Sh.Axmed xersi

Sh.Axmed xersi Waa bogga rasmiga ah ee Sheekh Axmed Xirsi

21/08/2026

Jacaylka iyo Weyneynta Nabiga ﷺ
Dabaaldegga dhalashada Nabigeenna Muxammad ﷺ ma aha habka ugu wanaagsan ee lagu muujiyo jacaylka iyo weyneyntiisa. Jacaylka dhabta ah waxaa lagu muujiyaa raacidda Sunnadiisa, ku dhaqanka hanuunkiisa, iyo ku dayashada akhlaaqdiisa.
Saxaabadii Rasuulka ﷺ waxay ahaayeen kuwa ugu jacaylka iyo xushmadda badan, haddana ma aysan u dabaaldegin dhalashadiisa. Sidaas darteed, haddii aynu dhab u jecelnahay Nabiga ﷺ, aynu ku weynayno raacidda Sunnadiisa iyo ku dhaqanka amarkiisa, waayo Alle wuxuu yiri:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾
“Waxaad dhahdaa: Haddii aad Alle jeceshihiin, i raaca; Alle wuu idin jeclaanayaa.” [Aal-Cimraan: 31]

* **نصيحة لنفسي ولإخواني طلبة العلم السلفيِّين*  #المقال [1]*التأنِّي وعدم العجلة ولزوم غرز العلماء* الحمد لله، والصلاة ...
15/08/2026

* *
*نصيحة لنفسي ولإخواني طلبة العلم السلفيِّين*

#المقال [1]
*التأنِّي وعدم العجلة ولزوم غرز العلماء*

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
طلبُ نصرةِ السُّنَّة والذَّوْد عن حياضها شرفٌ عظيم، لكن الطريق إليها ليس بالحماس المجرَّد ولا بالعجلة، بل بالعلم الراسخ، والتأنِّي، ولزوم غرز العلماء. قال الله تعالى في سورة النساء:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ...﴾ [النساء: 83]
وفي الحديث: «التأنِّي من الله، والعجلة من الشيطان» عند أبي يعلى وغيره من حديث أنس.

لا تعجَلَنَّ لأمرٍ أنت طالبهُ
فقلَّما يُدرِك المطلوب ذو العجل
فذو التأنِّي مُصيب في مقاصده
وذو التَّعجُّل لا يخلو عن الزلل

وكثيرٌ من الانحرافات تبدأ من نيَّةٍ حسنة، مع استعجالٍ وقلة رجوعٍ إلى أهل العلم.
*ومن أعظم ما يُوصى به طالبُ العلم السلفي الغيور لحماية السُّنَّة والمنهج السلفي الحق:*

*أولًا* : التثبُّت وترك العجلة.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فاسقٌ بنبإٍ فتبينوا﴾ [الحجرات: 6]
فالتبيُّن أصلٌ في كل ما يُنقل ويُحكم به.
فكم من كلمةٍ قيلت استعجالًا أورثت ندمًا، وكم من موقفٍ حُكم عليه بغير علمٍ فكان سبب فتنة.

*ثانيًا* : لزوم غرز العلماء وعدم التقدُّم عليهم.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: 1]
ومن لوازم ذلك: عدم التقدُّم بين يدي أهل العلم الذين ورثوا علم النبي ﷺ.
قال ابن عباس: «تمتَّع رسول الله ﷺ، فقال عروة: نهى أبو بكرٍ وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: ما يقول عُرَيَّة؟ قال: يقول: نهى أبو بكرٍ وعمر عن المتعة، فقال: أراهم سيهلكون، أقول: قال رسول الله ﷺ، ويقولون: قال أبو بكرٍ وعمر».
جامع بيان العلم وفضله (2/1210).
فإذا كان هذا في حق أكابر الصحابة، فكيف بمن دونهم؟
قال الإمام أحمد، موصِّيًا أحد تلامذته: «إيَّاك أن تتكلَّم في مسألةٍ ليس لك فيها إمام».
مجموع الفتاوى لابن تيمية (21/291).
وهذا يربِّي طالب العلم على التواضع، وربط نفسه بأقوال الأئمَّة.

*ثالثًا* : معرفة قدر النفس والتدرُّج في الطلب.
قال الإمام الشافعي رحمه الله:
«من تفقَّه من بطون الكتب ضيَّع الأحكام».
قال ابن جماعة بعد هذا القول:
وكان بعضهم يقول: من أعظم البليَّة تشيُّخ الصحيفة، أي: الذين تعلَّموا من الصحف.
تذكرة السامع والمتكلم (1/87).
وهو إشارة إلى أهميَّة التلقِّي عن أهل العلم، وعدم الاستقلال قبل الأهليَّة.
وكان السلف يكرهون تصدُّر الحدث قبل أوانه.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«تفقَّهوا قبل أن تُسوَّدوا».
صحيح البخاري (1/25).
أي: قبل أن تتصدَّروا.

*رابعًا* : الحذر من الغيرة غير المنضبطة:
الغيرة على السُّنَّة محمودة، لكن إن لم تُضبط بالعلم والحكمة انقلبت إلى ضدِّها.
قال سفيان الثوري:
«إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأمَّا التشدُّد فيحسنه كلُّ أحد».
جامع بيان العلم وفضله (1/784).
فليس كلُّ تشدُّدٍ نصرةً للسُّنَّة، بل قد يكون من الجهل.

*خامسًا* : نماذج من سير العلماء:
كان الإمام مالك رحمه الله يُسأل عن مسائل كثيرة، فيقول في أكثرها: «لا أدري»، مع سعة علمه؛ تعظيمًا للدين، وخوفًا من القول بلا علم.
وكان الإمام أحمد يُسأل عن المسألة، فيتوقَّف وينظر: هل قال بها أحد من السلف؟
وكان ابن سيرين يقول:
«إن هذا العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم».
صحيح مسلم (1/11).
فكانوا يتثبَّتون حتى فيمن يأخذون عنه، فكيف بالكلام في دين الله؟
خلاصة النصيحة:
نصرة السُّنَّة ليست سباقًا في الكلام، بل ثبات على المنهج: علم قبل قول، وتأنٍّ قبل حكم، واتباع لا ابتداع، ولزوم للعلماء لا تقدُّم عليهم.
فمن حفظ لسانه، واتَّهم رأيه، وربط نفسه بكبار أهل العلم—سلِم وأسلم، ونفعه الله بغيره.
وإذا رأيت الكبار قد سكتوا عن أمرٍ، فاتهم فهمك قبل أن تتَّهم علمهم؛ فلعل عندهم من العلم والبصيرة ما لم يبلغه غيرهم.

