الشيخ حسن فولي 《دروس وخطب ومقالات》

  • Home
  • Egypt
  • Minya
  • الشيخ حسن فولي 《دروس وخطب ومقالات》

الشيخ حسن فولي 《دروس وخطب ومقالات》 دروس وخطب ومقالات دينية

02/08/2026

مريض المنيا بين الإهمال والاستنزاف

لم تعد أزمة الصحة في محافظة المنيا مجرد شكوى عابرة من نقص طبيب أو تعطل جهاز أو ازدحام داخل قسم للطوارئ، بل أصبحت معاناة يومية تكشف عن خلل عميق في منظومة يفترض أن تكون الملاذ الأول للمواطن عندما يمرض، لا أن تتحول إلى بداية رحلة من القلق والإهانة والبحث عن واسطة أو مال.

فالمريض في المنيا لا يواجه المرض وحده، وإنما يواجه معه أبوابًا مغلقة، وأسرّة غير متاحة، وأجهزة معطلة، وقوائم انتظار طويلة، وإجراءات بطيئة، وأحيانًا أسلوبًا يفتقد أبسط معاني الرحمة والاهتمام.

يدخل المريض إلى بعض المستشفيات الحكومية أو الجامعية وهو يتشبث بأمل النجاة، فتبدأ أسرته في الجري بين الاستقبال والأقسام والمعامل والأشعة، بحثًا عن طبيب يكشف عليه أو سرير يستقبله أو مسؤول يتخذ قرارًا قبل أن تتدهور حالته.

وقد تمر ساعات ثمينة والمريض ينتظر، بينما يسمع أهله عبارات مثل: «لا يوجد مكان»، أو «الطبيب لم يصل»، أو «الجهاز لا يعمل»، أو «ابحثوا عن مستشفى آخر». وفي الحالات الحرجة، لا تكون هذه الساعات مجرد وقت ضائع، بل قد تكون الفارق بين الحياة والموت.

مستشفيات للعلاج أم أماكن تزيد معاناة المريض؟

من المؤلم أن يشكو المواطنون من تدني مستوى النظافة داخل بعض المستشفيات، سواء في العنابر أو دورات المياه أو أماكن الانتظار والممرات. فكيف يطمئن المريض إلى علاجه في مكان قد يفتقد النظافة والتعقيم ومكافحة العدوى؟

النظافة في المستشفى ليست مظهرًا تجميليًا، بل جزء أساسي من العلاج وسلامة المريض. والإهمال فيها قد يؤدي إلى عدوى خطيرة، خصوصًا لمرضى العمليات والعناية المركزة والأطفال وكبار السن وأصحاب المناعة الضعيفة.

كما أن المريض لا يحتاج فقط إلى دواء أو جهاز، بل يحتاج إلى متابعة حقيقية وكلمة مطمئنة وشرح واضح لحالته. ولا يجوز أن يظل أهل المريض يطاردون الأطباء أو التمريض لمعرفة ما إذا كانت حالته تحسنت أو تدهورت.

إن ترك المريض دون متابعة كافية، أو التأخر في تشخيصه وتحويله، ثم إبلاغ أسرته بأن «الحالة كانت متأخرة»، أمر يحتاج إلى مراجعة ومحاسبة، لأن السؤال الطبيعي هو: ماذا فعلت المنظومة منذ لحظة وصول المريض وحتى تدهورت حالته؟

البديل الخاص.. علاج أم استنزاف؟

عندما تُغلق أبواب المستشفيات الحكومية أمام المواطن، أو لا يجد فيها الخدمة التي يحتاجها، لا يكون أمام أسرته سوى اللجوء إلى المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة.

وهنا تبدأ أزمة أخرى؛ إذ تدخل الأسرة في دوامة من تكاليف الكشف والأشعة والتحاليل والإقامة والعناية المركزة والأدوية والمستلزمات. وقد تتضاعف الفاتورة يومًا بعد يوم، بينما لا يستطيع أهل المريض الاعتراض أو السؤال، خوفًا من توقف العلاج أو خروج المريض من المستشفى.

