09/05/2026
( مؤسسة الأسرة في الإسلام )
قراءة متأنية في قصة الظهار .
توفيق زهران .
،،،،،،،،،،،،،،،،،
بالعودة إلى قصة الظهار ، وإلى تلك الحادثة التي تُعد الأولى في تاريخ الاسلام ، حيث سلَّط فيها الزوج المتعنت الآثم سيف الظلم والقهر على زوجته ، ذلك السيف الجاهلي الذي لطالما قطع به الزوج كل حبال المودة والرحمة ، ومزق به كل وشائج السكينة والطمأنينة مع الزوجة ، دون مراعاة لعشرة كانت بين الزوجين ، ولا لمعروف دام طويلا بين الحبيبين . ودون إدراك لتبعة ذلك الظلم الفادح الواقع على الأسرة كلها ، وخاصة على الأولاد الصغار فيها .
لقد وقعت تلك الحادثة – وهي الأولى من نوعها في المجتمع الإسلامي بالمدينة - فكانت بمثابة الزلزال الذي استدعى التدخل الفوري من السماء ؛ لرفع ذلك الظلم عن المرأة ، وحماية الأسرة من التفكك والتصدع والانهيار بسبب تلك العادة الجاهلية ، التي كانت تمثل طرفا من سوم المرأة الخسف والعنت ، ومن اضطراب علاقات الأسرة وتعقيدها وفوضاها ، تحت نزوات الرجال وعنجهيتهم في المجتمع الجاهلي قبل الإسلام .
لقد نطق أوس بن الصامت بالمنكر من القول والزور ، وقال لزوجته ( أنتِ عليَّ كظهر أمي ) ، وقد أدركت الزوجة - تماما - ما يعنيه الزوج بما نطق ، أدركت أنها صارت محرمة عليه بأعلى درجات التحريم التي عرفها الإنسان ، كما أدركت التبعات الثقيلة لتلك المقولة عليها وعلى أولادها ، ولذلك حينما أراد الزوج النكوص عن ذلك التحريم ، والعود إلى ما كان عليه الحال قبل ذلك التحريم ، ليباشرها كزوجة بعد أن صيرها له - بزعمه - أمًّا ، فأبت تلك المرأة الأبية العزيزة الكريمة أن تكون لعبة في يد زوجها ، يلعب بها وقتما شاء كما يلعب الأطفال ، ويرميها وقتما شاء حينما يمل من اللعبة الصغار ، ورفضت طلبه لمعاشرتها حتى تذهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتقص عليه ما جرى ، ليقضي في الأمر بما يريه الله .
إنها لم تذهب لأهلها ولا لجيرانها ولا لصواحبتها ولا لمنظمة نسوية ماسونية لتعرض عليهم قضيتها ؛ فيدلي كل بدلوه وفق ما يرى ، فتتعدد الآراء ، وتتشعب الأقوال ، ويلتبس الحق بالباطل ، ويختلط الغث بالسمين ، وتمتزج النوايا الحسنة بغيرها الشرِّيرة الخبيثة ، وتصبح مؤسسة الأسرة في مهب الريح ......
إنها ذهبت إلى الجهة التي آمنت بها واطمأنت إليها ، والتي رضيت – لإيمانها بها - بحكمها وقضائها . . ، إنها الجهة التي يُرجع إليها عند كل اختلاف يقع بين الناس ، إنها الجهة التي تتضمن حكم الله الذي يوحيه إلى رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] ، والذي اختاره لهم - بحكمته - في شئونهم الفردية والجماعية ، وفي نظام حياتهم ومعاشهم وحكمهم وسياستهم ، وأخلاقهم وسلوكهم . وبيّن لهم هذا كله بياناً شافيا . لتقوم الحياة على أساسه ، كي لا يكون للهوى المتقلب أثر في حياة المسلمين بعد ذلك المنهج الإلهي القويم.
إن تلك المرأة المكلومة لم تذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يعطيها سيفا تقطع به رقبة زوجها ، ولا ليسن لها قانونا تذيق به زوجها العذاب ضعفين ، وتجرجره في المحاكم وتمرمغ كرامته بين أروقتها . .
إنما ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم راجية أن تجد عنده لعسرها يسرا ، ولكربها فرجا ، ولزوجها مردًّا ، إنها تريد الحفاظ على أسرتها من التفكك والانهيار ، وعلى أولادها من الضياع والبوار ، نعم تدرك إلى أي مدى قسى عليها زوجها ، وظلمها إذ ظاهرها ، وتخلى عنها بعدما ذهب جمالها ، وتضعضع جسدها ، ولكنها لم تنس أنه أب لأولادها , وأن في الأمر فسحة لرأب الصدع . . إنها ذهبت تريد الإصلاح لا الإفساد ، وتنشد العودة لا الشقاق .
إن مراجعة الحوار الذي دار بين تلك السيدة الجليلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم – كما ذكرته كتب التفسير – يكشف لنا مدى الأسى والحزن الذي أصابها بظهار زوجها لها ، ومدى قلقها البالغ على مستقبل تلك الأسرة المهددة بالانهيار ، نراها وهي تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجادله في هذا المصاب الجلل الذي ألمَّ بها ، وكلما سمعته يقول لها : (حرمت عليه ، وما عندي في أمرك شيء ) ، تجادله وتحاوره قائلة له : " يا رسول الله ، ما ذكر زوجي طلاقا ، وهو أبو أولادي ، وهم صبية صغار ، إن ضممتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلى جاعوا ". ومع كل توسلاتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يجد لها مخرجا غير الطلاق ، إلا أنها لم تسمع منه صلى الله عليه وسلم ما تريد ، بل ظل يردد لها نفس القول ( قد حرمت عليه , وما عندي في أمرك شيء ) ، وقد كان الظهار في الجاهلية تحريما للمرأة مؤبدا ، فاستقر بين الناس أمرا مشروعا . وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بحكم غير ما تعارف عليه الناس إلا أن يأتي له من الله برهان .