*وقبل الختام،* أود أن أشير إلى بعض أهل العلم والفضل في بلادنا الصومال شمالًا وجنوبًا، الذين أنصح طلبة العلم أن يلزموا غرزهم، ويأخذوا مشورتهم ونصائحهم وتوجيهاتهم، وعلى الطلبة احترامهم وتوقيرهم.
أذكر البعض لا الحصر، فهم كثير ولله الحمد:
فضيلة الشيخ عبد الكريم حسن حوش.
فضيلة الشيخ عبد الله حسن حاشي البربراوي.
فضيلة الشيخ أحمد عيد عبد السلام.
فضيلة الشيخ د. عثمان معلم محمود.
فضيلة الشيخ محمد عبد الظاهر.
فضيلة الشيخ عبد القادر عكاشة.
فضيلة الشيخ عبد الله شيخ حاشي.
فضيلة الشيخ نور علي جامع.
فضيلة الشيخ حسن كافي علم حسن.
فضيلة الشيخ عبد الله محمد حسن الطويل.
*وأختم المقال* بفتوى لمفتي عام المملكة، بقية السلف، العلامة صالح الفوزان:
السؤال:
نسمع بعض طلبة العلم أحيانًا يطعنون في العلماء بحجَّة أنهم يسكتون عند حصول بعض الحوادث أو عند حلول بعض النوازل، فما هو تعليقكم يا فضيلة الشيخ؟
الجواب:
أحيانًا يكون السكوت هو المصلحة، وأحيانًا يكون الكلام هو المصلحة، فالعلماء يراعون المصالح ودرء المفاسد، فلا يتكلَّمون إلا حيث يفيد الكلام وينفع، ولا يسكتون إلا حيث يكون السكوت أولى.
فالعلماء، بالمعنى الصحيح، لا يسكتون إلا إذا كان السكوت له مجال، ولا يتكلَّمون إلا إذا كان الكلام له مجال.
والأمور إذا حدثت لا يصلح لكل واحد أن يتكلَّم فيها، وإنما توكَّل لأهل العلم وأهل الرأي وأهل الكلمة، كما قال جل وعلا:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ...﴾
فالأمور التي تتعلَّق بمصالح المسلمين والأمَّة لا يتولاها إلا أهل الحلِّ والعقد، أهل العلم والبصيرة، الذين يلتمسون لها الحلول الصحيحة.
وأما أن يتولاها ويتكلَّم فيها كلُّ من هبَّ ودبَّ، فهذا من الضرر على المسلمين، ومن الإرجاف والتخويف، ولا يصل المسلمون من وراء ذلك إلى نتيجة.
وهذه أيضًا أمور قد تكون سرِّيَّة، تُعالج بالسرِّيَّة، ولا تُعالج علانية أمام الناس، وإنما تُعالج بالطرق الصحيحة.
فالأمور تحتاج إلى روِيَّة وتعقُّل، والواجب على العامة أن يرجعوا إلى أهل العلم وأهل الرأي والبصيرة في هذه الأمور. نعم، انتهى.
العلامة بقية السلف الشيخ:
صالح بن فوزان الفوزان، حفظه الله.


#المقال [٢]:
:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن شرفَ العلمِ مَنوطٌ بنقاءِ مَعدِنِه، وطهارةِ مَورِدِه؛ فهو مِعراجُ الأرواحِ إلى مَرضاةِ بارئِها سبحانه، ومَرقاةُ العُقولِ إلى مَحاريبِ خَشيتِه جلا وعلا، بيدَ أنَّ هذا الطريقَ العليَّ مَحفوفٌ بمزالقَ تَختطِفُ مَن غَفَلَ عن دقيقةِ النيَّة، وتترصَّدُ في مَنعطفاتِه آفاتُ النفوسِ التي قد تَصرفُ الطالبَ عن جادةِ الإخلاصِ إلى تِيهِ الرِّياء، ومِن نشر سَناءِ الوحيِ إلى تتبع سَرابِ الثَّناء، ومن مقام العبادة إلى ميدان المباهاة، وعلى رأسِ تلكَ القواصمِ التي تمحق بَرَكةَ الطلبِ وتُفسدُ عُقدَةَ القصد: فتنةُ (حبِّ الظهور والشهرة)؛ فهي الآفة الخطيرة التي يجب على طالب النجاة أن يجاهد نفسه في دفعها وقمعها، لتسلم له دنياه وآخرته.
ولأجلها أسوقُ هذهِ الكلماتِ التي أرجو أن تكون نُصحاً ومُذاكرة لي ولإخواني.

