24/05/2026
فضائل يوم عرفة
١)- سبب تسميته بعرفة: قال القرطبي رحمه الله:" و في تسمية عرفة بعرفة قولان :
أحدهما - أنَّ جبريل كان يري إبراهيم المناسك ، فيقول عرفت ، عرفت.
و ثانيهما- أن آدم و حواء تعارفا هنالك.[ المفهم بشرح صحيح مسلم ١٨٨/٣] و هو مروي عن ابن عباس و عطاء و آخرين ، انظر فضل يوم عرفة لابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله ص٣٣-٣٤ و فيه أقوال أخرى راجعها هناك.
٢)- فضائله:
👈 هو المشهود الذي أقسم به اللّٰه جل و علا في سورة البروج قال سبحانه « و شاهد و مشهود » و به قال أكثر المفسرون ، قال ابن كثير رحمه اللّٰه :" قال الأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة ، و المشهود يوم عرفة." إه [ انظر تفسير ابن كثير ٢٠٢/٥ ، و لأهل التفسير نيف و عشرين قولا فيه انظر تفسير الطبري ٥٢٠/١٢ و زاد المسير ٧٠/٩] .
👈 أنه يوم إتمام النعمة لما جاء في الصحيحين و غيرهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،" أنّ رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين ، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً ، قال أي آية ؟، قال « اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا » ( المائدة ٣) قال عمر: عرفت ذلك اليوم و المكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم و هو قائم بعرفة يوم الجمعة " [ البخاري ٥٤ و مسلم ٢٣١٢] ، قال ابن رجب رحمه الله:' و من فضائله أنه يوم إكمال الدين و إتمام النعمة ' [ اللطائف ص ٣١٦-٤١٧] ثم ذكر أوجه إكمال الدين ما ملخصه:
أ- أنَّ اللّٰه امتنَّ على المسلمين بحَجَّة لم يكونوا قد حجُّوا قبلها بعد فرض الحج ، فبهذه النعمة استكملت أركان الإسلام ، قال: وهذا قول أكثر العلماء.
ب- أنَّ اللّٰه سبحانه أعاد الحج على قواعد إبراهيم عليه السلام ، بنفي الشرك و أهلِه، فلم يختلط بالمسلمين يومئذٍ في ذلك الموقف مشرك.
👈 أنه يوم مغفرة الذنوب ، و التجاوز عنها ، و العتق من النار ، والمباهات بأهل الموقف ، كما في صحيح مسلم [ رقم ٣٢٧٥] و غيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« ما من يوم أكثر من أن يعتق الله عز و جل عبدا من النار من يوم عرفة ، و إنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة ، فيقول: " ماذا أراد هؤلاء ؟"» . قال النووي رحمه الله 'هذا الحديث ظاهر في فضل عرفة ، و هو كذلك' إه
و عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« إنَّ اللّٰه يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول لهم " أنظروا لعبادي جاؤوني شعثاً غبراً" [ صحيح الترغيب ٣٣/٢ رقم ١١٥٢] (شعثاً) أي متغيري الأبدان و الشعور و الملابس لقلة تعاهدهم بالإدهان و الإصلاح و الشعث الوسخ في بدن أو شعر ( غبراً) أي من غير استحداد و لا تنظفٍ قد ركبهم غبار الطريق ( انظر الفيض القدير للمناوي ٣٥٤/٢).
من فضائل يوم عرفة أيضا:
👈- ما رواه أبو داود و الترمذي و غيرهما عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:« إنَّ يوم عرفة و يوم النحر و أيام التشريق عيدنا أهل الإسلام ، و هي أيام أكل و شرب»
[ صحيح أبي داود رقم ٢٤١٩]
تنبيه: لا يفهم من هذا الحديث أنه لا يجوز صوم عرفة مطلقا ، بل الصواب على خلاف ذلك بل هو مستحب لمن ليس بعرفة كما في حديث مسلم الآتي ، واللّٰه أعلم.
