الكتاب والحكمة

الكتاب والحكمة الكتاب والحكمة الصفحة الرسمية لوقف السليمانية/مركز أبحاث الدين والفطرة في اسطنبول.

التفريق بين الكتاب والسنة، واعتبار السنة مصدرا تشريعيا مستقلا عن القرآن الكريم أدى لظهور أحكام تتعارض صراحة مع نصوص القرآن الكريم. كما أن تجاهل الربط بين القرآن والفطرة أدى إلى إغفال العلاقة بين آيات الله المنزلة وتلك المخلوقة. وقد رأينا في وقف السليمانية إجراء البحوث الفقهية اعتمادا على القران الكريم وما يوافقه من السنة؛ حيث نرى أن السنة تابعة للقرآن لا قاضية عليه. يتشارك الباحثون في المركز للوصو

ل إلى حكم الكتاب المؤيد بالسنة، وهم لا يألون جهدا في إظهار ما يرونه موافقا للكتاب.
مركز بحوث الدين والفطرة يعتمد النظر في آيات الله المسطورة في الكتاب العزيز وآيات الله المنثورة في آفاق هذا الكون الممتد، ليصل إلى النتائج الرائعة في ذلك الربط العجيب الذي ميز الإسلام عن غيره من الأديان المحرفة والنظريات المادية المجردة. وقد استلهمنا هذا الربط من خلال استقراء الآيات الكثيرة في الكتاب العزيز والتي تدعو المسلم إلى ملاحظة آيات الله في الكون. يقول الله تعالى { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم، 30)
ولهذا كثرت الإشارة في القرآن إلى الفطرة , وأحكام القرآن الكريم كلها تراعي عناصر النظام الذي يحكم حركة الإنسان، وتتحسس كل ما يصلحه في الدنيا والآخرة وصدق الله إذ يقول:{ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك، 14)
إنّ المشكلات الهامّة التي نواجهها في عصرنا هذا, تتمركز حول علاقة الدين بالعلم ومعلوم أنّ أساس العلم هو الفطرة، وفي حال الربط المباشر بين الدين والفطرة، فإنّ العلم سيقدم خدمة جليلة للإنسانية.
ونرجو أن تكون أعمال مركزنا قد نجحت في إنجاز تلك الخدمة.
المواقع التي ينشر منها وقف السليمانية أعماله:
www.hablullah.com
www.suleymaniyevakfi.org
www.kurandersi.com
www.musulmanlar.com
www.koranika.com
www.muselmanlar.com
www.islamundkoran.com
www.islamandquran.com
www.fetva.net
www.kuranformu.com


20/05/2026

من مركزية القرآن إلى هيمنة الرواية

د. وائل كريم

قراءة نقدية في تحولات الوعي الإسلامي بين القيم المؤسِّسة وإغراق التفاصيل

مقدمة

حين نزل القرآن الكريم، لم ينزل بوصفه كتاب طقوس مغلقة، ولا موسوعة تفصيلية لإدارة الجزئيات اليومية، بل نزل مشروعًا لتحرير الإنسان من التبعية العمياء، وبناء وعي قائم على التدبر، والعقل، والمسؤولية الأخلاقية.

لقد كانت الرسالة القرآنية في جوهرها ثورةً على أنماط التفكير الجامد، وعلى تحويل الدين إلى ميراث اجتماعي يُتبع دون فهم.

فالقرآن لم يكتفِ بالدعوة إلى الإيمان، بل جعل من التفكير شرطًا للإيمان الحقيقي، ومن مراجعة الموروث مدخلًا للتحرر الوجودي. ولذلك تكررت فيه آيات مثل:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
﴿أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ﴾

غير أن المتأمل في مسار الحضارة الإسلامية يلاحظ تحوّلًا تدريجيًا من مركزية القرآن بوصفه مرجعية قيمية وتشخيصية، إلى هيمنة الرواية والسرديات التفصيلية، حتى غرق العقل الإسلامي في كمٍّ هائل من القصص والأحاديث والخلافات الجزئية، بينما تراجعت القيم القرآنية الكبرى في الواقع العملي.
ومن هنا يبرز السؤال الإشكالي:
كيف انتقل الوعي الإسلامي من مشروع قرآني تحرري إلى بنية مذهبية يغلب عليها التلقين والتفاصيل والطقوس؟
وهل كان هذا التحول نتيجة تطور طبيعي للمجتمع الإسلامي، أم نتيجة عمليات اختراق ثقافي وسياسي ومعرفي شاركت فيها عوامل داخلية وخارجية؟

أولًا: القرآن كمشروع لتحرير الوعي

إن القراءة المتأنية للقرآن الكريم تكشف أن معركته الأساسية لم تكن مع “الوثنية الحجرية” فقط، بل مع آلية التقليد الأعمى ذاتها.
فالقرآن انتقد الذين يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم دون تدبر:
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾
وبذلك أسّس لمفهوم الإيمان القائم على الاقتناع لا الوراثة، وعلى البحث لا التسليم الاجتماعي.
ولهذا كانت “الحنيفية” في جوهرها خروجًا من أسر الموروث نحو حرية الوعي.
فالإنسان القرآني ليس تابعًا للجماعة، بل مسؤولًا عن قراره المعرفي والأخلاقي:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
ومن هنا فإن مركزية القرآن لا تعني مجرد تلاوته، بل جعله المرجعية العليا في بناء القيم والوعي والسلوك.