ليس المقصود اتهام جميع المستشفيات والمراكز الخاصة، فهناك مؤسسات تقدم خدمات محترمة، وأطباء يؤدون واجبهم بأمانة. لكن غياب الرقابة الواضحة على الأسعار، وعدم إعلان تكلفة الخدمات مسبقًا، ووجود تفاوت كبير في الفواتير، أمور تجعل بعض الأسر تشعر بأنها تتعرض للاستنزاف في أصعب لحظات حياتها.

تبيع الأسرة ذهبها، أو تقترض من الأقارب والجيران، أو توقع إيصالات أمانة، أو تعرض ممتلكاتها للبيع، فقط لتمنح مريضها فرصة أخرى للحياة.

أما من يملك المال فيستطيع الانتقال إلى مستشفى خاص أو السفر إلى محافظة أخرى، بينما يبقى الفقير أمام باب المستشفى لا يملك إلا الدعاء. وكأن لسان حال المنظومة يقول: من يملك المال يُعالج، ومن لا يملك فليس له مكان .

وهذا وضع لا يليق بدولة تجعل الحق في الصحة والعلاج حقًا لكل مواطن، لا سلعة يحصل عليها القادر ويُحرم منها الفقير.

لماذا تتقدم أسيوط والمنصورة وتتأخر المنيا؟

من حق المواطن أن يسأل: لماذا أصبحت محافظات مثل أسيوط والمنصورة مقاصد علاجية يأتي إليها المرضى من محافظات مختلفة، بينما يضطر كثير من أبناء المنيا إلى السفر خارج محافظتهم بحثًا عن العلاج؟

هل تفتقر المنيا إلى العقول والكفاءات؟ بالتأكيد لا.

فالمنيا تمتلك أطباء وأساتذة وأفراد تمريض على قدر كبير من العلم والخبرة، وبعضهم يحقق نجاحًا واضحًا عندما يعمل في مستشفيات خارج المحافظة أو يسافر إلى الخارج. وبالتالي فالمشكلة ليست في عقول أبناء المنيا، ولا في قدرتهم على النجاح، بل في الإدارة والتخطيط والإمكانات وبيئة العمل.

التقدم الطبي في أسيوط والمنصورة لم يحدث مصادفة، وإنما جاء نتيجة سنوات من الاستثمار في المستشفيات الجامعية، وإنشاء مراكز متخصصة، ودعم البحث العلمي، وتوفير التدريب المستمر، وجذب الكفاءات، وربط التعليم الطبي بالخدمة المقدمة للمريض.

أما استمرار نقص التخصصات الدقيقة والأجهزة والأسرّة في المنيا، فهو نتيجة غياب رؤية طويلة الأجل، والاعتماد على الحلول المؤقتة، وعدم وجود مشروع طبي متكامل يجعل المحافظة مركزًا علاجيًا يخدم أبناءها ومحافظات شمال الصعيد.

إذن المسألة ليست اختلافًا في العقول أو الثقافات، بل اختلاف في مستوى الإدارة والاستثمار والرقابة وتراكم الخبرات. وعندما تتوافر البيئة المناسبة لأطباء المنيا، فإنهم قادرون على بناء منظومة لا تقل كفاءة عن أي محافظة أخرى.

أين الحل؟

الحل لا يكون بطلاء واجهات المستشفيات أو تنظيم زيارات معلنة للمسؤولين، ولا بإصدار بيانات تؤكد أن «الخدمة منتظمة» بينما يعيش المواطن واقعًا مختلفًا.

الحل يبدأ بإجراء تقييم شامل وصريح لكل مستشفى حكومي وجامعي، يشمل عدد الأطباء في كل تخصص، والأجهزة الصالحة والمعطلة، وأسرّة العناية المركزة والحضّانات، ومستوى النظافة ومكافحة العدوى، ومتوسط انتظار المرضى في أقسام الطوارئ.

