02/08/2026
مريض المنيا بين الإهمال والاستنزاف
لم تعد أزمة الصحة في محافظة المنيا مجرد شكوى عابرة من نقص طبيب أو تعطل جهاز أو ازدحام داخل قسم للطوارئ، بل أصبحت معاناة يومية تكشف عن خلل عميق في منظومة يفترض أن تكون الملاذ الأول للمواطن عندما يمرض، لا أن تتحول إلى بداية رحلة من القلق والإهانة والبحث عن واسطة أو مال.
فالمريض في المنيا لا يواجه المرض وحده، وإنما يواجه معه أبوابًا مغلقة، وأسرّة غير متاحة، وأجهزة معطلة، وقوائم انتظار طويلة، وإجراءات بطيئة، وأحيانًا أسلوبًا يفتقد أبسط معاني الرحمة والاهتمام.
يدخل المريض إلى بعض المستشفيات الحكومية أو الجامعية وهو يتشبث بأمل النجاة، فتبدأ أسرته في الجري بين الاستقبال والأقسام والمعامل والأشعة، بحثًا عن طبيب يكشف عليه أو سرير يستقبله أو مسؤول يتخذ قرارًا قبل أن تتدهور حالته.
وقد تمر ساعات ثمينة والمريض ينتظر، بينما يسمع أهله عبارات مثل: «لا يوجد مكان»، أو «الطبيب لم يصل»، أو «الجهاز لا يعمل»، أو «ابحثوا عن مستشفى آخر». وفي الحالات الحرجة، لا تكون هذه الساعات مجرد وقت ضائع، بل قد تكون الفارق بين الحياة والموت.
مستشفيات للعلاج أم أماكن تزيد معاناة المريض؟
من المؤلم أن يشكو المواطنون من تدني مستوى النظافة داخل بعض المستشفيات، سواء في العنابر أو دورات المياه أو أماكن الانتظار والممرات. فكيف يطمئن المريض إلى علاجه في مكان قد يفتقد النظافة والتعقيم ومكافحة العدوى؟
النظافة في المستشفى ليست مظهرًا تجميليًا، بل جزء أساسي من العلاج وسلامة المريض. والإهمال فيها قد يؤدي إلى عدوى خطيرة، خصوصًا لمرضى العمليات والعناية المركزة والأطفال وكبار السن وأصحاب المناعة الضعيفة.
كما أن المريض لا يحتاج فقط إلى دواء أو جهاز، بل يحتاج إلى متابعة حقيقية وكلمة مطمئنة وشرح واضح لحالته. ولا يجوز أن يظل أهل المريض يطاردون الأطباء أو التمريض لمعرفة ما إذا كانت حالته تحسنت أو تدهورت.
إن ترك المريض دون متابعة كافية، أو التأخر في تشخيصه وتحويله، ثم إبلاغ أسرته بأن «الحالة كانت متأخرة»، أمر يحتاج إلى مراجعة ومحاسبة، لأن السؤال الطبيعي هو: ماذا فعلت المنظومة منذ لحظة وصول المريض وحتى تدهورت حالته؟
البديل الخاص.. علاج أم استنزاف؟
عندما تُغلق أبواب المستشفيات الحكومية أمام المواطن، أو لا يجد فيها الخدمة التي يحتاجها، لا يكون أمام أسرته سوى اللجوء إلى المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة.
وهنا تبدأ أزمة أخرى؛ إذ تدخل الأسرة في دوامة من تكاليف الكشف والأشعة والتحاليل والإقامة والعناية المركزة والأدوية والمستلزمات. وقد تتضاعف الفاتورة يومًا بعد يوم، بينما لا يستطيع أهل المريض الاعتراض أو السؤال، خوفًا من توقف العلاج أو خروج المريض من المستشفى.
ليس المقصود اتهام جميع المستشفيات والمراكز الخاصة، فهناك مؤسسات تقدم خدمات محترمة، وأطباء يؤدون واجبهم بأمانة. لكن غياب الرقابة الواضحة على الأسعار، وعدم إعلان تكلفة الخدمات مسبقًا، ووجود تفاوت كبير في الفواتير، أمور تجعل بعض الأسر تشعر بأنها تتعرض للاستنزاف في أصعب لحظات حياتها.
تبيع الأسرة ذهبها، أو تقترض من الأقارب والجيران، أو توقع إيصالات أمانة، أو تعرض ممتلكاتها للبيع، فقط لتمنح مريضها فرصة أخرى للحياة.
أما من يملك المال فيستطيع الانتقال إلى مستشفى خاص أو السفر إلى محافظة أخرى، بينما يبقى الفقير أمام باب المستشفى لا يملك إلا الدعاء. وكأن لسان حال المنظومة يقول: من يملك المال يُعالج، ومن لا يملك فليس له مكان .
وهذا وضع لا يليق بدولة تجعل الحق في الصحة والعلاج حقًا لكل مواطن، لا سلعة يحصل عليها القادر ويُحرم منها الفقير.