#أيها الإخوة: إن ديننا الحنيف قد ذمّ طلب العلوّ والشهرة وجعلها منافية للإخلاص.
قال الله تعالى:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: 83]
وقال سبحانه:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32]
وقال النبي ﷺ:
«من سمّع سمّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به» (متفق عليه)
وقال ﷺ:
«إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما هو؟ قال: «الرياء» (رواه أحمد)
فدلّت هذه النصوص على أن طلب الشهرة والظهور لغير الحق بابٌ من أبواب الرياء، يفسد العمل، ويوبق آخرة صاحبه.
وقد حث شرعنا المستقيم على التواضع وترك الترفع:
قال الله تعالى:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63]
وقال ﷺ:
«وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (رواه مسلم).
وقال ﷺ:
«إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد» (رواه مسلم).
#فالتواضع سبب الرفعة الحقيقية، لا رفعة الشهرة الزائلة.
وقد كان السلف والعلماء يفرون من الشهرة ويحذرون منها أشد التحذير ولم يكونوا يهتمون بالظهور والمحمدة، بل كانت غايتهم إرضاء الله جل وعلا، فليكن همك يا طالب العلم أن تنال رضا الله عُرفتَ أم لم تُعرف، مُدِحتَ أو ذُمِمتَ، فليكن شغلك الشاغل كيف ترضي ربك وكيف تنال رضا الله.
أسأل الله أن يرضى عني وعنكم، وإليك أخي الكريم نماذج من سير علماء المسلمين في التحذير والفرار من حب الظهور والشهرة، أستهل بكلام نفيس للإمام الذهبي رحمه الله:
قال الذهبي رحمه الله: "فربما أعجبته نفسه وأحب الظهور فيعاقب... فكم من رجل نطق بالحق وأمر بالمعروف فيسلط الله عليه من يؤذيه لسوء قصده وحبه للرئاسة الدينية، فهذا داء خفي سار في نفوس الفقهاء، كما أنه سار في نفوس المنفقين من الأغنياء... وهو داء خفي يسري في نفوس الجند والأمراء والمجاهدين... إلى أن قال رحمه الله: فمن طلب العلم للعمل كسره العلم، وبكى على نفسه، ومن طلب العلم للمدارس والإفتاء والفخر والرياء تحامق واختال وازدرى بالناس وأهلكه العجب ومقتته الأنفس" انتهى. سير أعلام النبلاء في ترجمة أبي محمد ابن حزم.
وأثنّي بكلام آخر نفيسٍ لابن القيم رحمه الله:
قال ابن القيم رحمه الله ناصحاً بذبح محبة المدح والثناء والطمع بسكين اليأس: "لَا يجْتَمع الْإِخْلَاص فِي الْقلب ومحبة الْمَدْح وَالثنَاء والطمع فِيمَا عِنْد النَّاس إِلَّا كَمَا يجْتَمع المَاء وَالنَّار والضب والحوت، فَإِذا حدثتك نَفسك بِطَلَب الْإِخْلَاص فَأقبل على الطمع أَولا فاذبحه بسكين الْيَأْس وَأَقْبل على الْمَدْح وَالثنَاء فازهد فيهمَا زهد عشّاق الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة، فَإِذا استقام لَك ذبح الطمع والزهد فِي الثَّنَاء والمدح سهل عَلَيْك الْإِخْلَاص، فَإِن قلت: وَمَا الَّذِي يسهّل عَليّ ذبح الطمع والزهد فِي الثَّنَاء والمدح؟ قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عَلَيْك علمك يَقِينا أَنه لَيْسَ من شَيْء يطْمع فِيهِ إِلَّا وبيد الله وَحده خزائنه لَا يملكهَا غَيره وَلَا يُؤْتى العَبْد مِنْهَا شَيْئا سواهُ، وَأما الزهد فِي الثَّنَاء والمدح فيسهله عَلَيْك علمك أَنه لَيْسَ أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمه ويشين إِلَّا الله وَحده، كَمَا قَالَ ذَلِك الْأَعرَابِي للنَّبِي: إن مدحي زين وذمي شَيْن، فَقَالَ: ذَلِك الله عز وَجل، فازهد فِي مدح من لَا يزينك مدحه وَفِي ذمّ من لَا يشنيك ذمه، وارغب فِي مدح من كل الزين فِي مدحه وكل الشين فِي ذمه، وَلنْ يقدر على ذَلِك إِلَّا بِالصبرِ وَالْيَقِين، فَمَتَى فقدت الصَّبْر وَالْيَقِين كنت كمن أَرَادَ السّفر فِي الْبَحْر فِي غير مركب، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾". انتهى كلامه رحمه الله من كتاب الفوائد.
وعلى النفور من حب الشهرة مشى الصالحون الراغبون في رضا الرحمن.
فهذا سيد التابعين أويس القرني - ثم المرادي - لم يكن مشهوراً ولا معروفاً بين قومه وجيرانه، والنبي ﷺ يقول لعمر: "فإن استطعت أن يغفر لك فافعل".
وعند انتباه الناس لفضله ينطلق على وجهه ولا يعرفه أحد بعد ذلك ويقول لعمر أكون في غبراء الناس أحب إلي، وقصته مشهورة في كتب الحديث.
فهذا سيد التابعين يهرب من الظهور والشهرة، ويركب أحدنا الصعب والذلول لنيلها، رحماك رحماك ربنا.
وقد نقل الذهبي في السير عن إبراهيم بن الأدهم: "ما صدق الله عبدٌ أحب الشهرة".
ثم قال الذهبي معلقاً على هذا القول: "عَلاَمَةُ المُخْلِصِ الَّذِي قَدْ يُحبُّ شُهرَةً، وَلاَ يَشعُرُ بِهَا، أَنَّهُ إِذَا عُوتِبَ فِي ذَلِكَ، لاَ يَحرَدُ وَلاَ يُبرِّئُ نَفْسَه، بَلْ يَعترِفُ، وَيَقُوْلُ: رَحِمَ اللهُ مَنْ أَهدَى إِلَيَّ عُيُوبِي، وَلاَ يَكُنْ مُعجَباً بِنَفْسِهِ؛ لاَ يَشعرُ بِعُيُوبِهَا، بَلْ لاَ يَشعرُ أَنَّهُ لاَ يَشعرُ، فَإِنَّ هَذَا دَاءٌ مُزْمِنٌ". انتهى.
وقال أيوب السختياني رحمه الله: "ما صدق الله عبد إلا سره ألا يشعر بمكانه". نقله ابن كثير في تفسير سورة لقمان.
وفي الصفوة لابن الجوزي أن بعض أهل ابن المبارك ذكروا هذه القصة، قال: وكنت مع ابن المبارك يوماً فأتينا على سقاية والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس فزحموه ودفعوه فلما خرج قال لي: "ما العيش إلا هكذا". يعني حيث لم نعرف ولم نوقر.
وذكروا أن سبب انتقاله من مرو إلى الكوفة هو الفرار من الشهرة.
وقد ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء ؛أن عبد الله بن المبارك قال: قالي سفيان الثوري:"إيَّاك والشُّهرة؛ فما أتيتُ أحدًا إلاَّ وقد نَهى عن الشُّهرة".
وذكر الذهبي أيضا:وقال أحمدُ بن عاصمٍ الأنطاكيُّ: "الخير كلُّه أن تُزوَى عنك الدُّنيا، ويُمَنَّ عليك بالقنوع، وتُصْرَف عنك وجوهُ النَّاس".
فلنقتدِ بهؤلاء نفز في الدنيا والآخرة.
فهذه الأقوال تدل على أن الشهرة كانت عندهم فتنة يُخشى منها، لا غاية تطلب.
#ولحب الظهور والشهرة علامات منها:
* الفرح بانتشار الاسم أكثر من انتشار الحق.
* التصدّر قبل التأهل.
* الاستعجال في الكلام في النوازل دون الرجوع إلى الكبار.
* كراهية الرجوع إلى الحق إذا خالف قوله.
وقفة تأمل:
وإذا كان السلفُ قديمًا يفرُّون من شهرةٍ مَحدودةِ النطاق، فما الظنُّ بفتنةِ هذا العصر الذي فُتحت فيه أبوابُ الظهورِ على مَصاريعها؟ إنَّ "شاشاتِ التواصل" اليوم أصبحت مِحكاً عسيراً للإخلاص؛ حيثُ يُغري "عددُ المتابعين" وتسابُقُ "الإعجابات" طالبَ العلمِ بتعجيلِ ثمرةِ القبول، فيتحوَّلُ هَمُّه من تحقيقِ المسألة العلمية، ونشر العلم ونفع الخلق إلى حصد المشاهدات، و...
​يا طالبَ العلم، إنَّ فتنةَ (الأضواءِ الرقمية) داءٌ خطير، يسرقُ منك "خبيئةَ العمل" ويجعلُ باطنَك قاعاً صفصفاً. فاحذر أن تبيعَ مِيراثَ النبوةِ العظيم بعرَضٍ من الدنيا زائل، وهو ثناءُ جمهورٍ لا يملكُ لك نفعاً ولا ضراً، واعلم أنَّ بَرَكةَ العلمِ في خفائه لا في ضجيجه، فكم من مَغمورٍ في الأرضِ مشهورٍ في السماء، وكم من مَصدورٍ في المحافلِ مطرودٍ من موائدِ القبول.
ولابد هنا من تأكيد تذكير وقفة فقهية، وملحظ مهم قد يخفى عن بعضنا؛ وهو أن نعلم أنَّ ذم "الظهور" ليس متوجها إلى "ذات الظهور"، بل إلى إرادة العلوّ والشهرة؛ إذ قد يوجب الشرع على العالم مقام البيان صيانة للملة، وردا للبدعة، والميزان العدل في ذلك: أن يكون الحقُ مقصودَك، والظهورُ تبعا لا غرضا ويجب على الداعية أن يتفقد حال قلبه بين الفينة والأخرى
فالمخلص يسره أن يظهر الحق على يد غيره كما يسره على يد نفسه، ويحذر من "فخ القعود" بدعوى خوف الرياء؛ فقد تقرر عند العلماء أن ترك العمل لأجل الناس رياء. فالموفق هو من لا يستفزه إقبال الخلق، ولا يوحشه إدبارهم، فهمه: بث العلم وتواري النفس.
وقد تقدم إشارة إلى هذه الفروق في كلام الإمام الذهبي.
وأخيراً أقول: هذا المرض يحتاج منا دواء عاجلاً وفحصاً عميقاً، ويحتاج معالجة أكثر من هذا بكثير، نسأل الله أن يعيننا على الطاعة والإخلاص.
ويا طالب العلم، اعلم أن العلم عبادة، ولا تُقبل العبادة إلا بالإخلاص.
وحب الظهور يقصم الظهور، ويُذهب بركة العلم، ذلك أن حبَّ الثناءِ والظهور يُؤدِّي إلى (تضخُّمِ الأنا العِلمية) على حسابِ "الحقائق الشرعية"، فهو يمسخُ جوهرَ التعبُّدِ ويُحيلُ الطاعاتِ إلى هياكلَ جوفاء، وجثثٍ هامدةٍ بلا رُوح، لا وزنَ لها في موازينِ القبول.
فَيُصبحُ العلمُ مَركباً للجاهِ لا مَسلكاً للنجاة، وبذلكَ يَنهارُ البناءُ المعنويُّ للطالبِ من الداخل؛ فكلَّما ازدادَ ظهورهُ وتورَّم في عيونِ النَّاس، ازدادَ تآكلاً وضعةً في مِيزانِ الحقّ، إذ لا يجتمعُ وقارُ الإخلاصِ مع اضطرابِ التشوُّفِ للمكانة.
فالزم التواضع، واهرب من الشهرة وحب الظهور.
نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يعيذنا من الرياء وحب الظهور، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

