20/08/2026
تفاعلاً مع المقالة المهمة التي سطّرها معالي د. عبدالعزيز الخضيري، وزير الإعلام الأسبق، ودقّ فيها ناقوس الخطر حيال الانحدار المخيف في معدل مواليد السعوديين.. أضع بين أيديكم مقالتي الجديدة بعنوان:
*الغرفةُ التي كانت تسعُنا*
بقلم: عبدالعزيز قاسم
إعلامي وكاتبٌ صحفي
(..........)
كانت غرفةٌ واحدةٌ تؤدي مهامَّ دولةٍ صغيرة: مجلسُ ضيافةٍ، وصالةُ طعامٍ، وغرفةُ معيشةٍ، وغرفةُ نومٍ، وربما ملعبًا ومحكمةً للمشاجراتِ العابرة. أما الوالدُ والوالدةُ فلهما غرفةٌ صغيرةٌ أخرى.
*في جيلي: لم نملكْ غرفًا؛ مَلَكنا بعضَنا، وكانت تلك الغرفةُ كرَحِمِ البيتِ، لا تكفي لكنها تحتضن*.
كانت القوانينُ يومَها لا تقبلُ الاستئناف. ما إنْ يُرفعَ أذانُ المغربِ في حارتنا الشعبيةِ حتى نهرعَ إلى المسجد، ونتزاحمَ — بعدها — عند بابِ البيتِ للدخول: لا أحدَ خارجَ البيتِ ألبتةَ، والويلُ لمن يتأخر.
لم تكن التربيةُ يومَها ملفًّا نفسيًّا، ولا خطةً تربويةً منمَّقةً؛ كانت حياةً تمشي على قدميها: أبٌ حاضرٌ، وأمٌّ ساهرةٌ، ومسجدٌ قريبٌ، وحارةٌ تعرفُ أبناءها، وجيرانٌ لهم حقُّ الملاحظةِ والتأديب، وربما التطفلِ المحمود..
قالت أمي لنا، وهي تستعيدُ ذلك الزمن:
*«كان المسكنُ ضيقًا، لكنَّ أُنسي كان في أن أراكم جميعًا بين يديّ»*.(............)
ثم وقعتْ عيني على مقالةٍ رصينةٍ لمعالي الدكتور عبدالعزيز الخضيري، بعنوان: «رسالةٌ من المستقبل: حين يشيخُ الوطنُ بصمت» نشرها في صحيفةِ مكةَ الإلكترونية؛ يقرعُ فيها ناقوسًا لا يصحُّ أن يمرَّ عابرًا: تراجُعُ المواليدِ في المملكةِ من أكثرَ من أربعين ولادةً لكلِّ ألفِ نسمةٍ قبل أربعةِ عقودٍ إلى نحوِ ستَّ عشرةَ ولادةً فقط عام 2023.
والدكتورُ الخضيري قلمٌ أحببتُه منذ كنا زميلين — ككاتبَيْ رأيٍ — في صحيفةِ «الوطن»؛ عميقُ الفكرة، واضحُ التحليل، محترفُ التناول.
*كان مقالُه الآنِفُ يقرأُ المنحنى من أعلى*.
*أما أنا، فكنتُ أقرؤه من غرفةِ أمي.*
ذلك أن الرقمَ لا يسكنُ الجداولَ وحدَها؛ يسكنُ أيضًا في البيوتِ الواسعةِ التي خفتتْ فيها الأصوات، وفي غرفِ الجداتِ التي تنتظرُ الأحفادَ ولا يأتي إلا صوتُهم عبر الهاتف.
(......)
وابني الثالثُ المهندسُ فراس، الذي أفنى أعوامًا في دراسته وعمله؛ زواجُه بعد أسبوعين، وقد استقلَّ في الضفةِ الشرقيةِ البعيدة. يفرحُني ذلك، ويؤلمُني على نحوٍ لا أستطيعُ شرحَه كاملًا. فهو ليس استثناءً، بل صورةٌ لابنٍ سعوديٍّ جديد: يتزوجُ بعد أن يكدَّ في دراسته الجامعية، ويبحثَ عن وظيفةٍ بعدها، في مدينةٍ ليست مدينةَ طفولته، ويبدأَ بيتَه بعيدًا عن الجدةِ والخالةِ والحارة.
لا عيبَ في ذلك، ولا لومَ عليه ولا على جيله؛ فالوظيفةُ تعيدُ توزيعَ العائلةِ على الخريطة، والمدنُ الحديثةُ تمنحُ الإنسانَ استقلالَه، لكنها تسلبُه شيئًا من ظَهرِه الاجتماعيِّ القديم.
