11/08/2026
في رحيل الأخت لولو... بقلم الأخت فادية كعدي، مسؤولة الإرشاد في فرع سن الفيل.
لولو
ًا
وَصَلَتْ فَجْأَةً امْرَأَةٌ نَحِيلَةٌ إِلَى مَرْكَزِ عَمَلِي الطِّبِّيِّ الِاجْتِمَاعِيِّ، سَائِلَةً عَنْ إِمْكَانِيَّةِ إِجْرَاءِ فُحُوصٍ طِبِّيَّةٍ، وَمِنْ سُؤَالِهَا الْبَسِيطِ، انْسَكَبَتْ عَلَيَّ بَرَكَاتٌ وَدُرُوسٌ، مِنْ طَبِيبِ النُّفُوسِ وَالْأَجْسَادِ...
انْفَعَلْتُ حِينَهَا قَائِلَةً: "هَيدِي لُولُو"، وَأَسْرَعْتُ نَحْوَهَا وَالْخَوْفُ يَسْبِقُنِي لِشِدَّةِ هَزَالَتِهَا...
سَانَدْتُهَا... تَحَاوَرْنَا... أَعْطَتْنِي دَوْرَهَا فِي إِجْرَاءِ التَّحْقِيقِ وَالْبَحْثِ...
عَرَفْتُهَا كَالْعَدِيدِ مِمَّنْ عَرَفُوهَا، مِنْ خِلَالِ أَبْحَاثِهَا وَمُقَابَلَاتِهَا وَكِتَابَاتِهَا...
كُنْتُ أَكْتَفِي بِتَحِيَّةِ سَلَامٍ، وَدَرْدَشَةٍ قَلِيلَةٍ فِي اللِّقَاءَاتِ الْكَنَسِيَّةِ الْعَامَّةِ، حَيْثُ نَلْتَقِي مَعًا،
وَلَكِنْ أَرَادَتِ الْمَشِيئَةُ الْإِلَهِيَّةُ، أَنْ نُمْضِيَ مَعًا مَسِيرَةَ جِهَادٍ، حَتَّى اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ... حَيْثُ انْطَفَأَ نُورُهَا بِصَمْتٍ بَلِيغٍ، وَأَشْرَقَ نُورُ فَجْرٍ جَدِيدٍ فِي رِحْلَتِهَا،
لِتَقِفَ الْيَوْمَ أَمَامَ الدَّيَّانِ الْعَادِلِ، حتّى تُجْرِيَ فُحُوصَهَا الْأَخِيرَةَ.
لَمْ تَكُنْ شَخْصًا عَادِيًّا... عَابِرًا، مُرَافَقَتُهَا فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهَا، كَانَتْ مَدْرَسَةً لِي.
عَلَّمَتْنِي الْإِصْرَارَ وَالتَّحَمُّلَ فِي الْخِدْمَةِ، بِصَمْتِهَا وَعَطَائِهَا.
عَلَّمَتْنِي التَّدْقِيقَ وَالْجِدِّيَّةَ فِي الصَّلَاةِ، بِحَزْمِهَا وَتَسْلِيمِهَا.
عَلَّمَتْنِي الِاتِّكَالَ الْكُلِّيَّ عَلَى اللهِ، وَالتَّخَلِّيَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْحَيَاةِ، بِسِيرَتِهَا وَغُفْرَانِهَا.
رَحَلَتْ لُولُو، لَكِنَّ "النُّورَ" الَّذِي أَشْعَلَتْهُ، سَيَبْقَى مُنِيرًا قُلُوبَنَا،
فَقَدْ لَمَسْتُ خَلْفَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ وَالْأَبْحَاثِ، عَالِمَةً تَعْرِفُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ وَالتَّارِيخَ الْكَنَسِيَّ بِمُعْظَمِ أَبْوَابِهِ...
وَخَلْفَ تِلْكَ الْقَسَاوَةِ الظَّاهِرَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاقِفِ، قَلْبًا يَعْصِرُهُ الْحُبُّ وَالصَّبْرُ... وَنَفْسًا مُصَلِّيَةً، مُتَخَفِّيَةً وَرَاءَ تَمْتَمَاتِهَا،
وَخَلْفَ بَسَمَاتِهَا الْخَجُولَةِ، هَمَسَاتِ شُكْرٍ وَدُعَاءٍ، لِكُلِّ مَنِ اتَّصَلَ بِهَا أَوْ زَارَهَا أَوِ افْتَقَدَهَا بِصَلَاتِهِ.