#المقال (٣):
#الدعوة إلى الله بداية طريقٍ أطول في طلب العلم والتزكية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن من أعظم نعم الله على العبد أن يوفقه لسلوك طريق العلم والتعليم والدعوة إلى الله، وأن يجعله سبباً لهداية الناس وتعليمهم الخير، وهذه منزلة عظيمة ومقام شريف.
قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].
ولكن من الأخطاء الخطيرة التي يقع فيها بعض طلاب العلم أو الدعاة: أن يظن أحدهم أن تصدره للتعليم وقيامه بمهام الدعوة يعني أنه بلغ الغاية، وصار من أهل الرسوخ، وأنه لم يعد محتاجًا إلى التعلّم والتزكية والتربية. وهذا مرض جسيم ومن مكايد الشيطان؛ فالتصدر قد يكون لسد ثغرة أو لضرورة واقعية، لكن الرسوخ ملكة لا تحصل إلا بطول الملازمة وكثرة التفتيش في بطون الكتب ومعاناة المسائل، وهو طريقٌ لا ينتهي بلقب أو مشيخة؛ فإن العلم بحر لا ساحل له، وكلما ازداد العبد علمًا ازداد معرفةً بجهله، ولهذا كان أكابر العلماء أشد الناس تواضعًا.
ولذا فإن من أعظم ما ينبغي أن يستحضره الداعية: أنه مهما بلغ في التعليم والخطابة والتأثير، فإنه لا يزال طالب علم، محتاجًا إلى الازدياد من الفقه والفهم والتزكية.
قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].
قال الإمام القرطبي رحمه الله: "فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم" تفسير القرطبي.
فإذا كان سيد ولد آدم يؤمر بطلب المزيد من العلم، فكيف بمن دونه؟ وكيف يليق لطالب أن يظن أنه بلغ الغاية والنهاية؟
وفي المناقب لابن الجوزي: "قال صالح: رأى رجل مع أَبي محبرة، فقال له: يا أبا عبد الله أنت قد بلغت هذا المبلغ وأنت إِمام المسلمين؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة".
قال البغَوي: "سمعت أبا عبد اللَّه أَحمد بن حنبل يقول: أَنا أَطلب العلم إلى أن أَدخل القبر".
ويا طالب العلم إن العلم عبادة، ولم يجعل الله للعبادة حدا تنتهي إليه: ﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يأتيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99].
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: "لا يزال المرء عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل".
فهذه الكلمة العظيمة تبين أن الشعور بالاكتفاء بداية الانحدار؛ لأن العلم إذا توقف عن النمو والازدياد بدأ في التآكل والنسيان.
كما يبين أن العالم الصادق كلما ازداد علمًا ازداد تواضعًا وافتقارًا إلى الله.
واحذر -طالب العلم- النظر إلى نفسك بعين الكمال والاستغناء عن المشايخ؛ فإن ذلك عين الجهل وقلة المعرفة.
واعلم أن التصدر للدعوة لا يعني بلوغ الإمامة في العلم؛ فقد يفتح الله لبعض الناس بابًا في الخطابة، أو التعليم، أو التأثير في الناس، فيظن أنه قد بلغ منزلة العلماء الراسخين، وربما تكلم في النوازل الكبار، أو استغنى عن الرجوع إلى أهل العلم، وهذا خطر عظيم، فالخطيب الموفق ليس بالضرورة فقيهاً مجتهداً يُرجع إليه في المعضلات، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه فوقف عنده.
قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
وقال الإمام مالك رحمه الله: "ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك"، ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك. وكان رحمه الله مع إمامته وهيبته يُكثر من قول: "لا أدري".
فيا أيها الداعي إلى الله، ربِّ نفسك وربِّ طلابك على التواضع، ولزوم غرز العلماء، وعدم الاستعجال في الكلام والتصدر.
واعلم أن من علامات الإخلاص: دوام التعلم وقبول النصيحة؛ فالداعية الصادق لا يرى نفسه فوق النصيحة، ولا يستنكف من التعلم ممن هو أكبر منه أو أصغر.
ومن صفات الداعية الصادق:
#التواضع للحق.
#الرجوع إلى الدليل.
#الاستفادة من العلماء.
#دوام التعلم وطلب العلم.
#معرفة قدر النفس.
وأخطر ما يقطع الداعية عن التقدم شعوره أنه وصل؛ فإذا شعر الإنسان أنه قد وصل، توقف عن التقدم، وأعجبته نفسه، وهذه قاصمة ظهر لطالب العلم الداعي إلى الله، ولعل الجهل عندئذ أحسن.
وقال مطرف بن عبد الله رحمه الله: "لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا، أحب إلي من أن أبيت قائمًا وأصبح معجبًا".
قال الذهبي بعد أن أورد كلام مطرف: "قلت: لا أفلَحَ -واللَّهِ- مَن زكَّى نفسَه، أو أعجَبَتْه".
فكم من إنسان أفسده الثناء، وقطعته الشهرة عن التواضع وطلب العلم. ولهذا يحتاج طالب العلم الداعي إلى الله دائمًا إلى:
#محاسبة نفسه.
#تجديد نيته.
#ملازمة العلماء.
#كثرة العبادة.
#قراءة سير السلف والعلماء الربانيين.
يا طالب العلم، ويا من وفقه الله للدعوة والتعليم: اعلم أن قيامك بخدمة الدين شرف عظيم، لكنه لا يعني أنك بلغت النهاية، ولا أنك استغنيت عن التعلم والتزكية والتربية. بل أنت أحوج ما تكون إلى: دوام طلب العلم، وتزكية النفس ومحاسبتها، والتواضع للحق.
وطريق الدعوة ليس محطة وصول، وإنما هو طريق عبوديةٍ طويل، لا ينتهي إلا بلقاء الله.
وتذكر دوماً أن القبول عند الله ليس بكثرة الأتباع، ولا بضجيج الشهرة، ولا بجودة السبك؛ وإنما بمقدار ما يحمله قلبك من افتقارٍ إلى الله، وإخلاص، وما تلهج به جوارحك من دوام الطلب، ومتابعة الأثر.
نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص والثبات، وطلب العلم حتى الممات، وأن يديم علينا نعمه ظاهرة وباطنة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

