24/09/2014
اﻟﻘﺪﯾﺴﺔ ﺗﻘﻼ
إن اﻟﻘﺪﯾﺴﺔ ﺗﻘﻼ اﻟﺒﺘﻮل ھﻲ ﺗﻠﻤﯿﺬة ﺑﻮﻟﺲ اﻟﺮﺳﻮل، وھﻲ ﻣﺜﺎل اﻟﻌﺬارى ورﺳﻮﻟﺔ اﻟﻤﺴﯿﺢ إﻟﯿﮭﻦ. ھﻲ ﺑﻄﻠﺔ اﻟﺒﺘﻮﻟﯿﺔ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ واﻟﺸﮭﺎﻣﺔ اﻟﻨﺴﺎﺋﯿﺔ. ھﻲ ﺗﻠﻚ اﻟﻔﺘﺎة
اﻟﺘﻲ ﺗﺄﻟﺒﺖ ﻋﻠﯿﮭﺎ ﻗﻮى اﻟﺠﺤﯿﻢ، ﻓﻠﻢ ﺗﺴﺘﻄﻊ أن ﺗﻀﻌﻒ إﯾﻤﺎﻧﮭﺎ، وﻻ أن ﺗﻔّﻞ ﻣﻦ ﺛﺒﺎﺗﮭﺎ، وﻻ أن ﺗُﺨﻤﺪ ﻧﯿﺮان ﺣﺒﮭﺎ ﻟﯿﺴﻮع اﻟﻔﺎدي إﻟﮭﮭﺎ وﺧﺘﻦ ﻧﻔﺴﮭﺎ. ھﻲ ﺗﻠﻚ
اﻟﺼﺒﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺷﻐﻔﺖ ﺑﺤﺐ اﻟﻤﻌﻠﻢ اﻻﻟﮭﻲ اﻟﺬي ﺑﺸﺮھﺎ ﺑﻮﻟﺲ ﺑﮫ، ﻓﺎﺣﺘﻤﻠﺖ ﻣﻦ أﺟﻠﮫ ﻣﻦ ﺻﻨﻮف اﻵﻻم ﻣﺎ ﺗﮭﻠﻊ ﻟﻤﺠﺮد ذﻛﺮه ﻗﻠﻮب اﻟﺠﺒﺎﺑﺮة اﻷﺑﻄﺎل. ھﻲ ﺗﻠﻚ
اﻟﻘﺪﯾﺴﺔ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺣﯿﺎﺗﮭﺎ اﻟﻄﻮﯾﻠﺔ ﺳﻠﺴﻠﺔ ﻣﻦ اﻟﻌﺠﺎﺋﺐ اﻟﺒﺎھﺮة، وﻣﻦ اﻟﻤﻌﺠﺰات اﻟﺘﻲ ﻧﺄﻟﻒ ﺳﻤﺎﻋﮭﺎ إﻻ ﻓﻲ ﺳﯿﺮ ﻛﺒﺎر اﻟﻘﺪﯾﺴﯿﻦ. ھﻲ اﻟﺸﮭﯿﺪة اﻷوﻟﻰ ﺑﯿﻦ
ﺷﮭﯿﺪات اﻟﻤﺴﯿﺢ، وﺣﺎﻣﻠﺔ ﻋﻠﻢ ﺣﺒﮫ ﻓﻲ طﻠﯿﻌﺔ ﺟﯿﺶ اﻟﺒﻨﺎت اﻷﺑﻜﺎر اﻟﻘﺪﯾﺴﺎت.
ﺗﻘﻼ ﺗﻠﻤﯿﺬة ﺑﻮﻟﺲ اﻟﺮﺳﻮل
ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻘﻼ ﻣﻦ اﯾﻘﻮﻧﯿﺔ. وﻛﺎﻧﺖ ﻣﻦ أﺷﺮاف ﺗﻠﻚ اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ، وﻣﻦ أﻛﻤﻞ ﺑﻨﺎﺗﮭﺎ ﺧﻠﻘﺎً، وأﺟﻤﻠﮭﻦ اﺷﺮاﻗﺎ، وأﻛﺮﻣﮭﻦ ﺧﻠﻘﺎً، واﻧﺒﻠﮭﻦ ﻋﺎطﻔﺔ. وﻣﺎ ﻛﺎدت ﺗﻨﺎھﺰ اﻟﺜﺎﻣﻨﺔ
ﻋﺸﺮة ﻣﻦ ﻋﻤﺮھﺎ ﺣﺘﻰ أﺿﺤﺖ ﻓﺘﻨﺔً ﻷﻗﺎرﺑﮭﺎ وﻋﺎرﻓﯿﮭﺎ. ﻓﺮﻏﺐ اﻟﺸﺒﺎن ﻓﯿﮭﺎ، ﻓﺨﻄﺒﺘﮭﺎ أﻣﮭﺎ ﻟﻮاﺣﺪ ﻣﻨﮭﻢ ﻻ ﯾﻘّﻞ ﻋﻨﮭﺎ ﺷﺮف ﻣﺤﺘٍﺪ وﺟﺎھﺎً وﻧﺴﺒﺎً. وراﺣﻮا ﯾُﻌﺪون
ﻣﻌﺪات اﻟﻌﺮس وﯾﮭﯿﺌﻮن ﻣﻌﺎﻟﻢ اﻷﻓﺮاح.
ﻟﻜﻦ اﻟﻤﻌﻠﻢ اﻻﻟﮭﻲ ﻛﺎن ﻗﺪ ﺳﺒَﻖ وﻗﺎل ﻓﻲ إﻧﺠﯿﻠﮫ: "ﻻ ﺗﻈﻨﻮا أﻧﻲ ﺟﺌﺖ ﻷﻟﻘﻲ ﻋﻠﻰ اﻷرض ﺳﻼﻣﺎً. ﻟﻢ آِت ﻷﻟﻘﻲ ﺳﻼﻣﺎًﻟﻜﻦ ﺳﯿﻔﺎً. اﺗﯿﺖ ﻷﻓﺮق اﻹﻧﺴﺎن ﻋﻦ أﺑﯿﮫ،
واﻻﺑﻨﺔ ﻋﻦ أﻣﮭﺎ، واﻟﻜﻨﺔ ﻋﻦ ﺣﻤﺎﺗﮭﺎ." وﻟﻘﺪ ﺻﺪق ھﺬا اﻟﻜﻼم ﻓﻲ ﺗﻘﻼ، ﻷن اﻟﺮب ﻛﺎن ﻗﺪ دﻋﺎھﺎ ﻟﺘﻐﺎدر ﺑﯿﺘﮭﺎ وﺗﺘﺮك واﻟﺪﺗﮭﺎ وﺗﺘﺒﻌﮫ.
ﻓﻤﺮ ﺑﻮﻟﺲ اﻟﺮﺳﻮل ﻓﻲ ﻣﺪﯾﻨﺔ اﯾﻘﻮﻧﯿﺔ ﻓﻲ ﺟﻮﻟﺘﮫ اﻷوﻟﻰ اﻟﺮﺳﻮﻟﯿﺔ ﻧﺤﻮ ﺳﻨﺔ 45، ﻓﺒّﺸﺮ اﻟﯿﮭﻮد واﻷﻣﻢ ﺑﺈﻧﺠﯿﻞ اﻟﺮب. ﻓﺴﻤﻌﺘﮫ ﺗﻘﻼ، ﻓﺴﺤﺮھﺎ ﺟﻤﺎل ﺗﻌﺎﻟﯿﻤﮫ
وﻋﺬوﺑﺔ ﻧﯿﺮ اﻟﻤﺴﯿﺢ اﻟﺬي ﯾﺒﺸﺮ ﺑِﮫ، ﻓﻼزﻣﺘﮫ. وﻟﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻧﻔﺴﮭﺎ ﻛﺒﯿﺮة ﺗّﻮاﻗﺔ إﻟﻰ اﻟﺠﻤﺎل واﻟﻜﻤﺎل، آﻣﻨﺖ ﺑﺎﻟﻤﺴﯿﺢ. واﻋﺘﻤﺪت وﻧﺬرت ﺑﺘﻮﻟﯿﺘﮭﺎ ﻟﺮب اﻟﺒﺘﻮﻟﯿﺔ واﺑﻦ
اﻟﻌﺬراء اﻟﻨﻘﯿﺔ. وراﺣﺖ ﻓﻄﺮﺣﺖ ﻋﻨﮭﺎ اﻟﺰﯾﻨﺔ اﻟﺒﺎطﻠﺔ واﻵﻟﺊ اﻟﻐﺮارة، وﻋﻜﻔﺖ ﻋﻠﻰ اﻟﺼﻼة واﻟﺘﺄﻣﻞ واﻹﻣﺎﺗﺔ ﺑﺈﯾﻤﺎٍن وﺣﺮارة. وﻛﺎن ﻧﻌﯿﻤﮭﺎ وﻟﺬة ﺷﺒﺎﺑﮭﺎ أن
ﺗﺼﻐﻲ إﻟﻰ أﻗﻮال ذاك اﻟﺮﺳﻮل اﻟﻨﺎري اﻹﻟﮭﻲ، ﻓﺘﻤﻸ ﻗﻠﺒﮭﺎ ﻣﻦ ﺗﻌﺎﻟﯿﻤِﮫ وﺗﻀﺮم ﺟﻮارﺣﮭﺎ ﺑﺴﻌﯿﺮ ﻗﻠﺒِﮫ.
ﻓﻼﺣﻈﺖ أﻣﮭﺎ أن ﺷﯿﺌﺎً ﺗﺒﱠﺪل ﻓﻲ ﺣﯿﺎة ﺗﻘﻼ اﺑﻨﺘﮭﺎ، ﻓﻠﻢ ﺗﻌﺪ ﺗﻠﻚ اﻟﻔﺘﺎةَ اﻟﻤﺮﺣﺔ اﻟﻄﺮوب، اﻟﺴﺎﻋﯿﺔ وراء زﯾﻨﺘﮭﺎ، اﻟﺸﻐﻮﻓﺔ ﺑﺎﻟﻈﮭﻮر. ﻓﻠﻢ ﺗﻔﮭﻢ ﻣﻌﻨﻰ ﻟﺬﻟﻚ. ﻓﻠﻤﺎ
ﻓﺎﺗﺤﺘﮭﺎ ﺑﺄﻣﺮ اﻟﺰواج اﻟﻤﺰﻣﻊ أن ﯾُﻜﱠﻤﻞ رأت ﻣﻨﮭﺎ إﻋﺮاﺿﺎً وإﺣﺠﺎﻣﺎً. ﻓﺄﻟﱠﺢ ﺧﻄﯿﺒﮭﺎ ﻓﻲ طﻠﺒﮭﺎ ﻓﺮﻓﻀﺘﮫ، وﺑﺎﺣﺖ ﻷﻣﮭﺎ ﺑﺴﺮھﺎ، وﻗﺎﻟﺖ ﻟﮭﺎ أﻧﮭﺎ أﺿﺤﺖ ﻣﺴﯿﺤﯿﺔ،
وأﻧﮭﺎ وﻗﻔﺖ ﻟﻠﺮب ﯾﺴﻮع ﺑﺘﻮﻟﯿﺘﮭﺎ. ﻓﺜﺎر ﺛﺎﺋﺮ واﻟﺪﺗﮭﺎ وﻛﺎدت ﺗُﺠﱡﻦ ﻣﻦ ﻏﯿﻈﮭﺎ. ﻓﻌﻤﻠﺖ ﻋﻠﻰ إﻗﻨﺎﻋﮭﺎ، ﺛﻢ أﺧﺬت ﺗﺘﻀﺮع إﻟﯿﮭﺎ. ﻓﺎﺻﻄﺪﻣﺖ ﺑﺜﺒﺎٍت ﻋﺠﯿﺐ وإرادة
ﺟﺒﺎرة. ﻓﻄﺎر رﺷﺪھﺎ، ورأَت ﻓﻲ إﻏﻀﺎء اﺑﻨﺘﮭﺎ ﻋﻦ ﻋﺮﯾﺴﮭﺎَﻣﺴﺎﺳﺎً ﺑﻜﺮاﻣﺘﮭﺎ. ﻓﺂﺛﺮت ﻣﻮت ﺗﻠﻚ اﻻﺑﻨﺔ ﻋﻠﻰ أن ﺗﺘﻌﺮض ﻻﺣﺘﻘﺎر اﻟﻨﺎس وازدراﺋﮭﻢ ﻟﮭﺎ
وﻟﻜﻼﻣﮭﺎ وﻣﻮاﻋﯿﺪھﺎ.
وﻟﻤﺎ ﻟﻢ ﺗﺴﺘﻔﺪ ﺷﯿﺌﺎًذھﺒﺖ ﺗﺴﺘﻌﯿﻦ ﺑﺤﺎﻛﻢ اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ. ﻓﺄﺗﻰ ﺑﺘﻘﻼ إﻟﻰ دﯾﻮاﻧﮫ، وﺟﻌﻞ ﯾﻘﻨﻌﮭﺎ ﺑﺘﺮك ﺗﻠﻚ اﻟﺨﺮاﻓﺎت اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ واﻟﻌﻮدة إﻟﻰ اﻵﻟﮭﺔ وإﻟﻰ ﻋﺮﯾﺴﮭﺎ. ﻓﺬھﺐ
ﻛﻼﻣﮫ أدراج اﻟﺮﯾﺎح. ﻓﺘﮭﺪدھﺎ أن ﯾﺤﺮﻗﮭﺎ، ﻓﻠﻢ ﺗﻌﺒﺄ ﺑﺘﮭﺪﯾﺪاﺗﮫ. ﻓﺄﻣﺮ ﺑﺈﺿﺮام ﻧﺎٍر ﺣﺎﻣﯿﺔ وﺑﻄﺮﺣﮭﺎ ﻓﯿﮭﺎ. ﻓﺘﮭﻠﻠﺖ ﻟﻘﺮب اﺗﺤﺎدھﺎ ﺑﻌﺮﯾﺲ ﻧﻔﺴﮭﺎ؛ وﻟﻢ ﺗﻨﺘﻈﺮ ﺣﺘﻰ
ﯾﺸﺪوا وﺛﺎﻗﮭﺎ وﯾﻄﺮﺣﻮھﺎ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ اﻟﻨﯿﺮان اﻟﻤﺴﺘﻌﺮة، ﺑﻞ رﻛﻀﺖ ھﻲ إﻟﯿﮭﺎ وزﺟﺖ ﻧﻔﺴﮭﺎ ﻓﯿﮭﺎ، وھﻲ ﺗﺘﻀﺮع إﻟﻰ ﷲ ﻟﯿﻘﻮﯾﮭﺎ وﯾﺴﺘﻘﺒﻞ روﺣﮭﺎ.
ﻟﻜﻦ اﻟﺮب ﯾﺴﻮع ﺧﺘﻨﮭﺎ ﻛﺎن ﻗﺪ دﺑّﺮ ﻟﮭﺎ طﺮﯾﻘﺎًأﺧﺮى ﻏﯿﺮ طﺮﯾﻖ اﻻﺳﺘﺸﮭﺎد اﻟﻌﺎﺟﻞ. ﻛﺎن ﯾﺮﯾﺪ أن ﯾُﻈﮭﺮ ﻓﯿﮭﺎ ﻣﺠﺪه وﻗﺪرﺗﮫ وﺳﻤﻮ ﻧﻌﻤﺘﮫ. ﻛﺎن ﯾﺮﯾﺪ أن ﺗﻌﯿﺶ
ﺗﻠﻚ اﻟﻔﺘﺎة ﺳﻨﯿﻦ طﻮﯾﻠﺔ أﯾﻀﺎً، وﺗﺘﺄﻟﻢ ﻛﺜﯿﺮاً، وﺗﻨﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ أﻋﺪاء اﻟﺨﻼص اﻧﺘﺼﺎراً ﺑﺎھﺮاً، ﻟﺘﺒﻘﻰ ﻣﺜﺎﻻً راﺋﻌﺎًﻟﻤﻦ ﺳﻮف ﯾﺄﺗﻲ ﺑﻌﺪھﺎ ﻓﻲ اﻷﺟﯿﺎل اﻟﻤﻘﺒﻠﺔ ﻣﻦ
اﻟﺒﻨﺎت اﻟﺒﺘﻮﻻت وﻣﻦ اﻟﺸﮭﯿﺪات اﻟﺒﻄﻼت.
ﻓﻤﺎ إن دﺧﻠﺖ ﺗﻘﻼ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ اﻟﻨﺎر ﺣﺘﻰ أرﺳﻞ ﷲ ﻣﻄﺮاً ﻣﺪراراً ﻛﺎد ﯾﺘﺤﻮل إﻟﻰ طﻮﻓﺎن. ﻓﻮﻟّﻰ اﻟﻨﺎس ھﺎرﺑﯿﻦ، وﻟﺠﺄوا إﻟﻰ ﺑﯿﻮﺗﮭﻢ ﻣﺬﻋﻮرﯾﻦ، واﻧﻄﻔﺄت اﻟﻨﯿﺮان،
وﺧﺮﺟﺖ اﻟﺒﺘﻮل ﺳﺎﻟﻤﺔ، وﻟﻢ ﯾﺤﺘﺮق ﺧﯿﻂ ﻣﻦ ﺛﯿﺎﺑﮭﺎ. وﺑﺈﻟﮭﺎٍم إﻟﮭﻲ ﺗﺮﻛﺖ ﻣﺪﯾﻨﺘﮭﺎ، ووﻟﺖ اﻷدﺑﺎر، وذھﺒﺖ ﺗﺴﻌﻰ وراء ﺑﻮﻟﺲ اﻟﺮﺳﻮل ﻟﺘﻠﺤﻖ ﺑﮫ وﺗﻼزﻣﮫ
وﺗﺸﺎطﺮه أﺗﻌﺎب رﺳﺎﻟﺘﮫ، ﻛﻤﺎ ﻛﺎن ﺑﻌﺾ اﻟﻨﺴﺎء اﻟﺘﻘﯿﺎت ﯾُﻼزﻣَﻦ اﻟﺮﺳﻞ. ﻓﺄﻛﻤﻞ ﺑﻮﻟﺲ ﺗﮭﺬﯾﺐ ﻋﻘﻠﮭﺎ وﻗﻠﺒﮭﺎ، وراﻓﻘﺘﮫ ﺣﺘﻰ ﻋﺎد إﻟﻰ اﻧﻄﺎﻛﯿﺔ. ﻓﺘﺮﻛﮭﺎ ھﻨﺎك
ﻟﺘﺨﺪم اﻟﻤﺆﻣﻨﯿﻦ وﺗﺒﺸﯿﺮ اﻟﻨﺴﺎء اﻟﻮﺛﻨﯿﺎت ﺑﺈﻧﺠﯿﻞ اﻟﻤﺴﯿﺢ. ﻓﻜﺎﻧﺖ اﻟﺮﺳﻮل اﻟﻐﯿﻮر اﻟﻤﺘﻔﺎﻧﻲ اﻟﻤﺘﻮاﺿﻊ اﻟﻮدﯾﻊ اﻟﻌﺎﺑﺪ، اﻟﺬي ﯾﻨﺴﻰ ذاﺗﮫ ﻟﯿﺨﺪم اﻟﻤﺴﯿﺢ ﻓﻲ ﺷﺨﺺالقريب.
استشهاد تقلا الثاني في انطاكية
وفي انطاكية افتتن بها أحد كبار المدينة، فراح يتحين الفرص ليظفر بها. فلقيها يوماً وهي تعود إلى منزلها، وعيناها مطرقتان إلى الأرض. فانقضّ عليها وأراد اختطافها وإذلالها. فأفلتت من بين يديه، وجمعت الشعب حوله وأسمعته مرّ الكلام. فتألّب الشعب حوله وجعلوا يسخرون منه. فتميز غيظاً وراح يسعى لينتقم من البتول تقلا. فوشى بها إلى الوالي. ورغب هذا في أن يرضي ذلك الرجل الوجيه، فقبض عليها وأتى بها إلى ديوانه، واجتمع الناس ليروا ماذا يكون من أمرها. فحكم الوالي عليها بأن تُطرح للوحوش. فقامت عليه في الديوان ثورة سخط واستنكار من جميع النساء المسيحيات والوثنيات الحاضرات، انتصاراً لتلك التي شرفت بنات جنسها بإبائها وعزة نفسها.
لكن الحاكم لم يعبأ بتلك الضجة وأرسل تقلا إلى الوحوش. فعرَّوها من ثيابها وتركوها عرضة للبوءَة كاسرةٍ لتفترسها. واجتمع الجمع في المشهد ليمتع أنظاره بذلك الجسم الغض النقي تنهشه الوحوش الضارية. لكن اللبوءة كانت آنس من البشر، فجاءت وربضت عند قدميها وهي تبصبص بذنبها. بذنبها. وجلل الله جسد فتاته بالمهابة والأنوار وحجبها عن الأنظار.
فأخرجوها ثم أعادوها في اليوم الثاني إلى المشهد، وأفلتوا عليها جيشاً من تلك الضواري. فجاءَت أيضاً وربضت أمامها وأخذت تلطع لها رجليها. فتعالت أصوات الشعب بالصياح. فمنهم من كان يطلب العفو عنها وإطلاقها، ومنهم من كان يلحّ في الانتقام منها ومن شعوذات سحرها، لأنهم كانوا ينسبون إلى أعمال السحر تلك الفضيلة والبسالة والعجائب الباهرة. فأعادها الحاكم إلى سجنها.
وفي اليوم التالي تقاطر الناس من جديد إلى المشهد. فربط الجند تقلا إلى زوج من الثيران المخيفة، وأثاروهما وأطلقوهما. فرأت تقلا الموت بين عينيها، وصلّت وتوسلت إلى الرب لكي يتقبل روحها. لكن الثورين أفلتا وتركا الفتاة بلا أذى، وانطلقا على الجلادين فطرحاهم في الأرض وجرّحاهم وكادا يهلكانهم بقرونهما.
فحار الحاكم في أمر تلك الفتاة العجيبة، وأراد أن يتخلص منها، فألقاها في هوةٍ عميقة مملوءةٍ بالثعابين السامة. فاحترمتها ونامت عند قدميها.
فدهش الناس والحكام لتلك المعجزات الباهرة المتكررة. فاستدعى الوالي تقلا وقال لها: من أنتِ ومن هو شيطانكِ حتى لا يقدر أحد عليك. فأجابته البتول باحتشام ووقار: أنا تقلا عبدة يسوع المسيح ابن الله الحي. وهو وحدة الطريق والحق والحياة وخلاص النفوس. هو نجاة المأسورين، وتعزية الحزانى، ورجاء الآيسين. وهو الذي أنقذني من الوحوش ومن الموت، وهو الذي يحفظني بنعمته لكي لا أعثر. فله المجد والكرامة إلى الأبد.
حينئذٍ أعلن الوالي أمام الجميع وقال: إن تقلا عبدة يسوع المسيح هي طليقة حرة. فتعالت أصوات الفرح والاستحسان من كل صوب. فخرجت البتول من المشهد وذهبت إلى بيت السيدة الشريفة تريفينا التي كانت تعطف عليها.
ولما علمت تقلا أن بولس الرسول هو في ميراليكيا ذهبت إليه وقصت عليه كل ما حدث لها. فمجد الله معها، وثبتها في الإيمان، وشجعها على متابعة أعمال الرسالة التي بدأت بها.
أعمال تقلا الرسولية في جبال القلمون
وعادت تقلا إلى ايقونية مدينتها تبشر مواطنيها بإنجيل الرب. لكنها لم تطل الإقامة فيها. كان خطيبها قد مات. أما والدتها فبقيت مصرةً على عنادها، مدفوعة بكبريائها، فلم ترد أن تصغي إلى توسلاتها وتتبعها في إيمانها بالمسيح. فتركت تقلا ايقونية، والقلب في حسرة، ورجعت إلى سورية لأجل متابعة رسالتها فيها.
وجاءت إلى جبال القلمون واتخذتها معقلاً لها وحقل رسالةٍ مخصبة. فكانت تتردد بين معلولا وصيدنايا وتطوف تلك القرى الجميلة، تثبت المؤمنين في إيمانهم الحديث، وتحمل البنات والنساء الوثنيات على الإيمان بالمسيح. فآمن على يدها شعب غفير من أولئك المساكين المنغمسين في جهلهم وغرورهم وآثامهم.
ثم اتخذت لها مغارةً فنسكت فيها وبدأت حياة الخلوة والاتحاد الدائم بالله، بالتأمل والصلاة. فصارت الجماهير تتوافد لتزورها وتسمع كلامها وتنال بركتها وتُشفي من أمراضها.
ويروى أن بعض الأشرار الوثنيين أرادوا يوماً بها سوءًا. وكان جماعة من الأطباء قد سخّروهم لكي يذلوها ثم يفتكوا بها لأن المرضى كانوا قد هجروهم وجعلوا يركضون إليها فيبرأون. ففاجأهم أولئك الأشرار وهي تصلّي في مغارتها. فلم تضطرب لكنها نظرت إلى السماء واستجارت بالرب يسوع. وإذا بالصخرة تنفتح أمامها، فتدخل هي فيها، ثم تطبق عليها وتواريها عن أنظارهم. إن الله الذي كان قد أنقذها من النار، ومن الوحوش الضارية، ومن الثعابين المخيفة، لا يعسر عليه أن ينقذ طهارتها وحياتها من أيدي زمرة من الأشرار الأثمة.
موت القديسة الشهيدة تقلا وتمجيدها
وعاشت تقلا تسعين سنةً. فكانت أعجوبة دهرها وموضوع إكرام واحترام الشعوب لها. ورقدت بالرب بطمأنينة وسلام، وطارت نفسها إلى الاخدار العلوية، وإلى المسيح ختنها، وبولس الرسول معلمها، وسائر الرسل والشهداء الذين ماثلتهم في حياتها وغيرتها وفضائلها.
ذاع صيت قداستها وعجائبها وما صنع الله من المعجزات في سبيلها، فملأ الدنيا. فلم يبقَ خطيب في الأجيال الأولى للكنيسة إلا فاض في مديحها، نظير باسيليوس وغريغوريوس والذهبي الفم وامبروسيوس وايرونيمُس. وكان الآباء القديسون عندما يريدون أن يعظموا إحدى النساء القديسات يشبهونها بتقلا. فإن غريغوريوس الثاولوغس يدعو ماكرينا أخت باسيليوس الكبير تقلا، تعظيماً لها. وكذلك ايرونيموس يدعو ميلاني تقلا الجديدة.
وكتب القديس ايسذورس الفرمي الدمياطي إلى راهبات أحد الأديار فقال: "من بعد يهوديت وسوسنة العفيفة وابنة يفتاح لا يحق لأحد أن ينسب الضعف إلى جنس النساء. بالأكثر عندما نرى تقلا، تلك البطلة المتقدمة بين البطلات من البنات، البتول الذائعة الصيت في الدنيا كلها، عندما نراها حاملة عالياً علم الطهارة والبرارة، وقد فازت فوزاً باهراً في معارك شديدة على الشهوة والرذيلة، نوقن ان قلوب النساء يمكنها أن تكون جبارة".
ودفنت القديسة تقلا الشهيدة في سلوقية حيث ماتت، وأضحى قبرها ينبوعاً فائضاً بالنعم والبركات. وفي المجمع المسكوني السابع المنعقد سنة 787 ضد محاربي الايقونات، قام أسقف سلوقية وتكلم بفصاحة وإسهاب عن القديسة تقلا وعن العجائب التي يجريها الله على ضريحها فقال: انني أؤكد بلا تردد أنه ما من إنسان زار ضريحها وطلب شفاعتها وعاد خائباً. بل نرى الناس يعودون من تلك الزيارة وهم يمجدون الله على ما نالوا من نعم، ويسبحون تلك البتول الملائكية.
وان بلاد اسبانيا تفتخر بحصولها على ذخائر القديسة تقلا أولى الشهيدات ومعادلة الرسل، التي تحييها الكنيسة المقدسة بهذا النشيد، مشيرةً إلى جهاداتها البطولية: أيتها البتول، لقد تلألأتِ بجمال البتولية، وتزينت بإكليل الشهادة، وأؤتُمنتِ على الرسالة بما أنكِ مجيدة، وحوَّلتِ لهيب النار إلى ندى، وسكنتِ شراسة الثور بصلاتك، يا أُولى المجاهدات". فاشفعي في مادحيكِ لينقذوا من المصاعب بشفاعتكِ المقبولة عند الله.