28/08/2026
خطبة الجمعة 28 أغسطس 2026 التي ألقاها الحبيب خالد عبدالقادر مادري بمسجد حي الرميلة بمحلية الشواك ولاية القضارف بعنوان:-- مولد النبي ﷺ ومعجزاته بمناسبة المولد النبوي الشريف 1448هـ - 2026م
الخطبة الأولى
اللهم اني أحمدك يا عظيم الكرم، واشكرك شكر عبد معترف بالتقصير في طاعتك يا ذا الإحسان والنعم، أصلي واسلم علي سيد ولد آدم سيد الخلق أجمعين،
احبابي في الله، واخواني علي نهج رسول الله.
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدّر فهدى، وأرسل رسله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله، نحمده حمد الشاكرين، ونشكره شكر المخلصين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، وخيرته من خلقه، أرسله ربه بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
أما بعد،
أيها المؤمنون، اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
مع إشراقة هذه الأيام المباركة التي نحتفل فيها بمولد خير البشرية، نبي الرحمة والهدى، سيدنا محمد ﷺ، نقف اليوم مع محطة عظيمة من محطات حياته المباركة، نستلهم منها الدروس والعبر، ونستشعر من خلالها عظمة منزلته ومكانته عند ربه. إنها محطة المعجزات النبوية، تلك الآيات الباهرة التي أيّد الله بها نبيه لتكون برهاناً على صدق رسالته، ومنهاجاً للمؤمنين يزدادون بها إيماناً ويقيناً.
أولاً: معجزة القرآن الكريم.. المعجزة الخالدة: أيها الإخوة في الله، إن أعظم معجزة للنبي ﷺ وأكبرها وأبقاها على مر الزمان هي القرآن الكريم، هذا الكتاب الذي قال الله فيه: "قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء: 88).
إنه كتاب تحدّى به العرب وهم أهل الفصاحة والبيان، فعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، وما زال التحدي قائماً إلى يوم القيامة. إن في آياته من الإعجاز العلمي، والتشريعي، واللغوي، والغيبي، ما يذهل العقول ويخضع لها القلوب، فهو معجزة لكل زمان ومكان، مفتوح للتدبر والتفكر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ثانياً: معجزات حسية أيّد الله بها نبيه: ولم تقتصر معجزات نبينا ﷺ على القرآن الكريم، بل أيّده ربه بمعجزات حسية شاهدة أمام أعين الناس، نذكر منها:
1. انشقاق القمر
كان المشركون يسألون النبي ﷺ الآيات، فأراهم الله آية عظيمة، فانشق القمر بإشارة من النبي ﷺ فرقتين: فرقة على جبل أبي قبيس، وفرقة على جبل قعيقعان، والناس ينظرون، وقد شهد بذلك كثير من الصحابة، وقال الله تعالى: "اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ" (القمر: 1-2).
2. حنين الجذع
كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة متكئاً على جذع نخلة في المسجد، فلما اتخذ المنبر وترك الجذع، حنّ الجذع حنين الناقة المفطوم، حتى سمع الناس صوته، فنزل النبي ﷺ وضمه إليه فسكن. هذه معجزة دلت على أن الجمادات تسبح لله وتستجيب لأمره، وفيها درس عظيم: أن المؤمن إذا فارق ما ألفه وأحبه من أجل الله، عوّضه الله خيراً.
3. تسليم الحجر والشجر
كان النبي ﷺ إذا مر بحجر أو شجر يسلم عليه، وقد ثبت أن الصحابة كانوا يسمعون الحجر ينادي: السلام عليك يا رسول الله. وفي حديث جابر: "كان النبي ﷺ إذا مر بالشجر أو الحجر سجد له"، وهذا من إكرام الله لنبيه أن جعل الجمادات تنطق بتعظيمه.
4. إطعام الطعام الكثير من القليل
في غزوة الخندق، جاء جابر بن عبد الله إلى النبي ﷺ وقال: إن عندنا عناقاً وشعيراً يسيراً، فقال النبي ﷺ لأصحابه: "يا أهل الخندق، إن جابراً قد صنع لكم سُدقة فانطلقوا"، فجاء الجيش كله، وقاربوا الألف، وجاء النبي ﷺ إلى البرمة فبارك فيها، ثم دعا بالعجين فبارك فيه، فأكل الجيش كله وشبعوا، وبقي من الطعام بقية.
وهذا حاله ﷺ في كل معجزاته: بركة في الطعام، وبركة في الشراب، وبركة في الزاد، والله يبارك لمن اتقاه وأنفق في سبيله.
5. تكثير الماء بين يديه
في الحديبية، عطش الجيش، فأتوا النبي ﷺ فبصق في ركوة فيها ماء قليل، ثم قال: "اشربوا وتوضئوا"، فجعل الماء يفور من بين أصابعه حتى شرب الجيش كلهم وتوضئوا. وفي غزوة تبوك، نزلوا بئراً ماؤها قليل، فدعا النبي ﷺ فجعل الماء ينبع من البئر حتى ارتوى الجيش كله.
