10/02/2026
ما حكم العمل في البنوك التقليدية التي تتعامل بالفائدة؟ وهل يحرم كل عمل فيها، أم يختلف الحكم باختلاف طبيعة الوظيفة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
هذه المسألة تحتاج إلى شيء من التفصيل؛ لأن من الخطأ أن نجعل جميع العاملين في البنك في حكم واحد، كما أن من الخطأ التساهل في الوظائف التي تقوم مباشرة على إنشاء المعاملة الربوية أو خدمتها.
أولًا: الأصل في فوائد البنوك
الفائدة المشروطة على القرض هي من الربا المحرم، وقد استقر على ذلك قرار المجامع الفقهية المعاصرة.
فقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره رقم 10 (2/10) سنة 1985م أن الزيادة أو الفائدة على القرض منذ بداية العقد ربا محرم شرعًا. (IIFA)
وعليه فالبنك التقليدي الذي يقوم جانب أصيل من نشاطه على الإقراض والاقتراض بالفائدة يمارس معاملات محرمة شرعًا، وإن كانت له إلى جانب ذلك أعمال وخدمات مباحة.
ثانيًا: النصوص التي ينبني عليها حكم الموظف
قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال:
«لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء».
وقد استنبط الإمام النووي من الحديث تحريم الإعانة على الباطل. (Aliftaa)
ومن هنا فالمسألة الأصولية ليست مجرد: هل المؤسسة تتعامل بالربا؟ وإنما يضاف إليها سؤال مهم:
هل العمل الذي يقوم به الموظف إعانة على المعاملة المحرمة نفسها، أم هو عمل مباح في ذاته بعيد عنها؟
وهنا وقع الخلاف بين أهل العلم المعاصرين.
ثالثًا: القول الأول: تحريم العمل في البنك الربوي مطلقًا
ذهب إلى هذا عدد من أهل العلم، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز، واللجنة الدائمة للإفتاء، ونُقل نظيره عن الشيخ ابن عثيمين في فتاواه.
وحجتهم أن البنك الربوي مؤسسة تتكامل أقسامها في تحقيق نشاطها، فالعمل فيها – ولو كان في قسم لا يكتب عقد الربا بنفسه – فيه إعانة للمؤسسة التي يقوم نشاط أساسي منها على الربا.
وقد نصت اللجنة الدائمة على عدم جواز العمل في البنك الربوي ولو كان العمل نفسه غير ربوي؛ لأن الموظف يوفر لبقية العاملين ما يعينهم على أعمال البنك. (Islam-QA)
كما أفتى الشيخ ابن باز بعدم جواز العمل في البنك الربوي، وحث العامل فيه على البحث عن عمل آخر. (Bin Baz)
ومأخذ هذا القول أصوليًا هو توسيع مفهوم الإعانة على المحرم ليشمل الأعمال التي تقوم بها المؤسسة الربوية وتنتفع بها، ولو لم يكن الموظف مباشرًا لعقد الربا.
رابعًا: القول الثاني: التفريق بين الإعانة المباشرة والعمل البعيد عن الربا
ذهب فريق من أهل العلم المعاصرين إلى التفصيل، فقالوا:
إذا كان العمل مباشرة للربا أو إعانة مباشرة عليه فهو حرام بلا إشكال، وأما إذا كان العمل مباحًا في ذاته ولا تعلق له مباشرة بالمعاملة الربوية، فلا يأخذ حكم الربا لمجرد أن صاحبه يعمل داخل مؤسسة فيها معاملات محرمة.
وقد أفتت دائرة الإفتاء الأردنية بهذا التفصيل، فنصت على أن العمل إذا كان بعيدًا عن مباشرة الفوائد الربوية ولا يتضمن إعانة مباشرة عليها فلا حرج فيه، وأما العمل المباشر للفوائد والإعانة عليها فلا يجوز. (Aliftaa)
وفي فتوى أخرى مثَّلت للعمل غير المباشر بـالحارس ومدير شؤون الموظفين، مع النصيحة بالبحث عن عمل أبعد عن الشبهة. (Aliftaa)
ومأخذ هذا القول أصوليًا أن:
التحريم يتعلق بالإعانة على المعصية، لا بمجرد كل عمل يقع في مكان توجد فيه المعصية.
فليس كل من أعان شخصًا يفعل الحلال والحرام يكون معينًا له على الحرام؛ وإنما ينظر إلى طبيعة العمل، وقصد الإعانة، ومدى اتصالها بالفعل المحرم.