والحمدُ لله أن الابنَ طالبني بالزواجِ مبكرًا، عكسَ معظمِ جيله، الذي باتَ معدلُ زواجهم في الثلاثين من أعمارهم. وحين يتأخرُ الزواجُ إلى ما بعد الثلاثين، لا يتأخرُ الفرحُ وحدَه؛ تتأخرُ معه سنواتُ الإنجاب. فإذا جاء الطفلُ الأولُ بعد منتصفِ الثلاثين، صار الثاني حسابًا، والثالثُ ترددًا، والرابعُ خبرًا يصلحُ أن يُروى في المجلسِ على سبيلِ الندرة. ثم نسألُ ببراءةٍ: لماذا انخفضتِ المواليد؟
ليست هذه حكايةً سعوديةً خالصة. اليابانُ سبقتْنا إلى هذا الطريق، وها هي تُغلقُ مدارسَ لأن الأطفالَ لم يعودوا يملؤون الصفوف. وكوريا الجنوبيةُ دفعتْ مليارات طويلةً في حوافزِ الإنجاب، ثم بقي معدلُ الخصوبةِ فيها دونَ الواحد، في رقمٍ يكادُ يشبهُ إنذارًا حضاريًّا لا إحصاءً سكانيًّا.
وأوروبا العجوزُ تكشفُ لنا المشهدَ النهائيَّ: قرًى هادئةٌ أكثرَ مما ينبغي، ومتقاعدون أكثرُ من الداخلين إلى سوقِ العمل، وأنظمةُ رعايةٍ تصعدُ عليها أعباءُ العمرِ ولا تصعدُ معها أقدامُ الأطفال.
*لا موتَ أقسى من مدنٍ تمتلئُ بالمتقاعدين وتخلو من ضجيجِ الصغار*.
عودوا لمقالةِ الدكتور الخضيري لتعرفوا أثرَ انخفاضِ معدلِ الإنجابِ بالأرقام. ولذلك، فالحلُّ لا يجوزُ أن يكون خطبةً عاطفيةً تقولُ للناس: أنجِبوا. ولا يجوزُ أن يكون بكاءً على حارةٍ قديمةٍ لن تعودَ كما كانت، وربما لا ينبغي أن تعودَ بكلِّ ما فيها.
إن كان الخطرُ بنيويًّا، فالعلاجُ يجبُ أن يكون بنيويًّا. وإن كانت الأسرةُ الحديثةُ تُتركُ وحدَها أمامَ الطفل، فالدولةُ والسوقُ والمدينةُ والثقافةُ مطالَبةٌ بأن تضعَ كتفَها معها.
هنا يحضرُ درسُ المجر، لا بوصفها معجزةً، بل بوصفها تنبيهًا. المجرُ رفعتْ إنفاقَها على الأسرةِ إلى مستوياتٍ عاليةٍ قياسًا بالناتجِ المحلي، وتوسّعتْ في الإعفاءاتِ والقروضِ والدعمِ الضريبيِّ والسكني؛ فارتفع معدلُ الخصوبةِ من قاعِه قبل أكثرَ من عقدٍ إلى نحوِ المتوسطِ الأوروبي، ثم بقي دونَ مستوى الإحلال، بل عرف تراجعًا لاحقًا.
وهذا درسٌ مزدوج: المالُ وحدَه لا يصنعُ الطفل، لكنه يخفّفُ الخوفَ من الطفل. والسياسةُ وحدَها لا تُنجب، لكنها تجعلُ الإنجابَ أقلَّ وحشة.
*المالُ لا يصنعُ الطفلَ؛ لكنه يخفّفُ الخوفَ منه*.
(.........)
أعودُ إلى أمي. إلى مصحفها الكبير، ويدها التي أقبّلها، وبيتها الواسعِ الذي لا ينقصُه شيءٌ سوى ذلك الزحامِ القديمِ الذي كان يُرهقُها ويؤنسُها في آن. أفكرُ في غرفتنا بالطائف، وفي شقةِ فراسٍ القادمةِ في الشرق، وفي الرقمِ الذي كتبه الدكتور الخضيري. بين غرفةٍ ضاقتْ بنا فوسعتْنا، وبيوتٍ اتسعتْ علينا حتى فرّقتْنا، تقفُ حكايةُ وطنٍ بأكمله.
*صدقوني: ليست الكارثةُ أن تقلَّ مواليدُنا؛ الكارثةُ أن تكبرَ بيوتُنا فلا تسمعَ خُطاهم*.
---------------------