وتحتاج المحافظة إلى إنشاء مراكز متخصصة حقيقية في جراحات القلب والمخ والأعصاب والأورام والأطفال والكلى والحروق والإصابات الخطرة، حتى لا يضطر المريض إلى السفر عشرات أو مئات الكيلومترات وهو في حالة حرجة.

كما يجب إنشاء نظام إلكتروني موحد يربط جميع مستشفيات المحافظة، ويُظهر في اللحظة نفسها عدد الأسرّة المتاحة في العناية المركزة والحضّانات، حتى لا تظل الأسرة تجري من مستشفى إلى آخر حاملة مريضها بين الحياة والموت.

ومن الضروري تخصيص خط ساخن يعمل على مدار الساعة، يستقبل الحالات الحرجة، ويوجهها إلى المستشفى الذي تتوافر فيه الخدمة، بدلًا من ترك المواطن يبحث بنفسه عن مكان للعلاج.

كما يجب أن تتعاقد الدولة مع المستشفيات الخاصة في الحالات التي لا تتوافر لها أماكن بالمستشفيات الحكومية، على أن تتحمل الدولة التكلفة وفق أسعار محددة ورقابة صارمة، حتى لا يدفع الفقير حياته ثمنًا لعدم امتلاكه المال.

ولا بد من إلزام المستشفيات والمراكز الخاصة بإعلان أسعار الخدمات الطبية والإقامة والعناية والتحاليل والأشعة بصورة واضحة، ومنح أهل المريض تقريرًا تفصيليًا بالفاتورة، مع وجود جهة رقابية تستقبل الشكاوى وتحقق فيها بسرعة.

إصلاح العلاقة مع المريض

لا يمكن إصلاح المنظومة الصحية بالأجهزة والمباني فقط. فالمشكلة في جانب منها ثقافة تعامل تحتاج إلى تغيير.

المريض ليس رقمًا، وليس عبئًا، وليس شخصًا جاء ليعطل العاملين. إنه إنسان ضعيف جاء طالبًا للنجدة، ومن واجب الطبيب والتمريض والإدارة أن يعاملوه بكرامة ورحمة، مهما كان فقيرًا أو بسيطًا أو غير قادر على التعبير عن شكواه.

25/07/2026

*(أمي يا نبض الفؤاد )*

كنت أسمع كثيرًا عن أناسٍ ابتُليت أمهاتهم بمرضٍ شديد، فكانت أحوالهم مضطربة، وقلوبهم منفطرة، وعقولهم تائهة بين الخوف والرجاء. كنت أسمع كلماتهم، وأقرأ حزنهم، وأحاول أن أتخيل ما يشعرون به، لكنني ما كنت أعلم أن بعض الأحزان لا تُفهم بالسماع، ولا تُدرك بالوصف، وإنما يعرف حقيقتها من وقف في موضعها.

واليوم... وقعت فيما وقعوا فيه.

أصبحت أرى أمي أمام عيني وهي تضعف يومًا بعد يوم، وتسقط أمامي بعد أن كانت في عيني كالجبل الشامخ الذي لا تهزه الرياح. أراها تتعب بعدما كانت هي التي تحمل تعبنا، وأراها تحتاج إلينا بعدما عاشت عمرها كله تجعل من نفسها ملجأً لنا.

كانت أمي ـ ولا تزال ـ شمعة تحترق لتضيء لمن حولها، تعطي ولا تنتظر مقابلًا، وتتعب حتى نرتاح، وتخفي ألمها حتى لا نتألم. كم من مرة حملت همومنا ولم تخبرنا بهمومها، وكم من مرة مرضت فأخفت وجعها حتى لا تقلقنا، وكم من شيءٍ تنازلت عنه ليبقى لنا نحن كل شيء.

واليوم تبدلت الأدوار...

أقف أمامها، أراقب ضعف الجسد الذي طالما احتميت به، وأنظر إلى ملامح وجهها التي أعرفها منذ فتحت عيني على هذه الدنيا، فأشعر أن شيئًا في داخلي ينكسر كلما رأيتها تتألم ولا أملك أن أنزع عنها ألمها.