خامسًا: التحقيق في مناط المسألة
والذي يظهر أن الوظائف في البنك الربوي يمكن تقسيمها إلى ثلاث درجات:
العمل المباشر في الربا
كمن يقوم بإنشاء القرض الربوي، أو كتابة عقده، أو حساب فائدته، أو اعتماده، أو تسويقه، أو تحصيل فوائده، أو تصميم المنتج الربوي.
فهذا محرم؛ لأنه داخل في مباشرة الربا أو الإعانة المباشرة عليه، ويقوى فيه دلالة حديث الكاتب والشاهد.
العمل الذي لا ينشئ العقد لكنه يخدم النشاط الربوي مباشرة
كالمحاسب المختص بحساب الفوائد، والمبرمج الذي يصمم نظامًا خاصًا بحساب الفوائد والقروض الربوية، والمستشار القانوني الذي يصوغ عقودها، والمسوق الذي يجلب العملاء لها.
وهذا أيضًا محرم؛ لأن العبرة بحقيقة العمل لا باسم الوظيفة، وهو من الإعانة المباشرة على المحرم.
العمل المنفصل عن المعاملة الربوية
كعامل النظافة أو الحارس أو بعض أعمال الصيانة أو بعض الوظائف الإدارية العامة التي لا تتصل بإنشاء الربا ولا توثيقه ولا تسويقه ولا حسابه.
فهذه هي منطقة الخلاف:
فمن العلماء من يحرمها سدًا لذريعة الإعانة على المؤسسة الربوية، ومنهم من يجيزها؛ لأن الإعانة فيها عامة وبعيدة، والعمل في ذاته مباح. سادسًا: قاعدة مهمة: لا بد من التفريق بين المباشرة والتسبب
من القواعد المقررة عند الفقهاء أن المباشرة أقوى من التسبب.
ولذلك ليس من الدقة أن نسوي بين من يكتب عقد القرض بفائدة، وبين من يصلح جهاز التكييف في مبنى البنك؛ فالأول عمله متعلق بذات المعاملة المحرمة، والثاني يقدم خدمة مباحة يمكن تقديمها لبنك أو مستشفى أو مدرسة أو متجر.
لكن يبقى الورع في حق المسلم أن يبتعد عن المؤسسات التي يغلب على نشاطها الحرام متى وجد البديل المناسب.
سابعًا: ماذا عن الحاجة والضرورة؟
الحاجة إلى الراتب وحدها لا تجعل الربا حلالًا، ولا يجوز التوسع في دعوى الضرورة.
لكن من كان قد ابتلي بالعمل في بنك ربوي، ولا يجد في الوقت الحاضر موردًا يكفي حاجاته الأساسية وحاجة من يعول، فلا يقال له: اترك عملك فورًا ولو ضاع هو وأولاده؛ وإنما ينظر في حاله تفصيلًا، ويبحث جادًا عن البديل، ويقتصر – عند الحاجة – على أخف الوظائف اتصالًا بالحرام حتى يجد المخرج.
وقد نص بعض أهل العلم في فتاواهم على اعتبار الضرورة الحقيقية في هذه المسألة. (Islam Web)
وهذا تطبيق للقواعد الشرعية:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
و**«الضرورات تبيح المحظورات»**، لكن بقدرها، ولا تتحول الضرورة إلى حكم دائم مع القدرة على الانتقال إلى الحلال.
الخلاصة والراجح
الذي أميل إليه هو التفصيل وعدم التسوية بين جميع وظائف البنك:
فكل وظيفة تتعلق مباشرة بالقرض الربوي إنشاءً أو كتابةً أو حسابًا أو اعتمادًا أو تسويقًا أو تحصيلًا أو خدمة تقنية مخصصة له، لا تجوز.
وأما الوظائف المباحة في أصلها والبعيدة حقيقة عن مباشرة الربا، ففيها خلاف معتبر بين أهل العلم؛ والأحوط تركها عند وجود البديل، لكن لا ينبغي الجزم بأن صاحبها داخل في لعن كاتب الربا وشاهديه من غير نظر إلى حقيقة عمله ومدى صلته بالمعاملة المحرمة.
فالضابط ليس اسم المؤسسة وحده، ولا اسم الوظيفة وحده، وإنما:
حقيقة العمل + درجة اتصاله بالمعاملة الربوية + مقدار الإعانة عليها.
ولهذا فإن الفتوى في موظف بعينه تحتاج إلى معرفة وصف وظيفته الفعلي، لا مجرد قولنا: «يعمل في بنك».
والله تعالى أعلم.