08/09/2026
العقر في العهد القديم
"إن يواكيم وحنة من عار العقر أطلقا، وآدم وحواء من فساد الموت أعتقا، بمولدك المقدس أيتها الطاهرة"
قنداق عيد ميلاد والدة الإله العذراء مريم
كان قد مضى على زواج يواكيم وحنة خمسون سنة وأصبحا طاعنين في السن ولم يرزقا بولد، فتملكهما الحزن لأن ذرية داود كانت قد أعطيت رجاء بميلاد ماسيا المخلص الموعود به لخلاص البشر.
كما كانا محط احتقار مواطنيهما، حسب عادة ذلك الزمان، لأن العاقرين في نظرهم هما خاطئين أمام الرب، وعارين على أمتهما.
حياتهما كانت طافحة بالمحبة لله والشفقة على القريب، فكانا يفرزان كل سنة ثلثي دخلهما ويقدمان الثلث إلى هيكل الرب، ويوزعان الآخر على الفقراء، وأما الثالث فيبقيانه لحاجاتهما.
كانا سعيدين في حياتهما هذه، إلا أن عار العقر كان يفعم قلبيهما طوال مدة حياتهما الزوجية الطويلة، وكان ليواكيم الحق بموجب الشريعة الفريسية أن يقاضي حنة بالطلاق بسبب عقرها، إلا أنه، وهو الرجل الصديق، قد أحب امرأته حنة واحترمها لأجل وداعتها الفائقة وفضائلها ولم يرد أن يفارقها، فعانيا كلاهما ثقل الامتحان باكتئاب قلب تنزه عن التذمر، واستمرا يعيشان في الصوم والصلاة والإحسان، ويشدد أحدهما الآخر بمحبة متبادلة، والأمل بأن الله قادر أن يرحم عباده.
كان يواكيم قد عانى من إهانات بسبب حاله، وأما حنة التي عرفت بما يعانيه زوجها فقد صلت بحرارة إلى الرب كي ينظر إليهما بعين الرأفة.
ظهر ملاك الرب أمام حنة وقال لها: "يا حنة، إن صلاتك قد سمعت، وتنهداتك قد اخترقت السحاب، ودموعك قد بلغت عرش الرب، فأنت ستحملين وتلدين بنتاً فائقة البركات، لأجلها تتبارك قبائل الأرض كلها، وبها يمنح الخلاص للعالم أجمع، وتسمى مريم".
سجدت حنة للرب، وهتفت وهي ممتلئة فرحاً تقوياً: "لعمر الرب الإله، إنني إذا رزقت ابنة نذرتها لخدمة الرب، فلتخدمنه ليلاً ونهاراً مادحة اسمه القدوس".
وأمر الملاك حنة بأن تذهب إلى أورشليم بعد أن تنبأ لها بأنها ستلتقي بزوجها عند الباب الذهبي. فأسرعت وهي تلفظ هذا النذر إلى أورشليم لتحمد العلي وتشكره في الهيكل على رحمته الإلهية.
وفي الوقت ذاته ظهر الملاك ليواكيم الصديق وهو واقف في البرية يصلي وقال له: "يا يواكيم، إن الله قد سمع صلاتك، فستحمل امرأتك حنة وتلد لك ابنة يحبو ميلادها العالم كله بالسرور، وهاك آية فاذهب إلى الهيكل في أورشليم فتلاقي عند الباب الذهبي زوجتك حنة التي بشرتها أنا بهذا".
فما كان مفهوم العقر في العهد القديم؟
في ثقافة العهد القديم لم يكن ينظر إلى العقر أو العقم كمجرد حالة طبية، بل كان يعتبر علامة على غياب البركة الإلهية، وفي بعض الأحيان وصمة عار اجتماعي أو عقوبة.
كانت الخصوبة والإنجاب يمثلان قمة البركة الإلهية تماشياً مع الوصية الأولى للبشرية: "اثْمُرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ".
وهنا نوضح الأبعاد اللاهوتية والاجتماعية للعقر في العهد القديم:
العقر كـ "عار" و"لعنة" اجتماعية:
في المجتمع العبري القديم، كان استمرار اسم العائلة والحفاظ على الميراث هما المحرك الأساسي للحياة. لذلك، كان ينظر إلى المرأة العاقر على أنها محرومة من النعمة، كان يظن أن الله "أغلق رحمها" لسبب ما.
حاملة للعار: عبرت العديد من النساء عن العقر بلفظ "العار"؛ فعندما أنجبت راحيل يوسف بعد سنوات من العقم قالت: "قَدْ نَزَعَ اللهُ عارِي" (تكوين 30: 23). خارجة عن الوعد المسياني: كان لدى كل امرأة عبرية أمل بأن يأتي من نسلها "نسل المرأة" الموعود به (المسيح)، وكان العقر يقطع هذا الأمل.
العقر كعقوبة في الشريعة:
في العهود التي قطعها الله مع إسرائيل كان الإنجاب مكافأة على الطاعة، بينما كان العقم يدرج أحياناً ضمن اللعنات الناتجة عن العصيان وكسر الوصايا:
وعد البركة: "لاَ تَكُونُ عَاقِرٌ وَلاَ عَقِيمٌ فِي أَرْضِكَ" (خروج 23: 26).
لعنة العصيان: في (سفر التثنية 28)، يذكر عقاب كسر العهد وتأتي فيه لعنة الرحم: "مَلْعُونَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ".
عقوبة خطايا محددة: في سفر اللاويين، فرض العقم كعقوبة إلهية مباشرة لبعض العلاقات المحرمة (مثل الزواج من امرأة الأخ أو الخالة): "يَمُوتَانِ عَقِيمَيْنِ" (لاويين 20: 21).3.
التحول اللاهوتي: العقر كمقدمة للمعجزة
رغم النظرة السلبية للعقر، إلا أن العهد القديم استخدمه كـ أداة لإظهار القوة الإلهية الإعجازية. معظم الشخصيات المحورية في تاريخ الخلاص ولدت من أمهات عواقر بعد تدخل إلهي مباشر لبيان أن النسل هبة من الله وليس نتاجاً للقدرة البشرية:
سارة (زوجة إبراهيم) ولدت إسحاق وهي في سن التسعين لتبدأ منه أمة العهد.
رفقة (زوجة إسحاق) ولدت يعقوب وعيسو حيث استجاب الله لصلاة إسحاق بعد 20 عاماً من العقم.
راحيل (زوجة يعقوب) ولدت يوسف وبنيامين فُتح رحمها ليصبح يوسف مخلصاً لعائلته من المجاعة.
الرمزية النبوية (العاقر المبتهجة)
في أسفار الأنبياء، تحول العقر من حالة جسدية إلى رمز روحي. استخدم النبي إشعياء صورة "المرأة العاقر" للإشارة إلى أورشليم (أو شعب الله) في فترة السبي والخراب، ثم كيف سيحول الله عقرها إلى خصوبة وفرح: "تَرَنَّمِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ... لأَنَّ بَنِي الْمُسْتَوْحِشَةِ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي ذَاتِ الْبَعْلِ، قَالَ الرَّبُّ" (إشعياء 54: 1).