وما أقسى أن ترى من تحب يسقط أمام عينيك، فتمد إليه قلبك كله، ثم تكتشف أن القلب وحده لا يستطيع أن يرد مرضًا ولا أن يوقف ألمًا.

أشعر كل يوم وكأن أمي تقترب من نهاية الطريق أمام عيني، وأنا واقف لا أملك من أمرها شيئًا. لا أملك أن أشتري لها يومًا من العمر، ولا أن أحمل عنها وجعًا، ولا أن أقول للمرض: كفى... لقد أتعبتها وأتعبت قلوبنا معها.

وهنا يعرف الإنسان حقيقة ضعفه.

كل ما كنت أظنه قوة يتضاءل أمام لحظة أرى فيها أمي تتألم. فلا المال يملك أن يضمن الشفاء، ولا البشر يملكون أن يزيدوا في العمر لحظة، ولا الابن مهما بلغ حبه يستطيع أن يقول لأمه: سأحميك من كل شيء.

لم يبقَ لي إلا باب واحد... ولكنه الباب الذي لا يُغلق.

باب الله.

أرفع يدي إليه كلما ضاقت بي نفسي، وأقول: يا رب، هذه أمي، وأنت أرحم بها مني، وأعلم بحالها مني، وأقدر على شفائها من كل أطباء الأرض.

أدعوه وأنا أعلم أن الرب مجيب، وأن الدعاء ليس آخر ما يملكه العاجز، بل أعظم ما يملكه المؤمن. أدعوه برجاء الابن الذي لم يعد يريد من الدنيا شيئًا قدر ما يريد أن يرى أمه بخير.

يا رب، إن كان في جسد أمي ألم فلا يعلم مداه إلا أنت، وإن كان في قلبي خوف فلا يراه على حقيقته إلا أنت.

اللهم لا ترني فيها ما أخشاه، ومدَّ في عمرها على طاعتك وعافيتك، وألبسها لباس الصحة، وخفف عنها كل وجع، واجعل ما أصابها رفعةً لها وتكفيرًا عنها، وأقرَّ عيني برؤيتها واقفةً من جديد كما عرفتها دائمًا.

يا رب، لقد كانت لنا طوال عمرها مأوى ورحمة وسندًا، فكن لها في ضعفها، وارحم عجزها، وأحطها بلطفك الذي لا نراه ولكننا نؤمن به.

أما أنا، فسأظل واقفًا عند بابك أدعو...

حتى وإن عجز لساني عن الكلام، سيبقى قلبي يقول:

يا رب... إنها أمي.

23/07/2026

المستشفى مكانٌ للرحمة... فلا تزيدوا وجع الناس وجعًا

حين يدخل الإنسان إلى المستشفى، فإنه لا يأتي في نزهة، وإنما يأتي حاملًا خوفه على أب أو أم أو زوجة أو ابن، وقد أثقله القلق وأرهقه الانتظار؛ ولذلك فإن أقل ما يحتاج إليه هو أن يجد مع العلاج شيئًا من الرحمة وحسن المعاملة.

ونحن ندرك تمامًا أن للمستشفى نظامًا يجب احترامه، وأن أفراد الأمن عليهم مسؤولية كبيرة في ضبط الدخول والخروج ومنع التكدس والفوضى، وهذا أمر لا نعترض عليه، بل نراه ضروريًا.

لكن ضبط النظام لا يعني سوء معاملة الناس، والحزم لا يعني القسوة أو الإهانة.

فمن المؤلم أن يُقابل أهل المريض بالصوت المرتفع أو الأسلوب الجاف أو الكلمات القاسية، وهم في لحظة قد تكون من أصعب لحظات حياتهم. من يقف أمام فرد الأمن ليس مجرد شخص يريد الدخول؛ ربما يكون أبًا يخشى على ابنه، أو ابنًا ينتظر خبرًا عن أمه، أو زوجًا لا يعلم ماذا ينتظره خلف باب المستشفى.