👈- أنَّ صيامه يكفر ذنوب سنتين كما صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه عند مسلم و فيه قال عليه الصلاة والسلام « ثلاث من كل شهر و رمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كلِّه ، و صيام عرفة أحتسب على الله أنَّ يكَّفِر السنة التي قبله و السنة التي بعده» .[ مسلم ٢٧٣٨ و أصحاب السنن مختصرا] .
و ما ينبغي للمسلم فعله في هذا اليوم:
👈 الإكثار من الدعاء و التكبير و التهليل و الذكر: بإخلاص و صدق لما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:« خير الدعاء ، دعاء يوم عرفة ، و خير ما قلت أنا و النبيُّون من قبلي؛ لا إلٰه إلاّ اللّٰه وحده لاشريك له ، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير.»[ رواه الترمذي ٣٥٨٥ و حسنه الألباني في صحيح الجامع ٣٢٧٤] لاسيما التكبير و التهليل و يبتدأ التكبير من صلاة فجر يوم عرفة إلى صلاة عصر آخر أيام التشريق ، لما صح عن علي رضي الله عنه " أنه كان يُكَبِّر بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق و يُكَبِّر بعد صلاة العصر (و يقطع)»أي يقطع التكبير بعد أن يُكَبِّر بعد صلاة عصر آخر أيام التشريق كما سيأتي عن ابن عباس رضي الله عنهما [رواه ابن أبي شيبة (٤٨٨/١) و ابن المنذر (٤/ ٣٠٠-٣٠١)البيهقي (٣١٤/٣) بسند صحيح] و الأفضل أن يلتزم في هذا الذكر ما صح عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم فقد كان ابن عباس رضي الله عنهما " يُكَبِّر من صلاة فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق ، لا يُكَبِّر في المغرب ، اللّٰه أكبر كبيرا ،اللّٰه أكبر كبيرا ، اللّٰه أكبر و أجل ، اللّٰه أكبر و للّٰه الحمد » [ رواه ابن أبي شيبة (٤٨٩/١) و ابن المنذر (٣٠٥/٤) بسند صحيح] و صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول:" اللّٰه أكبر ،اللّٰه أكبر ، إللّٰه أكبر ، لا إلٰه إلا اللّٰه ، اللّٰه أكبر ، اللّٰه أكبر ، و للّٰه الحمد"
[ رواه ابن أبي شيبة (٤٨٨/١) و الطبراني في الكبير ( ٣٥٥/٩) و ابن المنذر (٣٠١/٤) و سنده صحيح ] و قال أبو عثمان النهدي: كان سلمان رضي الله عنه يعلمنا التكبير يقول: " كبروا ؛ اللّٰه أكبر ، اللّٰه أكبر كبيرا أو قال تكبيرا، اللهم أنت أعلى و أجلّ" رواه عبد الرزاق كما في الفتح (٤٦٢/٢) و من طريقه البيهقي (٣١٥/٣) و سنده صحيح كما قال الحافظ في الفتح، و الله أعلم.