#المقال (4):
#العِلْمُ_يطلب_العَمَلَ
الحمد لله رب العالمين، الذي رفع أهل العلم درجات، وجعل العلم النافع ميراث الأنبياء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المعلِّم الأول، والأسوة الحسنة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذه نصيحة من أخٍ مقصِّر إلى نفسه أولًا، وإلى إخوانه طلبة العلم ثانيًا، ولا سيما من شرّفهم الله بسلوك منهج السلف الصالح والانتساب إليه؛ نصيحة في أمرٍ عظيم، وغرضٍ جليل، وثمرةٍ لا يستغني عنها طالب العلم، ألا وهي:
العمل بالعلم.
فإن العلم شجرة، والعمل ثمرتها، والعلم دليل، والعمل سيرٌ على الطريق، والعلم حجة، والعمل تصديقٌ لهذه الحجة.
وما أشدَّ حاجة طالب العلم إلى أن يقف مع نفسه وقفة صدق، فيسألها:
ماذا صنع بي العلم الذي تعلمته؟
هل خشع به قلبي؟
هل استقامت به جوارحي؟
هل صلحت به أخلاقي؟
هل قلَّت به ذنوبي؟
هل ازددت به تواضعًا؟
هل أصبحت أسرع إلى الطاعة وأبعد عن المعصية؟
أم أنني ازددت معلومات، ولم أزدد هداية؟
وكثرت محفوظاتي، ولم تكثر عبادتي؟
واتسع كلامي، وضاق عملي؟
إن هذه الأسئلة ليست ترفًا لطالب العلم، بل هي من أعظم أبواب محاسبة النفس.
*أولا: مفهوم العلم النافع:*
العلم النافع هو الذي يقتضي من صاحبه العمل، ويظهر أثره في اعتقاده وعبادته وأخلاقه وسلوكه.
قال الله تعالى:﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
فتأمل كيف جعل الله الخَشْيَة ثمرةً للعلم.
فكلما ازداد العبد علمًا بالله وأسمائه وصفاته وشرعه ووعده ووعيده، كان حريًّا أن يزداد خشيةً وتعظيمًا وإجلالًا وطاعة.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:
«أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر».تفسير ابن كثير.
فإذا كان العلم لا يورث صاحبه خشية، ولا يحمله على الطاعة، ولا يزجره عن المعصية، فليفتش صاحبه عن الخلل في قلبه.
وليس معنى ذلك أن كل من قصَّر في بعض العمل قد زال عنه وصف العلم، ولكن المقصود أن العلم النافع لا بد أن يكون له أثر في صاحبه.
*استجابة أو ارتحال:*
العلم يهتف بالعمل:
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل».
وقد اشتهر استعمال هذا المعنى عن السلف، وذكره الخطيب البغدادي في كتابه العظيم:
«اقتضاء العلم العمل».
وهذه كلمة ينبغي أن تُكتب بماء القلب قبل ماء القلم.
فكلما تعلمت حكمًا شرعيًا، ناداك علمك: اعمل.
وكلما عرفت سنةً، نادتك:اتبع.
وكلما علمت ذنبًا، قال لك علمك: اجتنب.
وكلما علمت فضيلةً، قال لك: بادر إليها.
فإن استجاب القلب، ثبت العلم ونما، وإن أعرض القلب وأصرَّ على المخالفة، كان العلم حجةً عليه.
واعلم يا طالب العلم أن الله تعالى ضرب مثلًا عظيمًا يدل على قبح من حُمِّل العلم ثم لم ينتفع به.
قال الله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5].
فما أشد هذا المثل! وما أوقعه في قلب طالب العلم!
فلم يقل الله: إنهم لم يعرفوا الكتاب.
بل قال: ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾
أي حملوا العلم، ثم لم ينتفعوا به.
فالمشكلة ليست دائمًا في فقدان العلم، وإنما قد تكون في عدم حمل أمانته.
ومن هنا ينبغي لطالب العلم أن يخاف من أن يكون نصيبه من العلم ألفاظه، ونصيبه من العمل تركه.
قال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].
*عظم المسؤولية والخطورة:*
واعلم أيضًا يا طالب العلم أن مسؤوليتك تزداد بقدر ما تتعلم من دين الله.
فأنت إذا تعلمت حكمًا ثم عملت به، كان العلم لك نورًا.
وإذا تعلمت الحق ثم خالفته، كان العلم عليك حجة.
ولهذا قال النبي ﷺ:«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع... وعن علمه ماذا عمل فيه».رواه الترمذي، وهو حديث حسن.
فتأمل:
لم يقل: حتى يسأل عن علمه كم كان؟بل:
«ماذا عمل فيه».
وهنا ينبغي أن ترتجف القلوب.
كم من مسألة عرفناها ولم نعمل بها؟
وكم من سنة علمناها ولم نحرص على تطبيقها؟
وكم من موعظة حفظناها ولم تغيّر فينا شيئًا؟
وكم من ذنب عرفنا تحريمه ثم واقعناه؟
*منهج الصحابة والسلف في العلم:*
وقد كان أصحاب النبي ﷺ يتعلمون ليعملوا.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
«كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن».
رواه الطبري في مقدمة تفسيره.
فمنهج الصحابة في التعلم والعمل هو المنهج الذي يجب على طالب العلم أن يقتدي به حقيقةً. تعلمٌ يعقبه عمل.
فلم يكن القرآن عندهم كتاب ثقافة، ولا مادةً للنقاش، ولا وسيلةً للتصدر، وإنما كان كتاب هداية وتعبد وامتثال.
قال التابعي أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله:
«حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا» رواه أحمد في المسند، والطبري في التفسير.
وهذا يختصر لنا منهجًا تربويًا عظيمًا:
علمٌ وفهمٌ وإيمانٌ وعملٌ وثبات.
وقد كان السلف يخافون من أن تكون أقوالهم أكثر من أعمالهم.
وكانوا يرون أن العلم مسؤولية، وليس مجرد لقب أو منزلة اجتماعية.
وكانوا إذا تعلموا شيئًا بادروا إلى العمل به.
ولهذا قال بعض السلف:
«كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به".نقله ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.
فالعلم إذا دخل ميدان العمل ثبت في القلب.
أما العلم الذي لا يُعمل به فكثيرًا ما يكون عرضة للنسيان.
*قدوة العاملين:*
وإذا أردت أن تعرف حقيقة العلم النافع، فانظر إلى رسول الله ﷺ؛ فقد كان أعلم الخلق بالله، ومع ذلك كان أكثرهم عبادةً وخشيةً وشكرًا.
قال ﷺ: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له».
متفق عليه.
وكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فلما قيل له:
«أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟» قال:«أفلا أكون عبدًا شكورًا»متفق عليه.
فهذا هو العلم حين يتحول إلى عبودية:
علمٌ في القلب، وخشيةٌ في القلب، وعبادةٌ في الجوارح.
* التواضع للحق والحذر من الإعجاب بالنفس:*
يا طالب العلم لا تجعل طلب العلم طريقًا إلى الكِبْر؛ فإن من أخطر الآفات التي قد تصيب طالب العلم أن يتعلم العلم فيزداد إعجابًا بنفسه،يحفظ المتون، ويعرف أقوال العلماء، ويستطيع الرد، فينظر إلى الناس من برج عال.
وهنا تبدأ المصيبة.
قال الله تعالى:﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76].
وقال سبحانه:﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].
فكلما ازداد علمك، ازددت إدراكًا لسعة ما تجهله.
وكلما اتسعت معرفتك، ازددت تواضعًا للحق وأهله.
ولهذا كان من أعلام الأمة من إذا سُئل قال:
لا أدري.
ولم يكونوا يرون قول: «لا أدري» نقصًا، بل يرونه من العلم.
قال ابن مسعود رضي الله عنه:
«من عَلِمَ فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم». رواه البخاري في صحيحه بمعناه.
*سلامة الصدر ومجانبة الجدال والخصومات:*
إن العلم ليس كثرة جدال وردود.
فيا طالب العلم احذر أن يتحول طلبك للعلم إلى مشروع دائم للخصومات.
تحفظ الردود أكثر مما تحفظ القرآن، وتعرف أسماء المخالفين أكثر مما تعرف أسماء سور القرآن؛ وتبحث عن أخطاء الناس، ولا تبحث عن عيوب نفسك، وتستطيع أن تتكلم ساعة في الآخرين، ولا تستطيع أن تجلس دقائق مع نفسك لمحاسبتها.
فهذه ليست سمة طالب العلم المنتفع بعلمه.
وليس المقصود ذمَّ دراسة الردود أو بيان الخطأ، فقد يحتاج طالب العلم إلى ذلك، وإنما المذموم أن يتحول طلب العلم إلى شغف بالخصومات، وانشغال بعيوب الناس عن إصلاح النفس.
وإنما العلم الذي ينفعك هو الذي يجعلك أشد حرصًا على إصلاح نفسك، وأرحم بالخلق، وأثبت على الحق، وأبعد عن الهوى.
قال الله تعالى:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32].
فلا تجعل الانتساب إلى السنة والسلفية شهادة تزكية لنفسك، بل اجعلها تكليفًا لك بأن تكون أكثر اتباعًا للسنة وأشد تعظيمًا للدليل.
* المِحَكّ الحقيقي: إصلاح الخلوات وعمل السر:*
واعلم يا طالب العلم أن العمل بالعلم يبدأ من الخلوات، فمن السهل أن تظهر أمام الناس بصورة طالب علم:
لكن أين أنت إذا أغلقت عليك بابك؟
أين أنت إذا لم يرك أحد؟
أين صلاتك في الليل؟.
أين غض بصرك؟
أين حفظ لسانك؟
أين خوفك من الله؟
هناك يظهر صدق العلم.
ولهذا كان السلف يعظمون عمل السر.
قال بعض السلف:
«من أصلح سريرته أصلح الله علانيته».ويروى حديثا ولا يصح.
فليكن لك بينك وبين الله أعمال لا يعلمها أحد.
ركعات في الليل.
صدقة في السر.
ذكر لا يراك فيه أحد.
دمعة من خشية الله.
دعاء في ظلمة الليل.
ترك ذنب وأنت قادر عليه، لأن الله يراك.
هذه هي التي تربي القلب.
*ثمرة العلم في حسن السلوك و الخلق:*
إن العمل بالعلم يظهر في السلوك والأخلاق.
فلأجل هذا يا طالب العلم!
إذا درست التوحيد، فليظهر أثره في توكلك.
وإذا درست العقيدة، فليظهر أثرها في ثباتك.
وإذا درست السنة، فليظهر أثرها في اتباعك.
وإذا درست الفقه، فليظهر أثره في عبادتك.
وإذا درست السيرة، فليظهر أثرها في أخلاقك.
وإذا درست آداب طالب العلم، فليظهر أثرها في تواضعك.
فالعلم الذي لا يحسن أخلاقنا يحتاج منا إلى مراجعة.
قال النبي ﷺ:
«إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» متفق عليه.
وكان ﷺ أحسن الناس خلقًا، وألينهم جانبًا، وأرحمهم بالخلق.
فمن أراد أن يكون على هديه وطريقته حقًا، فليجتهد في الاقتداء به في اعتقاده وعبادته وأخلاقه ومعاملاته.
*أدب الخلاف وزكاة العلم في الإنصاف:*
فمن أعظم الاختبارات لطالب العلم: كيف تتعامل مع من خالفك؟
هل تعدل؟
هل تنصف؟
هل تتثبت؟
هل تحفظ لسانك؟
هل ترد الخطأ دون ظلم صاحبه؟
قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
فالعدل لا يكون مع من نحب فقط، بل حتى مع من نكره ونخالف.
ومن هنا يُعرف صدق العلم.
*الحذر من آفة التسويف ومكائد الشيطان:*
يا طالب العلم لا تؤجل العمل:
فإن من مداخل الشيطان أن يقول لطالب العلم:
سأعمل عندما أنتهي من طلب العلم.
سأعبد الله أكثر عندما أنتهي من الكتاب.
سأقوم الليل عندما أكبر.
سأصلح أخلاقي عندما أكون شيخًا.
سأترك الذنوب عندما أتقدم في العلم.
وهذا خداع.
فاعمل الآن.
أنت تتعلم الصلاة؟ أصلح صلاتك الآن.
تتعلم التوحيد؟ حققه الآن.
تتعلم التوبة؟ تب الآن.
تتعلم غض البصر؟ اغضض بصرك الآن.
تتعلم بر الوالدين؟ ابدأ الآن.
تتعلم حسن الخلق؟ طبقه الآن.
فالعلم ليس محطة ننتظر نهايتها حتى نبدأ العمل.
بل العمل مصاحب للعلم من أول الطريق إلى آخره.
*حقيقة الميراث النبوي:*
والعلم والعمل به هما ميراث النبوة.
قال النبي ﷺ: «وإن العلماء ورثة الأنبياء» رواه أبو داود (3641)، والترمذي (2682)، وصححه أهل العلم.
فالعلماء لم يرثوا عن الأنبياء أموالًا ولا قصورًا، وإنما ورثوا العلم والهدى والدعوة والعمل.
فمن أراد أن يكون من ورثة الأنبياء، فليحمل العلم بأمانة، وليعمل به، وليدع إليه، وليصبر على طريقه.