طبّقوا التعليمات، ولكن باحترام.امنعوا الدخول عند الضرورة، ولكن بكلمة طيبة.حافظوا على النظام، ولكن لا تجرحوا كرامة الناس.

والرسالة هنا لا تخص أفراد الأمن وحدهم، بل تشمل كل من يتعامل مع المرضى وذويهم من العاملين بالمستشفى؛ لأن المريض وأهله يكفيهم ما هم فيه من ألم وقلق، فلا ينبغي أن نضيف إليهما سوء المعاملة.

ومن هنا نرجو من إدارة المستشفى والمسؤولين التدخل الجاد، ومتابعة أسلوب تعامل أفراد الأمن والعاملين مع المواطنين، ووضع ضوابط واضحة تضمن حسن المعاملة، مع محاسبة من يتعمد الإساءة أو تتكرر منه التجاوزات.

فنحن لا نطالب بإلغاء النظام، وإنما نطالب بأن يُطبق بإنسانية واحترام.

وتذكروا دائمًا أن الأدوار قد تتبدل، وقد يأتي يوم يقف فيه أحدنا أمام باب مستشفى ينتظر خبرًا عن أحب الناس إليه؛ وحينها لن يطلب امتيازًا ولا مخالفة للنظام، وإنما سيبحث عن كلمة طيبة وقلب يقدّر ما يمر به.

المستشفى مكان لعلاج الأجساد، فلا تجعلوه مكانًا لكسر الخواطر؛ واضبطوا الأبواب كما شئتم، ولكن لا تغلقوا أبواب الرحمة في وجوه الناس.

11/07/2026

Enjoy the videos and music you love, upload original content, and share it all with friends, family, and the world on YouTube.

10/07/2026

أول ليلة في القبر..

ما أقسى أن يأتي المساء، وأنت تعلم أن إنسانًا كنت تأنس بوجوده، وتطمئن بكلامه، قد واراه الثرى، ولم يعد بيننا إلا الدعاء والذكريات.

في تمام الساعة الخامسة والنصف من عصر يوم الجمعة الموافق ١٠/ ٧/ ٢٠٢٦م، رحلت حماتي إلى رحمة الله، لكنها في قلبي لم تكن مجرد حماة، بل كانت أمي التي لم تلدني. والله ما شعرت يومًا أنني غريب عنها، بل كنت واحدًا من أبنائها، تعاملني بمحبة صادقة، واحتواء صادق، حتى أصبحت أشعر أنني ابنها الرابع.

واليوم... هذه أول ليلة لها في قبرها، ولا أدري أي الكلمات يمكن أن تفيها حقها، أو تصف طيبة قلبها، وبساطة روحها، وعذوبة لسانها. كانت صاحبة خلق كريم، لا تعرف الإساءة إلى أحد، تستقبل الجميع بابتسامتها، وتداوي القلوب بكلماتها الهادئة، وكان حضورها يبعث في النفس راحة لا تُنسى.

وما أشد وجعي حين أدرك أنني لن أجلس معها مرة أخرى، ولن أسمع صوتها، ولن أرى تلك الابتسامة التي كانت تستقبلني بها كلما دخلت عليها. ما زلت إلى هذه اللحظة لا أصدق أنها رحلت، وكأن النفس ترفض الاعتراف بالفراق، لكن هذا هو قضاء الله الذي لا مرد له.

لقد تركت أثرًا طيبًا في كل من عرفها، ورحلت بجسدها، وبقيت أخلاقها وسيرتها العطرة شاهدةً لها، وما أجمل أن يرحل الإنسان وتبقى القلوب تذكره بالخير، وتلهج الألسنة بالدعاء له.

اللهم إنها في أول ليلة من ليالي قبرها، فأنزل عليها من رحمتك ما يطمئن وحشتها، وآنس وحدتها، وافتح لها بابًا من أبواب الجنة، واجعل قبرها نورًا وسعةً ونعيمًا، واغسلها بالماء والثلج والبرد، ونقِّها من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، واجمعنا بها في جنات النعيم غير خزايا ولا مفتونين.