لماذا تتقدم أسيوط والمنصورة وتتأخر المنيا؟
من حق المواطن أن يسأل: لماذا أصبحت محافظات مثل أسيوط والمنصورة مقاصد علاجية يأتي إليها المرضى من محافظات مختلفة، بينما يضطر كثير من أبناء المنيا إلى السفر خارج محافظتهم بحثًا عن العلاج؟
هل تفتقر المنيا إلى العقول والكفاءات؟ بالتأكيد لا.
فالمنيا تمتلك أطباء وأساتذة وأفراد تمريض على قدر كبير من العلم والخبرة، وبعضهم يحقق نجاحًا واضحًا عندما يعمل في مستشفيات خارج المحافظة أو يسافر إلى الخارج. وبالتالي فالمشكلة ليست في عقول أبناء المنيا، ولا في قدرتهم على النجاح، بل في الإدارة والتخطيط والإمكانات وبيئة العمل.
التقدم الطبي في أسيوط والمنصورة لم يحدث مصادفة، وإنما جاء نتيجة سنوات من الاستثمار في المستشفيات الجامعية، وإنشاء مراكز متخصصة، ودعم البحث العلمي، وتوفير التدريب المستمر، وجذب الكفاءات، وربط التعليم الطبي بالخدمة المقدمة للمريض.
أما استمرار نقص التخصصات الدقيقة والأجهزة والأسرّة في المنيا، فهو نتيجة غياب رؤية طويلة الأجل، والاعتماد على الحلول المؤقتة، وعدم وجود مشروع طبي متكامل يجعل المحافظة مركزًا علاجيًا يخدم أبناءها ومحافظات شمال الصعيد.
إذن المسألة ليست اختلافًا في العقول أو الثقافات، بل اختلاف في مستوى الإدارة والاستثمار والرقابة وتراكم الخبرات. وعندما تتوافر البيئة المناسبة لأطباء المنيا، فإنهم قادرون على بناء منظومة لا تقل كفاءة عن أي محافظة أخرى.
أين الحل؟
الحل لا يكون بطلاء واجهات المستشفيات أو تنظيم زيارات معلنة للمسؤولين، ولا بإصدار بيانات تؤكد أن «الخدمة منتظمة» بينما يعيش المواطن واقعًا مختلفًا.
الحل يبدأ بإجراء تقييم شامل وصريح لكل مستشفى حكومي وجامعي، يشمل عدد الأطباء في كل تخصص، والأجهزة الصالحة والمعطلة، وأسرّة العناية المركزة والحضّانات، ومستوى النظافة ومكافحة العدوى، ومتوسط انتظار المرضى في أقسام الطوارئ.
وتحتاج المحافظة إلى إنشاء مراكز متخصصة حقيقية في جراحات القلب والمخ والأعصاب والأورام والأطفال والكلى والحروق والإصابات الخطرة، حتى لا يضطر المريض إلى السفر عشرات أو مئات الكيلومترات وهو في حالة حرجة.
كما يجب إنشاء نظام إلكتروني موحد يربط جميع مستشفيات المحافظة، ويُظهر في اللحظة نفسها عدد الأسرّة المتاحة في العناية المركزة والحضّانات، حتى لا تظل الأسرة تجري من مستشفى إلى آخر حاملة مريضها بين الحياة والموت.
ومن الضروري تخصيص خط ساخن يعمل على مدار الساعة، يستقبل الحالات الحرجة، ويوجهها إلى المستشفى الذي تتوافر فيه الخدمة، بدلًا من ترك المواطن يبحث بنفسه عن مكان للعلاج.
كما يجب أن تتعاقد الدولة مع المستشفيات الخاصة في الحالات التي لا تتوافر لها أماكن بالمستشفيات الحكومية، على أن تتحمل الدولة التكلفة وفق أسعار محددة ورقابة صارمة، حتى لا يدفع الفقير حياته ثمنًا لعدم امتلاكه المال.
ولا بد من إلزام المستشفيات والمراكز الخاصة بإعلان أسعار الخدمات الطبية والإقامة والعناية والتحاليل والأشعة بصورة واضحة، ومنح أهل المريض تقريرًا تفصيليًا بالفاتورة، مع وجود جهة رقابية تستقبل الشكاوى وتحقق فيها بسرعة.
إصلاح العلاقة مع المريض
لا يمكن إصلاح المنظومة الصحية بالأجهزة والمباني فقط. فالمشكلة في جانب منها ثقافة تعامل تحتاج إلى تغيير.
المريض ليس رقمًا، وليس عبئًا، وليس شخصًا جاء ليعطل العاملين. إنه إنسان ضعيف جاء طالبًا للنجدة، ومن واجب الطبيب والتمريض والإدارة أن يعاملوه بكرامة ورحمة، مهما كان فقيرًا أو بسيطًا أو غير قادر على التعبير عن شكواه.