الخاتمة:
وقبل الختام أخي طالب العلم قف
وقفة محاسبة.
يا طالب العلم، اجلس مع نفسك الليلة بلا كتاب ولا هاتف، واسألها:
ماذا غيَّر العلم فيَّ؟
إذا درست التوحيد، هل قلَّ تعلقي بغير الله؟
إذا درست التوكل، هل قلَّ خوفي من الخلق؟
إذا درست مراقبة الله، هل تحسنت خلواتي؟
إذا درست السنة، هل ازددت اتباعًا؟
إذا درست أحكام الصلاة، هل تحسنت صلاتي؟
إذا درست الغيبة، هل حفظت لساني؟
إذا درست التواضع، هل قلَّ إعجابي بنفسي؟
إذا درست حسن الخلق، هل أصبحت أرحم بأهلي وإخواني؟
إذا كانت الإجابة: نعم، فاحمد الله واسأله الثبات.
وإن كانت: لا، فلا تيأس، ولكن اعلم أن أمامك بابًا عظيمًا من أبواب الجهاد:
جهاد النفس على العمل بما تعلمت.
وفي الختام
لا تكن كتابًا يمشي:
يا طالب العلم لا تكن كتابًا يمشي بين الناس، ولا تكن لسانًا يتكلم بالحق وقلبه بعيد عنه.
لا تكن ممن يدل الناس على الطريق وهو عنه بعيد.
ولا ممن يحذر الناس من المعاصي وهو مقيم عليها.
ولا ممن يدعو إلى السنة وهو غافل عن عبادة ربه.
ولا ممن يرفع شعار السلف وهو بعيد عن اعتقادهم وأخلاقهم وعبادتهم وخشيتهم.
كن طالب علمٍ عاملًا:
إذا تعلمتَ خشيت.
وإذا علمتَ عملت.
وإذا أخطأتَ تبت.
وإذا جهلتَ قلتَ: لا أعلم.
وإذا نُصحتَ قبلت.
وإذا خُولفتَ عدلت.
وإذا أُعجبتَ بنفسك حاسبتها.
واجعل شعارك:
علمٌ نافع، وعملٌ صالح، وإخلاصٌ لله، واتباعٌ للسنة، وتواضعٌ للحق.
وتذكر دائمًا:
ليس الشأن أن تعرف الطريق فقط، وإنما الشأن أن تسلكه.
وليس الشأن أن تحفظ الدواء فقط، وإنما الشأن أن تستعملها.
وليس الشأن أن تعرف الحق، وإنما الشأن أن تعمل به.
وليكن كتابُ" اقتضاء العلم العمل" للخطيب البغدادي صاحبًا لك في هذا الباب؛ فنِعْمَ المعينُ على تذكير طالب العلم بأمانة العلم وحقه.
فاللهم ارزقنا علمًا نافعًا، وعملاً صالحًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وأخلاقًا حسنة.
اللهم اجعل العلم حجةً لنا لا حجةً علينا.
اللهم لا تجعلنا ممن يقولون ما لا يفعلون.
اللهم ارزقنا الإخلاص في طلب العلم، والصدق في العمل به، والثبات عليه حتى نلقاك.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وهدًى وتقى وصلاحًا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتب/أحمد حرسي أفرح

مقالات علمية:نصيحة لنفسي ولإخواني طلبة العلم السلفيينالمقال (4): العِلْمُ يطلب العَمَلَالحمد لله رب العالمين، الذي رفع أ...
13/08/2026