6. الإسراء والمعراج
وهي أعظم رحلة في الوجود، أسرى الله بنبيه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى، حيث أوحى إليه ما أوحى، وفرضت الصلوات الخمس، هذه الرحلة المباركة أثبتت مكانة نبينا ﷺ عند ربه، وجعلته إماماً للأنبياء وأميراً لهم في تلك الليلة.
ثالثاً: معجزات في الدعاء والإخبار بالغيب: كان النبي ﷺ إذا دعا استُجيب له دعاؤه، ومن ذلك:
· دعاؤه لعبد الله بن مسعود: قال عبد الله: كنت أقرأ على النبي ﷺ سورة النساء حتى إذا بلغت: "فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا"، قال: "حسبك الآن"، فالتفتُّ إليه، فإذا عيناه تذرفان بالدمع.
· دعاؤه لعلي بن أبي طالب: قال: "اللهم اهدِ قلبه وثبّت لسانه"، فكان علي يقول: ما شككت في قضاء بعد ذلك.
· دعاؤه لأنس بن مالك بالبركة: قالت أم سليم: يا رسول الله، أنس خادمك، فادع له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه"، فكان أنس من أكثر الصحابة مالاً وولداً.
كما أخبر النبي ﷺ بأمور غيبية وقعت كما أخبر، من ذلك:
· فتح القسطنطينية
· فتح بيت المقدس
· ظهور الدجال وفتنة آخر الزمان
· وقوع الفتن بين المسلمين
· خروج المسيح الدجال وأتباعه
وهذا كله من علم الغيب الذي أعطاه الله لنبيه، إكراماً له وتثبيتاً للمؤمنين.
رابعاً: رحمة النبي ﷺ معجزة أخلاقية: أيها الاحباب، والإخوة، إن أعظم معجزة وأثبتها في حياة النبي ﷺ هي خلقه العظيم ورحمته بالناس، لقد كان ﷺ رحمة للعالمين، قال الله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" (الأنبياء: 107).
كان ﷺ يدعو لأعدائه، ويغفر لمن آذاه، ويصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويحسن إلى من أساء إليه.
وفي فتح مكة، دخلها ظافراً، وكان في وسعه أن يقتل كل من كفروا به وآذوه وأخرجوه من بلده، لكنه قال لأهل مكة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، فكان هذا الموقف العظيم أعظم معجزة أخلاقية في تاريخ البشرية.
اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد،
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن هذا المولد النبوي الشريف ليس مناسبة للاحتفال فقط، بل هو مناسبة لتجديد العهد مع الله ومع نبيه ﷺ، والتزام سنته، والسير على منهاجه، والاقتداء بخلقه العظيم.
احبابي في الله: ، إن من أعظم الواجبات في هذا الشهر الكريم:
1. تذكر معجزات النبي ﷺ وقراءة سيرته: لنزداد بها إيماناً ويقيناً، فهي تثبت الفؤاد، وتطمئن القلب، وتربطنا بنبينا حباً وتقديراً.
2. الصلاة والسلام عليه: كما أمرنا الله: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (الأحزاب: 56)، فما من مسلم يصلي عليه صلاة إلا صلى الله عليه بها عشراً.
3. قراءة القرآن وتدبره: فهو المعجزة الخالدة التي بين أيدينا، وهو وحي الله المنزل على نبيه، وفيه النور والهدى والشفاء.
4. التخلق بأخلاق النبي ﷺ: من الصدق، والأمانة، والرحمة، والتسامح، والعفو عند المقدرة، والإحسان إلى الناس، والرفق بالضعفاء، وحسن الجوار، وكظم الغيظ.
5. التمسك بالسنة ونشرها: والدعوة إليها بالحكمة والموعظة الحسنة، والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله.
6. إحياء سنة الدعوة إلى الله: كما كان نبينا ﷺ داعيةً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فكلنا دعاة إلى الخير والصلاح في محيطنا.
احبابي في الله واخواني علي نهج رسول الله :إن من أعظم ما نتعلمه من معجزات النبي ﷺ أن قوة الإيمان بالله هي التي تمنع الإنسان من الوقوع في المحرمات، فكما كان أصحاب النبي ﷺ يتسلحون بالإيمان لمواجهة أعدائهم، فإننا اليوم نحتاج الإيمان لمواجهة أعدائنا
· أن الدعاء والالتجاء إلى الله هو أقوى سلاح في مواجهة الإغراءات، وكما كان النبي ﷺ يلجأ إلى ربه في كل كربه، فلنلجأ إلى الله أن يحفظنا وذرياتنا .
· أن الصبر والثبات على الحق هو طريق النجاة، كما صبر النبي ﷺ على أذى قومه حتى أظهر الله دينه، فليصبر كل من ابتُلي بالتعاطي أو من له قريب مبتلى، وليعلم أن العاقبة للمتقين.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان، وأصلح أحوالهم، ووحّد صفوفهم، وأنصرهم على عدوهم، واجمعهم على كلمة الحق، ووفق ولاة أمرنا لما تحب وترضى، وأيدهم بالحق، واخلع عليهم لباس التقوى.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم امنحنا الأمن والأمان والاستقرار، وارزقنا العافية في الدنيا والآخرة.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
قوموا إلي صلاتكم يرحمني ويرمحكم الله.