حينئذ لجأت المرأة إلى السماء تدعو ربها دعوة المضطر ، وترفع شكواها إليه قائلة : " أشكو إلى الله فاقتي ووجدي ، أشكو إلى الله فاقتي ووجدي " ، والمضطر في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله ، يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء حين تضيق الحلقة ، وتشتد الخنْقة ، وتتخاذل كل القوى من حوله ، وتتهاوى سائر الأسناد ؛ وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص . لا قوته تنفعه ، ولا قوة في الأرض تنجده . وكل ما كان يعده لساعة الشدة قد زاغ عنه أو تخلى ؛ وكل من كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى . .
في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة ، ويتجه الإنسان إلى الله في ساعة الشدة ، ولو كان قد نسيه من قبل في ساعات الرخاء . فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه . هو وحده دون سواه . يجيبه ويكشف عنه السوء ، ويرده إلى الأمن والسلامة ، وينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق .
وما زالت تردد الزوجة المبتلاة شكواها إلى الله حتى استجاب – سبحانه - لشكواها ، ورفع عنها مصابها وبلواها . فنزلت في التوِّ واللحظة تلك الآيات الكريمات ؛ نزلت لتمدها وزوجها بطوق النجاة ، وتضع للداء الدواء ، وتنقذ الأسرة بأكملها من البلاء والشقاء , نزلت الأيات لزوجين أرادا الإصلاح فوفق الله بينهما ، وتلك طبيعة المنهج الإسلامي الحكيم ؛ الذي يسعى في كل تشريعاته وأحكامه إلى الحفاظ على تلك المؤسسة العظيمة من الانهيار . ولا ينفض يديه منها ويدعها تنهار ، فتتحول المودة والرحمة بين الزوجين الحبيبين – بفضل تدخلات شياطين الإنس والجان وتشريعاتهم الباطلة - إلى ميدان صراع وحرب بين خصمين لدودين ، وعدوين شرسين ، يبذل كل منهما أقصى جهده ليحطم رأس الآخر ، فتنفصم عقدة النكاح ، وتنهار مؤسسة الأسرة على رؤوس من فيها من الكبار والصغار ، وهذا ما يسعى إليه أعداء الإسلام .
وهكذا نرى - في حادثة الظهار - مدى الجدية والخطورة في نظرة الإسلام إلى المرأة وقضاياها وعلاقات الزوجين ومؤسسة الأسرة ، وما يتصل بها من الروابط الاجتماعية . . ونرى مدى اهتمام المنهج الإسلامي بتنظيم هذا الجانب الخطير من الحياة الإنسانية . ونطلع على نموذج من الجهد الذي بذله هذا المنهج القرأني العظيم ، وهو يأخذ بيد الأمة المسلمة - التي التقطها من سفح الجاهلية - في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة على هدى الله . الذي لا هدى سواه . .
إن مؤسسة الأسرة عزيزة في الإسلام ؛ بقدر خطورتها في بناء المجتمع ، وفي إمداده باللبنات الجديدة ، اللازمة لنموه ورقية وامتداده ، فينظر إليها الإسلام بوصفها سكنا وأمنا وسلاما ، وينظر إلى العلاقة بين الزوجين بوصفها مودة ورحمة وأنسا ، ويرافق تلك المؤسسة في كل مراحلها وأطوارها وأحوالها ، ويحفظها بتشريعاته العظيمة التي تضمن لها البقاء والاستمرار بسلام وأمان ، حتى ولو كان هناك فراق فيكون بإحسان .
إن مؤسسة الأسرة التي هي من صنع الله لا تفتح مغاليق أبوابها إلا بمفاتيح من صنع الله ، ولا تعالج أمراضها إلا بالدواء الذي يخرج من يد الله ، وقد جعل – سبحانه – في شريعته مفاتيح كل مغلق ، وحل كل مشكل ، ودواء لكل داء ، فاتركوا – يا أعداء المرأة المسلمة والأسرة المسلمة - الصنعة لصانعها ، ودعوا الأسرة لبارئها ، يدفعها برفق من هنا ، ويردعها برحمة من هناك ، ويقومها حين تميل ، ولكنه لا يكسرها ولا يحطمها ، إنه يصبر عليها صبر العالم البصير بالغاية المرسومة .
إنه لا صلاح للأسرة المسلمة ولا أمان ، ولا سلامة لها ولا طمأنينة ولا استقرار ، ولا رفعة ولابركة ولا طهارة ، ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة إلا برجوعها إلى الله ، والتزامها بشريعة الله لا غيرها ، والتحاكم إليه في جميع شئونها ، وفي شريعة الله بأحكامها التفصيلية ، ومبادثها العامة الكلية ، ما يكفي لقيادة تلك المؤسسة إلى بر الأمان .
فلا تدعوها – يا شياطين الإنس - حقل تجارب لعبثكم ، ولا تحيلوها مجتلد تعارك وتطاحن بين عدوين لدودين شرسين ، كانا بالأمس – قبل تطفلكم عليهما ونفث سمومكم بينهما - زوجين حبيبين ، وصاحبين متآلفين . . . . . . .
.