رحمكِ الله رحمةً واسعة يا أمي الثانية، وجزاكِ عنَّا كل خير، فلن ننساكِ ما حيينا، وسيبقى الدعاء لكِ أوفى ما نقدمه بعد رحيلك.

10/07/2026

إذا مات الضمير في المستشفى... فمن يُحيي الأمل في قلوب المرضى؟

ليست المستشفيات مباني من الأسمنت والحديد، وإنما هي بيوت للرحمة، وملاذ لكل مريض أنهكه الألم، وأمل لكل أسرة تعلقت قلوبها بالله ثم بمن جعله الله سببًا في العلاج. يدخلها الإنسان وهو يحمل آخر ما بقي له من رجاء، منتظرًا كلمة طيبة، أو يدًا حانية، أو طبيبًا يطمئنه، أو ممرضًا يخفف عنه ألمه.

لكن ما أقسى أن يتحول هذا المكان، في بعض الأحيان، إلى محطة يزداد فيها المريض ألمًا فوق ألمه، ويذوق فيها أهله مرارة العجز قبل مرارة المرض.

إن أخطر ما يصيب القطاع الصحي ليس نقص الأجهزة، ولا قلة الإمكانات، وإنما موت الضمير. فإذا مات الضمير، أصبح المريض مجرد رقم في ملف، وسرير في غرفة، وحالة تنتظر دورها، بينما أنينه يملأ المكان ولا يجد من يلتفت إليه.

كم من مريض ظل ينادي الطبيب فلا يأتيه أحد!

وكم من مريض احتاج إلى ممرض فلم يجد إلا التأخير والتسويف!

وكم من أسرة وقفت تستغيث لإنقاذ قريبها، بينما الدقائق تمر، والعمر يذوب، والروح تقترب من بارئها، ولا تجد إلا عبارة: "انتظروا"... حتى يكون الانتظار قد انتهى بخروج الروح.

إن هذه المشاهد المؤلمة يرويها كثير من المواطنين، وتتكرر الشكاوى بشأنها، خاصة في عدد من المستشفيات الحكومية، ومنها مستشفيات بمحافظة المنيا، وهو ما يستوجب وقفة جادة من الجهات المعنية للتحقق من أسبابها ومعالجتها، حفاظًا على حق المرضى في رعاية صحية كريمة.

وليس المقصود بهذا الحديث اتهام كل طبيب أو كل ممرض، فوالله إن فيهم رجالًا ونساءً يبيتون الليالي لإنقاذ الأرواح، ويؤثرون مرضاهم على راحتهم، وهؤلاء يستحقون كل تقدير واحترام. لكن الحديث عن فئة قليلة إذا أهملت أفسدت صورة المهنة كلها، وأوجعت قلوب الناس، وأفقدتهم الثقة في المكان الذي يفترض أن يكون مصدرًا للأمان.

ولا يقف الألم عند الطبيب أو الممرض، بل يمتد أحيانًا إلى بعض أفراد الأمن داخل المستشفيات. فقد جاءوا لتنظيم الدخول وحفظ النظام، لكن بعضهم – وليس جميعهم – ينسى أن من يقف أمامه ليس خصمًا ولا متعديًا، وإنما أب أو أم أو ابن أو زوج يعيش أصعب لحظات عمره.

ترى أبًا يبكي على ابنه، وأمًا ترتجف خوفًا على فلذة كبدها، وأخًا لا يعرف هل سيخرج أخوه حيًا أم يحمل نعشه، ثم يجدون من يقابلهم بغلظة في الكلام، أو قسوة في المعاملة، أو صراخ لا يليق بإنسان كُسر قلبه قبل أن يقف على باب المستشفى.