ثانيًا: التحول من النص المؤسس إلى الرواية المؤسِّسة

بعد وفاة النبي ﷺ، دخل العالم الإسلامي مرحلة توسع سياسي واجتماعي هائل، فاختلطت الثقافات، ودخلت أمم متعددة بخلفياتها الفكرية والدينية والأسطورية.
وفي هذا السياق نشأت حاجة متزايدة إلى:
* تفسير النصوص،
* تنظيم السلطة،
* تبرير الصراعات السياسية،
* إنتاج شرعية دينية للأنظمة،
* والإجابة عن الأسئلة الجديدة.
وهنا بدأت الرواية تتحول تدريجيًا من أداة شرح إلى سلطة موازية للنص المؤسس.
فبدل أن يبقى القرآن هو المركز، أصبحت آلاف الروايات تحيط بالعقل المسلم من كل جانب، حتى بات الوصول إلى النص القرآني يمر أحيانًا عبر طبقات كثيفة من التفسير والموروث والمذهبية.
ومع مرور الزمن، انتقل الدين من:
* “افهم ثم آمن”،
إلى:
* “سلّم ثم لا تسأل”.

ثالثًا: الإسرائيليات وإغراق الوعي بالتفاصيل
من أبرز الظواهر التي أثّرت في الوعي الإسلامي ما عُرف بالإسرائيليات، وهي الروايات المنقولة عن بعض من أسلموا من أهل الكتاب، أو التي تسربت من التراث اليهودي والمسيحي إلى كتب التفسير والسرد الديني.
ولا يعني هذا أن كل ما نُقل كان مؤامرة منظّمة، بل إن جزءًا كبيرًا منه جاء نتيجة:
* الانبهار بالقصص،
* الحاجة إلى التفاصيل،
* الفراغ المعرفي،
* والرغبة الشعبية في تحويل المجمل القرآني إلى مشاهد سردية مفصلة.
فالقرآن حين يذكر قصة موسى أو نوح أو أصحاب الكهف، يركّز على البعد القيمي والوجودي، بينما اتجه العقل الروائي لاحقًا إلى أسئلة مثل:
* ما لون كلب أصحاب الكهف؟
* كم كان طول سفينة نوح؟
* كيف كان شكل الجنة والنار بالتفصيل الحسي؟
* ماذا قال فلان لفلان؟
وهكذا تحوّل الدين تدريجيًا من مشروع وعي إلى مشروع سرديات.
وهنا تتجلى خطورة “إغراق الوعي بالتفاصيل”، لأن كثرة التفاصيل تستهلك طاقة العقل في الجزئيات، وتمنعه من إدراك المقاصد الكبرى.
رابعًا: السلطة السياسية وتكريس الوعي النقلي
لا يمكن فهم تضخم الروايات دون فهم دور السلطة السياسية في ذلك.
فالحاكم يحتاج دائمًا إلى:
* إنتاج طاعة،
* تقليل مساحة السؤال،
* وتحويل الدين إلى منظومة استقرار اجتماعي.
ومن هنا ازدهرت روايات:
* السمع والطاعة المطلقة،
* تحريم الخروج،
* تقديس السلف،
* وتحويل الاختلاف إلى تهديد ديني.
ومع الوقت، أصبح التفكير الحر خطرًا، بينما تحوّل النقل إلى فضيلة بحد ذاته.
فكلما تراجع العقل النقدي، أصبح المجتمع أكثر قابلية للقيادة الأيديولوجية.

خامسًا: الطقوس بدل القيم
أخطر نتائج هذا التحول كانت انتقال مركز التدين من القيم إلى الطقوس.
فالقرآن ركّز على:
* العدل،
* الأمانة،
* تحرير الإنسان،
* إطعام الفقير،
* رفض الظلم،
* تحريم أكل أموال الناس بالباطل،
* والصدق في التعامل.
لكن جزءًا كبيرًا من الخطاب الديني انشغل لاحقًا بـ:
* شكل اللباس،
* عدد الحركات،
* التفاصيل الشكلية،
* مسائل الاختلاف الفقهي الجزئي،
* والهوية المذهبية.
حتى أصبح الإنسان قد يؤدي الطقوس بدقة، لكنه يمارس الظلم والفساد والكراهية دون شعور بالتناقض.
وهنا انفصل الدين عن مقصده القرآني الأصلي.

سادسًا: هل المشكلة في اليهود أم في قابلية العقل للاستلاب؟
إن اختزال أزمة الوعي الإسلامي في “اليهود” وحدهم يُنتج قراءة تبسيطية للتاريخ، ويُعفي الذات من مسؤوليتها.
فالقرآن نفسه يرفض التعميم:
﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾
كما أن كل حضارة تحمل داخلها قابلية للجمود حين تتحول المعرفة إلى سلطة مغلقة.
لذلك فإن الأزمة الحقيقية ليست وجود “آخر” يحاول التأثير، بل استعداد العقل للتخلي عن مسؤوليته النقدية.
فالاستلاب يبدأ عندما:
* يخاف الإنسان من السؤال،
* يقدّس الموروث،
* ويستبدل التدبر بالتلقين.

سابعًا: العودة إلى القرآن بوصفه مشروع وعي
إن استعادة مركزية القرآن لا تعني إلغاء التراث أو إعلان الحرب على التاريخ، بل تعني إعادة ترتيب العلاقة معه.
فالقرآن يجب أن يبقى:
* المرجعية العليا،
* والمعيار القيمي،
* والميزان الذي تُعرض عليه الروايات والأفكار.
كما أن التدبر لا يعني الفوضى الفكرية، بل تفعيل العقل ضمن القيم القرآنية الكبرى.
فالقرآن يريد إنسانًا:
* يفكر،
* يبحث،
* يراجع،
* يصحح مساره،
* ويتحمل مسؤولية وعيه.
ولهذا فإن النهضة الإسلامية الحقيقية لن تبدأ بتكثير الطقوس، بل بإعادة بناء الإنسان القادر على التفكير الحر ضمن أخلاق الوحي.
خاتمة
إن التحول من مركزية القرآن إلى هيمنة الرواية لم يكن حدثًا بسيطًا، بل مسارًا تاريخيًا طويلًا تشابكت فيه السياسة بالموروث بالسلطة بالثقافة الشعبية.
وقد أدى هذا التحول إلى إغراق العقل الإسلامي في بحر من التفاصيل والسرديات، حتى تراجعت القيم القرآنية الكبرى لصالح الطقوس والانقسامات والهويات المغلقة.
لكن القرآن ما زال حاضرًا بوصفه مشروعًا مفتوحًا لتحرير الإنسان من الخوف والتبعية والجمود.
فالعودة إلى القرآن ليست عودة إلى الماضي، بل عودة إلى الوعي.

26/04/2026

هل وصلنا القرآن ككتاب PDF أم عن طريق الرواية؟

هذا السؤال المتكرر ولكن بصيغة حديثة؛ يكشف خللًا عميقًا في تصورنا لطبيعة القرآن الكريم ومصدر تلقيه. وقد سبق أن قررتُ في أكثر من موضع أن القرآن ليس “مادة روائية” تُتداول بالأسانيد كما تُتداول الأخبار، بل هو كتاب إلهي متعالٍ على منطق الرواية، محفوظ بنصه، مجموع بأمر ربه، قائم بذاته لا يفتقر إلى وسائط الظن والاجتهاد.

فالصحابة لم “يرووا” القرآن بالمعنى الاصطلاحي الذي نعرفه في علم الحديث، وإنما تلقّوه كتابًا يُكتب بين يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويُراجع بإشراف الوحي، ويُحفظ في الصدور والسطور معًا، حتى استقر في صورته الكلية التي بين أيدينا اليوم.

وأي دعوى تجعل القرآن في مرتبة الرواية، تخالف حقيقتين واضحتين:

الأولى: الواقع المشاهد
فالقرآن كتاب واحد، متطابق في جميع أنحاء العالم، لا اختلاف في نصه، ولا تعدد في نسخه، ولا اضطراب في بنيته. وهذه خاصية لا يمكن أن تتحقق في نص خاضع للرواية البشرية، التي تقوم بطبيعتها على التعدد والاختلاف والاحتمال.

الثانية: النص القرآني نفسه
إذ يصرح الله تعالى بحفظه وجمعه وقراءته:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)﴾

فهذه الآيات لا تتحدث عن “نقل روائي”، بل عن فعل إلهي مباشر: جمع، وقراءة، وحفظ. وهذا يخرج القرآن من دائرة الظن إلى دائرة القطع.

ومع ذلك، لو سلّمنا جدلًا بأن القرآن نُقل بالطريقة نفسها التي نُقلت بها الروايات، فإن هذا الافتراض ينهار أمام جملة من الأسئلة الجوهرية:

أولًا: أين دور كبار رواة الحديث من الصحابة في نقل القرآن؟
فلو كان القرآن مرويًا، لبرزت أسماء مثل أبي هريرة وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك في أسانيده، كما برزت في الحديث. لكننا لا نجد للقرآن أسانيد تدور على هؤلاء، ولا يُعرف القرآن من خلالهم أصلاً.

ثانيًا: لماذا لم تُنقل الأحاديث بنفس درجة الإحكام التي نُقل بها القرآن؟
إذا كان الناقلون واحدًا، فلماذا هذا التفاوت الهائل بين نص محفوظ لا اختلاف فيه، ونصوص يغلب عليها الاضطراب والاختلاف؟

ثالثًا: لماذا لم يُخضع المحدّثون القرآن لقواعدهم؟
لو كان القرآن نصًا روائيًا، لوجب أن تُبحث أسانيده، وتُدرس علله، ويُنظر في رجاله، كما فعلوا في الحديث. لكن هذا لم يقع، لأنهم يدركون – عمليًا – أن القرآن ليس من هذا الباب.

رابعًا: أين أسانيد الآيات والسور؟
إذا كان “السند من الدين”، فأين أسانيد الفاتحة والبقرة وآل عمران؟ ولماذا لم يُنقل القرآن بصيغة: حدثنا فلان عن فلان؟

خامساً: لماذا جاءت بعض الروايات في الصحاح، بدل أن تمدح القرآن بوصفه نصًا محفوظًا، أساءت إليه من حيث دعوى النقص أو الاضطراب، وكان مآلها الرفض والاستنكار عند عامة الأمة، وعلى رأسهم من يدعون رواية القرآن؟

وأخيرًا، كيف نفهم هذه الآيات في عصر النبوة، والقرآن يقرر هذه الحقيقة:
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: 77–78]
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21–22]
فهذه النصوص تؤسس لمفهوم “الكتاب” المحفوظ، لا “النص المروي” المتناقل.
إن الخلل الحقيقي لا يكمن في السؤال ذاته، بل في القياس الفاسد الذي يجعل القرآن كالرواية، ويخضعه لنفس المنطق. فالقرآن ليس خبرًا يُنقل، بل وحيٌ يُتلى، وكتابٌ قائم بذاته، ومعجزة محفوظة بحفظ الله، لا بحفظ الرواة.

فالله يقرر أن القرآن محفوظ في كتاب ولوح، بينما وصل بنا الانحراف المرجعي إلى إبطال دلالة هذه الآيات، لننتصر لرواية تُقارع النص القرآني وتزاحمه في مصدرية الهداية.

ورحم الله العلواني عندما أشار إلى أن بعض أهل الحديث عندما أرادوا أن يرفعوا من شأن الرواية ويعززوا من منهاجها؛ أكدوا أن القرآن مروي.

أسأل الله العظيم أن يعيد لهذه الأمة أمر رشدها في الغيرة على كتاب ربها والعودة إليه.

د. عمار الحريري

24/01/2026

التمسك بالكتاب هو سبيل المصلحين

جاء في سورة الأعراف قوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: 170].

تدبّرت هذه الآية وكأنها تنزل اليوم، في ظل ما تعيشه الأمة من تراجع عن مركزية كتاب الله تعالى، لا من حيث التلاوة، بل من حيث المرجعية والاحتكام. والعجيب في هذه الآية أنها ربطت التمسك بالكتاب بالإصلاح ربطًا حصريًا؛ فلم تقل: أجر المؤمنين، ولا أجر العاملين، بل خصّت المصلحين دون غيرهم.
وفي مواضع أخرى، يقرر القرآن قاعدة عامة في الجزاء، كقوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]،

لكن حين يتعلّق الأمر بالإصلاح – وهو فعل يتجاوز الفرد إلى المجتمع – فإن القرآن يشترط التمسّك بالكتاب شرطًا أوليًا لا بديل عنه.

ولزيادة المعنى زاد المبنى، فجاء التعبير مشدّدًا في قوله: ﴿يُمَسِّكُونَ﴾، لا مجرد “يمسكون”، في إشارة إلى تمسّك واعٍ، دائم، مقاوم للتفريط والضغوط، لا تمسّكًا شكليًا ولا انتقائيًا. فالكتاب هنا ليس مصدر إلهام عام، بل ميزان حكم، ومعيار تصحيح، وأداة إصلاح.

ثم قرن الله ذلك بإقامة الصلاة؛ لأن المصلح لا يستغني عن تزكية نفسه، ولا عن الصلة بالله تعالى، ولا عن الاستعانة بالصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتحفظ على المصلح بوصلته الأخلاقية وسط الفتن والصراعات.
إن التمسك بكتاب الله تعالى ليس خطابًا وعظيًا، ولا شعارًا يُرفع عند الأزمات، بل هو منهج إصلاحي متكامل، يبدأ بإعادة الاعتبار للقرآن مرجعًا أعلى، وينتهي بإصلاح الإنسان والمجتمع على هديه. ومن هنا كان الإصلاح الحقيقي – في منطق القرآن – لا يقوم على الأشخاص، ولا على الرموز، ولا على كثرة الشعارات، وإنما يقوم على الكتاب الذي لا يضل من تمسك به ولا يخيب من احتكم إليه.

29/10/2025

الترغيب والترهيب المكذوب

كم واعظ اليوم وسعته آيات الترغيب والترهيب في كتاب الله تعالى؟

لقد تجاوز الأمر حدود الكرامية في عصورها، فمنذ أن طغت الرواية على النص القرآني، واستُغني عن هديه وموعظته، صارت صناعة الروايات بابًا يُتقرَّب به إلى الله زعماً، حتى خُيِّل إلى بعضهم أن إكمال الدين لا يتم إلا بها.

وحين أُقصي القرآن جانبًا، وهُجر التذكير بآياته البينات، غاب عن الناس قوله تعالى:
«فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد»،
وقوله جلّ شأنه:
«لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله»،
وقوله سبحانه:
«هذا بيان للناس وهدًى وموعظة للمتقين».
وقوله سبحانه:
{ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}
وهذه الآيات فقط مكانتها ومناسبتها كلحن وإعلان حزن في مناسبات الموت.
ومع هذا الغياب، صُنعت البدائل — روايات وُضعت على لسان النبي عليه الصلاة والسلام — بزعم الترغيب والترهيب،
وتسامح المحدثون في روايتها لأنها من "الرقائق" لا من "الأحكام"، فكانت تلك الثغرة الكبرى التي نُفذ منها إلى تشويه وعي الأمة، وصرفها عن موعظة القرآن ومصدرها الأصيل.

ثم توالت القرون، فإذا بتلك الروايات تتحول إلى دين متوارث، يتخذها الوعاظ والخطباء زادًا لمواعظهم، دون تمحيص ولا تدقيق، حتى غدت بديلًا عن موعظة الله الكبرى في كتابه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ويعقب النووي رحمه الله تعالى على صنيع الوضاع الذين استبعد مسلم الرواية عنهم في صحيحه ومنهم محمد بن سعيد المصلوب الدمشقي الذي سبق نشر مقولته: "إذا كان كلام حسن لم أرَ بأسا أن أجعل له اسنادا".
قال النووي:
"وأما الحديث الموضوع فهو المختلق المصنوع، وربما أخذ الواضع كلاما لغيره فوضعه وجعله حديثا وربما وضع كلاما من عند نفسه.
وكثير من الموضوعات أو أكثرها يشهد بوضعها ركاكة لفظها.
واعلم أن تعمد وضع الحديث حرام بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع
وشذت الكرامية الفرقة المبتدعة فجوزت وضعه فى الترغيب والترهيب والزهد.
وقد سلك مسلكهم بعض الجهلة المتسمين بسمة الزهاد ترغيبا فى الخير فى زعمهم الباطل وهذه غباوة ظاهرة وجهالة متناهية ويكفى فى الرد عليهم قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".

د. عمار الحريري

إن وجود الأفكار الغريبة أو الوساوس لا يعني ضياع الإيمان، ولا يعني أنها رغبة حقيقية ، بل فكرة عابرة أو وسوسة. وما يدخل ال...
29/09/2025

إن وجود الأفكار الغريبة أو الوساوس لا يعني ضياع الإيمان، ولا يعني أنها رغبة حقيقية ، بل فكرة عابرة أو وسوسة. وما يدخل القلب من أفكار لم يطمئن بها الشخص أو يُؤثّر بها على أفعاله فإنه لا يُحاسَب عليها كما لو عمل بها.
إن إدراك الشخص أن هذه أفكار مزعجة — وأن عقله الواعي يقول إنها وسوسة — علامة على سلامة الإيمان وليست دليل على فقدانه.

السؤال: آخر عامٍ تطوّرت علاقتي بربي كثيرًا؛ أصبحت علاقتي أكثر روحانيةً، وأشعر بحضور الله في كل لحظات حياتي. أصبحت أتحمّس للصلاة، وأقبل إلى رّبي بشوق، وأحسُّ قلبي مم....

27/08/2025

التوراة والإنجيل يطلبان من المؤمنين بهما الامتثال للقرآن:

كل الأنبياء، ما عدا النبي الأخير محمد (صلى الله عليه وسلم)، كان عليهم أن يؤمنوا بالنبي الذي سيُرسَل بعدهم ويؤيدوه. وبذلك يتم استكمال سلسلة الوحي من خلال جهود الرسل والمؤمنين بهم بسهولة:

﴿إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي، قَالُوا أَقْرَرْنَا، قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران 3/81)

يُحذّر الله تعالى بني إسرائيل بأنه يجب عليهم الإيمان والالتزام بالكتب الإلهية التي تصدق كتابهم. وإلا فلن يفي الله تعالى بوعده بجعلهم ورثة للمكان الذي وعدهم إياه في التوراة:

﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ. وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ، وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً، وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (البقرة 2/ 40-41)

عندما بعث الله تعالى النبيَّ الأخير تم تخفيف العبء الثقيل (الإصر) عن أتباعه إلى الأبد المتمثل بوجوب الإيمان بالنبي التالي، بالإضافة إلى أن القرآن يتضمن تخفيفًا في العديد من القضايا التشريعية والحياتية اليومية للمؤمنين، يقول الله تعالى:

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ، فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف 7/ 157)

القرآن يفي بالوعود التي وعدها الله تعالى في التوراة والإنجيل:

أولئك الذين حُظوا بالكتب الإلهية قبل القرآن لديهم إشارات واضحة فيها إلى صفات الكتاب القادم والنبي الذي سيأتي به وأفعاله. لذا كان بإمكانهم _بسهولة_ التعرف على الكتاب النهائي (القرآن) الذي يؤكد الكتب التي بين أيديهم:

﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا، إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا. وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء 17/ 107-109)

على سبيل المثال، الإنجيل يحتوي على قسم يظهر أن اتجاه الصلاة (القبلة) سيتغير من القدس إلى اتجاه آخر:

قالت امرأة للمسيح عليه السلام: «يا سيد، أرى أنك نبي! آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه». قال لها يسوع: «يا امرأة، صدقيني أنه تأتي ساعة، لا في هذا الجبل، ولا في أورشليم تسجدون للآب» (يوحنا 4: 19-21)

هذا التغيير المهم قد حدث فعلا من خلال وحي القرآن. فقد فرق الله تعالى من خلال تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة بين الذين آمنوا بنبيه الخاتم ودعموه وبين الذين كذبوه وأنكروا الوحي الذي جاء به:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ. قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة 2/ 143-144)

*من مقالة (الحلقة النهائية لسلسلة الوحي الإلهي)

20/05/2025

نقد متن الحديث أولوية

لم يكن ابن خلدون مبتدعًا حين اشترط في قبول الحديث أن يُعرض متنه أولًا على طبائع العمران، قبل النظر في سنده. فإن وافق المتن طبائع العمران، قُبل؛ وإلا رُدّ. وقد انتقد المؤرخين والمفسرين وأئمة النقل لمجرد اعتمادهم على مجرد النقل أو السند، دون سبرها وعرضها على الأصول والعمران.
يقول في *المقدمة :

"وكثيرا ما وقع للمؤرّخين والمفسّرين وأئمّة النّقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرّد النّقل غثّا أو سمينا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النّظر والبصيرة في الأخبار فضلّوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ...".

لكن الحقيقة أن أمنا عائشة رضي الله عنها سبقت الجميع في هذا المنهج، إذ ردّت عددًا من المتون لمخالفتها لظاهر القرآن أو لبطلانها من جهة المعنى، كما في ردها لحديث: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه"*، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وكذلك ردّت حديث سماع أهل القليب نداء النبي عليه الصلاة والسلام، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ وردّت حديث قطع المرأة للصلاة أيضاً.

وجاء ليؤكد هذا المنهج عظماء أئمة الفقه، كأبي حنيفة ومالك والشافعي ولو قليلا.

بل استدل الشافعي بصنيع عائشة رضي الله عنها في رد حديث *قطع الصلاة*،

ومثل ذلك تجده في وقفات عند الإمام البخاري ، إذ استشهد بمواقف عائشة رضي الله عنها في رد عدد من الأحاديث، كحديث *الميت يعذب ببكاء أهله عليه*، وحديث *قطع المرأة للصلاة*. بل ردّ بعض الأحاديث لكونها مخالفة للقرآن، كحديث *رضاع الكبير*.

ومن النماذج البارزة في هذا السياق ما ذكره ابن الجوزي في مقدمة كتابه *الموضوعات*، حيث أصّل لقاعدة مهمة مفادها: أن المتن إذا تضمّن محالًا عقليًا أو شرعيًا، وجب رده، ولو رواه جمع عن جمع من الثقات. فإن أخبر الثقات بما يستحيل، فكلامهم مردود، ولا يُقبل.

وهذا الشاطبي، وبعد مسيرة علمية طويلة يبحث عن الموافقات ومقاصد الشريعة، ليقرر مبدأً راسخًا: أن هذه الشريعة تجري على نسق واحد، وأن ما شذّ عن هذا النسق يُردّ. وما السنة النبوية إلا تحت هيمنة كتابه الله تعالى وسلطته، لذلك حزم بأنه لا عبادة كالصلاة أو الصيام أو الحج تُفعل نيابة عن الميت والحي، لأنها تخالف مقاصد الشريعة ونصوصها القطعية، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)، وقوله: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾.

فالحج عن الغير يخالف القطعي من كتاب الله تعالى، فضلًا عن أن رواياته مرسلة ومضطربة. بل أشار الشاطبي إلى أن البخاري ومسلما ذكرا أحاديث الحج عن الغير ليُبيّنا علتها، لا لتصحيحها.

إن ما نحتاج إليه اليوم ليس التقليد ولا التعصب أو الطعن وسوء الظن، ولا مجرد التمسك بظاهر الروايات على حساب قطعي كتاب الله تعالى ومقاصد هذا الدين الحنيف، وإنما نحتاج إلى تأصيل علمي راسخ، وتكوين معرفي متين، يجمع بين طبائع العمران والرواية، وبين أصول الشريعة ومقاصدها وأخبار الآحاد، وبين نقد المتن قبل نقد السند.

وذلك كي لا نقع في خطأ اعتماد روايات باطلة المتن لمجرد صحة ظاهر السند، فنُلصق بالنبي عليه الصلاة والسلام ما لا يليق، مما يفتح الباب للطعن في السنّة، والطعن في هذا الدين.

ويجدر التذكير هنا بما ذكره الحاكم في كتابه *المعرفة*، من أن بعض الأحاديث تبدو صحيحة من حيث السند، لكنها معلولة. ومن ذلك حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: *كان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا رأى المطر قال: "اللهم صيّبًا هنيئًا"*.

قال الحاكم:
"وهذا حديث تداوله الثقات هكذا، وهو في الأصل معلول واهٍ، ففي هذه الأحاديث الثلاثة قياس على ثلاث مئة أو ثلاثة آلاف أو أكثر من ذلك".

ثم قال: "إن الصحيح لا يُعرف بروايته فقط، وإنما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة، ليظهر ما يخفى من علة الحديث. فإذا وجدت مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم، لزم صاحب الحديث التنقير عن علتها، ومذاكرة أهل المعرفة بها لتظهر علتها".

ولا شك أن استثناء البخاري ومسلم من تعليل متون الأحاديث فيه نظر وخلل، لأن فيهما أحاديث كثيرة معلولة متنا، وإن أجابوا عنها بأجوبة باردة لا تسلم من الضعف، كتعللهم بأنها "غير مؤثرة"، أو "تصحّح على الوجهين"، أو أنها "علل مبنية على قواعد ضعيفة"، أو من باب تعدد القصة....

ومن ذلك أيضا لا يستقيم تحصين الصحيحين من النقد، بدعوى تلقي الأمة لهما بالقبول وبالتالي حكموا على أحاديثهما بالقطع، لأنها دعوى وهمية غير صحيحة وغير ثابتة، وما زالت الأمة تنقد أحاديثهما منذ عصر البخاري وليومنا هذا.

د.عمار الحريري

16/12/2024

خلق الله تعالى الانسان بطبيعة ميالة للاجتماع، وقد قيل: سُمي الإنسان بهذا الاسم لأنسه بأبناء جنسه، قال تعالى {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} (العلق، 2) والعلق: كل شيءٍ يُعلقُ به أو عليه شيء. وذلك بأن الإنسان لا يعيش إلا متعلقا بأهله وصديقه وجيرانه ومجتمعه وما إلى ذلك، وهم يعلقون به، وهو ما يجعل الإنسان كائنا مدنيا.

16/12/2024

غير المسلمين الذي لا تظهر عداوتهم لله ولرسوله وللمؤمنين فلا مانع من مودتهم وحسن التعامل معهم، فقد أمرنا الله تعالى في كتابه أن نقول للناس حسنا، وهذا شامل لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم، كما أمرنا بالإقساط مع الخلق جميعا، ولم ينهنا عن برّ غير المسلمين وودهم إذا لم يرتكبوا ما يمنع من ذلك، بل وجه إلى الصفح والعفو عن زلات المشركين لعل ذلك أن يكون سببا في تحقق المودة معهم، ولا شك أن الإسلام يسعى لتحقيق أقصى درجات السلم في المجتمعات عبر تشريعاته التي ترشد إلى ضبط النفس تجاه تصرفات المشركين المخلة. قال الله تعالى:

﴿‌لَتُبْلَوُنَّ ‌فِي ‌أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186] .

31/08/2024

هل تُعدُّ أحاديث النَّبيِّ من الوحي؟

كلمة الوحي لها معانٍ عدة، فقد تأتي بمعنى إعطاء الرسالة إلى النبي، كما تأتي بمعنى الإلهام، والسياق الذي ترد فيه يحدد المعنى. وقد وردت الكلمة بمعنى الإلهام في الآية التالية: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} (الشورى،51)

في الآية ثلاث طرق لإيصال علم الله تعالى إلى خلقه:

الأول: الوحي؛ وهو في الآية بمعنى الإلهام أو الرؤيا، ويشترك في هذا النوع من الوحي الأنبياء وغيرهم.

فمن رؤيا الأنبياء ما رآه ابراهيم عليه السلام من ذبح ابنه اسماعيل: {قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} (الصافات، 102)

وما رآه نبينا من دخوله المسجد الحرام هو وأصحابُه محلِّقين رؤوسهم ومقصِّرين: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ} (الفتح، 27)

ومن رؤيا غير الأنبياء كالتي رآها ملك مصر التي عبّرها يوسف عليه السلام: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} (يوسف، 43)

ومن الإلهام ما جاء في قوله تعالى عن أم موسى عليه السلام:

{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} (القصص، 7)

كما تستخدم كلمة الوحي بهذا المعنى في إلهام الحيوان أيضا:

{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} (النحل، 68)

كما يستخدم ذات المصطلح في إلقاء الأمر إلى الجماد:

{بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} (الزلزلة، 5) أي الأرض

الثاني: من وراء حجاب، كما كلم الله موسى؛ كلمه من وراء حجاب، وقد سمع موسى كلام الله مباشرة، لكنه لم يره، وفي ذلك يقول سبحانه: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} (النساء، 164)

الثالث: أن يُرسل رسولا، فيوحي بإذن الله رسالةَ اللهِ إلى أنبيائه، وأمينُ الوحي هو جبريل عليه السلام، ولا يأتي سوى الأنبياء، يأتيهم برسالة الله تعالى فيقرؤها عليهم ويُبلِّغُهم إيَّاها بالشَّكل الذي أراد الله تعالى.

ولا يمكن أن تأتي رسالة الله (الكتاب) إلى النَّبي بالإلهام أو المنام، والحكمة من ذلك هي أن يستيقنَ النبي على وجه القطع أن ما جاءه رسالةُ ربه، لأنَّ الوحي بالإلهام أو المنام قد يُشكل في الفهم أو التأويل، وحتى لا يُترك الأمر لكل دعيِّ فيدعي أن الله قد أوحى إليه بالإلهمام أو المنام. وهذا ظاهرٌ من قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا. لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} (الجن، 26_ 28)

ولو قرأنا الآيات المتعلقة بالوحي إلى خاتم النَّبيِّين (الذي بمعنى إنزال الرسالة) نجد أنَّه مخصوصٌ بالقرآن دون غيره، كقوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} (الأنعام، 19) {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} (يوسف، 3) {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} (الشورى، 7)، لذلك لا يصحُّ أن يُطلق الوحي _بهذا المعنى_ على غير القرآن الكريم.

أما أقوال النَّبي وأفعاله فهي التَّطبيق العمليُّ للقرآن الكريم، وهي الحكمة المستقاة منه، وقد تعلَّم نبيُّنا الحكمةَ المركوزةَ في الكتاب أي الأحكام والمواعظ والعبر التي يتوصل إليها من خلال الربط بين الآيات وإيجاد المناسبات فيما بينها، وفق المنهج الذي علَّمه الله إياه والمشار إليه بقوله تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود، 1) وقد علَّم جبريلُ نبينَا الحكمةَ كما أورده تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى}(النجم، 4-5) . وفي استنباط الأحكام من القرآن الكريم قال الله تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} (النساء، 105).

فجميع أقواله وتطبيقاته وتقريراته المتعلِّقة بتليغ الرِّسالة حكمةٌ مستنبطةٌ من القرآن الكريم. روي عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: “ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه”[1] ، فالمثل هو الحكمة التي تعلَّمها وبلَّغها وظهرت بأقواله وأفعاله. وهذا يقتضي أن يكون ما رُوي عنه يعكس جوهر القرآن، لذا لا نقبل بالرواية التي تخالف القرآن لأنَّ احتمال صحة نسبتها للنبي تساوي صفر.

وفي الختام نستطيع القول أنَّ أقوال النَّبي وأفعاله ليست وحيا كالقرآن، بل هي ما تعلَّمه نبيُّنا من القرآن. لذلك لما سُئلت أمُّ المؤمنين عائشة عن خلق النبي قالت: “كَان خُلقُه الُقرآن”[2] وهذا يقتضي بالضرورة عدم استقلالية السنَّة عن القرآن، بل ينبغي أخذها إلى جانب القرآن وعلى ضوئه؛ لأنها تعكس جوهره وحتى نميَّز الصَّحيح من الضعيف نظرا لتناقلها بالآحاد حيث لا يُدرى على وجه القطع من أصاب في النَّقل ومن أخطأ. والله تعالى أعلم

28/08/2024

الحكمة في القرآن وطريقة الوصول إليها

الحكمة هي قدرة عقلية (ملكة) في الإنسان يستطيع بها أن يصدر حكما صحيحا. وقد أعطاها الله تعالى لجميع الأنبياء ولكثير من الناس. وفي سورة الأنعام ذكر الله تعالى ثمانية عشر نبيا من نوح إلى عيسى بن مريم عليهم السلام[1] ثم قال: «وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (سورة الأنعام، 6 / 89).

والحكمة التي أعطاها الله تعالى للأنبياء مع الكتاب هي الحكم الصحيح المستنبط من الكتاب. كما نفهم ذلك من قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» (سورة آل عمران، 3 / 81).

والحكمة مصدر للنوع من الحكم وتعني الحكم الصحيح. وإذا استعملت كالاسم فمعناها الحكم الصحيح أو القدرة التي يستطيع الإنسان أن يصدر حكما صحيحا إذا ملكها. والأنبياء والذين اتبعوهم يحكمون بكتاب الله تعالى. قال الله تعالى: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ» (سورة البقرة، 2 / 213).

وقد بين الله تعالى طريق الوصول إلى الحكمة أي الحكم الصحيح. قال الله تعالى: «إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا» (سورة النساء، 4 / 105).

والطريقة التي بينها الله تعالى للوصول إلى الحكمة موجودة في القرآن الكريم. قال الله تعالى: «الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِير، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ» (سورة هود، 11 / 1-2).

وعلى هذا فالمحكم، هو الآية التي تبين الحكم موجزا ؛ ويفصلها الله تعالى في آية أخرى. ومن أجل ذلك انقسمت الآيات إلى المحكمات والمتشابهات. وقد جعل الله تعالى بين المحكم والمتشابهات المفصِّلات مماثلة؛ حيث يتشكل من هذه المماثلة النظام الثنائي. ويطلق على الآيات المماثلة للمحكمات؛ المتشابهات كما بينا ذلك سابقا.

ووصف “كتابا” في الآية بـ “مثاني” بصيغة الجمع يدل على أن الارتباط بين المتشابه والمحكم يكون بين آيتين أو أكثر على شكل ثنائي. كما يوضح الموضوع قوله تعالى: «وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا» (سورة الأنعام، 6 / 114).

ويراد بالمفصل هنا، البيان على شكل الفواصل. وقد جاء في لسان العرب، الفَصْل الحاجِز بين الشيئين. فَصَل بينهما يفصِل فَصْلاً فانفصَل وفَصَلْت الشيء فانفصَل أَي قطعته فانقطع.[6]وقوله عز وجل كتاب فصَّلناه له معنيان أَحدهما: تَفْصِيل آياتِه بالفواصِل، والمعنى الثاني في فَصَّلناه: بيَّنَّاه. ونرى أن كلا المعنيين جدير بالأخذ. وعلى هذا كون القرآن الكريم مفصلا، إذ يراد به أن كل آية ترتبط بالمحكم فتفصله، ويشكل المحكم مع مفصله وحدة واحدة من القرآن، وعليه يكون بيان وتوضيح الكتاب. كما يدل عليه قوله تعالى: «كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (سورة فصلت، 41 / 3).

وقد وقفنا على لفظ القرآن. وكون الكتاب مبينا “لقوم يعلمون” يدل على أن الآيات المتشابهات المرتبطة بالمحكمات والمبينة لها إنما يتم العثور عليها من قبل العلماء.

وهكذا يبين الكتاب كلَّ شيء، وبهذا يتم الوصول إلى الحكمة المركوزة فيه. قال الله تعالى: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ» (سورة النحل، 16 / 89).

وكون القرآن كتابا يبين كل شيء، يستلزم أن يكون مشابها لما يكتبه الناس من الكتب. فالقرآن الكريم يبين كل شيء، وبيانه ليس منحصرا في بعض الموضوعات. وهو بمثابة الأزرار في لوحة المفاتيح، فيها أرقام وحروف معدودة، ويمكن القيام بها بحسابات، وكتابات بلا نهاية، بشرط أن يُتقن استعماله. وكذلك أن يكون عنده علم يسجله بتلك الأزرار والحروف الموجودة على تلك اللوحة. ويفترق القرآن الكريم عن لوحة المفاتيح بأشياء منها؛ أن قارئ القرآن لا يخلو من الفائدة حتى لو لم يستطيع أن يربط المشتبهات بالمحكمات؛ٍ لأنه الحقل الخصيب الذي يستفيد منه العالم والجاهل. ولكن العارف العالم يستفيد أكثر.

وقد استعمل رسول الله صلى الله عيه وسلم هذا الأسلوب، وعلم أمته الحكمة الموجودة في القرآن الكريم. وسميت الحكمة التي استنبطها النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم وعلمها أمته بالسنة. إن الجهل بالمنهج النبوي أدى إلى عدم معرفة التوافق بين الكتاب والسنة، وبالتالي فُقد طريق الوصول إلى الحكمة، فأصبح المسلمون بعد عصر الصحابة لا يستطيعون تقديم الحلول للنوازل. لأنهم فقدوا القدرة على انتاج أو استنباط العلوم من القرآن الكريم.

ولا يمكن الوصول إلى الحكمة إلا بتلك الروابط التي جعلها الله تعالى بين الآيات. وهذا يحتم إمعان النظر في الآيات التالية؛ قال الله تعالى: «لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ» (سورة القيامة، 75 / 16-19).

Address

Fatih

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when الكتاب والحكمة posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share