ما ينبغي للمسلم فعله في هذا اليوم:
👈الصيام: و هذا للحديث السابق ، قال عليه الصلاة والسلام:« وصيام عرفة أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله و السنة التي بعده » [ مسلم ٢٧٣٨و غيره] قال الترمذي رحمه الله:' و قد استحب أهل العلم صيام يوم عرفة إلا بعرفة.' إه [ تحفة الأحوذي ٣٤١/٣]، و قال النووي رحمه الله:' معناه يُكفِّر ذنوب صائمه في السنتين ، قالوا المراد بها الصغائر.' إه[شرح مسلم ١٢١/٨] ، قال الملا علي القاري في المرقاة: 'قال إمام الحرمين ( الجويني) المُكفَّر الصغائر، و قال القاضي عياض : و هو مذهب أهل السنة و الجماعة ، أما الكبائر فلا يُكفِّرها ألا التوبة أو رحمة الله.' [ تحفة الأحوذي ٣٧٧/٣] ، قال النووي:' فإن لم تكن صغائر يرجى التخفيف من الكبائر ، فإن لم تكن رفعت درجات.' إه قال المباركفوري فإن قيل كيف يكون أن يُكفِّر السنة التي بعده مع أنه ليس للرجل ذنب في تلك السنة قيل معناه أن يحفظه اللّٰه من الذنوب فيها ، و قيل أن يعطيه من الرحمة و الثواب قدرا يكون ككفارة السنة الماضية و السنة القابلة إذا جائت و اتفقت له الذنوب.' إه [تحفة الأحوذي ٣٧٧/٣] .
◀️ وقفة لابد منها: قال ابن القيم رحمه الله :' فتفاضل الأعمال عند الله تعالى بتفاضل ما في القلوب من الإيمان و الإخلاص و المحبة و توابعها، و هذا العمل الكامل هو الذي يُكفِّر السيئات تكفيرا كاملا و الناقص بحسبه .........و بهذا يزول الإشكال الذي يورده من نقص حظه من هذا الباب على الحديث الذي فيه أن الصوم يوم عرفة يُكفِّر سنتين و يوم عاشوراء يُكفِّر سنة قالوا: فإذا كان دأبه دائما أنه يصوم يوم عرفة فصامه وصام يوم عاشوراء ، فكيف يقع تكفير ثلاث سنين كل سنة؟ و أجاب بعضهم عن هذا بأن ما فَضُل عن التكفير ينال به الدرجات ، و ياللّٰه العجب! فليت العبد إذا أتى بهذه المُكفِّرات كلِّها أن تُكفَّر عنه سيئاته بإجتماع بعضها إلى بعض و التكفير بهذه مشروطٌ بشروط موقوف على إنتفاء موانع في العمل و خارجه..... أما عمل شملته الغفلة أو لأكثره و فقد الإخلاص الذي هو روحه و لم يوف حقَّه و لم يقدره حق قدره فأيُّ شيءٍ يُكفِّر هذا؟ فإن وثق العبد من عمله بأنه وفَّاه حقه الذي ينبغي له ظاهرا و باطنا و لم يعرض له مانع يمنع تكفيره و لا مبطل يحبطه من عُجبٍ أو رؤية نفسه فيه أو يَمنُّ به أو يطلب من العباد تعظيمه به أو يستشرف بقلبه لمن يعظمه عليه أو يعادي من لا يعظمه عليه و يرى أنه قد بخسه حقه و أنه قد استهان بحرمته فهذا أي شيء يُكفِّر ؟و مُحبطات الأعمال و مفسداتها أكثر من أن تحصر و ليس الشأن في العمل و لكن الشأن في حفظ العمل مما يفسده و يحبطه...' اه [ صحيح الوابل الصيب ص ٢٢-٢٣] فياليت قومنا يعلمون ، تجده يتعب نفسه و يرهقها بالصوم و يرجو من الله تكفير ذنوبه و هو متلبس بأعمال توبق دنياه و آخرته و تُذهب دينه من أصله من سب للّٰه سبحانه و لدينه و استهزاءٍ بشرع اللّٰه و استغاثة بغير اللّٰه من الأموات و نحوها من صور الكفر و الشرك الأكبر ، فأي شيءٍ يُكفِّر الصومُ أو غيرُه؟« ليس بأمانيكم و لا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به» ف« إنما يتقبل اللّٰهُ من المتقين»
قال القرطبي:' السنة التي قبله يعني السنة التي هو فيها، لأنه في أواخر السنة، و التي بعده يعني التي تأتي متصلة بشهر يوم عرفة.' إه[ المفهم بشرح صحيح مسلم ١٨٨/٣] .
أبو عبد الله عمرون