مقالات علمية:
نصيحة لنفسي ولإخواني طلبة العلم السلفيين
المقال (4): العِلْمُ يطلب العَمَلَ
الحمد لله رب العالمين، الذي رفع أهل العلم درجات، وجعل العلم النافع ميراث الأنبياء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المعلِّم الأول، والأسوة الحسنة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذه نصيحة من أخٍ مقصِّر إلى نفسه أولًا، وإلى إخوانه طلبة العلم ثانيًا، ولا سيما من شرّفهم الله بسلوك منهج السلف الصالح والانتساب إليه؛ نصيحة في أمرٍ عظيم، وغرضٍ جليل، وثمرةٍ لا يستغني عنها طالب العلم، ألا وهي:
العمل بالعلم.
فإن العلم شجرة، والعمل ثمرتها، والعلم دليل، والعمل سيرٌ على الطريق، والعلم حجة، والعمل تصديقٌ لهذه الحجة.
وما أشدَّ حاجة طالب العلم إلى أن يقف مع نفسه وقفة صدق، فيسألها:
ماذا صنع بي العلم الذي تعلمته؟
هل خشع به قلبي؟
هل استقامت به جوارحي؟
هل صلحت به أخلاقي؟
هل قلَّت به ذنوبي؟
هل ازددت به تواضعًا؟
هل أصبحت أسرع إلى الطاعة وأبعد عن المعصية؟
أم أنني ازددت معلومات، ولم أزدد هداية؟
وكثرت محفوظاتي، ولم تكثر عبادتي؟
واتسع كلامي، وضاق عملي؟
إن هذه الأسئلة ليست ترفًا لطالب العلم، بل هي من أعظم أبواب محاسبة النفس.
*أولا: مفهوم العلم النافع:*
العلم النافع هو الذي يقتضي من صاحبه العمل، ويظهر أثره في اعتقاده وعبادته وأخلاقه وسلوكه.
قال الله تعالى:﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
فتأمل كيف جعل الله الخَشْيَة ثمرةً للعلم.
فكلما ازداد العبد علمًا بالله وأسمائه وصفاته وشرعه ووعده ووعيده، كان حريًّا أن يزداد خشيةً وتعظيمًا وإجلالًا وطاعة.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:
«أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر».تفسير ابن كثير.
فإذا كان العلم لا يورث صاحبه خشية، ولا يحمله على الطاعة، ولا يزجره عن المعصية، فليفتش صاحبه عن الخلل في قلبه.
وليس معنى ذلك أن كل من قصَّر في بعض العمل قد زال عنه وصف العلم، ولكن المقصود أن العلم النافع لا بد أن يكون له أثر في صاحبه.
*استجابة أو ارتحال:*
العلم يهتف بالعمل:
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل».
وقد اشتهر استعمال هذا المعنى عن السلف، وذكره الخطيب البغدادي في كتابه العظيم:
«اقتضاء العلم العمل».
وهذه كلمة ينبغي أن تُكتب بماء القلب قبل ماء القلم.
فكلما تعلمت حكمًا شرعيًا، ناداك علمك: اعمل.
وكلما عرفت سنةً، نادتك:اتبع.
وكلما علمت ذنبًا، قال لك علمك: اجتنب.
وكلما علمت فضيلةً، قال لك: بادر إليها.
فإن استجاب القلب، ثبت العلم ونما، وإن أعرض القلب وأصرَّ على المخالفة، كان العلم حجةً عليه.
واعلم يا طالب العلم أن الله تعالى ضرب مثلًا عظيمًا يدل على قبح من حُمِّل العلم ثم لم ينتفع به.
قال الله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5].
فما أشد هذا المثل! وما أوقعه في قلب طالب العلم!
فلم يقل الله: إنهم لم يعرفوا الكتاب.
بل قال: ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾
أي حملوا العلم، ثم لم ينتفعوا به.
فالمشكلة ليست دائمًا في فقدان العلم، وإنما قد تكون في عدم حمل أمانته.
ومن هنا ينبغي لطالب العلم أن يخاف من أن يكون نصيبه من العلم ألفاظه، ونصيبه من العمل تركه.
قال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].
*عظم المسؤولية والخطورة:*
واعلم أيضًا يا طالب العلم أن مسؤوليتك تزداد بقدر ما تتعلم من دين الله.
فأنت إذا تعلمت حكمًا ثم عملت به، كان العلم لك نورًا.
وإذا تعلمت الحق ثم خالفته، كان العلم عليك حجة.
ولهذا قال النبي ﷺ:«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع... وعن علمه ماذا عمل فيه».رواه الترمذي، وهو حديث حسن.
فتأمل:
لم يقل: حتى يسأل عن علمه كم كان؟بل:
«ماذا عمل فيه».
وهنا ينبغي أن ترتجف القلوب.
كم من مسألة عرفناها ولم نعمل بها؟
وكم من سنة علمناها ولم نحرص على تطبيقها؟
وكم من موعظة حفظناها ولم تغيّر فينا شيئًا؟
وكم من ذنب عرفنا تحريمه ثم واقعناه؟
*منهج الصحابة والسلف في العلم:*
وقد كان أصحاب النبي ﷺ يتعلمون ليعملوا.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
«كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن».
رواه الطبري في مقدمة تفسيره.
فمنهج الصحابة في التعلم والعمل هو المنهج الذي يجب على طالب العلم أن يقتدي به حقيقةً. تعلمٌ يعقبه عمل.
فلم يكن القرآن عندهم كتاب ثقافة، ولا مادةً للنقاش، ولا وسيلةً للتصدر، وإنما كان كتاب هداية وتعبد وامتثال.
قال التابعي أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله:
«حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا» رواه أحمد في المسند، والطبري في التفسير.
وهذا يختصر لنا منهجًا تربويًا عظيمًا:
علمٌ وفهمٌ وإيمانٌ وعملٌ وثبات.
وقد كان السلف يخافون من أن تكون أقوالهم أكثر من أعمالهم.
وكانوا يرون أن العلم مسؤولية، وليس مجرد لقب أو منزلة اجتماعية.
وكانوا إذا تعلموا شيئًا بادروا إلى العمل به.
ولهذا قال بعض السلف:
«كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به".نقله ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.
فالعلم إذا دخل ميدان العمل ثبت في القلب.
أما العلم الذي لا يُعمل به فكثيرًا ما يكون عرضة للنسيان.
*قدوة العاملين:*
وإذا أردت أن تعرف حقيقة العلم النافع، فانظر إلى رسول الله ﷺ؛ فقد كان أعلم الخلق بالله، ومع ذلك كان أكثرهم عبادةً وخشيةً وشكرًا.
قال ﷺ: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له».
متفق عليه.
وكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فلما قيل له:
«أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟» قال:«أفلا أكون عبدًا شكورًا»متفق عليه.
فهذا هو العلم حين يتحول إلى عبودية:
علمٌ في القلب، وخشيةٌ في القلب، وعبادةٌ في الجوارح.
* التواضع للحق والحذر من الإعجاب بالنفس:*
يا طالب العلم لا تجعل طلب العلم طريقًا إلى الكِبْر؛ فإن من أخطر الآفات التي قد تصيب طالب العلم أن يتعلم العلم فيزداد إعجابًا بنفسه،يحفظ المتون، ويعرف أقوال العلماء، ويستطيع الرد، فينظر إلى الناس من برج عال.
وهنا تبدأ المصيبة.
قال الله تعالى:﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76].
وقال سبحانه:﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].
فكلما ازداد علمك، ازددت إدراكًا لسعة ما تجهله.
وكلما اتسعت معرفتك، ازددت تواضعًا للحق وأهله.
ولهذا كان من أعلام الأمة من إذا سُئل قال:
لا أدري.
ولم يكونوا يرون قول: «لا أدري» نقصًا، بل يرونه من العلم.
قال ابن مسعود رضي الله عنه:
«من عَلِمَ فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم». رواه البخاري في صحيحه بمعناه.
*سلامة الصدر ومجانبة الجدال والخصومات:*
إن العلم ليس كثرة جدال وردود.
فيا طالب العلم احذر أن يتحول طلبك للعلم إلى مشروع دائم للخصومات.
تحفظ الردود أكثر مما تحفظ القرآن، وتعرف أسماء المخالفين أكثر مما تعرف أسماء سور القرآن؛ وتبحث عن أخطاء الناس، ولا تبحث عن عيوب نفسك، وتستطيع أن تتكلم ساعة في الآخرين، ولا تستطيع أن تجلس دقائق مع نفسك لمحاسبتها.
فهذه ليست سمة طالب العلم المنتفع بعلمه.
وليس المقصود ذمَّ دراسة الردود أو بيان الخطأ، فقد يحتاج طالب العلم إلى ذلك، وإنما المذموم أن يتحول طلب العلم إلى شغف بالخصومات، وانشغال بعيوب الناس عن إصلاح النفس.
وإنما العلم الذي ينفعك هو الذي يجعلك أشد حرصًا على إصلاح نفسك، وأرحم بالخلق، وأثبت على الحق، وأبعد عن الهوى.
قال الله تعالى:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32].
فلا تجعل الانتساب إلى السنة والسلفية شهادة تزكية لنفسك، بل اجعلها تكليفًا لك بأن تكون أكثر اتباعًا للسنة وأشد تعظيمًا للدليل.
* المِحَكّ الحقيقي: إصلاح الخلوات وعمل السر:*
واعلم يا طالب العلم أن العمل بالعلم يبدأ من الخلوات، فمن السهل أن تظهر أمام الناس بصورة طالب علم:
لكن أين أنت إذا أغلقت عليك بابك؟
أين أنت إذا لم يرك أحد؟
أين صلاتك في الليل؟.
أين غض بصرك؟
أين حفظ لسانك؟
أين خوفك من الله؟
هناك يظهر صدق العلم.
ولهذا كان السلف يعظمون عمل السر.
قال بعض السلف:
«من أصلح سريرته أصلح الله علانيته».ويروى حديثا ولا يصح.
فليكن لك بينك وبين الله أعمال لا يعلمها أحد.
ركعات في الليل.
صدقة في السر.
ذكر لا يراك فيه أحد.
دمعة من خشية الله.
دعاء في ظلمة الليل.
ترك ذنب وأنت قادر عليه، لأن الله يراك.
هذه هي التي تربي القلب.
*ثمرة العلم في حسن السلوك و الخلق:*
إن العمل بالعلم يظهر في السلوك والأخلاق.
فلأجل هذا يا طالب العلم!
إذا درست التوحيد، فليظهر أثره في توكلك.
وإذا درست العقيدة، فليظهر أثرها في ثباتك.
وإذا درست السنة، فليظهر أثرها في اتباعك.
وإذا درست الفقه، فليظهر أثره في عبادتك.
وإذا درست السيرة، فليظهر أثرها في أخلاقك.
وإذا درست آداب طالب العلم، فليظهر أثرها في تواضعك.
فالعلم الذي لا يحسن أخلاقنا يحتاج منا إلى مراجعة.
قال النبي ﷺ:
«إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» متفق عليه.
وكان ﷺ أحسن الناس خلقًا، وألينهم جانبًا، وأرحمهم بالخلق.
فمن أراد أن يكون على هديه وطريقته حقًا، فليجتهد في الاقتداء به في اعتقاده وعبادته وأخلاقه ومعاملاته.
*أدب الخلاف وزكاة العلم في الإنصاف:*
فمن أعظم الاختبارات لطالب العلم: كيف تتعامل مع من خالفك؟
هل تعدل؟
هل تنصف؟
هل تتثبت؟
هل تحفظ لسانك؟
هل ترد الخطأ دون ظلم صاحبه؟
قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
فالعدل لا يكون مع من نحب فقط، بل حتى مع من نكره ونخالف.
ومن هنا يُعرف صدق العلم.
*الحذر من آفة التسويف ومكائد الشيطان:*
يا طالب العلم لا تؤجل العمل:
فإن من مداخل الشيطان أن يقول لطالب العلم:
سأعمل عندما أنتهي من طلب العلم.
سأعبد الله أكثر عندما أنتهي من الكتاب.
سأقوم الليل عندما أكبر.
سأصلح أخلاقي عندما أكون شيخًا.
سأترك الذنوب عندما أتقدم في العلم.
وهذا خداع.
فاعمل الآن.
أنت تتعلم الصلاة؟ أصلح صلاتك الآن.
تتعلم التوحيد؟ حققه الآن.
تتعلم التوبة؟ تب الآن.
تتعلم غض البصر؟ اغضض بصرك الآن.
تتعلم بر الوالدين؟ ابدأ الآن.
تتعلم حسن الخلق؟ طبقه الآن.
فالعلم ليس محطة ننتظر نهايتها حتى نبدأ العمل.
بل العمل مصاحب للعلم من أول الطريق إلى آخره.
*حقيقة الميراث النبوي:*
والعلم والعمل به هما ميراث النبوة.
قال النبي ﷺ: «وإن العلماء ورثة الأنبياء» رواه أبو داود (3641)، والترمذي (2682)، وصححه أهل العلم.
فالعلماء لم يرثوا عن الأنبياء أموالًا ولا قصورًا، وإنما ورثوا العلم والهدى والدعوة والعمل.
فمن أراد أن يكون من ورثة الأنبياء، فليحمل العلم بأمانة، وليعمل به، وليدع إليه، وليصبر على طريقه.

