنا هدية سائغة أو عطاء لا مقابل له ، بل جاء نتيجة لتضحيات جسام لم يشهد التاريخ لها مثيلا ، وهل كان لفرنسا أن تصغي لمفاوضاتنا ، أو تستجيب لمطالبنا ، لولا ثورة نوفمبر المجيدة ، التي أخذت تشق طريقها نحو فجر الحرية والسيادة تحت قوافل الشهداء الأبرار، فــنحن - كما قال شاعر ثورتنا
لم يكن يصغ لنا لما نطقنا ***فاتخذنا رنة البارود وزنا
ومن جملة الأباطيل التي حاول أذناب الغرب إلصاقها بثورتنا وتاريخنا ظلما وزورا ، قولهم : أن استقلال الجزائر كانت نتيجة لمفاوضات سياسية خارجية ؟؟ إن هذا لإفك مبين ، وتزوير للحقائق التاريخية ، وخيانة وإجحاف لثورة دفعت ثمن حريتها مليونا ونصف مليونِ شهيد أو يزيدون ، وما قال عاقل بأن المفاوضات تحرر الأوطان ، ولو كان ذلك حاصل لحصل لفلسطين ، فكم فاوضت ولا تزال تفاوض دون طائل ، ولو بقي الشعب الجزائري مكتوف الأيدي ثم راح يفاوض للقي نفس المصير ، ولذلك فإن في كفاح الجزائر لأسوة حسنة لمن كان يرجو الحرية والانتصار ، " فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة " وهي حقيقة يشهد لها الواقع التاريخي ويقرها العقل والمنطق.
2- ربانية الثورة الجزائرية ومظاهرها
كما ينبغي أن نعلم يقينا بأن ثورتنا المجيدة التي صنعت التاريخ , وبهرت العالم
إن هذه الثورة تختلف وتتميز عن كثير من الثورات والمقاومات في العالم بأمر هام قلما يتطرق إليه المؤرخون والمحللون والباحثون , فلقد كانت ثورتنا ربانية من أول وهلة : فنشيدها: الله أكبر، وكلمة سرها:عقبة وطارق وحملة سلاحها : هم المجاهدون.. وقتلاها: همالشهداء .. وقادتها : هم حملة القرآن الكريم
يقول البشير الإبراهيمي رحمه الله :
"صليبي النزعة ، فهو منذ احتل الجزائرعاملٌ على مَحْوِالإسلام لأنه الدين السماوي الذي فيه من القوة ما يستطيع به أن يسودَ العالم ... ".
وشهد شاهد من أهلها وهو وزير الخارجية الفرنسية أنذاك، الذي صرح قائلا : " إنها معركة الهلال والصليب... ولا بد أن ينتصر الصليب ".
وقال أحد جنرالاتها : " وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا " والحق ما شهدت به الأعداء.
*اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، وأدم علينا نعمة الحرية والاستقلال، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه كان غفورا رحيما.
الخطبة الثانية
الحمد لله المنعم الوهاب، واهب النعم ودافع النقم ومهيء الأسباب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أمـا بعـد،
3- نصوص القرآن تشهد لربانية ثورتنا
وحينما نرجع إلى القرآن الكريم نجده يكشف لنا في العديد من آياته عن طبيعة وحقيقة أعداء الإسلام ، ويبين لنا غاياتهم وأهدافهم ، وما تكنه ضمائرهم من حقد دفين على حملة هذا الدين ، ومن ذلك : قوله تعالى : " ولن ترضي عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم ".
وقوله تعالى :" و لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا". والشاهد في ذلك أن غاية الكفار من قتال المسلمين ، هي إخراجهم عن دينهم بمختلف الوسائل ، سواءٌ الوسائل المسلحة ، أو الوسائل الفكرية والثقافية ، كتلك التي جربها الاستعمار ضدنا ،أما ثورتنا فكانت نصرة للحق ومن أجل إعزاز الدين والتمكين له ، قال تعالى :"ولينصرن الله من ينصره"وقال تعالى أيضا: "إنتنصروا الله ينصركم"
والنتيجة : أن ثورتنا المجيدة إنما استحقت نصر الله وتأييده ؛ لأنها كانت نصرة لله تعالى
و لله ما أروعها من كلمات تلك التي عبر بها مفدي زكريا عن ربانية ثورتنا محذرا من عواقب الانحراف عنها - فقال رحمه الله:
شربت العقيدة حتى الثمالــــة ..... فأسلمت وجهي لـرب الجـــلالــه
ولولا الوفـاء لإسلامنـــــــــــــا ..... لمـا قرر الشعب يومـا مـــــآلـــه
ولولا تحالف شعــــــــــب وربٍّ ..... لمـا حقق الرب يومــا ســــؤالـه
إذا الشعب أخلـــــــف عهد الإلـه ..... وخـان العقيــدة فارقُـــب زواله
وفي الختام ننبه إلى حقيقة أخرى وهي: أن ما أحرزناه من نصر، وما ننعم به اليوم من حرية و سيادة ، وأمن واستقرار ؛ فبسبب تضحيات الشهداء الأبرار ، الذين قدموا أرواحهم فداء لعقيدتهم وشعبهم ووطنهم ، وبذلوا في سبيل ذلك دماءهم الطاهرة ؛ ولهذا كان فضلهم علينا عظيما ، والله تعالى يقول : "ولا تنسوا الفضل بينكم " وكيف يمكن لحر أصيل أن ينسى أو يتناسى فضل من أكرمه وأحسن إليه ، خصوصا إذا كان ذلك المحسن قد ضحى بحياته من أجل سعادتنا وسيادتنا ...!!! وهذا ما فعله الشهداء الأبرار من أجلنا ، ولسان حالهم يقول:
واقـــض يا موت في ما أنت قاض ..... أنا راض إن عاش شعبي سعيدا
أنا إن مت فالجزائر تحــــــــــــــيا ..... حــــــــــرة مســــــتقلة لن تبيدا
نسأل الله تعالى أن يرحم شهداءنا الأبرار بواسع رحمته ، وأن يسكنهم فسيح جنانه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولائك رفيقا ، ونسأله تعالى أن يمن علينا في هذه البقعة الطاهرة – الجزائر – بالأمن والاستقرار ، والعافية المعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ومن أرادنا بسوء فنسأل الله أن يجعل تدبيره في نحره وأن يشغله بنفسه .
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين