12/05/2026
#مقالات علمية: نصيحة لنفسي ولإخواني طلبة العلم السلفيين.
#المقال (٣):
#الدعوة إلى الله بداية طريقٍ أطول في طلب العلم والتزكية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن من أعظم نعم الله على العبد أن يوفقه لسلوك طريق العلم والتعليم والدعوة إلى الله، وأن يجعله سبباً لهداية الناس وتعليمهم الخير، وهذه منزلة عظيمة ومقام شريف.
قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].
ولكن من الأخطاء الخطيرة التي يقع فيها بعض طلاب العلم أو الدعاة: أن يظن أحدهم أن تصدره للتعليم وقيامه بمهام الدعوة يعني أنه بلغ الغاية، وصار من أهل الرسوخ، وأنه لم يعد محتاجًا إلى التعلّم والتزكية والتربية. وهذا مرض جسيم ومن مكايد الشيطان؛ فالتصدر قد يكون لسد ثغرة أو لضرورة واقعية، لكن الرسوخ ملكة لا تحصل إلا بطول الملازمة وكثرة التفتيش في بطون الكتب ومعاناة المسائل، وهو طريقٌ لا ينتهي بلقب أو مشيخة؛ فإن العلم بحر لا ساحل له، وكلما ازداد العبد علمًا ازداد معرفةً بجهله، ولهذا كان أكابر العلماء أشد الناس تواضعًا.
ولذا فإن من أعظم ما ينبغي أن يستحضره الداعية: أنه مهما بلغ في التعليم والخطابة والتأثير، فإنه لا يزال طالب علم، محتاجًا إلى الازدياد من الفقه والفهم والتزكية.
قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].
قال الإمام القرطبي رحمه الله: "فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم" تفسير القرطبي.
فإذا كان سيد ولد آدم يؤمر بطلب المزيد من العلم، فكيف بمن دونه؟ وكيف يليق لطالب أن يظن أنه بلغ الغاية والنهاية؟
وفي المناقب لابن الجوزي: "قال صالح: رأى رجل مع أَبي محبرة، فقال له: يا أبا عبد الله أنت قد بلغت هذا المبلغ وأنت إِمام المسلمين؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة".
قال البغَوي: "سمعت أبا عبد اللَّه أَحمد بن حنبل يقول: أَنا أَطلب العلم إلى أن أَدخل القبر".
ويا طالب العلم إن العلم عبادة، ولم يجعل الله للعبادة حدا تنتهي إليه: ﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يأتيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99].
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: "لا يزال المرء عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل".
فهذه الكلمة العظيمة تبين أن الشعور بالاكتفاء بداية الانحدار؛ لأن العلم إذا توقف عن النمو والازدياد بدأ في التآكل والنسيان.
كما يبين أن العالم الصادق كلما ازداد علمًا ازداد تواضعًا وافتقارًا إلى الله.
واحذر -طالب العلم- النظر إلى نفسك بعين الكمال والاستغناء عن المشايخ؛ فإن ذلك عين الجهل وقلة المعرفة.
واعلم أن التصدر للدعوة لا يعني بلوغ الإمامة في العلم؛ فقد يفتح الله لبعض الناس بابًا في الخطابة، أو التعليم، أو التأثير في الناس، فيظن أنه قد بلغ منزلة العلماء الراسخين، وربما تكلم في النوازل الكبار، أو استغنى عن الرجوع إلى أهل العلم، وهذا خطر عظيم، فالخطيب الموفق ليس بالضرورة فقيهاً مجتهداً يُرجع إليه في المعضلات، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه فوقف عنده.
قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
وقال الإمام مالك رحمه الله: "ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك"، ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك. وكان رحمه الله مع إمامته وهيبته يُكثر من قول: "لا أدري".
فيا أيها الداعي إلى الله، ربِّ نفسك وربِّ طلابك على التواضع، ولزوم غرز العلماء، وعدم الاستعجال في الكلام والتصدر.
واعلم أن من علامات الإخلاص: دوام التعلم وقبول النصيحة؛ فالداعية الصادق لا يرى نفسه فوق النصيحة، ولا يستنكف من التعلم ممن هو أكبر منه أو أصغر.
ومن صفات الداعية الصادق:
#التواضع للحق.
#الرجوع إلى الدليل.
#الاستفادة من العلماء.
#دوام التعلم وطلب العلم.
#معرفة قدر النفس.
وأخطر ما يقطع الداعية عن التقدم شعوره أنه وصل؛ فإذا شعر الإنسان أنه قد وصل، توقف عن التقدم، وأعجبته نفسه، وهذه قاصمة ظهر لطالب العلم الداعي إلى الله، ولعل الجهل عندئذ أحسن.
وقال مطرف بن عبد الله رحمه الله: "لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا، أحب إلي من أن أبيت قائمًا وأصبح معجبًا".
قال الذهبي بعد أن أورد كلام مطرف: "قلت: لا أفلَحَ -واللَّهِ- مَن زكَّى نفسَه، أو أعجَبَتْه".
فكم من إنسان أفسده الثناء، وقطعته الشهرة عن التواضع وطلب العلم. ولهذا يحتاج طالب العلم الداعي إلى الله دائمًا إلى:
#محاسبة نفسه.
#تجديد نيته.
#ملازمة العلماء.
#كثرة العبادة.
#قراءة سير السلف والعلماء الربانيين.
يا طالب العلم، ويا من وفقه الله للدعوة والتعليم: اعلم أن قيامك بخدمة الدين شرف عظيم، لكنه لا يعني أنك بلغت النهاية، ولا أنك استغنيت عن التعلم والتزكية والتربية. بل أنت أحوج ما تكون إلى: دوام طلب العلم، وتزكية النفس ومحاسبتها، والتواضع للحق.
وطريق الدعوة ليس محطة وصول، وإنما هو طريق عبوديةٍ طويل، لا ينتهي إلا بلقاء الله.
وتذكر دوماً أن القبول عند الله ليس بكثرة الأتباع، ولا بضجيج الشهرة، ولا بجودة السبك؛ وإنما بمقدار ما يحمله قلبك من افتقارٍ إلى الله، وإخلاص، وما تلهج به جوارحك من دوام الطلب، ومتابعة الأثر.
نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص والثبات، وطلب العلم حتى الممات، وأن يديم علينا نعمه ظاهرة وباطنة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
#إعداد/أبي عبيد الله أحمد حرسي أفرح السليماني