وَخَلْفَ انْفِعَالِهَا عِنْدَ أَيِّ خَطَأٍ لُغَوِيٍّ، امْرَأَةً ضَلِيعَةً فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، يَنْبَغِي لَنَا التَّدْقِيقُ فِيهَا، عَلَى خُطَى شَيْخِنَا الْجَلِيلِ الْمِطْرَانِ خَضْرَ.
قَابَلَتْنِي خَلْفَ صَرَامَتِهَا الْعَفَوِيَّةِ غَالِبًا، طِفْلَةً احْتَمَلَتِ الظُّلْمَ وَالْإِجْحَافَ، وَالِاتِّهَامَاتِ الْبَاطِلَةَ، مُسَلِّمَةً ذَاتَهَا بِالْكُلِّيَّةِ، لِلْكَلِمَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْبِشَارَةِ.
اعْتَمَدَتْ إِخْفَاءَ مَشَاعِرِهَا وَأَوْجَاعِهَا خَلْفَ الْمِزَاحِ وَالنُّكْتَةِ.
ولطالما شَعَرْتُ أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ، خَلْفَ تِلْكَ الْعَيْنَيْنِ الْمُغْمَضَتَيْنِ، بِحِوَارِها الخَفِيِّ مَعَ سَيِّدِهَا وَقِدِّيسِيهِ، عَلَى غِرَارِ الْمَغْبُوطِ الذِّكْرِ الْأَبِ اليَاسَ مَرْقُصَ.
عَلَى فِرَاشِ الْمَرَضِ،
+ لَمْ تَقْبَلْ كَسْرَ حَرْفٍ أَوْ خَطَأً فِي التَّشْكِيلِ فِي تلاوةِ صَلَاتِنَا. تَبْدَأُ الصَّلَاةَ بِهَمْسٍ، فَأَخَالُهَا نَائِمَةً، فَإذ بها تَسْتَيْقِظُ فَجْأَةً لِتُقَوِّمَ زَلَّةَ لِسَانِي، فَأُصَحِّحُ وَأُكْمِلُ.
+ كانت دِقَّتُهَا مُخِيفَةً، في مُرَاقَبَتِهَا لِكُلِّ فَاصِلَةٍ تَجْرِي حَوْلَهَا، لِتُعِدَّ التَّقَارِيرَ الْوَاجِبَةَ فِي ذِهْنِهَا، فتَتَظَاهَرُ بِالتَّجَاهُلِ أَحيانًا وتَسكُتُ.
+ لَطَالَمَا حَاوَلَتْ التَّعْبِيرَ عَنْ إِصْرَارِهَا عَلَى الْكِتَابَةِ وَالْأَرْشَفَةِ، قَنَاعَةً مِنْهَا بِإِكْمَالِ مَسِيرَتِهَا النَّهْضَوِيَّةِ الَّتِي أَمْضَتْ حَيَاتَهَا تُتَرْجِمُهَا،
وَلِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ، أَمْسَكْتُهَا قَلَمًا وَوَرَقَةً، فَكَتَبَتْ شِبْهَ كَلِمَاتٍ عَنْ كَنِيسَةِ الْقِدِّيسِ جَاوَرْجِيُوسَ فِي إِزْرَعَ – حَوْرَانَ، الْقِدِّيسِ الَّذِي لَطَالَمَا أَظْهَرَتْ عَلَاقَتَهَا الْعَمِيقَةَ بِهِ...
تِلْكَ الْبَاحِثَةُ وَالْمُحَرِّرَةُ فِي حَقْلِ اللهِ، وَالْخَبِيرَةُ فِي التَّمَثُّلِ بِحُبِّهِ وَغُفْرَانِهِ، نَالَهَا مِنَ الْمَوْهِبَةِ الْإِلَهِيَّةِ، مَا مَنَحَهَا أَنْ تُحَرِّرَ وَصِيَّتَهَا بِشَجَاعَةٍ وَصُمُودٍ، قَبْلَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ رُقَادِهَا، لِتَرْحَلَ فَارِغَةَ الْيَدَيْنِ، لَا تَمْلِكُ سِوَى مَا مَلَّكَتْنَا إِيَّاهُ مِنْ مَسِيرَةٍ تَرْفَعُنَا إِلَى فَوْقَ.
فَلْيَكُنْ ذِكْرُهَا مُؤَبَّدًا.
فادية كعدي