أيها الأخ الكريم... لو تبدلت الأدوار، وكان المريض هو ابنك، أو أمك، أو زوجتك، أو والدك، أما كنت ستتمنى أن تجد من يرفق بك؟ أما كنت ستدعو لمن ابتسم في وجهك، وسهل لك الطريق، واحتوى خوفك بدل أن يزيده؟

إن الكلمة الطيبة لا تكلف شيئًا، والابتسامة لا تُنقص هيبة أحد، والرحمة لا تعطل النظام، بل تزيده احترامًا.

لقد قال رسول الله ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ».

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.

فيا أيها الطبيب... تذكر أن شهادتك لن تنفعك يوم القيامة إذا ضاع بسبب إهمالك حق مريض كان ينتظر منك دقائق.

ويا أيها الممرض... تذكر أن حقنة تؤخرها، أو جهازًا تهمل متابعته، أو نداءً تتجاهله، قد يكون الفارق بين حياة إنسان وموته.

ويا أيها المسؤول... اعلم أن مراقبة الأداء ليست ترفًا إداريًا، بل هي حماية لأرواح الناس وصيانة لكرامتهم.

ويا أيها القائم على أمن المستشفى... تذكر أن مهمتك تنظيم المكان، لا كسر قلوب الناس. فالمريض وأهله لا يحتاجون إلى صوت مرتفع، وإنما يحتاجون إلى كلمة رحيمة، وإرشاد كريم، وتعامل يليق بإنسانيتهم.

إننا لا نكتب هذه الكلمات لنهاجم أحدًا، ولا لننتقص من أصحاب المهن الشريفة، وإنما نكتبها لأن حياة الإنسان أغلى من أن تضيع بسبب إهمال، أو تكاسل، أو قسوة كان يمكن تجنبها.

فلنجعل المستشفيات بيوتًا للرحمة كما أرادها الله، ولنعلم جميعًا أن الوظائف تنتهي، والمناصب تزول، ويبقى في صحائف الأعمال مريض دعا لك لأنك رحمت ضعفه، أو آخر شكاك إلى الله لأنك تجاهلت ألمه.

فليتق الله كل من يعمل في هذا الميدان العظيم، فإن أنين المريض ليس صوتًا عابرًا، ودموع أهله ليست مشهدًا عاديًا، وإنما هي أمانة سيسأل الله عنها كل من قصّر أو أهمل أو قسا، يوم لا ينفع منصب، ولا جاه، ولا شهادة، وإنما ينفع قلب رحيم وعمل صالح.

10/07/2026

توفيت الآن حماتي وهي امي من بعد امي وإنا لله وإنا إليه راجعون

21/06/2026

(قدوات فاسدة)

في زمنٍ اختلطت فيه الموازين، وتبدلت فيه المفاهيم، أصبح كثير من الشباب والفتيات يبحثون عن قدواتهم في غير موضع القدوة، فاتجهت الأنظار إلى الفنانين والفنانات، والمغنين والمغنيات، وأصحاب الشهرة والأضواء، حتى صار بعضهم عند فئات من الناس رمزًا يُحتذى، ونموذجًا يُقتدى به في اللباس والكلام والمظهر والسلوك.

ومن المؤسف أن كثيرًا من هؤلاء لا يحملون رسالة نافعة، ولا يقدمون للأمة علمًا أو خلقًا أو إصلاحًا، وإنما اشتهروا بالغناء أو التمثيل أو استعراض الحياة الخاصة، ومع ذلك يتابع أخبارهم الملايين، ويتسابق الشباب إلى تقليد قصات شعورهم، وأزيائهم، وطريقة حديثهم، بل وربما تبنى بعضهم أفكارهم وسلوكياتهم دون تفكير.

إن القدوة لها أثر عظيم في تشكيل شخصية الإنسان؛ ولذلك أمرنا الله تعالى بالاقتداء بالأنبياء والصالحين، فقال سبحانه: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. وكانت قدوة المسلمين الأولى هي رسول الله ﷺ الذي قال الله فيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.