الخاتمة:
وقبل الختام أخي طالب العلم قف
وقفة محاسبة.
يا طالب العلم، اجلس مع نفسك الليلة بلا كتاب ولا هاتف، واسألها:
ماذا غيَّر العلم فيَّ؟
إذا درست التوحيد، هل قلَّ تعلقي بغير الله؟
إذا درست التوكل، هل قلَّ خوفي من الخلق؟
إذا درست مراقبة الله، هل تحسنت خلواتي؟
إذا درست السنة، هل ازددت اتباعًا؟
إذا درست أحكام الصلاة، هل تحسنت صلاتي؟
إذا درست الغيبة، هل حفظت لساني؟
إذا درست التواضع، هل قلَّ إعجابي بنفسي؟
إذا درست حسن الخلق، هل أصبحت أرحم بأهلي وإخواني؟
إذا كانت الإجابة: نعم، فاحمد الله واسأله الثبات.
وإن كانت: لا، فلا تيأس، ولكن اعلم أن أمامك بابًا عظيمًا من أبواب الجهاد:
جهاد النفس على العمل بما تعلمت.
وفي الختام
لا تكن كتابًا يمشي:
يا طالب العلم لا تكن كتابًا يمشي بين الناس، ولا تكن لسانًا يتكلم بالحق وقلبه بعيد عنه.
لا تكن ممن يدل الناس على الطريق وهو عنه بعيد.
ولا ممن يحذر الناس من المعاصي وهو مقيم عليها.
ولا ممن يدعو إلى السنة وهو غافل عن عبادة ربه.
ولا ممن يرفع شعار السلف وهو بعيد عن اعتقادهم وأخلاقهم وعبادتهم وخشيتهم.
كن طالب علمٍ عاملًا:
إذا تعلمتَ خشيت.
وإذا علمتَ عملت.
وإذا أخطأتَ تبت.
وإذا جهلتَ قلتَ: لا أعلم.
وإذا نُصحتَ قبلت.
وإذا خُولفتَ عدلت.
وإذا أُعجبتَ بنفسك حاسبتها.
واجعل شعارك:
علمٌ نافع، وعملٌ صالح، وإخلاصٌ لله، واتباعٌ للسنة، وتواضعٌ للحق.
وتذكر دائمًا:
ليس الشأن أن تعرف الطريق فقط، وإنما الشأن أن تسلكه.
وليس الشأن أن تحفظ الدواء فقط، وإنما الشأن أن تستعملها.
وليس الشأن أن تعرف الحق، وإنما الشأن أن تعمل به.
وليكن كتابُ" اقتضاء العلم العمل" للخطيب البغدادي صاحبًا لك في هذا الباب؛ فنِعْمَ المعينُ على تذكير طالب العلم بأمانة العلم وحقه.
فاللهم ارزقنا علمًا نافعًا، وعملاً صالحًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وأخلاقًا حسنة.
اللهم اجعل العلم حجةً لنا لا حجةً علينا.
اللهم لا تجعلنا ممن يقولون ما لا يفعلون.
اللهم ارزقنا الإخلاص في طلب العلم، والصدق في العمل به، والثبات عليه حتى نلقاك.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وهدًى وتقى وصلاحًا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتب/أحمد حرسي أفرح

Address

Al Barako
Mogadishu

Telephone

616709904

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Sh.Axmed xersi posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share