فكيف يُترك الاقتداء بأهل العلم والصلاح والدعوة والإصلاح، ويُستبدل بهم من اشتهروا بالغناء والتمثيل واللهو؟ وكيف يصبح من أفنى عمره في خدمة دينه وأمته مجهولًا عند كثير من الناس، بينما تُحفظ أسماء الممثلين والمغنين وتُتابع أخبارهم لحظة بلحظة؟

إن من أخطر آثار هذه القدوات الفاسدة أنها تُضعف الارتباط بالدين والقيم، وتزرع الإعجاب بالمظاهر الفارغة، وتجعل النجاح مرتبطًا بالشهرة لا بالعلم والعمل والخلق. ومع مرور الزمن قد يفقد الشاب أو الفتاة هويتهما، فيسيران خلف كل موضة جديدة وكل سلوك دخيل دون تمييز بين الحق والباطل.

فليتأمل كل شاب وفتاة: من هو قدوتي؟ ومن أسير خلفه؟ وهل هذا الشخص يقربني من الله أم يبعدني عنه؟ وهل سأندم يوم القيامة على اتباعه أم أفرح بصحبته؟

إن الأمة لا تنهض بالمغنين والممثلين، وإنما تنهض بالأنبياء في دعوتهم، والعلماء في علمهم، والمصلحين في أعمالهم، وأصحاب الأخلاق في سلوكهم. فاحرص على اختيار قدوتك بعناية، فإنك يومًا ما ستكون على طريق من اقتديت به وسرت خلفه .

17/06/2026

*وقفات تربوية من هجرة النبي ﷺ:*
تُعَدُّ هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة من أعظم الأحداث في تاريخ الإسلام، إذ لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى مكان، بل كانت تحولًا كبيرًا في مسيرة الدعوة الإسلامية، انتقل فيه المسلمون من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة ونشر الدين.

وقد خرج النبي ﷺ من أحب البلاد إلى قلبه، تاركًا وطنه وأهله امتثالًا لأمر الله تعالى، بعد أن اشتد أذى المشركين له ولأصحابه. وأثناء الهجرة أظهر النبي ﷺ أعظم صور التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب؛ فاختار الرفيق الصالح، وهيأ الطريق، واستأجر الدليل الخبير، واختبأ في غار ثور ثلاثة أيام حتى تهدأ المطاردة.

قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: 40].

وقفات تربوية من الهجرة:

1- التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب فالنبي ﷺ وهو أكمل الناس توكلًا لم يترك التخطيط والإعداد، بل جمع بين الثقة بالله وبذل الجهد.

2- الصاحب الصالح نعمة عظيمة اختار النبي ﷺ أبا بكر الصديق رضي الله عنه رفيقًا في الهجرة، فكانت الصحبة الصالحة عونًا على الثبات وتحمل المشاق.

3- التضحية من أجل الدين ترك النبي ﷺ وطنه وأمواله وأحب الأماكن إليه ابتغاء مرضاة الله، وفي ذلك درس في تقديم الدين على حظوظ النفس.

4- الفرج يأتي بعد الشدة اشتدت المحنة على المسلمين في مكة، ثم جعل الله بعد ذلك النصر والتمكين في المدينة.

5- الثقة بوعد الله حين قال أبو بكر رضي الله عنه: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، قال النبي ﷺ: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، فكانت كلمات تبعث اليقين والثبات في أحلك الظروف.

خاتمة:
إن الهجرة النبوية مدرسة تربوية متكاملة تعلمنا الصبر والثبات والتخطيط والتوكل على الله، وتؤكد أن النصر والتمكين لا يأتيان إلا بعد صدق الإيمان وبذل الأسباب، وأن مع العسر يسرًا، ومع الكرب فرجًا، ومع الصبر نصرًا من الله تعالى.

13/06/2026

من أروع الخطب التي تسمعها في تحليل بعض المواقف التي فعلها النبي صلى...

Address

المنيا
Minya

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when الشيخ حسن فولي 《دروس وخطب ومقالات》 posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share